اقلام واراء محلي 174
في هذا الملف:
متى يصبح "الطائف" خياراً ممكناً لحل الأزمة السورية؟
بقلم:عريب الرنتاوي عن جريدة القدس
القدس في انتظار الفعل...
بقلم:أسامة عبد الرحمن عن جريدة القدس
فرار الرئيس...!
بقلم: ميشيل كيلو عن جريدة القدس
عملية إرهابية لكنها ذات أبعاد سياسية هامة
بقلم: طلال عوكل عن جريدة الأيام
دردشة.. هكذا
بقلم:حسن البطل عن جريدة الأيام
سيناء: ضرورة تعديل المنظومة الأمنية كلياً
بقلم: خالد الحروب عن جريدة الأيام
حادث رفح وضعف الاستجابة الفلسطينية
بقلم: د. عاطف أبو سيف عن جريدة الأيام
ثمار الفتوى العمياء
بقلم: غسان زقطان عن جريدة الأيام
حياتنا - انقلاب أبيض
بقلم:حافظ البرغوثي عن الحياة الجديدة
مدارات - عن "التقعيد" الخائب
بقلم:عدلي صادق عن جريدة الحياة
نبض الحياة - شكل جديد من التمييز العنصري
بقلم:عادل عبد الرحمن عن الحياة الجديدة
آخر الكلام - واحد اسمه محمود
بقلم:أحمد دحبور عن جريدة الحياة
إنه الجشع.. ليس فقط قضاء وقدر سيدي الرئيس.. !
بقلم علام صبيحات عن معا
غزة كأنها الابنة غير الشرعية للتاريخ....!
بقلم: أكرم عطا الله عن معا
دفاعا عن الفلسطينيين..
بقلم: عبدالحليم قنديل عن سما الإخبارية
هجوم رفح والارتباك الفلسطيني..
بقلم:مصطفى ابراهيم عن سما الإخبارية
متى يصبح "الطائف" خياراً ممكناً لحل الأزمة السورية؟
بقلم:عريب الرنتاوي عن جريدة القدس
لا المنتصر في الحروب الأهلية المعاصرة قادرٌ على توظيف انتصاره والاستئثار بقطف ثماره، ولا المهزوم سينتهي إلى "قارعة الجغرافيا والتاريخ"...ما يعني أن لا منتصر ومهزوم في هذه الحروب...وأحياناً قد لا تقل "هزيمة المنتصر" قسوة عن "هزيمة المهزوم"....حدث هذا في البلقان وأفريقيا وبعض أطراف آسيا.
سوريا في حرب أهلية، بعض المنظمات الدولية أعلنت "رسمياً" عن ذلك (طبعاً من دون احتفال أو قص شريط)...والحرب الأهلية بهذا المعنى، لا تنتهي بسقوط حاكم فرد، هي شيء آخر غير الانتفاضة/ الثورة ضد طاغوت أو ديكتاتور...هي حرب الجميع ضد الجميع، تبدأ باشتباكات متقطعة تحت وابل من "القصف السياسي" وتمر بترسيم حدود الطوائف بعد عمليات الترانسفير المدفوعة بتأثير "القتل على الهوية".
الأقليات لا تنتصر في الحروب الأهلية، وكذا الأغلبية التي وإن بدت في "لبوس المنتصر" الذي لا يشق له غبار، لن تستطيع أن تحكم وحدها أو تستأثر لنفسها بكعكة الثروة السلطة....الكوسوفيين كانوا في وضع المهزوم وانتهوا إلى دولة مستقلة، أكراد العراق لم يظفروا بكيان شبه مستقل إلا كواحدة من نتائج حرب أهلية فيما الغالبية الشيعية تواجه مشكلة حقيقة في ابتلاع كعكة العراق وسلطته، وكذا الحال في مناطق عديدة من العالم.
لبنان ينهض شاهداً حياً على استحالة الظفر بانتصار غير ملتبس في الحرب الأهلية...كم مرة تبادلت طوائفه المختلفة مواقع المهزوم والمنتصر؟...كم مرة تبدلت التحالفات الإقليمية والدولية لكل منها؟...لا غالب ولا مغلوب، عبارة أطلقها صائب سلام قبل عشرات السنين، ما زالت صالحة لوصف مآلات الحروب الأهلية في الأزمنة الراهنة ونتائجها...وهي العبارة التي تلخص جوهر خطاب حسن نصر الله قبل أيام في لبنان والذي قال فيه أننا لا نستطيع أن نحكم لبنان حتى وإن امتلكنا القدرة العسكرية لتحقيق ذلك، مستطرداً: نحن أيضا لا نريد ذلك ولا نرغب فيه.
وفي سوريا قد يحتفي النظام بانتصاره في المعارك المحتدمة في حلب ودمشق وحمص ودير الزور وحماة وغيرها...لكنه مهزوم لا محالة....هو لن يبقى في مكانه، وإن بقيت أجنحة منه، فلن تحكم وحدها، ستجد نفسها مضطرة للخضوع لقواعد اللعبة المتغيرة...هذه حقيقة حتمية أدركها النظام وحلفاؤه، حتى أن بعضهم بدأ يعد نفسه لتلك اللحظة، كما لو أنها واقعة غداً، مع أنها ليست كذلك، فحرب سوريا الأهلية طويلة الأمد على ما يُرجّح.
وفي المقابل، تبدو المعارضة في وضع أصعب وأبعد من إطلاق صيحات النصر...فالنظام ما زال يقاتل، بل ويلحق بها خسائر فادحة، برغم تشققاته وانشقاقاته الأخيرة...وثمة خط دفاع ثانٍ تحدث عنه الملك، قد تلجأ إليه السلطة في سوريا: دويلة الساحل والجبل، وإن حصل ذلك فإن الأزمة ستدخل في طورٍ جديد من الصراعات والحروب، وهذه بدورها ستأخذ أشكالاً جديدة، وستتغير التحالفات والحلفاء، وستتوالى التداعيات والإنعكاسات على دول الجوار.
ماذا يعني أن يرحل الأسد عن السلطة ويظل القتال "السنّي – العلوي" محتدماً، وتظل عمليات القتل والقتل المضاد، وتتصاعد عمليات التطهير والترانسفير؟...ماذا يعني أن يبقى الأسد على رأس السلطة، فيما غالبية السوريين السنّة على أقل تقدير، تفصلهم عنه، أنهار من الدماء المهدورة في مدن الثورة التي لم تبق مدينة لم تلتحق بها؟...هذا لا يعني شيئاً أبداً، سوى أن الحرب ستبقى مستمرة، بأشكال وصور ووتائر وتحالفات متغيرة.
وحين تصل الأطراف المقتتلة محلياً وداعموها الإقليميين إلى قناعة بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، عندها ستلوح في الأفق إرهاصات تسوية...اللبنانيون احتاجوا 15 سنة من الحرب الأهلية و150 ألف قتيل، حتى اقتنعوا بأنه لا بد من "الطائف" وإن طال السفر....حروب البلقان قدمت نماذج أخرى على الإنهاك المفضي للتسوية...عندما تصبح تصبح كلفة إدامة الحرب أعلى من كلفة الإستئثار بـ"السلطة" تصبح التسوية ممكنة، بل وضرورية، وتتهاوى الشروط والشروط المضادة تباعاً، الواحد تلو الآخر، ويصبح ممكناً اليوم، ما كان مستحيلاً بالأمس، وتبدأ من تلك اللحظة "المساعي الحميدة" والمصارحات والمصالحات والتسويات في شتى الاتجاهات.
