ردود الفعل والتعليقات على وثائق الجزيرة
ابرز عناوين المقالات التي تناولتها الصحف المحلية الفلسطينية:
في الكشف عن المستور(القدس )
مدارات - مع الأمير: عن «بلطاي» والفتنة المديدة(الحياة الجديدة)
نبض الحياة - دروس «كشف المستور»(الحياة الجديدة)
ما قامت به "الجزيرة"(الايام)
"الجزيرة": عيديد إعلامي(الايام)
لماذا الارتباك في مواجهة ما قالت الجزيرة إنه "مستور"؟(الايام)
صائب عريقات يهزم "الجزيرة"(الايام)
صحيفة القدس
في الكشف عن المستور
د.غسان عبد الله
ليس محبذا ان تكون الكتابة بمثابة ردة فعل حيال حدث أو تصريح ما ، ولكن ازاء ما بثته فضائية الجزيرة من وثائق مختلفة عن مجرى المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية ، يجد المرء ذاته ملزما بتقديم بعض الشيء حتى يستنير المواطن الفلسطيني قبل أن يتخذ موقفا مؤيدا أو معارضا لما بث من وثائق تكشف حسب زعم فضائية الجزيرة عن مدى التنارلات الفلسطينية ، عبر مسيرة المفاوضات ، بخصوص الثوابت الوطنية الفلسطينية : حق العودة ، القدس و الحدود .
بداية ليس سرا ان منظمة التحرير الفلسطينية حين دخلت المفاوضات مع اسرائيل في اوائل التسعينيات ، لم تكن جاهزة فعليا ولم يكن هذا الخيار مبنيا على رؤية سياسية واضحة . الظروف السياسية والعالمية التي وجدت منظمة التحرير ذاتها فيها ، اضطرتها لدفع بعض الثمن ، وذلك بدءا بحرب الخليج الاولى واحتلال العراق لدولة الكويت واصطفاف العالم بأسره ضد ذلك ، رغم اتخاذ منظمة التحرير موقفا مغايرا انذاك مؤيدا للاحتلال . أضف لذلك حالة التراجع الدولي والاقليمي للاتحاد السوفياتي وبروز الولايات المتحدة كقوة واحدة ووحيدة في العالم وتفاقم الازمات العالمية ، كل ذلك ساهم في نمو الاتجاه التفاوضي لدى القيادة الفلسطينية في حينه .
أيضا ليس سرا القول بأنه مع دخول الانتفاضة الفلسطينية الاولى ذروتها في السنة الاولى والثانية ، برزت هناك مواطن خلاف كبيرة بين القيادة الفلسطينية في الداخل وتلك التي في الخارج ، أدى ذلك الى بروز شكل من أشكال التنافس الخفي - نوعا ما- حول من سيستطيع أن يوظف هذه الانتفاضة أكثر لتحقيق الاهداف الوطنية المنشودة . ثمة حقيقة أخرى لا بد من ذكرها هنا ، ألا وهي غياب الجاهزية السيكولوجية والثقافية لمعركة المفاوضات ليس فقط لدى القيادة بل وأيضا لدى الشعب الفلسطيني في الوطن المحتل وفي الشتات .
كل هذا ، ومع غياب أو في أحسن الاحوال عدم القدرة على بلورة برنامج وطني يحدد الاهداف المرجوة ومتفق عليه وطنيا من هذه المفاوضات
بدأت المفاوضات في مدريد ، وزادت وتيرة الانشقاق الفلسطيني واحتدمت الخلافات حتى داخل الفصيل الواحد . ومما ساهم في تفاقم النتائج السلبية لهذا الوضع ، حالة الضمور والتراجع الملحوظ لدور كافة مؤسسات منظمة التحرير .
جاء اتفاق أوسلو الذي كان وليد نهج تفردي وسري من المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية ، هذا النمط من المفاوضات كان أحد الاسباب الذي أدخل القضية داخل قارورة محكمة الاغلاق ، دون ترك أي هامش للمفاوض الفلسطيني للحركة ، حسبما آلت اليه الامور اليوم .
استمرت مسيرة المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية بقيادة فلسطينية محدودة تمثلت في تيار غالب داخل حركة فتح ( رغم معارضة الكثيرين من أبناء فتح ) ، مدعوما بالقناعة التامة بأن هذه القيادة لن تفرط أبدا بالثوابت الوطنية .
اتخذت الفصائل ألفلسطينية موقفا غير فاعل في توجيه وتصحيح دفة المفاوضات ، وللأسف ، غالبيتها وجد نفسه في حالة تناحر داخلي أجهض ما تبقى من قدراته الحزبية والجماهيرية ، والبعض اتجه للتنافس على كعكة الوظائف في الوزارات والمؤسسات لدرجة أنه غاب الدور النضالي والجماهيري لهذه الفصائل واكتفت بالممانعة بدلا من المقاومة .
كان ذلك جليا في انتفاضة النفق عام 1996 ، اذ كان بامكان هذه الفصائل اعادة فرض ذاتها وتعديل مسارات التفاوض ، وايضا خلال الاجتياحات الاسرائيلية ومحاصرة الرئيس عرفات واختطاف الامين العام للجبهة الشعبية المناضل أحمد سعدات ، اذ كان رد الفعل دون المستوى المطلوب ، فالمسيرات وحمل الشموع في ميادين رام الله ونابلس لم يكن هو المطلوب .
اذ لم تبن منذ البداية مرجعية فلسطينية حقيقية للمفاوضات ، تتكون من فصائل منظمة التحرير والقوى الوطنية والاسلامية . ان اضافة شخصيات جديدة للجنة التنفيذية بهذه الطريقة وبتلك المعايير لم تساهم في تخفيف حدة الاحتقان الفلسطيني بل وبالعكس زادت منه.
ومما أضعف أيضا موقف المفاوض الفلسطيني حالة التجاذبات مع بعض الانظمة العربية الرسمية التي هي ذاتها عاجزة لغاية الان عن بلورة موقف ورؤية سياسية متفق عليها حيال الصراع العربي الاسرائيلي . بالتأكيد حالة الانقسام الفلسطيني كانت وما زالت سببا مؤثرا وسلبيا على كل الاصعدة .
اسرائيليا يمكن القول ان اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين وازاحة حزب العمل الاسرائيلي عن سدة الحكم وتمكن اليمين الاسرائيلي المتطرف من الاستيلاء على الحكم في اسرائيل منذ سنوات، ساهم ايضا في ارباك المفاوض الفلسطيني . ليس القصد أن حزب العمل كان من الممكن ان يكون افضل من غيره من الاحزاب الاسرائيلية وسيقدم للفلسطينيين اكثر .
