أقلام وآراء

ـــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

العلمانية والدين في الشرق الاوسط

الانظمة السياسية العربية التي صارعت الاسلام السياسي تضطر الآن الى اتخاذ خطوات تصالحية مع الاسلاميين

بقلم: دانيال زيسنوين/ ترجمة القدس العربي

مقدمة: تبرز في جملة المسائل التي تشغل باحثين ومؤرخين للشرق الاوسط الحديث، العلاقات بين الدين والدولة، ثم الاتجاهات والتوجهات التي تقف وراء سياسة نظم الحكم المختلفة نحو الدين، في البرنامج البحثي. وليس هذا الشأن الاكاديمي نزوة شخصية لباحثين خاصين، بل يعبر عن واقع عاصف ثائر في دول كثيرة من الشرق الاوسط تجذب بطبيعة الامر الانتباه وتثير بين الباحثين الذين يتابعون التغييرات والتطورات داخلها من قريب، اسئلة كثيرة. في هذه الدول وأكثر سكانها من المسلمين يتعلق السؤال عن مكانة الدين بجميع المستويات تقريبا بالسياسة والمجتمع والاقتصاد المحلي. هذا الى جانب ان الدين الاسلامي في هذه الدول قد استخدمه حكام ونظم حكم مختلفة طوال السنين أداة سهلة ناجعة لاكتساب الشرعية العامة وتسويغ سياستهم ولتنمية هوية قومية ذات صلة وثيقة بالدين في حالات كثيرة.

لكن التاريخ الحديث للشرق الاوسط يعرض أمثلة عكسية ايضا لحكام ونظم حكم رأوا الاسلام هدفا مركزيا للنقد والهجوم الحقيقي، في اطار جهودهم لارساء تغييرات شاملة في المجتمع والثقافة السياسية في الدولة. وأُدرجت هذه الجهود أكثر من مرة في سياسة أوسع من الطموح الى الحداثة التي يقع في أساسها تحطيم البنى الاجتماعية التقليدية وايجاد أطر جديدة بديلة عنها. وعُرضت هذه الاعمال أكثر من مرة على أنها جزء من خطة أشمل لـ'علمنة' المجتمع، بمبادرة القيادة أو نظام الحكم على نحو عام.

ومع ذلك واجه قليلون محاولة تعريف ما هي تلك 'العلمنة' وما هو معنى هذا المصطلح في هذه المجتمعات. ان خطط 'العلمنة' هذه صرفت اليها انتباها كبيرا في البحث وخارجه. وكان يُنظر اليها أكثر من مرة (خطأ) على أنها برنامج مجتمع من الشرق الاوسط/ عربي/ مسلم جديد يسقط عنه ما كان يُرى اخفاقات وصعابا مصدرها الاسلام. وكان التصور الذي ساد المبادرين الى هذه الخطط ومؤيديها هو ان الاسلام والمؤسسات المتصلة به منعا هذه المجتمعات من ان تجد مكانها في عالم القرن العشرين المتغير. وأصبحت مبادرات العلمنة الجديدة تُرى بحسب ذلك مبشرة بعصر جديد في حياة المجتمعات في الشرق الاوسط ، يقود السكان الى أفق سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي أفضل قياسا بالواقع الاشكالي الذي برز فيها في النصف الثاني من القرن العشرين وبدء القرن الواحد والعشرين. وقام هذا التصور في أساس الابحاث والتفسيرات التي أُعطيت للتطورات التي جرت على دول مثل العراق وسورية، بل ليبيا بعد تولي القذافي مقاليد الحكم في 1969.

كان هناك باحثون حذروا زملاءهم من ألا تدور برؤوسهم هذه الخطط والمشروعات مهما كانت مُحمسة، وأشاروا الى تميز واختلاف المجتمعات المسلمة في الشرق الاوسط قياسا بمناطق جغرافية اخرى. ودار معظم مزاعمهم حول صبغة مسارات 'العلمنة' هذه بحسب التراث الغربي الاوروبي، حيث نشأت عن طبقات اجتماعية جديدة ابتعدت رويدا رويدا عن الدين ومؤسساته ووضعت الأسس لمجتمع جديد. وقام في مقدمة المحذرين البروفيسور برنارد لويس الذي أشار في مقالاته وكتبه الكثيرة الى عدم التوافق بين المسارات التي جرت على مجتمعات اوروبية والواقع في الشرق الاوسط، والى صعوبة وصف الشرق الاوسط بأدوات اوروبية. ويصعب في ضوء هذا الحديث عن 'علمنة' في الشرق الاوسط بالمعنى الذي نعرفه من التاريخ الغربي.