حتى الآن لم تصل سوريا إلى ضفاف وضع كهذا...النظام ما زال على "غيّه"، يحسب أن المزيد من القوة كفيل بإنجاز ما لم ينجر بالقليل منها...والمعارضة تتغذى بأوهام بعض داعميها وأجنداتهم التي تحث على الحسم وتستعجله، لكأه قاب قوسين أو أدنى...ألم يمض على حكاية "أيامه معدودة" التركية/ الأمريكية/ الخليجية، عامٌ ونصف العام...لقد مضى 18 شهراً والنظام ما زال يعد أيامه الأخيرة، فيما عدّاد الخسائر يسجل يومياً مائة قتيل أو يزيد.
لا نعرف حتى الآن، متى سيقتنع النظام بأنه لن ينتصر، ومتى ستتوصل المعارضة إلى قناعة بأن الحوار أيضاً هو جزء من عملية التغيير، وأن قوة المعارضة وبأسها كفيلان بضمان عدم عودة عقارب الساعة للوراء، وأن سقوط عشرين ألف ضحية، لن يكون سوى "دفعة أولى" في حسابٍ دامٍ وثقيل، إن قُدّر لهذه الحرب أن تتواصل بلا نهاية.
ربما تفتح معركة حلب الباب لسيناريو إنهاك الأطراف وتهالكها....ربما يقنع النظام أن "أمنه" بات خرقة بالية، لا يستطيع التدثّر بها...ربما تقنع المعارضة، بأن "إنسحاباتها التكتيكية المتكررة" من المدن والأحياء التي تضطر لإخلائها، ستستمر وتتوالى...ربما يصل الفريقان إلى القناعة بأن كلفة الحرب أعلى من عوائد السلطة ... عندها نأمل أن تكون الأطراف الإقليمية والدولية قد نضجت كفاية لإنجاز اتفاق "طائف" سوري، يخرس المدافع ويعيد الاعتبار لصوت العقل والحوار والمنطق والحكمة.
القدس في انتظار الفعل...
بقلم:أسامة عبد الرحمن عن جريدة القدس
منذ أن احتلت اسرائيل، القدس وهي تمارس كل أشكال التهويد، من خلال الإقصاء وهدم المنازل والتطاول على المقدسات والحفريات والاقتحام والاستباحة. ولا يقابل ذلك تحرك فعلي فلسطيني وعربي يتجاوز لغة الشجب والتنديد والاستنكار، وهذا ما يجعلها تستمرئ هذه الاستباحة للقدس والمقدسات، وتستمر في سياسة التهويد سعياً إلى ترسيخ واحدة من أهم مفردات مشروعها، المتمثل في القدس، كعاصمة لها.
وقد اتخذت قراراً في تشرين الأول 2010 يعدّ القدس منطقة أفضلية قومية أولى، بمعنى تقديم حوافز للاستيطان فيها وهو ما يعزز سياسة التهويد التي تنتهجها منذ احتلالها القدس . كما اتخذا قراراً في تشرين الثاني 2010 يعدّ القدس عاصمة للشعب اليهودي وليس مجرد عاصمة لكيانها، بمعنى استباحة القدس، ومنحها ليهود الداخل والخارج، وترسيخ مشروعها العنصري . ولم يقابل ذلك تحرك عربي، وفق أطر فعالة، لكبح هذه الاستباحة ولجم الانتهاك الصارخ للحقوق الفلسطينية والعربية، وكذلك القانون الدولي . وتأتي عادة ردود الفعل العربية في أطر الشجب والتنديد والاستنكار .
صحيح أن هناك بعض الحراك على المستوى الشعبي، يتمثل في عقد مؤتمرات أو ندوات، عن القدس، ولكن محصلتها لا تخرج عن إطارها النظري والمعنوي . ومن الإنصاف الإشارة إلى أن هذا الحراك وإن لم يكن في إمكانه اتخاذ فعل على صعيد الواقع، يمنع الاستباحة الاسرائيلية للقدس والمقدسات، فإنه يجعل القدس حاضرة في الوجدان العربي، وفي الضمير العربي وفي الذاكرة العربية . ولكن القضية تحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير .
ومع أن هناك لجنة للقدس، وصندوقاً للقدس، فإنه لا تبدو على صعيد الواقع محصلة ملموسة للجنة أو الصندوق، ولا يلمس المقدسيون لهما حضوراً فعلياً، ولا تجد القدس لهما أثراً بيّناً، وتبدو المسألة وكأنها محاولة من النظام الرسمي العربي لإبراء الذمة . وتظل القدس تواجه الاستباحة يومياً، ويظل المقدسيون، عرضة للإقصاء وانتهاك الحقوق بوتيرة يومية أيضاً.
وعلى الصعيد الرسمي، هناك بعض الندوات والمؤتمرات التي عقدت عن القدس، وربما كان بإمكان النظام الرسمي العربي، القيام بدور أكثر فاعلية من خلال أجهزته ومؤسساته وأدواته السياسية والقانونية لوقف استباحة القدس وانتهاك حقوق المقدسيين . ولكن ذلك لم يتم بالطريقة المأمولة وبقيت القدس نهباً للاستباحة، والمقدسيون عرضة لانتهاك الحقوق .
وقد برزت مؤخراً فكرة تشكيل لجنة دولية للتحقيق في انتهاكات الجانب الاسرائيلي، على صعيد القدس، وكذلك أخذ القضية إلى مجلس الأمن . وأبدى الرئيس محمود عباس تبنيه للفكرة، ومعروف أن أخذ القضية إلى مجلس الأمن محكوم عليه سلفاً بالإخفاق، فالقوى الغربية، تستنفر كل وسائلها السياسية وتلقي بكل ثقلها للنأي باسرائيل، عن أي مساءلة أو ملاحقة أو إدانة . ولا ريب أنها ستقف بالمرصاد، ضد فكرة تشكيل لجنة تحقيق دولية، للتحقيق في انتهاكات اسرائيل، على صعيد القدس ومقدساتها .
ولعل المواقف الغربية ضد اجماع في مجلس الأمن، يدين الاستيطان، وكذلك مواقفها ضد مشروع عضوية الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، والضغط على بعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن، لإفشال المسعى الفلسطيني، هو أيضاً ليس ببعيد وما زال حاضراً في الذاكرة الفلسطينية والعربية .
إن قضية القدس، واحدة من بين قضايا تواجه نفس المأزق، رغم أنها قضايا تسندها قرارات أممية، ويسندها القانون الدولي، ومنها قضية حدود1967 وقضية اللاجئين وحق العودة، يضاف إلى ذلك وضع الأسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية .
وإذا كان المأزق معروفاً، فإنه لا جدوى من الذهاب إلى مجلس الأمن، طالما أن القوى الغربية حاضرة بكل ثقلها السياسي وغير السياسي، ووسائلها السياسية، وغير السياسية، للنأي باسرائيل، عن أي مساءلة، أو ملاحقة، أو إدانة .
وفي الوقت ذاته، إفشال أي مسعى لإحقاق حق فلسطيني مشروع، تدعمه قرارات أممية، كما يدعمه القانون الدولي .