ان التأكيد على اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين، بسبب دخوله في مفاوضات مع الفلسطينيين على ارض ومستقبل اسرائيل، تطلب من القيادة الاسرائيلية الاخرى على مختلف توجهاتها الفكرية، الفرملة وعدم التسرع في اتخاذ قرارات مفصلية حيال القضايا الخاصة للتفاوض، بدليل انه منذ بدء هذه المفاوضات ولغاية اليوم، لم يقدم اي رئيس وزراء اسرائيلي على اتخاذ قرارات تؤدي بموجبها الى تنفيذ بعض من استحقاقات المفاوضات هذه بل العكس، بات واضحاً أن كل هذه القيادات تتبارى في ما بينها في من سيشدد الخناق اكثر على الفلسطينيين ويجعل من حياتهم أكثر صعوبة ومواصلة المراوغة في استخدام سياسة " التخفيف وتسهيل الامور الحياتية للفلسطينيين "
عامل اسرائيلي آخر، ساهم في ارباك المفاوض الفلسطيني الا وهو دخول المهاجرين اليهود الروس في اتون معركة المفاوضات. قبل ذلك كان المفاوضان الفلسطيني والاسرائيلي يبحثان عن اوجه لتسوية تتيح التقاسم (ولو بنسب غير عادلة للفلسطينيين) اما اليوم ومع دخول هؤلاء ممن يمثلهم وزير خارجية اسرائيل لبيرمان فالاجندة الاسرائيلية للمفاوضات اختلفت، فاليوم يجري الحديث اسرائيليا وعلانية عن ازاحة شعب واحلال شعب آخر مكانه من خلال مقترحات الترانسفير والتبادل وتهويد القدس ويهودية الدولة .
تصريحات لبيرمان الاخيرة والداعية الى البحث عن اتفاق مرحلي على المدى الطويل، تؤكد ايضاً على النوايا الاسرائيلية الحقيقية والتي على المفاوض الفلسطيني أن يكون اكثر يقظة ودراية بأنماطها المختلفة وان تفاوتت الخلفيات السياسية الاسرائيلية.
اضافة الى العوامل المختلفة آنفة الذكر والتي سببت حالة الارباك وعدم الوضوح الكلي لدى المفاوض الفلسطيني، هناك ايضاً عامل آخر سبب في احداث هزة وصدمة عالية لدى الشعب الفلسطيني نتيجة لما كشفت عنه فضائية الجزيرة . يتمثل هذا العامل بالشعب الفلسطيني وارتفاع سلم توقعاته.
قلت ان القيادة الفلسطينية والشعب برمته لم يكونا جاهزين لبدء معركة المفاوضات، ومما زاد الطين بلّة ان الجماهير الفلسطينية لا زالت تتمسك بتوقعات عالية جداً من هذه المفاوضات، وهي التي منحت ولا تزال تمنح القيادة الفلسطينية الثقة للمواصلة.
على الجماهير الفلسطينية ان تعي، بل وكان من واجب المفاوض الفلسطيني أن يقوم بتوعية الناس، ان طبيعة المفاوضات تتطلب تنازلات، ولكن على المفاوض ان يؤكد دوما على الموقف الثابت من حق العودة وعدم الاستعداد للتنازل على هذا الحق، مثلما هو عدم الاستعداد للتنازل عن القدس كعاصمة للدولة ذات السيادة والاستقلالية، التي تتطلب ازالة المستوطنات وعدم القبول بأي تبريرات .
ان حالة من الحراك الفلسطيني قد بدأت،والتي آمل ان تنتقل الى مؤسسات الفصائل الفلسطينية والمجتمع المدني لإعادة النظر في دورها على طريق أن تعود لدور الفاعل .
الحياة الجديدة
مدارات - مع الأمير: عن «بلطاي» والفتنة المديدة
عدلي صادق
في تشرين الثاني (نوفمبر) 1998 جمعتني بأمير قطر جلسة طريفة، جاءت في إطار التدابير البروتوكولية، أثناء زيارته الأولى الى الجزائر. ولم يكن الحديث، في تلك الجلسة، مغلقاً أو رسمياً، بمعنى أنها كانت تلقائية، ولم تكن من نوع المجالس التي يُقال إنها «أمانات». يومها، كان يطفو على السطح، نبأ حضور وشيك، لعشر شركات أمنية إسرائيلية، في معرض «ميلوبول قطر» في الوقت الذي كانت تشهد فيه القدس، صدامات أشعلتها خطة اسرائيلية استيطانية، في حي «رأس العمود». توجهنا كرؤساء بعثات ديبلوماسية، الى دار «جنان الميثاق» للضيافة، حيث حلّ الأمير الضيف (إذ كنت القائم بأعمال السفير في حال غيابه) وبعد الجلسة، دوّنت في مفكرتي، التي أحتفظ بها الآن، بعض الحيثيات. فقد دار جزء من الحديث معي شخصياً، بسبب أن الأمير تعرّف على وجهي، فظن أنني كنت ممن عملوا في قطر، وصحح له الزملاء ضاحكين، عندما قالوا له إنه شاهد الوجه على شاشة الجزيرة. وفي الحقيقة، اختصني الأمير ـ كريماً ـ أثناء وداعه في المطار، بمجاملة قوامها «إن شاء الله نراك في الدوحة»!
ثلاث نقاط، تهامسنا حولها، قبل أن يبدأ لقاؤنا بأمير قطر. وسرعان ما تبدى لنا، أن النقاط، هي نفسها التي شغلته، وتسببت في انفعاله اللافت، على النحو الذي يُضاهي انفعال صائب عريقات على شاشة «الجزيرة» قبل يومين. فلم تنقطع عن فمه سلسلة سجائر CRAVEN A الإنجليزية، التي قيل إن مؤسس باكستان، الزعيم محمد علي جناح، بعد أن اتهمه الوطنيون الهنود، بالعمالة لبريطانيا؛ أصبح يدخن منها حصراً، خمسين واحدة في اليوم، حتى أصابه السل الرئوي. بدأ الأمير حمد «الهجوم» كخير وسيلة للدفاع، بمزيج من الدعابة والسخرية وبـ «ممازحة» المعاني والوقائع. كانت أولى نقاطنا الثلاث، تتعلق بما قيل عن دسيسة أميرية، أو إسفين، يُريد حمد، دقه في جسم العلاقات بين أقطار المغرب العربي، نكاية في بعض المشرق أو في بعض الجوار. أما النقطة الثانية، فهي بخصوص إقامة العلاقات وتبادل التمثيل مع إسرائيل. وفي الحقيقة، اختلف المتهامسون، حول النقطة الثالثة. فمنهم من رأى أنها تتعلق بتطوير التعاون القطري الإسرائيلي، وما نُشر عن الحضور الأمني الكثيف، للمحتلين، في معرض «ميلوبول قطر» لغايات يساعدهم فيها الأمير حمد، من بينها بيع الخدمات والمعدات للآسيويين والخليجيين إن أمكن، ولو اضطر البائعون الى تغيير شهادات المنشأ. ومن بين الزملاء من رأى النقطة الثالثة، ذات صلة بما تقوله العيون، بصدد انقلاب الابن على أبيه في حزيران 1995والتحولات الاستراتيجية بعد الانقلاب (ولم أكن شخصياً أميل الى التركيز على الشؤون العائلية، حتى وإن كانت انقلابية وبحجم الأوطان). بعض الزملاء الديبلوماسيين، افترضوا أن السبب الثالث للتوتر، يتشكل من خليط، عنوانه خيبة أمل نظام، أقام غير مضطر، علاقات قوية مع إسرائيل، بذريعة أنه سيؤثر إيجاباً في مسار التسوية، ثم كان جواب الدولة العبرية، هو مجرد الانتفاع الفوري من التطبيع، والاستقواء به، لمزيد من التغالظ مع الشعب الفلسطيني، ولمزيد من الحث على نشاط استيطاني محموم، وبإظهار عدم الاحترام، لمن أقاموا معه العلاقات، غير مضطرين!