كانت الثورة الاسلامية في ايران ضربة قوية لاولئك الذين توقعوا ان يروا الشرق الاوسط يتحول صوب قدر أكبر من العلمانية. فقد كانت تُرى ايران خاصة في ذلك الوقت مرشحة ملائمة لتصبح دولة 'علمانية'، وبين يدي ذلك جهود نظام الشاه في هذا الاتجاه، ومن هنا ايضا جاءت دهشة محللين كثيرين صعب عليهم ان يروا قوة الدين بين الجماهير في ايران التي أرادت اسقاط النظام الملكي هناك. وأثر تولي الخميني الحكم في المنطقة كلها. فوجدت دول ونظم حكم مختلفة كانت تُرى دائما 'علمانية' أو 'غير اسلامية' على الأقل، نفسها في مواجهة متصاعدة لحركات وقادة ذوي توجه 'اسلامي' لم يروا الدين الاسلامي عقيدة وعبادة فحسب، بل عقيدة سياسية ايضا. وتبنت الجماهير في الشرق الاوسط التي سعت الى ملاذ فكري من ازماتها، هذه الحركات بحماسة كبيرة وغيرت توازن القوى السياسية في دول كثيرة. واضطرت الحركات الاسلامية في هذا الواقع ايضا، لا النظم 'العلمانية' فقط، الى مواجهة واقع سياسي معقد ومحاولة ان تجد نفسها فيه. واستعملت نظم الحكم من جهتها اجراءات مختلفة أسقطت عنها صبغة 'العلمانية' مع محاولة تحجيم تأثير الحركات الاسلامية. وأصبح الواقع الاقليمي من هذه الجهة أشد تعقيدا وأصبح الصاق سمة العلمانية أو حركات 'دينية' أمرا أصعب.

قام هذا الواقع في مركز يوم بحث جرى في سنة 2009 في مركز ديان لدراسات الشرق الاوسط وافريقيا في جامعة تل ابيب، تُقدم ابحاثه عن العلمانية والدين والدولة الى القراء الآن.

ورغم الوقت الذي انصرم ورغم التغييرات الحادة التي طرأت على المنطقة منذ مطلع سنة 2011، توجد في هذه الابحاث مدركات مهمة لاضاءة اسئلة ستظل، في شبه يقين، في مقدمة برنامج العمل في دول كثيرة. وفي الوقت الذي تجري فيه تغييرات حادة على دول مختلفة من المهم ان نفهم علاقات القوى بين التيارات والهويات غير الدينية والعناصر الاسلامية فيها. تستعرض مقالتا عوفره بنجيو وإيال زيسر تطورات تمت في عقود سابقة في سورية والعراق، أساسها اقتراب القيادة والنظام من الدين واتخاذ رموزه في اطار محاولة تعزيز شرعيتها العامة.

وتصف مقالة يهوديت رونين عن ليبيا تطورا مشابها وجد زعيم ليبيا القذافي نفسه معه في مواجهة مع جهات اسلامية. والواقع في الجزائر الذي يصفه جدعون غارا في مقالته أكثر تعقيدا. فقد كافحت الجزائر صعود الاسلام السياسي خلال تسعينيات القرن العشرين، ورغم ان نظام الحكم تغلب على هذه القوى، ما تزال الازمة الداخلية فيها بعيدة عن النهاية وتضطر النظام الى خطوات تصالح من جهة بقايا مؤيدي الاسلاميين وتقوي من جهة اخرى التأييد العام لنظام الحكم.

والواقع في المغرب بالنسبة للاسلام، الذي يصفه دانيال زيسنوين هو توجه أوسط بين الطرفين 'العلماني' و'الاسلامي'، وقد يصبح نموذجا تحتذيه دول اخرى في المنطقة.

تعرض مقالات اخرى في هذا المجموع التطورات التي وقعت في الجانب الثاني من المتراس داخل حركات سياسية أو نظم حكم تبنت مواقف اسلامية. فتصف ميره سوريف معضلات حركة الاخوان المسلمين في مصر بسبب المشاركة في اللعبة السياسية في نظام حسني مبارك، في حين تبحث شيراز تسيمت تأثيرات عقائد الثورة في ايران في سياسة هذه الدولة الخارجية.