ولعل إحداث أي اختراق في هذا المأزق، لا يمكن أن يتم إلا بضغط عربي حقيقي، من خلال بعض أوراق القوة التي تمتلكها بعض أطراف النظام الرسمي العربي، سواء من خلال صداقتها التقليدية مع القوى الغربية أو من خلال العلاقة المصلحية التي تربطها بها . وبالطبع، فإن ذلك لا يمكن أن يتم إلا إذا كانت القضية الفلسطينية، بكل أبعادها، حاضرة في الضمير الرسمي العربي، وبالتالي حاضرة في ميزان المصالح، ولها ثقلها .
أفلا تستحق القضية الفلسطينية بكل أبعادها، أن تكون كذلك وهي التي يعدها النظام الرسمي العربي، قضية العرب الأولى؟
فرار الرئيس...!
بقلم: ميشيل كيلو عن جريدة القدس
انتشرت في سوريا نكتة تقول إن الرئيس بشار الأسد انشق عن نظامه. ونشرت الصحافة رسما كاريكاتيريا يظهر الرئيس وهو ينشطر إلى نصفين، مع تعليق يقول: «الرئيس ينشق».
كانت النكتة تعليقا على انشقاق رئيس وزراء سوريا الدكتور رياض حجاب، الذي أوحى لمن «نكتوا» أنه لم يبق هناك إلا انشقاق الرئيس، كي تستكمل سلسلة الانشقاقات التي بدأت بعد نشوب الانتفاضة الشعبية مباشرة، واستمرت عبر انسلاخ ملايين المواطنين عن النظام، وصولا إلى كبار الضباط والساسة المقربين من الرئاسة، الذين يعتبرون جزءا من نواة النظام الصلبة: الجهة التي تعيد إنتاج النظام، وتضمن انسجامه، وتنسق عمل أطرافه وأجهزته وتكفل توزيع الأرزاق على منتسبيها، كل حسب مكانته ودوره.
بانشقاق رئيس الوزراء رياض حجاب، تصدّع ركنان رئيسيان من أركان النظام الشمولي السوري هما: نظام الموالاة ونظام السيطرة.
1) أما نظام الموالاة، فهو يستند إلى وجود قائد يجلس على قمة هرم السلطة لا يجوز لأحد منها الخروج على قراراته أو مخالفته الرأي تحت أي ظرف، بما أن قوة السلطة والنظام تقوم على وقوفهما متحدين وراءه في السراء والضراء، مع ما يتطلبه الولاء له كرمز للنظام من تعظيم شخصه وتأليهه. يلزم نظام الولاء أهل السلطة أينما كان موقعهم منها، من الحاجب إلى نائب الرئيس، فلا تسامح مع أي شخص أو أي جهة لا يلتزم أي منهما بمبدأ الولاء، الذي هو إسمنت للنظام يربط أجزاءه بعضها ببعض، ويساعده على خوض معارك واجتياز أزمات يمكن أن يتصدع إن واجهها منقسما على نفسه أو متساهلا مع الاختلاف بين مكوناته.
لا عجب أن عايش السوريون واقعا سياسيا كان الحاجب يتحدث فيه لغة الوزير، وكان هذا يتصرف كالحاجب حيال كل كبيرة وصغيرة، فمبدأ الولاء يتطلب الامتثال الأعمى لما يصدر عن فوق ويحتم تنفيذه دون نقاش أو اعتراض، لذلك كان أهل السلطة يبدون لمن يتابع مواقفهم ككتلة متراصة لا سبيل للنفاذ إليها.
2) نظام السيطرة، وهو الوجه الآخر لنظام الموالاة، الذي يقوم على الضبط والرقابة الصارمة والدائمة، استكمالا لنظام الموالاة الذي يقوم على الخضوع الطوعي والرضوخ الاختياري. لئن كانت الموالاة تعيد إنتاج ما تريده قمة الهرم في جسدية النظام السياسية والتنظيمية، فإن نظام السيطرة يتكفل ببقائها ناظما أي سلوك وموقف لدى من ينتمون إلى هذه الجسدية، باستخدام وسائل رادعة تنقلب إلى وسائل ملموسة عند الضرورة، تتراوح مفرداتها بين التمليح والتنبيه والتحذير وبين الاعتقال والتغييب والتعذيب والقتل.
يتكفل نظام السيطرة بفاعلية نظام الموالاة، وبجعل أي موقف يقع داخلهما كنظامين يضمنان دوام النظام العام، يؤمن تفوقهما الغلبة على أي معارضة أو اعتراض يواجهانه، فالموالاة تعني الاقتناع، والسيطرة تعني الإكراه والفرض، والموالاة حالة معنوية تنتجها مؤسسات السلطة، تتكفل وسائل زجرية وقهرية باستمرارها وبتكامل فعلها مع وظيفة الموالاة بالنسبة إلى وحدة النظام.
ما الذي حدث كي يحدث انشقاق رئيس وزراء؟ وكيف نقرأ هذا الانشقاق؟ بغض النظر عن أن النظام يستطيع دوما إيجاد بدائل لمن ينشقون، بسبب ضخامة أجهزة السلطة، فإن انشقاقا على هذا المستوى يشير إلى تصدع نظامي الموالاة والسيطرة، وبالتالي إلى عطل أصاب قدرة رأس السلطة على إعادة إنتاجها عبر ضمان فاعلية هذين النظامين وقبولهما من مكونات السلطة دون قيد أو شرط، علما بأن استمرارها يتوقف عليهما.
وبما أن الانشقاقات لم تعد تقتصر على مراتب دنيا في النظام لها تماس مباشر مع قطاعات شعبية واسعة تمارس عليها تأثيرا يدفع بها إلى الانشقاق، الصامت أو المعلن، عن نظام الموالاة، فإن وقوعها بحد ذاته يعد خطيرا بكل المعاني، بعد أن طالت أشخاصا من دائرة القيادة العليا، في ظاهرة تحدث لأول مرة في سوريا، منذ انشق حافظ الأسد عن حزبه وانقلب عليه عام 1970.
ما هي دلالات الانشقاقات كظاهرة؟ وأين تكمن خطورتها؟ هذا السؤال مهم لأن الجواب عليه يفسر حدثا غير مسبوق، تأخر وقوعه سياسيا وعسكريا، مما جعل خبراء في الشأن السوري يتوقعون بقاء السلطة متماسكة، ويصرون على مقارنة ما يحدث في سوريا بما حدث في تونس ومصر، حيث أسهم العسكر في انتصار الثورة هناك، بينما هم يخمدونها هنا، ويستنتجون أن السلطة ستبقى موحدة على الرغم من فرار قرابة مائة ألف جندي وصف ضابط وضابط من أجهزتها العسكرية والأمنية، وتشكيلهم جيشا مقابلا لجيش النظام هو الجيش السوري الحر، الذي يعتبر دليلا على وجود طريق سوري خاص إلى الحرية يختلف عن طريق تونس ومصر، لا يصح تطبيق معاييرهما عليه لأن له معايير خاصة أنتجتها حرب النظام السوري ضد شعبه.