كل هذا الذي قلته حتى الآن، هو من نوع السياسة التي تذهب وتجيء. لكن ما أراه الآن في مفكرتي، أن الرجل نطق بكلام عجيب، حين رفع الكُلفة، قائلاً على طريقة دفع أي لوم، بمنطق التأكيد على أنها خربانة خربانة: عندما وقع إخواننا الفلسطينيين على أوسلو، طلبت بالتيلفون محمود عباس الذي كان عندنا يعمل في دائرة المعارف. سألته: هل هذه يا استاذ محمود هي فلسطين التي علمتونا عنها في المدارس؟ ضحك الأمير ولم يقل ماذا رد عليه أبو مازن. وعلى الفور وجدت لزاماً عليَّ أن أرد أمام الزملاء، وجميعهم فيما أظن أحياء يُرزقون، بل إن أحدهم هو الآن زميلي هنا، كسفير للسودان. قلت بلغة ودودة لا تخلو من دعابة: سمو الأمير، هذه هي بداية فلسطين الممكنة، إنها محصلة همتكم وجهادكم جميعاً، وهي خاتمة قلقكم وربما خاتمة أحزاننا. فأنتم كقادة، الذين حددتم سقفها، ونحن المضطرون الى التكيف معها ولو مؤقتاً، ونراهن على فاعلية وجودنا على أرضنا وعلى التاريخ. ثم نحن ما زلنا فيها يا سمو الامير. فالساحة مفتوحة، وأنتم ربعنا، والمقدسات مقدساتنا جميعاً!
انتقل الشيخ حمد، الى دعابة أخرى أذهلتنا فعلاً. كان يعلق على اعتراض دمشق على إقامة الدوحة علاقات مع إسرائيل. مَجّ الرجل سيجارته وقال بهدوء: «يسألنا الإخوة في سورية هل الشعب في قطر يؤيد إقامة علاقات مع إسرائيل؟ وأنا أقول (وهنا تبدلت نبرته، لتصبح شبيهة بطريقة التنكيت والتبكيت) الشعوب لا توافق، ولا تريد علاقات مع اسرائيل. هذه هي الحقيقة التي لا ننكرها. الذين يوافقون ويرغبون في علاقات مع إسرائيل هم الحكام الخونة»، وأضاف الأمير جملة مزعجة، وصف بها نفسه لتبلغ الدعابة ذروتها. ولا يصح هنا، أن أنقل هذه الجملة. كان ظاهر الكلام مزاحاً وجوهره تضييع للبوصلة، بحيث يعجز كل من يسمع، عن تحديد الموقف، أو معرفة ما إذا كان الرجل حانقاً على الحال العربي، أم سعيداً به، متشفياً في الناس وفي الوطنيات الكئيبة، أم حزيناً عليها، أم إن لعبته هي خلط الأمور، والتعمية، لكي يصبح حاله، كحال المتنبي في زمانه: ماليء الدنيا وشاغل الناس!
ربما لا يصدق قارئي، ما سأرويه نقلاً عن مفكرتي. ففي مساء ذلك اليوم، توخيت النعاس مبكراً، لكني فوجئت بشاشة تلفاز أجنبية، تعرض النسخة الإيطالية من فيلم «وااسلاماه» عن قصة علي أحمد باكثير. ذلك عمل ضخم، من أيام انتعاش حركة التحرر العربي (1962) شاهدنا نسخته العربية عديد المرات. طار النعاس، لرغبتي في رؤية الشريط الإيطالي، وكيف لعبت أميرة السينما الإيطالية ومليحتها، سيلفانا بامبانيني دور شجرة الدر في الرواية. غير أن انتباهي ذهب الى الممثل، الذي لعب الدور الكريه، لشخصية خرافية، اخترعها الكاتب علي أحمد باكثير، لرجل لم يعرفه التاريخ، يُدعى «بلطاي» الذي لعب دوره فريد شوقي في النسخة العربية. كان الواضح من مقاصد «بلطاي» أن يطفو على سطح السياسة والأحداث، وأن يقصده الآخرون والمأزومون جميعاً، طلباً لإطفاء حريق أو إشعال فتنة أو سكوت حميد. وضع قدماً في فسطاط التتار الأنجاس، والأخرى بين الرهط التقي المؤمن المجاهد. حاز اللآليء والمواقف والرضى، من كلا الطرفين. وفي يوم «عين جالوت» كانت مهمته اسهل بكثير، من مهمة أي محارب. فحين يصطدم الجمع بالجمع، وتختلط الوجوه بالوجوه، وتسقط الشارات وأغطية الرأس، يتعيّن على كل فارس في الميدان، أن يدقق في ملامح الخصوم قبل أن يضرب بسيفه. غير ان «بلطاي» ابقى السيف في غمده ومعلقاً في خاصرته. فلا حاجة للتدقيق في أي وجه. اصطنع لنفسه سلاحاً من حبل موصول بلفافة ثقيلة، في جوفها كتلة حجرية، كافية لتهشيم الرؤوس. يلولح بسلاحه، بحركة دائرية، فيتحاشاه الكثيرون، ليحتل وسط الملعب، ويضرب عن «أبي جنب» دون أن يحسب أو أن يتبين. وكلما سقط إنسان ـ من أي فسطاط كان ـ أحس «بلطاي» بالنشوة؛ وبأنه يؤدى أمانة الخيانة. فـ «بلطاي» يتوخاها مقتلة، أو مرمرة، أو فتنة مديدة الى يوم الدين، وصولاً الى غايات لم يبلغ «بلطاي» أياً منها، حسب الخرافة والرواية!