ويتناول ناحوم شيله جانبا آخر من الاسلام هو تأثير المصرفية الاسلامية التي لا ربا فيها في دول الخليج واقتصاداتها. والاستنتاج الذي تثيره قراءة هذه المقالات هو ان آخر كلمة في هذه المسائل بعيدة من ان تُقال وأن هذه الموضوعات ستظل بارزة في الحياة العامة في هذه الدول في المستقبل القريب ايضا.

هذا هو الجنرال قاسم سليماني الذي يخضع الجميع له

بقلم: تسيفي اسرائيل عن هآرتس

لرئيس الـ (سي.اي.ايه) ديفيد بتراوس، قصة عن سلسلة القيادة في ايران. في العام 2008، حين كان قائد القوات الامريكية في العراق، في ذروة المعركة ضد قوات الانعزالي الشيعي مقتدى الصدر، نقل اليه مسؤول عراقي رسالة عبر هاتف نقال. 'ايها الجنرال بتراوس: إعلم اني، أنا قاسم سليماني، أدير سياسة ايران في كل ما يتعلق بالعراق، لبنان، غزة وأفغانستان'، كتب في الرسالة القصيرة التي وصلت على شاشة الهاتف، 'السفير الحالي لايران في العراق هو رجل قوات القدس، ومن سيحل محله سيكون رجل قوات القدس'.

كاتب الرسالة القصيرة، الجنرال قاسم سليماني، قائد قوات القدس في الحرس الثوري، درج على أن يضع في مكانهم ليس فقط أعداء الدولة. قبل نحو اسبوعين اقتبس في موقع ايراني على الانترنت 'ميلي مزهبي' كمن وبخ بشار الاسد على أنه لا يأخذ بنصائحه. 'نحن نقول له انشر قوات شرطة في الشوارع ولكنه يبعث بالجنود'، غضب سليماني.

هذا هو ذات سليماني الذي يخفض رئيس الحكومة العراقية، نوري المالكي، رأسه امامه عندما يلتقيان. وقد كان مشاركا في العملية في المركز اليهودي في بوينس آيرس في 1994، وقد فعّل قواته في افغانستان وفي القوفاز، وبالاساس، فانه هو أحد الاشخاص الاكثر قربا من الزعيم الاعلى علي خامنئي، سواء لانه هو مسؤوله المباشر أم لانهما صديقان.

لقد تأسست قوات 'القدس' في الحرب الايرانية العراقية كوحدة مختارة مهمتها مساعدة الاكراد في حربهم ضد صدام حسين. في وقت لاحق تحولت الى وحدة تدريب للقوات خارج الدولة، مثل حزب الله وتنفيذ عمليات ضد معارضي النظام في أرجاء العالم.

ولا يتحدث سليماني كثيرا في وسائل الاعلام الايرانية، فهو يترك المهمة للسياسيين الذين لا يأبه بهم كثيرا. ورغم صداقته مع خامنئي فانه ليس مؤيدا كبيرا لطريقة الحكم التي يكون فيها الزعيم الديني الاعلى هو أيضا الزعيم السياسي الاعلى. وهذا ليس فقط المذهب الشخصي لسليماني.

مقابلات وتحقيقات صحافية اجراها منفيون ايرانيون ودبلوماسيون سابقون، نشرت في الغرب تبين ان طريقة الحكم الايرانية التي صممها الخميني، وفيها الزعيم السياسي الاعلى هو الزعيم الديني الاعلى هي موضع خلاف داخلي. فقهاء مهمون يعارضونها ويفضلون ابعاد الدين عن الدور المباشر في السياسة او في الجيش. سليماني ابن الـ55، ليس فقيها وتعليمه ليس دينيا. في شبابه كان عامل بناء بسيطا، ساعد على اعالة عائلته الفقيرة، وبعد ذلك اصبح فنيا في دائرة المياه في مدينة كرمان. ولا يوجد دليل على أنه شارك في المظاهرات ضد الشاه الفارسي. ولكن سليماني انضم الى القوات 'الصحيحة'، شارك في الحرب الايرانية العراقية وانضم كمتطوع الى فرع الحرس الثوري في كرمان. وفي حينه تلقى تدريبا عسكريا لستة اسابيع فقط، وهو اليوم يعتبر الرجل القوي في الحرس الثوري، اقوى حتى من قائد الحرس الجنرال محمد علي جعفري.