لماذا ينشق الناس اليوم ولم يكونوا ينشقون من قبل على الرغم من دور النظام في لبنان وقتاله ضد منظمة التحرير ومساعدته إيران ضد العراق وتخليه عن الجولان؟ أعتقد أن السبب يرجع إلى أن سياسات النظام، القائمة على تدمير سوريا وقتل شعبها، تضع لأول مرة مسؤوليه أمام حالة ترغمهم على الاختيار بين الولاء له والولاء للوطن، بما أن سياساته تحدث خارج أي وطنية.
في الماضي، كانت سياسات السلطة تعادل الوطنية السورية، أما اليوم، فهي تعني القضاء على سوريا وطنا ودولة ومجتمعا. لذلك، لم يعد هناك أي مسوغ يبرر استمرار نظام الموالاة لقيادة تدمر بلادها، وصار أي حزبي مخيرا بين الولاء للنظام والقبول بتدمير الوطن، أو الولاء للوطن والخروج من النظام.
بما أن أغلبية شعبية وحزبية رأت بالأمس في النظام تعبيرا عن الوطنية وترى فيه اليوم نقيضها، فإنها تنشق عنه وتخرج على نظام الموالاة، يشجعها على ذلك تهالك نظام السيطرة تحت ضربات الشعب، الذي يبدع وطنية جديدة يقبلها السوريون، ركيزتها الحرية والعدالة والمساواة: تلك القيم التي أدى قضاء النظام عليها إلى جعله عدوا لوطنه، وجعل مناصرين سابقين له لا يجدون لهم مكانا داخله، وأجبرهم على القفز من سفينته مع ما يؤدي إليه ذلك من تسريع انهياره، وهو الذي بدأ يتفكك من تحت، وشرع يتصدع بوتيرة متصاعدة من فوق، في سيرورة تؤكد لكل من له عينان يرى بهما أن سوريا الحرة آتية، وأن فيها مكانا لجميع بناتها وأبنائها، بمن فيهم من ينشقون عن نظام ثار عليه الشعب ولم يعد لديه من حماية غير الدبابات والطائرات، لكنه يتهاوى تحت ضربات يتلقاها من داخله أيضا، يسددها إليه رؤساء وزرائه وجنرالاته وجنوده وضباطه وقطاعات واسعة من مواطنيه، الصامدون منذ عام ونصف العام في وجه آلته الحربية، دون أن يصيبهم كلل أو ملل، حتى صار نضالهم أسطوريا، بما قدموه من شهداء وتعرضوا له من عنف وقتل!
عملية إرهابية لكنها ذات أبعاد سياسية هامة
بقلم: طلال عوكل عن جريدة الأيام
من غير الممكن الآن تقييم نتائج وتداعيات العملية الإرهابية بامتياز، التي وقعت على مثلث الحدود المصرية- الإسرائيلية مع قطاع غزة، يوم الأحد الماضي، فهذه من نوع العمليات غير المعقدة فنياً ولوجستياً، لكنها تنطوي على تعقيدات وتداعيات شديدة الحساسية في ميدان السياسة، وصراعات الحكم في مصر، وقطاع غزة.
ومن الواضح أن العقاب الأول الذي اتخذه الرئيس محمد مرسي بحق قطاع غزة، قد أثر على نحو ملموس في حياة الناس، إذ عدا عن توقف الحركة من خلال المعبر والأنفاق، التي تشكل أزمة حقيقية لعشرات الآلاف، فإنه أدى أيضاً إلى ارتفاع أسعار الكثير من المواد التي تدخل إلى القطاع عبر الأنفاق، وبشكل أساسي المحروقات والسجائر.
مصيبة قوم عند قوم فوائد، فالشعب الفلسطيني في قطاع غزة هو كالعادة الذي يدفع الثمن وهذه المرة أيضاً لحساب التجار الكبار، الذين نشأوا وترعرعوا بعد الانقسام وبالاستفادة منه، ولحساب السياسة التي تدير القطاع.
عملية التنفيس المحدودة التي جرت سواء من خلال إعادة تشغيل بعض الأنفاق، أو من خلال فتح المعبر للعائدين إلى القطاع فقط، دون المغادرين، ليست هي نهاية الأمر، إذ من غير المعقول أن يتم إغلاق الأنفاق كمحرك للتجارة، بدون استبدالها بتجارة مرسمة من فوق الأرض وباتفاق يجري البحث فيه منذ بعض الوقت، والحال أيضاً يسري على معبر رفح، الذي من المتوقع أن يشهد تحسينات في شروط حركة المسافرين، ليس أقلها بناء لاتفاق سابق بفتحه يومياً من التاسعة صباحاً إلى التاسعة مساءً.
كنا نعتقد أن منح القطاع مثل هذه الامتيازات المتوقعة، سيتم من خلال المصالحة، لكن يبدو أن هذا الأمر مختلف، وهو يشكل اختباراً لمصداقية الرئيس مرسي الذي كرر في تصريحاته التزام مصر بتحقيق المصالحة، وأن مصر تقف على مسافة واحدة من كل الأطراف الفلسطينية.
الرئيس مرسي يملك بالإضافة إلى ما تملكه مصر، من مكانة لدى الفلسطينيين، يملك ورقة هامة يمكن في حال استثمارها على نحو حقيقي وصادق، أن تشكل مخرجاً لإتمام المصالحة، ونقصد بذلك ورقة المعبر وتجارة الأنفاق، لكن قبل الحكم على أداء الرئاسة المصرية إزاء ملف المصالحة علينا أن نتريث قليلاً.
قد يكون مناسباً وجيداً على المستوى المعيشي لسكان قطاع غزة، أن يتم فتح معبر رفح على مدار الساعة، وأن يجري توسيع قنوات التجارة وبشكل رسمي بين مصر والقطاع، لكن السؤال هو أين ستصبح القضية الفلسطينية والأهداف، في حال وقع ذلك بدون أن تتم المصالحة الفلسطينية، وبالتالي ما هو الثمن الذي على الفلسطينيين أن يدفعوه، وما هو حجم ونوع الحصاد الإسرائيلي جراء اندفاع القطاع نحو الاعتماد على مصر أكثر فأكثر، واستمرار الانقسام الفلسطيني ومفاعيله وتداعياته؟
ليس هذا فقط، بل إن المواطن المصري البسيط والعفوي لا يميز بين غضبه على سكان قطاع غزة، أو على فئة سياسية بعينها، وبين غضبه على فلسطين والفلسطينيين، وفي الواقع فإن العملية الإرهابية التي وقعت في سيناء مؤخراً، قد شكلت عامل تحريض ضد الفلسطينيين، وساهم في ذلك بعض وسائل الإعلام، وصناع الرأي العام من السياسيين.
على نحو آخر، يبدو أن العملية الإرهابية قد شكلت فرصة للرئيس مرسي لتأكيد وتفعيل صلاحياته ودوره، في مجابهة خصومه السياسيين وغير السياسيين، فلقد منحته فرصة المبادرة لشن هجوم عسكري أمني على ما يعتقد بأنه أوكار الإرهابيين في سيناء، ومن موقع الذي يعالج خللاً ساهم السابقون عليه من القيادات العسكرية والأمنية والسياسية في خلقه.
حتى الآن جاء رد الرئيس المصري كمقدمة وجواب أولي على وقوع العملية، بإعفاء عدد ليس قليلا من مسؤولي الأجهزة الأمنية، والإدارية، ما يتيح له استبدالهم بعناصر جديدة، ربما تكون أكثر ولاءً.