نبض الحياة - دروس «كشف المستور»
عادل عبد الرحمن
تجربة الأيام القليلة الماضية مع فضائية الجزيرة القطرية في هجومها على القيادة الوطنية من خلال برنامجها الخاص «كشف المستور»، الذي تناولت فيه(1600) صفحة من الوثائق المختلسة من دائرة المفاوضات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقامت بنشرها بعد تزوير وتحريف واجتزاء نصوصها واخراجها من سياقها عبر استخدام بعض الأبواق المرتهنة، والتي ارتضت بيع نفسها في سوق المتاجرة بالقضية الفلسطينية. وكأن القضية ينقصها التجار والمزاودون.
المحاكمة الموضوعية للقناة القطرية تتطلب من المرء تحكيم العقل، وعدم مطالبة أصحاب والقائمين على القناة الفضائحية الخروج من ثوبهم ووظيفتهم، التي انتدبوا أنفسهم لها في الوسط العربي. وبالتالي افتراض البعض من الفلسطينيين والعرب ان على الجزيرة وادارتها وهيئة تحريرها التعاطي مع القضايا الوطنية والقومية من موقع الحرص والحماية، هو إفتراض قاصر وغير علمي. لان الأهداف التي قامت من اجلها القناة، أهداف تقوم على تشويه الحقائق، ودس السم في الدسم، وتعميق التناقضات في أوساط المجتمعات العربية، وخدمة القوى الاقليمية والدولية الساعية لاعادة تمزيق وتقسيم الدول العربية بما يخدم اقامة نظام الشرق الأوسط الكبير.
فضائية الجزيرة القطرية، الصامتة صمت أهل الكهف على قاعدة السيلة الاميركية في قطر، اكبر قاعدة في الشرق الأوسط. والصمت عن انتهاكات حركة الاخوان المسلمين حيثما كان، واينما كان في دنيا العرب والمسلمين، ليس هذا فحسب، بل والترويج لجرائمها وانتهاكاتها، وقلب الحقائق وتزويرها لتضليل المواطنين العرب. هذه القناة، التي خدعت قطاعات واسعة من المواطنين والمراقبين، من خلال الادعاء الكاذب، بـ»حرصها» على مصالح الشعوب، و»اعتمادها» المهنية الاعلامية و»الموضوعية» في نقل الأخبار ومعالجتها، أكدت بما لايدع مجالا للشك، انها قناة لاتمت بصلة لل»مهنية» و»الموضوعية». وأثبتت الاحداث المتعاقبة وطريقة تغطيتها ومعالجتها ان القناة الفضائية القطرية، ليست أكثر من بوق رخيص، ومنبر خلق للتآمر على مصالح العرب ومستقبلهم.
ومع ذلك فان المنطق والمصلحة الوطنية تحتم على المراقب استخلاص العبر والدروس من تجربة برنامج «كشف المستور» بغض النظر عن أهداف وخلفيات القائمين على الجزيرة الفضائحية. ومنها:
أولا: اعادة التدقيق في العاملين في الفريق المفاوض من اداريين وفنيين ودون استثناء. وعدم توظيف اي خبير أجنبي، واذا كانت هناك ضرورة للاستفادة من الخبراء الأجانب يتم عقد جلسات استشارية معهم حول هذا الملف او ذاك. وعدم عرض الوثائق عليهم. لحماية عمل الفريق الفلسطيني.
ثانيا: تحميل رئيس دائرة المفاوضات المسؤولية عما حصل. لان الوثائق هربت من مكتبه. وهذا ما أعلنه الدكتور صائب في لقائه مع احمد منصور.
ثالثا: العمل على اعادة نظر في الفريق المفوض، وعدم الاكتفاء بتوسيع الفريق من خلال اضافة بعض الاخوة له.
رابعا: تشكيل لجنة محايدة وموضوعية ومعروفة بنزاهتها لمراجعة الوثائق المنشورة، ونشر الوثائق الصحيحة دون اجتزاء او تحريف.
خامسا: على المفاوض الفلسطيني أثناء الجلوس مع الاسرائيليين والاميركيين ان لا ينسى نفسه، وان لا يخلط بين البعدين الشخصي والرسمي، وبالتالي عليه التدقيق في اختيار الكلمات والمفاهيم والمصطلحات الصحيحة، لان المفاوض الاسرائيلي والاميركي لا يرحم. وبقدر ما يضحك او يوحي انه يضحك بقدر ما يهدف لجر المفاوض الفلسطيني لمتاهة الخلط بين البعدين الرسمي والشخصي.
سادسا: قيام الفريق المفاوض بعد كل جلسة بعرض نتائج اللقاءات على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واللجنة المركزية لحركة فتح، وعدم حصر محاضر اللقاءات لدى الفنيين والعاملين في دائرة المفاوضات. فضلا عن ذلك تشكيل مرجعية وطنية للمفاوضات للاشراف على ما يجري ومراقبة المفاوض واليات عمله. ورفع الحصانة عن أي مفاوض لحماية المصالح الوطنية العليا.
هذه بعض دروس برنامج «كشف المستور» من الضروري العمل في أوساط القيادة الفلسطينية لتعميقها، وتجذيرها لتطوير مكانة الفريق المفاوض، وحماية المصالح الوطنية العليا من العبث والفوضى واللامبالاة. وأيضا لتطوير أداء الفريق المفاوض بما ينسجم والاهداف الوطنية للعشب الفلسطيني.
صحيفة الايام
ما قامت به "الجزيرة"
سميح شبيب
ما قامت به قناة الجزيرة الفضائية، من حملة منظمة ومدروسة، حملت عنوان "كشف المستور"، لم تكن حدثاً إعلامياً عابراً، أو ذات هدف واحد.
هذه الحملة بنيت على وثائق بلغ عددها ألفاً وستمائة وثيقة، وصلت إليها، فقامت بتأليف لجان متعددة، إعلامية، وسياسية وقانونية وغيرها، وقامت بمشاورات واسعة النطاق، بشأن التعامل والتعاطي معها، وأخيراً، وبعد التوصل الى صيغ محددة، بشأن هذا التعاطي، بدأت الجزيرة بنشرها، وعقد اللقاءات لمناقشتها. بداية، يمكن القول، إن هذه الحملة سياسية أمنية، وإعلامية، وترتبط بحدود زمنية أكان على صعيد ما يحدث إقليمياً، أو بظروف المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية، وحالة الجمود التي تصيبها الآن، إضافة لتحركات القيادة الفلسطينية في مسارات البدائل المتاحة، ومنها التوجه الى مجلس الأمن.
ما قامت به الجزيرة هو عمل متشعب وليس منفرداً على أي حال، فله ما قبله، وله ما بعده من تحركات، باختصار يمكن القول، إن مرامي هذه الحملة، هي الاطاحة بالسلطة الفلسطينية.. لغايات ومرامٍ، يمكن تحديدها، عند القراءة المتأنية، كما قامت به الجزيرة، وما سيليه من تحركات!!!..