العلاقات في هرم القيادة في الحرس الثوري تشبه أغلب الظن كل هيئة أركان عليا في كل جيش. عندما شرح موشيه يعلون بانه احتذى احذية طويلة فهو يحذر من 'الافاعي' في وزارة الدفاع، يمكن لهذا الوصف أن يناسب ما يجري في قيادة الحرس الثوري. وهكذا بعد أن تسلم علي خامنئي الحكم في العام 1997، أقال قائد الحرس محسن رضوي، الذي كان في منصبه 16 سنة، وعين مكانه يحيى رحيم صفوي. وردا على هذه الخطوة كتب في حينه 31 ضابطا كبيرا في الحرس، بينهم سليمان، رسالة احتجاج للرئيس على إقالة رضوي. ولكن بالذات صفوي هو الذي عين سليماني في نهاية التسعينيات قائدا لقوات القدس بدلا من أحمد وحيدي، الذي يعمل اليوم وزيرا للدفاع. وكان وحيدي مشاركا في قضية ايران غيت في الثمانينيات، بل ويوجد بحقه أمر اعتقال للاشتباه بدوره في العملية في بوينس آيرس.

لسلسلة هذه التعيينات تأثير هائل على تصميم شبكة العلاقات بين القادة في الحرس الثوري وبين الساحة السياسية. هذه ساحة ولاء وخصومة مخططة جيدا، عرضية وليس فقط هرمية، تربط بين قادة الاذرع الاربعة في الحرس البحري، البري، الجوي وقوات القدس وبين قطبي السلطة السياسية، الزعيم الاعلى علي خامنئي والرئيس محمود احمدي نجاد اللذين طورا في السنتين الاخيرتين نفورا عميقا واشتباها الواحد تجاه الاخر.

في لجة الخلاف بينهما لمح خامنئي بانه لا يوجد عائق قانوني لتغيير طريقة إدارة الدولة بحيث أن البرلمان وليس الجمهور هو الذي ينتخب الرئيس التالي في السنة القادمة. في كل الاحوال فان احمدي نجاد، الذي ينهي ولايته الثانية، لن يتمكن من اعادة انتخابه. ولكن علنية الخلاف بين الرجلين أجبرت جماعات القيادة في الحرس الثوري وفي المراكز الدينية من الايضاح لمن هم موالون.

هذه ليست ظاهرة جديدة. فالخلافات الداخلية رافقت قيادة الثورة منذ نشوبها. ولكن شخصية الخميني والولاء الجارف من جانب الحرس الثوري له وكونه فقيها كارزماتيا، في الدرجة العليا من الهرمية الدينية الشيعية، كل هذا منحه الصلاحية والشرعية لتصفيه خصومه الدينيين والسياسيين على حد سواء. اما خامنئي فتنقصه هذه الاسس. فهو لم يكن المرشح المفضل للحلول محل الخميني، وهو تنقصه المرجعية الدينية العليا كما يجدر بالزعيم الديني الاعلى. قبل تعيينه درج على القول انه يعارض طريقة الحكم التي انتهجها الخميني، وذلك على ما يبدو لانه لم يقدر بانه سيكون بوسعه ان يحظى بالمنصب الاعلى.

خامنئي، رجل شكاك بطبعه، ولا يعتمد على قاعدة تأييد جماهيرية أو عائلية مهمة، خلافا للرئيس السابق رفسنجاني الذي تؤيده طبقة التجار ولعائلته علاقات متفرعة أقام بسرعة شبكة موازية من السيطرة. فله مندوب في كل ذراع عسكري وفي كل وزارة حكومية، والوزراء موالون له فقط ويرفعون التقارير مباشرة له وليس للرئيس احمدي نجاد. مثل هذا كان وزير الخارجية السابق منصهر متقي الذي أقاله احمدي نجاد، هكذا كان وزير الدفاع وحيدي الذي يترأس أيضا مشروع الانتاج العسكري المحلي، وكذا وزير الاستخبارات حيدر مصلحي الذي أقاله احمدي نجاد في العام 2011 ولكنه اعيد الى منصبه بأمر من خامنئي.

هؤلاء المندوبون يشكلون ايضا شبكة اتصال وحماية من نوايا مراكز القوة، مثل الرئيس، قادة الحرس الثوري او الفقهاء المتمردين، من محاولة ضعضعة مكانة خامنئي. والى جانب مندوبيه في الحكومة، في الحرس الثوري وفي الجيش، ييقي خامنئي الى جانبه بسلسلة من المستشارين في كل المجالات. أحد ابرزهم هو علي اكبر ولايتي، مستشار شؤون السياسة الخارجية، الذي كان وزيرا للخارجية ودبلوماسيا كبيرا.