على الأقل أثبت الرئيس مرسي، أنه قادر وعازم على ممارسة صلاحياته كاملة، وأنه أبلغ الجميع بأن لا أحد يملك الحصانة للبقاء في منصبه، وأن لا رؤوس كبيرة يمكن أن تقف أمام الرئيس. وإذا كان الرئيس لم يمس حتى الآن المستوى القيادي الأول في الجيش، فإن إقدامه على تغيير وإقالة مسؤولين أمنيين كبار، يشكل بداية نهج يسعى وراء استبدال أدوات الحكم القديمة، بأدوات جديدة، مستعدة لحمل مشروعه.
وفي الواقع، فإنه ما كان للرئيس مرسي، أن يجرد هذه الحملة العسكرية والأمنية الواسعة والمستمرة، وأن يتمكن من استخدام الطيران الحربي في هذه الحملة بمعزل عن تنسيق مسبق وموافقة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة. لقد سبق لإسرائيل أن رفضت قرار طلب مصر لزيادة حجم القوات العسكرية في سيناء، لمواجهة الفلتان الأمني فيها، لكن إسرائيل كانت ترفض الطلب دائماً، إلا مرة واحدة حين وافقت على زيادة القوات بنحو سبعمائة وخمسين عسكريا وضابطا، ولم يكن لهؤلاء ومن تسمح بوجودهم اتفاقية كامب ديفيد أن يبدلوا واقع الحال في سيناء.
على أنه بالرغم من كل ما يقوم به الجيش المصري في سيناء لملاحقة الجماعات المسلحة والإرهابية، وتجار السلاح والمخدرات، إلا أنه من المشكوك فيه أن ينجح الحل الأمني في تبديل الواقع القائم جذرياً، ذلك أن تحقيق هدف السيطرة وبسط سيادة الدولة، والاستقرار في سيناء يستدعي خطة شاملة ومتكاملة وبعيدة المدى، وهو هدف دونه مصلحة إسرائيل في أن تظل سيناء ملعباً مفتوحاً لأجهزة مخابراتها، ولمخططاتها الجهنمية.
ولا يعرف أحد حتى الآن، المدى الزمني الذي تسمح به إسرائيل للسلطات المصرية، لكي تتابع حملتها في سيناء، والأرجح أن هذه الموافقة محدودة، زمنياً ولوجستياً، وأن القوات التي دخلت إلى سيناء تحت عنوان ملاحقة الإرهاب، ستعود إلى مواقعها السابقة، فليس في المخططات الإسرائيلية ما يدعو للاعتقاد بأنها مستعدة لتمكين مصر من تجاوز اتفاقية كامب ديفيد، أو النجاح في بسط سيطرة الدولة عليها.
على أن الحملة العسكرية في سيناء، من المرجح أن تستمر بالقدر الذي يعطي الرئيس مرسي الفرصة الكافية لاستنفاذ كل ما يريد تحقيقه في هذه الجولة من الصراع على الحكم، لكن دون أن يتجاوز الخطوط الحمراء التي تقف عندها المصالح والأهداف الإسرائيلية.
إذاً نحن أمام عملية إرهابية في طبيعتها واستهدافاتها، لكنها تنطوي على تداعيات وانعكاسات كبيرة وجوهرية، تتصل بوضع مصر الداخلي، وبعلاقات وأدوار القوى المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بهذه العملية، وهي مصر، وإسرائيل، وقطاع غزة، مع الأخذ في الاعتبار أن إسرائيل هي الطرف الأكثر فاعلية وقوة في معادلة العلاقات والأدوار المقبلة، أما الطرف الغائب فهو السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير.
دردشة.. هكذا
بقلم:حسن البطل عن جريدة الأيام
عيناه أكثر بريقاً من ذي قبل. القادم من تحت عباءة الموت يشعر أن النور أشد ضياء، والأكسجين أكثر وفرة في الهواء.
فجأة، قال: امسكني.. ففعلت، لأنه، قبل قليل، حكى لي كيف كان يستغيث بأقرب ممرض أو مريض في مستشفاه: "امسكني" فتحضنه من الخلف ذراعان قويتان تدعمان ذراعيه، عندما تطبقان على قفصه الصدري.
يسعل الصديق، ويبصق "نفثة" نصف سوداء من صدره. هذا هو "بلغم" راكمه في صدره 34 عاماً. والآن، يتخلص منه.
بعد أسبوعين من "عناية فائقة"، يراها مستحقها عذاباً فائقاً، حكى له أطباؤه ماذا فعلوا، وهو حكى لي: ثلاث عمليات في القلب، للشريان الأبهر، للصمام، ولعضلة القلب، التي ضغطت عليها "خثرة" دموية في حجم البيضة. أخرجوا له قلبه من قفصه الصدري، ثم أعادوه. ست ساعات لم يحسّ بشيء. أسبوعان من جحيم "العناية الفائقة".. وشهور طويلة سيحتاج الى أي واحد يقوم بإمساكه بذراعيه.. حتى "يعطس" بسلام.
تذكرت كل تلك العبارات التشكرية، التي يزجيها لك أقرب إنسان عندما تعطس. تذكرت، أيضاً، كلمات فلسفية عن غرائب فسيولوجية في تركيب هذا الجسم الانساني الفريد:
فتحتا الهواء والغذاء متقاربتان في وجه الإنسان، وبينهما ذلك الأخدود الصغير: "أخدود الموت"، لأن المخلوق يبدأ رحلة الموت من ساعة ولادته. يحتاج هواءً، يحتاج غذاءً.. يحتاج احتراقاً للهواء وللغذاء.
أيضاً، فتحتا التكاثر وطرد الفضلات متقاربتان.. وبينهما ذلك العرق "عرق الشهوة".
فتح الصديق أزرار قميصه. أثر فاضح لشق من أسفل العنق الى ما فوق السرّة بقليل، مع ثقوب جانبية.
قال لي أن أعرف ما أعرفه: هناك غضروف يصل عظام القفص الصدري. في العملية الجراحية للقلب المفتوح، أو للرئة، لا بدّ من قصّه. إنه لن يلتحم مرة ثانية تماماً، إذا كنت في منتصف العمر. يقومون بربطه. عندما تريد أن تعطس، تتذكر ماذا يقول أبوك لأمك (أو بالعكس). ربما العطاس يذكر بشهقة خروج الروح من الجسد. لذلك إذا عطست سمعت من "يتشكّر" لله.
استأذنته أن أدخن سيجارتي، فلم يمانع. لم ينصحني بشيء، لأنه سمع النصيحة، قرأها، عاشها مع موت أصدقاء له بسرطان الرئة أو بالسكتة القلبية. لم يتعظ.. إلا عندما صارت حياته في الميزان.
راح ذلك الصديق القادم من الموت الى حياة أخرى خاتمتها الموت، يحدثني عن قراراته الجديدة، عن تأملاته. قال: هل تعلم ما هو "الموت الأرحم"؟ وقال: إنه الموت جوعاً. بعد أيام وأسابيع يدخل الجسد غيبوبة، وتأخذ الروح انقشاعة ضياء تزداد رحابة.
قال: هل تعلم ما هو "الموت الأشنع". وقال: إنه الموت عطشاً الذي يلي مرحلة الجِواد (بكسر الجيم).. كثيرون من الذين شارفوا على الهلاك عطشاً تحدثوا عن الجحيم. أما الذين شارفوا على الموت جوعاً، فإن بعضهم يحتاج الى عملية تغذية.. قسرية، ربما لأنه يسافر الى الحلم، الى موت وردي، يتخلص فيه من براثن الجسد ومن قيوده.