الحملة جاءت في زمن تقول به السلطة لا للمفاوضات في ظل الاستيطان، ونتحرك جدياً لنيل التأييد الدولي للدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران، وفي ظل موقف رسمي يقول للولايات المتحدة، لان، خاصة فيما يتعلق بالاستيطان..
لعل قراءة سريعة لما قدمته الجزيرة حتى الآن، يمكن القول إنه مركز، وإنه مبني على وثائق مسربة أو مباعة، لكن الحملة التي بنيت على ذلك، قامت بقراءة هذه الوثائق قراءة خاصة بها، فقامت باقتطاف فقرات وإهمال فقرات... وقدمت فقرات وكأنها اتفاقات ملزمة للسلطة!! وأوردت حقائق وكأنها غرائب وعجائب...
باختصار، استغلت جهل الناس بما جرى ويجري، وتصوير الأمور وكأن فضائح صارخة حدثت، وقامت الجزيرة بتسليط الضوء على الجاني، فظهر بمظهر المتلبس، هنالك جهد إعلامي، وراء الحملة، لكن وظيفته كانت بائسة ومشبوهة... الهدف ليس إنارة الطريق، بقدر الإساءة للسلطة، وتشويه م.ت.ف، بل الدعوة لإسقاطها لحسابات الفراغ، وتدمير المشروع الوطني الفلسطيني برمته.
ستمهد هذه الحملة، لدعوات فلسطينية، وأبرزها سيأتي عبر حماس، لإقامة البديل القيادي الفلسطيني، على أنقاض من فرطوا حتى درجة الخيانة!!..
ستجرى اصطفافات جديدة، وسيتم طي ملف المصالحة الى أجل غير مسمى، وسيتم الضغط على السلطة، في ظل ذلك، لتقديم تنازلات، بشأن القبول بما هو قائم، حفاظاً عليها.
ليس صحيحاً التقليل من أهمية حملة الجزيرة وما سيليها، وليس صائباً تصوير الأمور بأن الحملة قد أخفقت وانتهت. الصحيح هو إعادة النظر بأحوالنا القائمة، والتحسب الشديد لما هو قادم... وهو غير قليل على أية حال!!!
"الجزيرة": عيديد إعلامي
رجب ابو سرية
لأن كثيراً من النقد لا يهدف أو لا يحقق "التقويم" أو "التصويب"، فقد ظهر في الفلسفة علم نقد النقد، ولأن اجتزاء الاشياء من سياقاتها يعكس المعنى ويقلب الغاية، حذر كثير من الفقهاء من العمل وفق منطق "ولا تقربوا الصلاة.." دون إكمال الآية الكريمة.. "وأنتم سكارى".
هذان المعطيان يناسبان تماماً ما قامت به فضائية "الجزيرة" القطرية عبر تقديم برنامج "كشف المستور.. سنوات المفاوضات" فهي أعلنت على الملأ ألفاً وستمائة وثيقة من ملفات التفاوض الفلسطيني الاسرائيلي عبر عشر سنوات، ليس بهدف تقويم او تصويب الأداء التفاوضي الفلسطيني، وهو بحاجة لها، ولكن عبر المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وكذلك وفق معالجات تقرأ الوثائق كاملة وفي سياقاتها وتواريخها.. مع الأخذ بالاعتبار أولاً وقبل كل شيء أمرين مهمين وأساسيين هما: أن المفاوضات آلية عمل سياسي، لا يسقطها أحد من فعله السياسي من حيث المبدأ، وكل الشعوب التي كافحت من أجل انهاء الاحتلال واستقلالها لجأت للمفاوضات من الجزائر الى فيتنام، والثاني أن وضع الجانب الفلسطيني الرسمي على الطرف الثاني من طاولة التفاوض، كان هدفاً فلسطينياً تحقق بقوة الانتفاضة الأولى وبفضل الإرادة الفلسطينية، وكأحد عناوين خلق الاقرار الدولي وحتى الاسرائيلي بالوجود الفلسطيني السياسي، بعد أن رفض اسحق شامير رئيس حكومة اسرائيل عشية مؤتمر مدريد العام 1991، بشدة وبعد ثماني جولات قام بها جيمس بيكر وزير خارجية جورج بوش الأب في ذلك الوقت، الذي رفض أي وجود سياسي فلسطيني في مدريد، وتحت الضغط الأميركي بوقف قرض البناء في المستوطنات، وكانت قيمته مليارات الدولارات، وافق على وجود فلسطيني من الداخل ليس له علاقة بـ م.ت.ف في مدريد.
وكان من نتيجة التفاوض إقامة السلطة نفسها، التي بفضلها وضمن سياقات هي جزء منها، تحكم حركة "حماس" الآن قطاع غزة، ويتحدث العالم كله مع عنوان سياسي للفلسطينيين، وتكرس في الوعي العالمي ضرورة إقامة دولة مستقلة.
لكن نشأة السلطة والحراك السياسي الفلسطيني منذ عقدين وحتى الآن، إنما هو محكوم بجملة من التطورات الإقليمية والدولية، بعد انتهاء الحرب الباردة، لذا فإن طبيعة الدولة وشكل الصراع حولها ومن أجلها يتأثر بهذه العوامل العديدة، ومنها وجود محورين سياسيين في المنطقة، حيث لم يعد يقتصر أمر المواجهة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي على اسرائيل فقط، وبعد أن كان الفلسطينيون مدعومين بشكل تلقائي ودائم بالعالم العربي والاسلامي، باتوا يواجهون حالة التجاذب والانقسام العربي، حيث لم يجتمع العرب ولا المسلمون على الفلسطينيين، كما كان الوضع في السابق، وأبعد من ذلك، ساهم ومن ثم شجع وجود محوري ممانعة واعتدال في الانقسام الفلسطيني نفسه.
لذا لا بد من قراءة برنامج الجزيرة من حيث التوقيت على قدر عال من الاهمية، ذلك ان إعداد البرنامج بدأ منذ نحو الشهرين، اي بعد ان أصر الفلسطينيون على رفض التفاوض مع استمرار الاستيطان، وبعد أن قالوا: لا لإسرائيل وأميركا، وبعد ان شرعوا في االتحضير للهجوم السياسي على اسرائيل في أروقة الامم المتحدة، في الوقت الذي يذهب فيه لبنان الى حرب طائفية بين السنة والشيعة، حيث يغلب على المحور الاول "الممانعة" الطابع الشيعي والمحور الثاني – الاعتدال – الطابع السني، من هنا فإن كل الاحاديث والتقديرات وحتى التسريبات عن وجود خطة ايرانية – سورية مدعومة بمائتي مليون دولار للانقلاب على الحريري في لبنان، وعلى عباس في فلسطين، تستند الى هذه الفرضية، ان جانبتها المعلومة او الوثيقة المؤكدة.