ولايتي، الذي يقلل من الحديث الى وسائل الاعلام هو ايضا على ما يبدو رجل السر لخامنئي في مهماته السرية الى خارج البلاد، تلك التي لا يريد خامنئي ان يشرك فيها احمدي نجاد أو وزير خارجيته علي اكبر صالحي.

ولايتي لا يعمل متطوعا. قربه من الزعيم الاعلى سمح له بان يشتري بعض المستشفيات في طهران، كما يجدر بمن اختص في طب الاطفال بالذات في جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة. صديق قريب آخر هو محسن رفيقدوست، الذي كان حتى 1999 رئيس مؤسسة 'المستضعفين' التي تستهدف مساعدة الطبقات الفقيرة وعائلات شهداء الحرب الايرانية العراقية. رفيقدوست الذي عمل وزير شؤون الحرس الثوري هو أحد الاشخاص الاغنياء في ايران. وهو يدير مؤسسة 'نور' التي تبني الاف وحدات السكن وهو أحد المسؤولين الكبار عن جهاز خامنئي. كما أن رئيس أركان الجيش الايراني، حسن فيروز أبادي، هو صديق قريب للزعيم الاعلى منذ عهد ما قبل الثورة. فيروز عبادي هو طبيب بيطري في مهنته، عديم الخبرة العسكرية، باستثناء مشاركته في سنوات الثورة الاولى في قوات البسيج (ميليشيا المتطوعين المسؤولة ضمن أمور اخرى عن قمع المظاهرات). ثراؤه شديد، ولكن مصادر دخله تبقى مجهولة.

هؤلاء هم فقط البارزون بين المستشارين الذين يقتربون من أذني خامنئي. الى جانبهم توجد شبكة اخرى متفرعة من الاقرباء الذين يتبوأون مناصب عليا، فقهاء من الدرجة الثانية. المسؤولون عن علاقة الخميني مع المراكز الدينية الشيعية المهمة مثل ذاك الذي في قم أو اصفهان، او مستشارون يحرصون على العلاقة مع زعماء الاقليات الكثيرة في ايران. كل هؤلاء تمولهم شبكة مالية هائلة، معظمها، مثل الجيش والحرس الثوري، لا تخضع لرقابة البرلمان، وبعضها بتمويل خاص من 'متبرعين' واعمال تجارية غامضة، مسؤول عنها ابن خامنئي، مجتبى، الذي يسمى احيانا 'رئيس المافيا'.

اذهبوا الى سوريا واكتبوا عن حماس

بقلم: جدعون ليفي عن هآرتس

لم تكن هذه هي السنة الاسوأ وليست الدولة هي الاسوأ، بل يوجد اسوأ حتى من بنيامين نتنياهو. ويجب ان نقول هذا الكلام عشية رأس السنة على تفاحة مغموسة بالعسل. وهو لا يُضعف بشيء من قوة النقد الذي وجه هنا في سنة ليست هي الأفضل ودولة ليست هي الأفضل؛ ومع كل ذلك يجب ايضا ان نرى ربع الكأس المليء.

كانت هذه سنة غير دامية نسبيا، فقد وقع نحو من 80 قتيلا فلسطينيا أكثرهم في غزة، ومن غير ان يقع قتلى اسرائيليون تقريبا. ولم توجد سنوات كثيرة كهذه، ولم تبدأ اسرائيل فيها حربا وليس هذا ايضا أمرا مفهوما من تلقاء نفسه ولا سيما في هذه السنة.

وكانت سنة غير سيئة في مجالات اخرى ايضا، رغم ازدياد الازمة الاقتصادية وخفوت الاحتجاج الاجتماعي ورفع العنصرية لرأسها وتأجيج المخاوف والكراهية. ليست هي بيقين اسوأ سنة في تاريخنا. ان الهجمات على الديمقراطية صُدت جزئيا ولا يشمل هذا الخطر الذي يترصد الصحافة. وقد عرفت مكانة اسرائيل الدولية ايضا سنين اسوأ منها.

والشيء الأساسي رغم كل ما يُخيل الينا ان هذه الدولة ليست اسوأ الدول. ليست هي دارة في غابة كما يحب الاسرائيليون ان تكون ومع كل ذلك فهي مبنى مشترك أسسه مضعضعة أخذ الجص يسقط عنه منذ زمن. لكنه بيت بل انه ليس أقبح بيت في المدينة. فسورية وروسيا والصين أقبح كثيرا وليست امريكا ايضا شيئا حسنا.

كانت هذه سنة المخاوف في ارض التخويف، لكن كل السنين هنا تقريبا هي كذلك، وحتى حينما تكون حقا فانها توجه على الخطر غير الصحيح؛ وحينما تكون واقعية تكون مفرطة بصورة سافرة ايضا.