سألته: أتسمح لي بسيجارة أخرى، فسمح على مضض. حدثته عن أندرياس القبرصي، الذي كان "يتنفس" هواء دخان أربع علب يومياً. وكيف التقيته صدفة، فلم أجد سيجارة بين أصابعه أو بين شفتيه. فتح أزرار قميصه وأراني، وقال: إن لديه رئة واحدة، بل ثلاثة أرباع الرئة الواحدة، وأما الثانية فقد استهلكتها سجائر 40 عاماً.
قبل أن أنصرف سألت صديقي: هل تحتاج الى "عطسة". قال: لا. شكراً. كلانا ضحك ضحكته التي تختلف.
نشر أول 1997
***
رحل الصديق عبد الهادي الشروف (أبو بشار) يوم الخميس 9 آب الجاري.
سيناء: ضرورة تعديل المنظومة الأمنية كلياً
بقلم: خالد الحروب عن جريدة الأيام
ما يقوم به الجيش المصري في سيناء من فرض لسيطرته في شبه الجزيرة وعلى الحدود مع قطاع غزة بعد العملية الإرهابية الوحشية التي استشهد فيها 16 جندياً يجب أن لا يكون ردة فعل ظرفية بل "انتفاضة سيادية" تؤسس لنظام أمني جديد في سيناء وما حولها. نظام يقوم على مرتكزات تخدم أمن مصر أولاً وقبل كل شيء، وفي نفس الوقت تتفادى التورط في فرض عقاب جماعي على الفلسطينيين عن قصد أو غير قصد. الجريمة التي حدثت، وعلى بدائيتها وغباء منفذيها المدهش، ليست خارج ما هو متوقع. فالبيئة الأمنية الهشة في سيناء مولدة لعملية كهذه ولو لم تحدث اليوم لحدثت مثيلاتها غداً أو بعد غد. الحل طويل الأمد لا يكمن في إلقاء القبض على مقترفيها، رغم أهمية ذلك بطبيعة الحال، بل في معالجة الجذر المؤسس للاختلال الأمني الكبير في سيناء وتعديله بشكل كلانيّ وجوهري.
المشكلة الأساسية في أمن سيناء تعود إلى بنية التوافقات الأمنية التي أقرتها اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل، وهي البنية التي تكبل يد مصر ولا تتيح لها بسط سيطرتها وسيادتها على سيناء بالكامل. ولكي تغير مصر من هذه البنية الأمنية التي تنتهك السيادة المصرية وتحقق تبعاً لذلك إحكاماً للسيطرة على ما يحدث في سيناء فإن ذلك يتطلب تغييراً جذرياً في شكل النظام الأمني والسيادي الذي كان سائداً فيها خلال العقود الثلاثة الماضية، وبحيث يعتمد على أسس جديدة. الأساس الأول هو قلب المنظور الأمني الذي قامت عليه اتفاقية كامب ديفيد في سيناء وهو أمن اسرائيل أولاً وتحويله إلى أمن مصر أولاً. فبناء على ذلك المنظور، أي أمن اسرائيل أولاً، قيدت الاتفاقية حركة الجيش المصري في سيناء، وقلصت السيطرة الأمنية فيها الى حد فاضح لا يتجاوز عدة مئات من الجنود وبتجهيزات وأسلحة فردية. بناء على ذلك المنظور أيضاً حولت سيناء الى محض منطقة عازلة buffer zone وهمشت وكأنها ليست منطقة تابعة فعلياً وسيادياً لمصر. درجة تبعيتها لمصر صارت تحت التبعية الحقيقية بكثير وفوق التبعية الاسمية بقليل. مع مرور العقود كان من الطبيعي أن تتشكل ديموغرافيا بشرية في سيناء قوامها تكتلات قبلية ولاؤها لمصر المركزية يزداد ضعفاً ومتوازياً مع هشاشة السيادة المصرية على سيناء نفسها، وتمردها على السلطة المركزية يغريه ضعف هذه السلطة في سيناء وتواريها. وبسبب خفوت هذه السلطة ومعه أي حضور عسكري قوي يفرض السيادة السياسية والأمنية، مضافاً إليه فشل إداري وتنموي وسياسي للحقبة المباركية، لم تنشأ تنمية اقتصادية حقيقية في سيناء تستجيب للزيادة السكانية وتعكس وجوداً قوياً للدولة المصرية. وهكذا وفي ظل غياب الدولة وغياب تنميتها وجيشها لم يكن من الغريب أو غير المتوقع أن تتطور علاقة متمردة عند قبائل سيناء أساسها النقمة على القاهرة وسياستها وسياسييها وإهمالهم لجزء من الوطن، وعلى هامش ذلك ترعرعت جيوب التطرف الذي استفادت منه حركات جهادية وإرهابية تداخل وافدها مع مقيمها. جذر ذلك كله، مرة أخرى، هو المنظور الأمني الكلي الذي حرص على إبعاد الجيش المصري والسيادة التامة للدولة عن المنطقة.
الأساس الثاني للمنظور الأمني البديل والمطلوب هو إعادة تعريف سيناء على أنها جزء عضوي من الأرض المصرية وليست "منطقة عازلة" تفصل مصر عن اسرائيل قليلة السكان ومحض صحراء قاحلة لا تستحق العناية والتنمية. في سيناء اليوم ما يقارب من نصف مليون مصري ومساحتها تقريباً ثلاثة أضعاف مساحة اسرائيل المدججة بترسانة أمنية وعسكرية ربما تكون الأولى في العالم نسبة إلى المساحة الجغرافية. كيف أمكن القبول أساساً بمعادلة أمنية في سيناء رغم مساحتها الهائلة تلك وبحيث لا يتواجد فيها سوى بضعة مئات من الجنود؟ لكن وبكل الأحوال وحتى لو فرضنا أن سيناء كانت مجرد صحراء عند توقيع اتفاقية كامب ديفيد فإن الواقع الحالي وبعد مرور اكثر من ثلاثة عقود على تلك الاتفاقية يقول إنها لم تعد كذلك، وان صلتها ببقية أجزاء القطر المصري يجب أن تتغير جذرياً، واستراتيجياً، وسكانياً، وتنموياً، وأمنياً.
الأساس الأمني الثالث للمنظور الجديد هو أن التهديد الاستراتيجي لمصر مصدره دائما وأبداً اسرائيل، وان أي انجرار لموضعة قطاع غزة أو الفلسطينيين كمصدر تهديد للأمن القومي المصري هو هروب من مواجهة الجذر الحقيقي للهشاشة الأمنية للإطار السيادي العام في سيناء. الدليل المهم في هذا السياق تدركه القيادات المصرية الميدانية التي لاحظت كيف أن حدود سيناء مع قطاع غزة تم الحفاظ عليها من قبل الفلسطينيين ومن قبل حركة حماس خلال شهور الفوضى الأمنية التي أعقبت الثورة المصرية. كان الأمن الفلسطيني في قطاع غزة يزود الجنود المصريين في معبر رفح وعلى مدار أسابيع طويلة بالاحتياجات اليومية من الطعام واحتياجات النوم وسواها انطلاقا من إحساس عميق بالمسؤولية، ولم تسجل خروقات كبيرة على الحدود رغم الارتباك الكبير الذي حصل على امتداد المنطقة الحدودية. والحقيقة أن سلوك "حماس" الأمني وحرصها الاستراتيجي على أمن مصر هو امتداد لوعي فلسطيني عميق وعام تتشارك فيه مع "فتح" ومع كل الأطراف الفلسطينية بلا استثناء، يؤمن بأن مصر وأمنها القومي وقوتها ومصلحتها هي أمور لا مساومة فيها وتقع في صلب المصلحة الفلسطينية ومكملة لها.