تخطئ حماس وربما لا تهتم قطر – حيث لا يمكن التقدير بأن الجزيرة ترسم سياستها الإعلامية خارج سياق السياسة الخارجية القطرية – إن اعتقدت ان اسقاط السلطة في الضفة الغربية سيكون لصالحها او لصالح برنامجها، الا اذا كانت توافق على القيام بدور سلطة الحكم الذاتي، او الدولة المؤقتة، او حتى روابط القرى، ذلك انه ليس في مصلحة اسرائيل اسقاط السلطة في الضفة الغربية لصالح بديل اكثر حرصاً على المصلحة الوطنية الفلسطينية من السلطة الحالية، وإن لم يكن اسقاط السلطة في الضفة الغربية هدفاً ومصلحة اسرائيلية بالدرجة الاولى، فإن اسرائيل وأميركا ستسعى الى الابقاء على حالة الضعف والانقسام قائمة، الى أن "ترضخ" هذه السلطة للإملاءات الاسرائيلية – الاميركية.
هذا ما يدركه المواطن الفلسطيني، الذي هو على درجة عالية من الوعي السياسي، لذا فإن "جزيرة" قطر، تخسر كثيراً وهي تغامر برصيدها الإعلامي لأنها تخرج عن الموضوعية دائماً، بل وان فتح ملف الجزيرة وملفات الإمارة الخليجية الحافلة بالمفارقات والملفات الملتبسة، بات أمراً واجباً لكشف الدور والوظيفة التي تقوم بها هذه الإمارة على غير عادة جاراتها، والتي تحكمها منذ انقلاب الابن على أبيه طموحات اقليمية، تشكلت وفق ثقافة انقلابية، هدفها إحداث الفوضى، وخلط الاوراق واختراق المحرمات على كل المستويات. فقط التي بدأت عهدها الحديث بانقلاب الابن – حمد – على ابيه خليفة، اخترقت ما هو محرم في الثقافة العربية – الاسلامية، من عقوق الوالدين، ثم وضعت رأسها برأس كل ما هو قائم، والتحالف مع الشيطان ضد العرب الذين تقودهم السعودية ومصر – والشيطان هنا كان أعداء وخصوم محور الاعتدال – من اسرائيل الى ايران!!
فقطر هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تقبع فيها سفارة اسرائيلية بالتجاور مع مكتب الشيخ يوسف القرضاوي، وقاعدة عيديد الاميركية في السيلية على بعد 35كم من العاصمة – الدوحة – هذه القاعدة التي هي اكبر القواعد الاميركية خارج الاراضي الاميركية والتي استخدمت لشن الحرب على أفغانستان، وكانت مقر القيادة العسكرية في الحرب على العراق العام 2003، والجزيرة هي رائدة التطبيع الإعلامي، حيث اعتادت على استضافة المحللين والناطقين الرسمين باسم رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية الاسرائيلية، بالتزامن مع استضافة ابو عطوان وحمامي وقادة "حركات المقاومة".
لكن الجزيرة اكتفت وعبر برامجها المتعددة، وفي مقدمتها "الاتجاه المعاكس" على كشف ملفات دول بعينها – مصر، الاردن، المغرب، السلطة الفلسطينية – ولم تقدم يوماً على فتح ملف قطري واحد، ولا حتى ملف خليجي من ملفات الفساد وادارة وتوظيف الاموال، او العمالة الآسيوية، ولا حتى ملف من ملفات القمع وممارسة نظام حكم الفرد، في سورية او ليبيا، ولا حتى ملفات تعتبر مثيرة وجريئة، لو كانت الجزيرة تسعى حتى الى الإثارة الإعلامية، يمكن ان تكشف من خلالها المفارقة والتزوير والالتباس، الذي تقوم به حركات ترفع شعار المقاومة، وتسعى الى فرض سلطتها بالقوة العسكرية، وتقوم بكل الافعال المنافية للقانون من مثل الاغتيالات السياسية وفرض العضلات السياسية، كما يفعل حزب الله في لبنان. وكان يمكن ان تتحلى الجزيرة بقدر من الموضوعية لو أنها كشفت في الوقت ذاته، او وعدت بمراجعة ملف الانقسام الفلسطيني، او ادارة الحكم في غزة، وما يحدث عبر 4 سنوات، اي ان لا تستمر بالرؤية عبر عين واحدة فقط.
لكن الجزيرة وعلى مدى نحو عقد من الاداء الإعلامي، احدثت خلاله ضجة إعلامية، بعد أن وظفت الطاقات الإعلامية العربية المتميزة، وقد اعتادت او تصورت ان المجد يشترى بالمال، حتى المجد الكروي، من شراء سبياستيان سوريا – اللاعب البرازيلي بالنقود ومنحه دون أن يتقن حرفاً عربياً جنسيتها – الى رشوة الفيفا لاستضافة مونديال 2020، كانت بمثابة عيديد إعلامي، مثل حصان طروادة، تزيد من جروح العرب، كما يفعل الماتادور الاسباني في الثور، حتى يخر صريعاً، في لعبة دموية، تؤكد ليس فقط عقوق الوالدين، ولكن التنكر لصلة الدم وكل معاني الاخوة العربية.