فأنا لا أتذكر منذ حداثتي في هذه البلاد سنة بلا تخويف من خطر 'المتسللين' في خمسينيات القرن الماضي، الى الخوف من 'المتسللين' في 2012، لا جديد تحت الشمس الاسرائيلية، فربما يجب ان نعتاد على هذا.

توجد عنصرية وقومية وعنف واستكبار وحيوانية ومسيحانية لكنها ليست اسوأ الدول مع كل ذلك، يصعب علي أن اؤمن بأنني أكتب هذا، لكن هذه هي الحقيقة. فرغم كل ذلك فان الحديث هو عن دولة معجزة تقريبا، فهي مجتمع مهاجرين بنى دولة عندها ما تفخر به حقا سوى الميدالية الذهبية في الالعاب الاولمبية للمعاقين، وسوى الفوز ثلاث مرات في مسابقة الغناء الاوروبية، وسوى عشر جوائز نوبل واختراع أنابيب تقطير الماء؛ بل يوجد أكثر مما كُتب في الكراسة السخيفة 'تبيان اسرائيل' التي توزع في مطار بن غوريون: 'نعلم جميعا ان اسرائيل ترجو السلام... الجليل وطبرية، توسكانا الاسرائيلية... البحر الميت ينافس في اللقب الجليل لواحدة من عجائب الدنيا السبع'، بل ان هذه الكراسة تمس شغاف القلب بعاطفيتها.

لا يجوز ايضا ان نُدفع الى امتحان المقارنة. فهم دائما يقذفون اليساريين بقولهم: اذهبوا الى سورية، واكتبوا عن حماس، وانظروا كيف يعذب الامريكيون في غوانتانامو.

ان الامتحان الاخلاقي مطلق غير نسبي، واسرائيل تفشل فيه فشلا ذريعا وهم يخطّون حدود دولة غير اخلاقية بصورة سافرة. ولكنها ليست الاسوأ مع ذلك، فما تزال الحرية لمواطنيها ولا سيما اليهود منهم مدهشة؛ والابداع الفني في غليان وهو ممتاز؛ والمناخ مريح والسواحل والمناظر الطبيعية مدهشة والاغاني عبرية، بل ان الناس لطفاء، احيانا.

والدبلوماسيون الذين خدموا هنا يشتاقون الى العودة (اذا لم يكونوا استدعوهم الى 'محادثات توبيخ' متقاربة جدا)، ويعود السياح متأثرين (اذا لم يكونوا جردوهم من ملابسهم في مطار بن غوريون) ويُبلغ الاسرائيليون في استطلاعات الرأي ان حالهم جيدة ويطيب لهم العيش ايضا (لا يشمل هذا الاسعار والمهاجرين من افريقية).

لا شيء من كل ذلك مفهوم من تلقاء نفسه، بل كان يمكن ان يكون اسوأ كثيرا القنبلة الذرية في ايران مثلا أو اتخاذ 'قانون النكبة' الذي يكون أكثر شمولا. ان هذه السنة غير السيئة قد تنذر ايضا بسنين اسوأ كثيرا لأنها كانت سنة نمنا فيها ولم نفعل شيئا لابطال الأخطار الحقيقية. ومع كل ذلك فهي حلوة كالعسل تقريبا ولو للحظة حلوة واحدة عشية رأس السنة.

أول أمس في ليل السبت، في المتنزه الرائع في منحدر يافا، مع الشفق الاحمر ومئات الاسرائيليين من العرب واليهود والمهاجرين معا، كان يُخيل الينا للحظة أن هذه ربما تكون بلدة رائعة، رغم كل شيء.

موت السلام الاقتصادي

بقلم: آفي يسسخروف عن هآرتس

يرمز الاحتجاج الاجتماعي الفلسطيني، الذي استمر نحو اسبوع في ارجاء الضفة الغربية وخبا مع نهاية الاسبوع بمفاهيم كثيرة الى نهاية عصر السلطة الفلسطينية المعروفة والمريحة لحكومة اسرائيل.

فالالاف الذين خرجوا الى الشوارع واصطدموا بقوات الامن الفلسطينية، رشقوا الاحذية على صور رئيس الوزراء سلام فياض، وهاجموا رموز السلطة، كشفوا بكامل عريها فكرة 'السلام الاقتصادي' من مصنع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

فقد انكشف ضعف هذا الحل الذي تمثل بمساعدة الاقتصاد الفلسطيني بقدر ما من اجل خلق هدوء امني على كامل صورته.