لذلك واستطراداً على ما سبق يجب القول انه حتى لو جاء المجرمون الذين اقترفوا تلك الجريمة الوحشية ضد الجنود المصريين من قطاع غزة فإن هذا لا يعني الانجرار الى رد فعل غريزي يدفع ثمنه سكان القطاع الذين يعيشون حصاراً منذ أزيد من خمس سنوات. سياسة العقاب الجماعي سياسة مرفوضة جملة وتفصيلاً وهي سياسة تكاد تكون حصراً على اسرائيل التي دأبت على معاقبة الشعب الفلسطيني كله بدعوى مكافحة الإرهاب. في الجريمة التي سقط ضحيتها أفراد أبرياء من الجيش المصري يجب ملاحقة المذنبين فقط، ومن المفهوم أيضاً بل ومن المفروض سد كل الثغرات التي أمكن للمجرمين استغلالها لكن بحيث لا يزيد ذلك من معاناة ما يقارب من مليونين من الفلسطينيين في قطاع غزة الذين أدانوا الجريمة برمتهم، بل وتبرع واحد منهم بعشرة آلاف دولار لعائلة كل واحد من الضحايا تعبيراً عن عمق الشعور الفلسطيني بالتضامن والإدانة للفعل الجبان.
وهذا يقود الى النقطة التالية وهي أن الأساس الأمني الرابع يتمثل في فتح معبر رفح بشكل نهائي وسيادي ومسؤول في ذات الوقت الذي يتم فيه هدم وإغلاق الأنفاق. ان مئات الأنفاق التي حفرها الفلسطينيون بسبب الحصار تحت ضغط الحاجة وبغية الحفاظ على حياتهم ومعاشهم وتواصلهم مع العالم هي حالة شاذة وغير طبيعية، وناتجة عن العجز الدولي والإقليمي وخاصة عجز نظام مبارك عن إسناد الفلسطينيين بشكل إنساني وفعال. ولأن تلك الأنفاق هي الشريان الحياتي الوحيد لسكان القطاع فقد كانت السر المكشوف الذي يعرفه ويقبل به كل العالم بما في ذلك اسرائيل والولايات المتحدة وبطبيعة الحال مصر. الكل كان يعرف ويقبل إن ينقل الفلسطينيون حليب أطفالهم عبر الإنفاق وتحت الأرض وليس فوقها. استخدمت تلك الأنفاق وبشكل شبه مؤكد من قبل جماعات لها أهداف تدميرية لأمن مصر وامن الفلسطينيين، وما كانت الفرصة ان تتُاح لها لو كانت حركة الفلسطينيين طبيعية فوق الأرض وكباقي البشر. لكل ذلك وبالتوازي مع هدم الأنفاق وإغلاقها يجب على مصر ان تفتح معبر رفح أمام حركة الفلسطينيين وتنهي هذه المهزلة التي يرعاها الجبن العالمي والغطرسة الاسرائيلية. وفتح المعبر يجب ان يتم بمسؤولية عالية أيضاً لا تقود الى فصم قطاع غزة عن بقية الجسد الفلسطيني بما يعزز أوهام البعض بأن القطاع تحرر من الاحتلال الاسرائيلي وبما يعفي اسرائيل من مسؤولياتها أمام القانون الدولي ويحررها من السمة الاحتلالية، ولأن ذلك مرتبط عضوياً بالضفة الغربية واحتلالها وسيطرتها عليها.
حادث رفح وضعف الاستجابة الفلسطينية
بقلم: د. عاطف أبو سيف عن جريدة الأيام
لم تكن الاستجابات الفلسطينية على المجزرة البشعة التي حدثت في مصر على قدر التحديات التي فرضتها بل اتسمت بردة الفعل المدفوع بالصدمة أيضاً. وأمام نفي الاتهامات بضلوع أطراف من غزة أو عدمه ظل التدبر فيما حدث ضعيفاً عكس نفسه في المواقف الصادرة كما اتضح أكثر في عدم التفكير في العبر الهامة التي كان يمكن لحدث كهذا أن يعلمنا إياها. الحدث الأليم أخذ الجميع على حين غزة، فقتل جنود مصريين بدم بارد في اعتداء صارخ على السيادة المصرية وفي انتهاك لكل القيم يعتبر حدثاً غير مسبوق. بالطبع لا يمكن لفلسطيني حقيقي أن يقوم بمثل هذا الحدث البشع ولا يمكن لمن يعرف مصلحة فلسطين ويفكر فيها أن يجرؤ على التفكير في مثل هذا الأمر. ليس لبشاعته الأخلاقية، على أهمية ذلك، ولكن لأن مصر ورغم ما قد يحب البعض سوقه من انتقادات هنا وهناك لمصر في مراحلها المختلفة ظلت ومنذ فجر الأزمة الفلسطينية مروراً بنكبتها ونكستها وثورتها وانتفاضاتها الأكثر متابعة للقضية الفلسطينية بين الأشقاء العرب ولأنها دفعت الثمن الأكبر سواء في الدماء والشهداء أو المواقف. وربما مصر هي الدولة الوحيدة من دول الجوار العربي.
هذه حقائق يعرفها الجميع كما أنها لا تخفى على القيادة المصرية فهي تعرف ذلك وأكثر وعليه لم يكن من شك بأن الفلسطينيين أبرياء من دم الجنود المصريين وأن الإعلام المشوه الذي حاول تقديم الأمر وكأنه نكران فلسطيني للجميل المصري ووحشية زائدة كان مدفوعاً بردة فعل أيضاً عميت عن الحقيقة وعن المصلحة القومية الكبرى. سيظل السؤال حول مدى مشاركة غزة بالعملية أمراً أمنياً وعسكرياً يجري البحث عن أفضل السبل لتجاوز تبعاته ميدانياً. هل خرج المشاركون من غزة؟ هل تدربوا في غزة؟ هل تلقوا السلاح من غزة؟ ودائماً تأتي الأنفاق بوصفها الممرات السحرية لإجابات ملغومة حول هذه الأسئلة التي من المنطق أن تثار في أزمة مثل تلك حيث إن وجود الأنفاق من شأنه أن يقدم مصوغات لإجابات مثل تلك. لكن هذا ليس باب القصيد.