لماذا الارتباك في مواجهة ما قالت الجزيرة إنه "مستور"؟
محمد ياغي
ما كان يجب التشكيك في أي وثيقة من تلك التي نشرتها الجزيرة. والحقيقة أن التشكيك في صحة الوثائق أظهر السلطة كمن يتنصل من المبادئ التي أعلنتها هي، أكثر من مرة وفي أكثر من مكان، للتفاوض. سأذكر هنا فقط ببعض المبادئ التي ذكرتها قيادات السلطة في أكثر من مناسبة وهي تتعلق بأسس التسوية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. منها أن هدف السلطة هو إنهاء الاحتلال الذي بدأ العام 1967 بما يمكن السلطة من الحصول على مساحة من الأرض تعادل مساحة غزة والضفة الغربية بما فيها القدس. الرئيس عباس ذكر حرفياً أن مساحة الأرض المحتلة منذ العام 1967 هي 6200 كم مربع، وهو لا يريد أن تقل مساحة الأراضي التي تحول للسلطة في أي اتفاق عن هذه المساحة. إذا أضفنا لذلك ما يقال بشكل يومي تقريباً عن تبادل للأراضي في أي اتفاق، فالحديث عن المساحة كأساس للحل، بدلاً من الحديث عن انسحاب إسرائيل الى خط الهدنة ما قبل الخامس من حزيران يصبح مفهوماً. الترجمة الفعلية لهذه التصريحات هي أن السلطة قبلت بأن تضم إسرائيل الكتل الاستيطانية الكبيرة لها، بمعنى تعديل خط الهدنة بطريقة تمكن إسرائيل من ضم المستوطنات لها، فيما يجري تعويض السلطة بمساحة من الأرض بدل المقتطعة من الضفة. الحديث عن المساحة يعني أن مشكلة السلطة الوحيدة هي أنها تريد مساحة مساوية لما ستستولي عليه إسرائيل، وهي النقطة التي كانت محل خلاف بين الجانبين لأن إسرئيل كانت تصر على تبادل غير متساوٍ من حيث المساحة ولا من حيث النوعية التي يستحيل أصلاً تحقيقها: أين مثلاً يمكن الحصول على أرض بها حوض مائي مقابل الأرض التي بها حوض مائي والتي ستستولي عليها إسرائيل بسبب وجود كتلة استيطانية فيها؟
أيضاً ما يتعلق بمسألة اللاجئين.. فإن مجرد إعلان السلطة بأنها تريد حلاً متفقاً عليه لمسألتهم، يعني عملياً، إلغاء حق العودة، لأن المبدأ الوحيد الذي يجتمع عليه اليسار والوسط واليمين الإسرائيلي هو رفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين مصحوباً بإعلان "عنصري" بأن إسرائيل هي دولة يهودية. ما لا يحاول قادة السلطة تفسيره هو أن قبولهم لمبدأ حل "متفق" عليه مع إسرائيل لمسألة اللاجئين، يعني فعلياً إلغاء حق العودة، لأن الوضع الطبيعي، أو بشكل أدق، أحد مبادئ منظمة التحرير التي قامت عليها، والتي تبنتها جميع فصائل المنظمة، هو أن حق العودة غير قابل للتصرف، ومطلوب من إسرائيل الموافقة عليه حتى تتم تسوية الصراع معها. مشكلة قادة السلطة أنهم لا يقومون بتفسير ما يقولونه لشعبهم، بينما يقومون بتفسيره للصحافة الإسرائيلية وفي جلسات المفاوضات المغلقة. من هنا لا نعتقد بأن الأرقام التي ذكرتها الجزيرة فيما يتعلق بحيثيات التفاوض حول هذه المسألة كاذبة، السلطة تريد مكسباً رمزياً - على سبيل المثال عودة عشرة آلاف لاجئ كل عام لمدة عشر سنوات، بينما ترفض إسرائيل إعطاء السلطة أي مكسب في هذا الملف لأنه مغلق بإجماع اليسار واليمين فيها. ما نقل عن القدس أيضاً، بما فيه إدارة الحرم القدسي بدل السيادة عليه، يتفق مع مبادرة كلينتون والتي قبل بها الرئيس عرفات وإن كان قبوله تم بعد رحيل كلينتون من البيت الأبيض. الجديد –كما قال خليل التفكجي- ربما هو الحديث عن إلحاق أجزاء من الحي الأرمني بإسرائيل، والاستعداد لمناقشة مسألة السيادة على حي الشيخ جراح او جزء منه. لكن ذلك يجب ألا يشكل مفاجأة لأحد لأن مسألة "تبادل الأراضي" حاضرة وكافية لتقديم الحلول "الخلاقة" عندما تستعصي المفاوضات.
ما يتعلق بالتنسيق الأمني.. وهنا علي أن أعترف بأني صدمت من إنكار السلطة له. كيف يمكن إنكار ذلك في الوقت الذي يتم فيه ذلك في منتصف النهار. ما لا تقوله السلطة صراحة هو أن السبب الحقيقي لتلقيها المساعدات المالية من قبل المانحين، "عرباً وعجماً"، هو مقابل هذا التنسيق الأمني. في اليوم الذي ينتهي فيه التنسيق الأمني، تتوقف المساعدات المالية، وتتوقف السلطة معها أن تكون سلطة. من المخجل حقاً الاستخفاف بعقول الناس وادعاء عدم وجود تنسيق أمني، فيما يعلم جميع الفلسطينيين بأن هذه المسألة تحديداً هي من أهم أسباب عدم تمكن سلطة رام الله وسلطة غزة من الاتفاق. التنسيق الأمني لا يتوقف عند منع عمليات مسلحة ضد إسرائيل، بل يشتمل أيضاً على عمليات تبادل للمعلومات لمنع العمل المسلح. كل هذا معروف، لا جديد فيه، ولا يجب إنكاره، لأنه ينسجم مع تصريحات قادة السلطة. إن إنكاره فقط، هو ما يثير الريبة في جدية القائمين على المفاوضات.. فإذا كان الإنكار والحديث عن مؤامرة تستهدف "السلطة" بمجرد نشر الوثائق فكيف يمكن لهؤلاء "القادة" تمرير حل سياسي في حال الاتفاق عليه وفق المبادئ التي قبلوا بها؟
على أية حال لا تتوقف المشكلة عند "الردة القبلية" التي أصابت السلطة بالانتقال الى موقع الدفاع والإنكار، بل تتجاوز ذلك الى عدم استغلال الفرصه لتصحيح المسار. كان على قادة السلطة أن يقولوا إن جميع ما نشر دقيق وأن جميع التنازلات التي قدمناها لتسوية الصراع رفضت من جانب إسرائيل، كما تشير الوثائق، ولهذا فإننا لا نعتبر أنفسنا ملزمين بأي من هذه الافكار. هل تستطيع السلطة القيام بذلك؟ هذا سيتطلب منها التوقف عن القول إن انتفاضة جديدة لن تحدث، لأن الإقرار بحقيقة رفض إسرائيل لكل "السخاء" الفلسطيني، يحتاج الى بديل سياسي، إذ لا يمكن القبول ببقاء الاحتلال، وهو ما يعني عملياً، فتح الباب لاحتمالات جديدة في الصراع. وقول ذلك صراحة يعني أيضاً الإقرار بأن التنسيق الأمني يقف عقبة امام خيارات جديدة وهو ما يستدعي وقفه، بل حتى، حل أجهزة الأمن والاكتفاء بوجود شرطة لمنع الجريمة وتنظيم حركة المرور وتنفيذ قرارات القضاء. لكن هل السلطة جاهزة لما يترتب على ذلك من وقف "المساعدات" المالية؟
السلطة بلا شك وضعت نفسها في موقف لا تحسد عليه. هي لا تستطيع الإعلان بأن "سخاءها" في المفاوضات لم يؤد الى إقناع قادة إسرائيل بقبول التسوية.. فلا أكبر "أورشليم في التاريخ" لإسرائيل، ولا العودة الرمزية للاجئين، ولا التخلي عن حق السيادة على "الحرم" كان كافياً لاستمالة إسرائيل باتجاه "السلام". وهي أيضاً، ليست راغبة في "نفض يدها" من ملف تديره منذ عشرين عاماً لأن ذلك سيغير قواعد اللعبة، والسلطة ليست جاهزة او راغبة بذلك. من هنا كان هذا الارتباك في مواجهة ما قالت الجزيرة بأنه "مستور". على أية حال، التغيرات الهائلة التي تحدث في العالم العربي اليوم، يجب أن تشكل بداية جديدة لمنظمة التحرير، إذ لا يعقل استجداء السلام من كارهيه في الوقت الذي بدأت فيه الشعوب العربية تنتصر لنفسها على امتداد الوطن العربي الكبير.