يجتاز الاقتصاد الفلسطيني نوعا من الركود أو الابطاء ومعه تضعف مكانة السلطة، اجهزة الامن واصحاب القرار في رام الله. ولعلهم في اسرائيل لا يزالون يلهون أنفسهم بالاحلام عن مواصلة سياسة النعامة، استمرار البناء في المستوطنات، الامتناع عن المفاوضات السياسية، الغوص في حياة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (ابو مازن) وتجاهل الارهاب اليهودي. ولكن من المشكوك فيه أن يكون ممكنا الاستمرار في هذا لزمن طويل آخر.

هذه الفقاعة من الهدوء الامني التي خلقتها اسرائيل والسلطة الفلسطينية في السنوات الاخيرة في الضفة، من شأنها أن تتفجر في السنة القريبة القادمة في ضوء السياسة الاسرائيلية والوضع الاقتصادي المتدهور. صحيح أنهم في اسرائيل حاولوا هذا الاسبوع ايضا مواصلة اطفاء الحرائق الصغيرة: تحويل أموال الضرائب للسلطة في وقت مبكر، اصدار 5 الاف تصريح عمل جديد. ولكن يبدو أن الحكومة في القدس وبالاساس رئيسها، رفضوا رؤية ما بات يلوح في الافق، أزمة الميزانية التي تعاني منها السلطة وأغلب الظن ستحتدم قريبا فقط، من شأنها ان تحدث هياجا شديدا في أوساط سكان الضفة. بداية قد يتجه الغضب نحو السلطة الفلسطينية ولكن في نهاية الامر سينتشر ويتجه ضد اسرائيل ايضا.

الشعب يريد عدالة اجتماعية

لقد فهم الجمهور الفلسطيني في الضفة هذا الاسبوع مباشرة ما رآه حتى الان في الفضائيات العربية في أن لديه القدرة للتأثير على قرارات الحكومة. فيوم الثلاثاء خضع فياض للضغط الشديد من جانب المتظاهرين الذين طالبوا برأسه وخفض اسعار الوقود وضريبة القيمة المضافة التي سبق أن رفعت.

وقد نجح هذا على ما يبدو، فابتداء من يوم الثلاثاء سجل تراجع في الاحتجاج الاجتماعي الفلسطيني. ومظاهرات الطلاب التي خطط لها في رام الله يوم الاربعاء حصلت في الحرم الجامعي في ارجاء الضفة ولم تسجل احداث عنف.

المواصلات العامة عادت الى العمل كالمعتاد وأمين عام اتحاد العمال الفلسطينيين، شاهر سعد، رجل فتح، أعلن بان اتحاد السواقين في المواصلات العامة قرر تجميد خطوات الاحتجاج في ضوء التفاهمات التي توصل اليها مع وزير المواصلات علاء زيدان.

وبالفعل، فان الاحتجاجات والمظاهرات هذا الاسبوع بدأها سائقو المواصلات عامة. في نهاية الاسبوع الماضي عطل السائقون السفريات لساعة واحدة، ويوم الاثنين اضربوا اضرابا ليوم كامل. 'اضربنا بسبب الاسعار، بسبب الضرائب وبسبب السلطة الفلسطينية، التي تجبي أموال الضرائب'، يقول 'هـ' سائق سيارة عمومية في محطة 'مجمع بيرزيت'، في شارع الارسال في وسط رام الله.

وانتظرت عشرات السيارات العمومية دورها في المحطة، ظهر يوم الثلاثاء. 'هـ' مثل زملائه في العمل، انتظر ان تمتلئ سيارته كي ينقل المسافرين الى القرى في شمال رام الله. 'أنا اكسب نحو 1500 شيكل في الشهر واذا كان اللتر يكلف نحو 7 شيكلات فكيف سأعيش؟ من ماذا؟ نحن ندفع الضريبة مضاعفة: مرة لوزارة المواصلات ومرة لبلدية رام الله لماذا؟'.