حتى النقاش الفلسطيني لم يرق لمستوى الحدث، فالأنفاق بالطبع جريمة كبرى وهي ليست حلاً للأزمة الاقتصادية بل تعميق لها، وهي وإن وجدت ربما في لحظات كحلّ ومخرج التفافي على الحصار إلا أنها أصبحت جزءاً منه حين أصبحت مصدراً للثروة والاغتناء على حساب الناس، فهي لم تساهم مثلاً في خفض الأسعار ولم تعمل على توفير السلع بشكل أكثر بل كانت جزءاً من لعبة إعادة ترتيب القطاع اقتصادياً بموازاة إعادة التشكيل النخبوي الحاكم. لكن في النقاش حول ما العمل فلسطينياً بعد مجزرة رفح فإن مستوى النقاش لا يجب أن ينحصر فقط في هذه النقطة. فمستقبل سيناء لم يكن يوماً بعيداً عن النقاش الإقليمي منذ النكبة وكان ينظر لسيناء دوماً بوصفها إحدى بوابات الحل للتخلص من الكم البشري المطرود من فلسطين، وكانت مشاريع التوطين منذ خمسينات القرن الماضي تنظر إلى سيناء بوصفها أرض الحلول السحرية لمساحتها الشاسعة وتعدادها البشري القليل. ودائماً يعاد التذكير بالفرصة التي تمثلها سيناء لمستقبل الشرق الأوسط. ولم يكن الفلسطينيون طرفاً في النقاش وكانوا يرفضونه.
حين جاء الانقسام لم تنتبه "حماس" أن حالة قطاع غزة المعزول والمسلوخ عن سياقه الفلسطيني تساعد في تطوير وجهة النظر تلك. فحين تصبح غزة تواجه مصيرها وحدها بعيداً عن الكل الفلسطيني ويصبح على مصر واجب تقديم الحلول لكل أزمات غزة وتعفي إسرائيل من مسؤوليتها كقوة احتلال وفق القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني فإن ثمة انزياحاً بطيئاً لكنه تراكمي نحو الحل الإقليمي الذي تحدثت عنه أطراف إسرائيلية كثيرة مؤخراً. يقع على مصر واجب قومي كبير نحو غزة ولكن واجب غزة نحو مصر أيضاً كبير بعدم المساهمة في تنفيذ ما ترغب به إسرائيل. "حماس" لم تفهم هذا وظلت تحتفظ بغزة بملكية مطلقة ورأت فيما فعلت انتصاراً وفتوحات وعجزت عن فهم التبعات الأخطر لذلك. ما حدث في سيناء لا يمكن له أن يقود إلى أي نتيجة إيجابية بالنسبة للفلسطينيين ضمن السياق الحالي. فبغض النظر عن الدور الفلسطيني غير الموجود أقله على صعيد الرأي العام الفلسطيني الرافض لهذه الجريمة فإن ثمة ترتيبات لن تساهم في تحسين وضع غزة بل تعقيده.
فلسطينياً صدر موقفان يدلان على سوء تقدير وفهم لما جري واحد من "حماس" في غزة والثاني على لسان رئيس الوزراء الدكتور سلام فياض. "حماس" التي كان يجب أن تفهم الدرس وتبحث في أدراجها عن أوراق المصالحة التي خبأتها تحت غبار الخلافات وتقول إنها جاهزة لإنهاء الوضع في غزة والبحث عن أفضل السبل من أجل إعادة الاعتبار للفكرة الفلسطينية الجامعة الموحدة. بدلاً من ذلك أخذت "حماس" تقدم تصورات تمعن أكثر في تعزيز الانقسام حيث قالت مثلاً إنها مستعدة لتشكيل قوة أمنية مشتركة مع مصر وجاهزة للتعاون الأمني والمعلوماتي حتى حول مستقبل الأنفاق. كان يجب البحث عن إخراج غزة من حالة الانسلاخ التي أوجدها فيها انقلاب "حماس" في حزيران 2007 وهو سبب المشاكل الكبرى التي تعيشها غزة والمرشحة لعيشها.
أما سلام فياض فلم يكن بأكثر عمقاً حين تحدث فجأة عن انتخابات في الضفة الغربية يشارك فيها سكان غزة بالترشح أمام تعذر مشاركتهم بالتصويت بسبب تعطل المصالحة. للوهلة يظن المرء أن حلاً سحرياً جاء به الرجل على غفلة من جهل الناس. لست بصدد مناقشة مخاطر ذلك لكن النتيجة الوحيدة التي يمكن الاستدلال إليها من هذا الطرح بأن الانقسام يجب أن يستمر وأن غزة يجب أن تترك للمجهول ولا بأس من تشويه صورة الفلسطيني وحرق كوفية ياسر عرفات والثوار الفلسطينيين في سيناء على يد المحتجين لأن غزة تستحق ذلك. وغزة لا تستحق ذلك وهي تستحق أن تعود لتكون النواة الصلبة للمشروع الوطني وللوطنية الفلسطينية لا أن تترك لحالها. مازال حادث سيناء على مأساته يشكل فرصة فلسطينية لإعادة التفكير حقاً في إنهاء الانقسام حتى لا تحمل غزة ما لا تحتمل، وتقع على "حماس" المسؤولية الكبرى في ذلك.
ثمار الفتوى العمياء
بقلم: غسان زقطان عن جريدة الأيام
يسأل سائق التاكسي المصري بأسى وبنوع من صدمة الذي يبحث عن نفي مطلق لسؤاله: لماذا يفعل الفلسطينيون ذلك؟! كانت الطريق قصيرة والمكان المقصود قريباً ولم أكن قادراً على تبديد تلك المرارة التي جعلت من سؤال بسيط اتهاماً يجمعنا نحن الاثنين السائق وأنا في زاوية واحدة، قلت أياً كان الذي نفذ تلك المجزرة أو الذي خطط لها أو الذي صمت عنها فهو بالتأكيد ليس فلسطينياً أو مصرياً، او بمعنى أكثر دقة لا يستحق أن يكون فلسطينياً او مصرياً، الأمر أبعد من مجرد التخفي وراء مكان الولادة أو الوثيقة، الوحش الذي يقف وراء كل هذا لا وطن له ولا مكان لينتمي إليه ولا اخوة له شقيقات بيننا. كنت أعرف أن هذا الإنشاء المكرر والمبتذل لا يستطيع أن يجعل من الكيلومترات الخمسة على طريق سريع في الصحراء التي اغتالت فيها يد الإرهاب ستة عشر شاباً مصرياً كانوا على وشك تناول إفطارهم، قادرة على جعل الأمر محتملاً أو قابلاً للإدراك. ليس الأمر واضحاً بعد، الواضح في كل هذا هو مقتل الجنود الستة عشر، موتهم الفاجع الذي لن تكون الأشياء بعده كما كانت، اليد الخفيفة على الزناد، اليد التي تحركها من بعيد "فتوى" عمياء ومشبوهة، والتي منحتها "حقاً إلهياً" بالقتل! وهي نفس "الفتوى" التي أهدرت دماء الفلسطينيين و"حللت" دمهم، نفس "الفتوى" التي تبعث بالموت الى شوارع وأسواق العراق ومساجده وحسينياته، والتي تصرخ من عتمتها والتي تلاحق النساء في الشوارع والأسواق في مشهد دموي قادم مباشرة من أرواح مريضة وبائسة. ان الصمت على رشق امرأة "سافرة" بالأحماض أو التراخي في حماية امرأة تنمّر عليها ذكور العائلة، هو جزء من الخراب الذي يندفع نحو الحياة العربية من أقصاها الى أقصاها، هو نفس المرض الذي يسمح لعدد من الغوغاء بمهاجمة لوحة في معرض فني
إضغط هنا لتحميل الملف المرفق كاملاً


رد مع اقتباس