صائب عريقات يهزم "الجزيرة"
حمادة فراعنة
كان من المفترض، ان يُلملم صائب عريقات أوراقه من أمام أحمد منصور، مهزوماً مدحوراً، لأن حجته ضعيفة، فتتم إدانته من قبل مذيع الجزيرة الحزبي المسيس، ولأن المسؤول الفلسطيني متورط حتى أذنيه ومطلوب رأسه للجمهور "الإخواني" و "الحمساوي" الذي ينتظر قرارات أحمد منصور المعهودة، فتتم الإطاحة بالمفاوض صائب عريقات، لأن دعوته للجزيرة تمت بهدف محدد وهو تأمين المصداقية لبرنامج "كشف المستور" من خلال مشاركة أحد المتورطين بتقديم التنازلات التي قررتها "الجزيرة" عبر البرنامج، ولتأكيد نزاهة "الجزيرة" ومهنيتها، لأنها ترفع عنواناً وشعاراً يقول بعرض "الرأي والرأي الآخر" والآخر هو صائب عريقات، باعتباره الدمغة التي ستوفر للجمهور وتؤكد له مصداقية قرار "الجزيرة" بتجريم القيادة الفلسطينية وإدانتها .
ولكن النتيجة لم تكن بقدر طموح "الجزيرة" وقرارها، فكانت صلابة صائب عريقات وتماسكه، الصخرة التي تحطم عليها كبرياء "الجزيرة" وعنجهيتها، فالعاملون والمذيعون ومقدمو البرامج على شاشة الثراء الممول من الغاز والبترول دولار، لم يتعودوا أن يصمد أحد مهما كان موقعه ومكانته أمام جبروت "الجزيرة" وخبرات العاملين فيها، وبشكل خاص أحمد منصور، المسنود من الإدارة ومن أكبر حركة سياسية عابرة للحدود في العالم العربي : حركة الإخوان المسلمين .
أحمد منصور بدلاً من أن يُرغم صائب عريقات على لملمة أوراقه ويدفعه للهروب، مهزوماً، بادر هو ولأول مرة في تاريخ "الجزيرة" كي يُسارع لـلملمة أوراقه، وينهي البرنامج حتى لا تبقى شاشة "الجزيرة" مفتوحة لعرض موقف ورؤية وقناعات صائب عريقات وما يمثل .
لقد تم إحضار كبير المفاوضين الفلسطينيين لإدانته وهزيمته وتعرية مواقفه، لا أن يكون شهادة إدانة للجزيرة ومحرضا عليها، ويحمل تهديداً لتقديمها للمحاكمة، المحاكمة أمام الجمهور المتحفز، والمحاكمة أمام القضاء لعدم نزاهتها وتزويرها الانتقائي بهدف تجريم وتخوين البواسل من قادة الشعب المعذب على أيدي الاحتلال وعلى أيدي الانقلاب، وها هم الأشقاء الأشقياء يساهمون بالذبح مع كتاب التمويل مدفوعي الأجر من الغاز دولار .
يفترض بالجزيرة أن تكون أداة إعلامية، مهنية، مستقلة، تؤمن حقاً بالرأي والرأي الآخر، خاصة وإن بيت صاحبها من زجاج هش ولكنه محمي من ثلاث محطات اميركية، اثنتان منهم تتبع للبنتاغون والثالثة لمخابرات C.I.A ، ومع ذلك لا يستطيع أي عاقل مدقق إلا والتسليم بقدراتها المالية الهائلة والتي توفر الإمكانية لتجنيد كم كبير ونوعي من الإعلاميين والمهنيين والمراسلين، ولكن هذا كله مجند لمصلحة سياسية حزبية أحادية عنوانها حركة الإخوان المسلمين علناً، وارتباطات سياسية أمنية غير مكشوفة ولكنها مرئية قراءة .
صائب عريقات عرى "الجزيرة" وكشف ما هو مستور لديها وعندها، ودلل على أنها مؤسسة حزبية ليست مستقلة وذات لون واحد، تستحضر الآخر ليس لسماع وجهة نظره، بل لإدانته وتوريطه، بهدف تأكيد صواب خيارات "الجزيرة" الإعلامية السياسية .
و"الجزيرة" عبر كشف المستور، وبرنامج أحمد منصور دللت على أنها تضيق بالرأي الآخر، ولا تتحمله، وأنها ضعيفة الحجة، فقد كان على المذيع أحمد منصور ان يظهر على انه محايد، لديه أوراق، أو وثيقة، أو وجهة نظر، يعرضها بلا تعصب، وبدون موقف مسبق، ولكنه كحزبي وإخوانجي، لم يستطع التحرر من انحيازه المسبق وعدائه المسبق ضد منظمة التحرير، كما هي حركة الإخوان المسلمين منذ ان تأسست المنظمة عام 1964 لأنها في نظر "الإخوانجية" إحدى أدوات عبد الناصر في ذلك الوقت، وغدت أداة شيوعية حينما انخرط في صفوفها اليسار الفلسطيني الشعبية والديمقراطية والشيوعيون، وازداد عداء " الإخوان " وتواصل ضد المنظمه حينما شارك في قيادتها وائتلافها التيار القومي من البعثيين وغيرهم .
"الجزيرة" واحمد منصور، انتصرا في معارك إعلامية كبيرة، أحرجوا العديد من السياسيين، وهزموا بعضهم، لكن "الجزيرة" وأحمد منصور، هُزما أمام صائب عريقات ولم يتحملا نقده وشراسته وشجاعته سواء في عرض اوراقه أو في الدفاع عن قضيته وقيادته .
كم من السياسيين لملموا أوراقهم من على طاولة "الجزيرة" وأمام شاشتها، ولكنها المرة الأولى التي تُلملم الجزيرة نفسها، وتُغلق شاشتها أمام قائد فلسطيني اسمه صائب عريقات .
صائب عريقات لأنه صاحب قضية، كان محروقا منفعلا، مندفعا بصلابته بلا تردد، انتصر على المستوى الشخصي، ولكن انتصاره سُجل لصالح الشعب الفلسطيني، ولمنظمة التحرير وهو عضو لجنتها التنفيذية، ولحركة فتح وهو عضو لجنتها المركزية وللمفاوضات لانها احدى الوسائل لاستعادة حقوق وكرامة شعبه الفلسطيني .


رد مع اقتباس