المزيد فالمزيد من السائقين اقتربوا كي يسمعوا ما يقال. 'السلطة سرقت مالنا وكبار المسؤولين يبثعون ابناءهم للتعلم في الخارج'، قال 'ش'، هو الاخر سائق سيارة عمومية، واضاف بان وزارة المواصلات الفلسطينية تسمح للسائقين بان يقلوا سبعة ركاب فقط في سيارة تسع عشرة، وفي اسرائيل يسمح بنقل العشرة. 'نحن نريد ان يرفعوا عدد المسافرين ويخفضوا اسعار الوقود'، قال. السائق أحمد، من احدى قرى شمال رام الله، بدأ بسلسلة ملاحظات ذكرتنا بحملة يئير لبيد. 'أين المال؟'، سأل. 'أنا اعمل من 5:30 صباحا وحتى 6:30 مساء. 70 شيكلا في اليوم. نحن ستة افراد في البيت والايجار يكلفني 500 شيكل. كيف يمكنني أن ادفع؟ أقول لك انا مستعد لان اترك الضفة ما أن انجح في ذلك'.

السؤال اذا كانوا يحتجون ضد رئيس الوزراء لانهم يؤيدون فتح، يغضبهم. 'نحن لسنا حزبا او منظمة، نحن اصحاب سيارات عمومية'، يشرح احمد. 'الوضع هنا صعب جدا، وأعدك بانه اذا سمحت اسرائيل للجميع بالعمل في نطاقها فلن يبقى هنا أحد'.

محاولة فهم لماذا بالذات فياض هو عنوان العداء مع أن عباس هو الذي يقرر السياسة، تثير الغضب تجاه الرئيس ايضا. 'اذا كان عباس عين فياض، فليذهب هو ايضا'، يقول 'ي' رفيق أحمد. 'هدفنا هو العيش بسلام. دعك من السياسة والسياسيين. فقط العيش بسلام وبكرامة مع رزق طبيعي'.

س: ولكن كيف تشرحون كل المطاعم، المجمعات التجارية الجديدة في رام الله؟

'انت مخطئ'، يقول احمد. 'رام الله هي مثل تل أبيب عندكم. تعال الى القرى، وسترى ماذا يحصل هناك'. ويدعي 'ي' بانه اذا استمر الوضع الاقتصادي كما هو اليوم، فان 'الربيع العربي سيصبح ربيعا فلسطينيا'.

ويبدو ان في السلطة الفلسطينية أيضا يفهمون هذا والفزع واضح. في الاسبوع الماضي، عندما اطلق انتقاد ضد السلطة في البث الحي في التلفزيون الفلسطيني من طولكرم، فان أحدا ما في فريق البث قرر قطع الصوت، الانتقاد قد لا يسمع في التلفزيون ولكن يمكن للمرء ان يسمعه في كل زاوية في الضفة.

يوم ميلاد سعيد لاوسلو

مرت الذكرى الـ 19 لاتفاقات اوسلو. وحسب الاتفاق الاصلي، فانه بعد خمس سنوات من التوقيع يفترض أن تقوم دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل. اتفاقات باريس، التي هي الاخرى طالب المتظاهرون بالغائها، وقعت بعد سنة من ذلك في اطار الاتفاق السياسي المؤقت، الى حين اقامة الدولة الفلسطينية.

احد مهندسي اوسلو، احمد قريع (ابو علاء) الذي وقع على اتفاقات باريس، التقى في بداية الاسبوع مع صحافيين اسرائيليين. وينبغي القول ان القيادة الفلسطينية تقلل من الحوار مع الاعلام الاسرائيلي ولعلها ايضا يئست من التجاهل الاسرائيلي للمسألة الفلسطينية. وتذكر ابو علاء فقال: 'لا بد أن شمعون بيرس يتذكر كيف أنه على مدى ساعات توقفنا في المفاوضات في اوسلو بسبب كلمتي 'لا تتجاوز' في عبارة الفترة الانتقالية لا تتجاوز خمس سنوات'.

وأعرب عن دهشته في ضوء السياسة الاسرائيلية التي 'تتحدث عن حل الدولتين للشعبين ولكنها تقتله'، يقول. 'أنا لا افهم ما الذي تكسبه اسرائيل على الاطلاق من استمرار البناء في المستوطنات أو من الاعتداءات على الفلسطينيين؟ فاذا ما قتلتم حل الدولتين فما الذي ستحصلون عليه؟ ما البديل؟ دولة واحدة. وهذه ليست المصلحة الاسرائيلية'. غريب. زعيم فلسطيني يشرح ببساطة لصحافيين اسرائيليين ما يصعب عليهم في القدس أن يفهموه. هو أيضا واثق من أن الفلسطينيين لن يخرجوا ضد القيادة: 'انتفاضة ضد السلطة؟ انسوا هذا. الانتفاضة لن تكون فقط بسبب اسعار الخبز، بل ستكون بسبب الاحتلال وضده'.


إضغط هنا لتحميل الملف المرفق كاملاً