النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: الملف المصري 612

  1. #1

    الملف المصري 612

    الملف المصري 612
    26/6/2013


    الحلقتين الاولى والثانية من حوار الحياة اللندنية مع محمد البرادعي

    في هذا الملف:
    الحلقة الأولى – حاوره شربل غسان
    البرادعي ": حسابات المجلس العسكري ومخاوفه من «الإخوان» مهدت الطريق لـ«فرعون جديد»

    الحلقة الثانية
    البرادعي: المجلس العسكري استقبلني بتوجس وهذا ما دار مع طنطاوي وعنان وموافي مرسي اتصل بالعسكريين مهدداً: «سنحرق البلد إذا جاء البرادعي رئيساً للوزراء»



    البرادعي ": حسابات المجلس العسكري ومخاوفه من «الإخوان» مهدت الطريق لـ«فرعون جديد»
    الحلقة الأولى – حاوره شربل غسان
    المصدر: الحياة اللندنية
    تعيش مصر على صفيح ساخن وتحبس انفاسها في انتظار 30 حزيران (يونيو) الجاري ذكرى مرور سنة كاملة على تولي الدكتور محمد مرسي مقاليد الرئاسة. تستكمل حركة «تمرد» الشبابية جمع ملايين التواقيع المعارضة للرئيس الوافد من جماعة «الاخوان» وتأمل ان يتخطى عدد المعارضين الموقعين عدد من انتخبوه. وبدورها دعت «جبهة الانقاذ» المعارضة انصارها الى تنظيم احتجاجات سلمية واسعة في ذلك النهار لارغام الفريق الموالي للرئيس على التسليم بأن المخرج الوحيد لاستعادة الاستقرار في مصر يمر عبر اجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
    كان لانخراط الدكتور محمد البرادعي المنسق العام لـ»جبهة الانقاذ» في الثورة المصرية وفي ميدان التحرير بالذات وقع داخلي ودولي. فالرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية شخصية معروفة على الصعيد الدولي حتى قبل حيازته جائزة نوبل. ويرى فيه كثيرون رمزاً للسياسي الذي يمتلك النزاهة والقناعات الديموقراطية العميقة. وكان لافتا
    تحلق كثير من الشبان المصريين حوله إبان الثورة وبعدها. يقود البرادعي من موقعه الحالي حملة للعودة الى الناخبين في انتخابات رئاسية مبكرة معتبراً ان «الاخوان» الذين سرقوا الثورة «فشلوا بامتياز» بعد مرور سنة على تولي مرسي.
    سألت «الحياة» البرادعي عن الانقسام الحاد في مصر وعن الثورة وما اعقبها في ظل المجلس العسكري.
    وهنا نص الحلقة الاولى من الحوار الذي شارك فيه مدير مكتب «الحياة» في مصر الزميل محمد صلاح:
    > هل أنت قلق على مصر؟
    - قلق تماماً... الرؤية غير واضحة، البلد منقسم. أصبحنا مجموعة من القبائل المتناحرة، للأسف جزء من العالم العربي أو جزء من الثقافة السائدة في العالم العربي هو أن نبحث عمّا نختلف عليه وليس عما يجمعنا. مفاصل الدولة تتآكل بطريقة قد تكون غير ملموسة، لكنها تتآكل يومياً، سواء من ناحية الأمن أو الاقتصاد أو التفكير العقلاني، أو من ناحية إدارة الدولة، أو القيم والأخلاق، وهذه أكثر نقطة تقلقني اليوم، غياب العقل والقيم، وهذا ورّثنا عقوداً من الحكم الاستبدادي. أكبر تحدٍ بالنسبة إلينا هو عودة الوعي وعودة القيم التي كانت موجودة في مصر والعالم العربي وأصبحت اليوم عملة نادرة.
    هناك غضب شديد لدى الشباب الذي قام بالثورة لأنه يشعر بأن الثورة سُرِقت منه، أو أن الأمل أو حلمه سُرِق منه، هو كان يحلم بمستقبل.
    هناك حالة غضب وإحباط لدى هؤلاء الشباب الذين يشكّلون 60 في المئة من الشعب المصري وهم دون سن 30 سنة. الثورة قامت لأسباب مختلفة، ولتحقيق الحرية السياسية، غالبية الشعب المصري ثارت لتوفير الحاجات الأساسية، الحق في المأكل والعيش والكرامة والتعامل الإنساني. هؤلاء يشعرون الآن بأن النظام ذاته استمر ولكن بنكهة دينية أو ما يُطلق عليها نكهة دينية.


    > مَنْ سرق الثورة؟
    - سرق الثورة بالطبع «الإخوان المسلمون» ومَنْ معهم ممن يطلقون على أنفسهم اسم التيار الإسلامي. الثورة قامت من أجل حرية وعدالة اجتماعية، ولم يكن الدين سبباً من أسبابها، كما لم يكن سبباً للانقسام في مصر.
    كانت هناك تفرقة طائفية بين المسلمين والأقباط، لكنها حالات وأحداث نحاول التغلب عليها، وكنا نضع مشاكلنا «تحت السجادة»، إنما لم تكن تلك الأمور سبباً لقيام الثورة.
    في الثورة كان هدفنا وخطتنا كيف نتخلص من مبارك، كان يوحدنا هدف واحد. بعد الثورة طغت نشوة النصر عند الشباب، كل منهم تحوّل إلى بطل ثوري وبدأ يقول أنا يسار أو يمين ووسط، والنخبة السياسية كما يطلق عليها انقسمت كما الحال في العالم العربي، وغاب وسط كل ذلك الهدف العام للثورة وهو بناء مصر قائمة على العقل والحداثة والتنوير، لتحقق الحياة الكريمة لـ 40 أو 50 في المئة من الشعب المصري ممن يعيشون بأقل من دولارين في اليوم، ولثلث الشعب الذي لا يقرأ ولا يكتب، ونصف الشعب الذي لا يملك تأميناً صحياً ولا علاجاً ولا ضماناً اجتماعياً.
    كل ذلك لم يتحقق، بل على العكس وجد كل هؤلاء أن الأمور تسير إلى أسوأ، على صعيد الوضع الاقتصادي، وهناك اليوم 3 ملايين شاب عاطل عن العمل، حتى الأمل غير موجود. الأمل هو الحلم الذي أصبح مفقوداً لدى الشباب والطبقة البسيطة وحتى الطبقة المتوسطة. والطبقة العليا التي تُحرّك الاقتصاد، لأن الكل خائف لأسباب مختلفة.
    أيام مبارك كان هناك استبداد وقمع سلطوي، ولكن على الأقل تُركت خارج الإطار السياسي حرية للإنسان للإبداع والعقيدة، خلافاً لحرية التعبير والحرية السياسية التي ووجهت بالقمع. اليوم هناك من يتحدثون عن أن الباليه حرام، وأن أفلام السينما يجب أن تقتصر على الذكور وألاّ تظهر فيها النساء... وأن الموسيقى حرام، والديموقراطية فكرة ظلامية من أيام الأغريق. كذلك هناك إنكار لحقائق تاريخية، غضبوا مني حين قلت إن هناك ما يسمى «الهولوكوست» أو المحرقة سواء اتفقنا أو اختلفنا، هذه حقائق تاريخية، وهناك فرق بين إسرائيل واليهود. نحن نعيش فكراً ظلامياً، لذلك أنا قلق.
    هناك مشكلتان نواجههما اليوم هما سيناء وأثيوبيا.
    > ما مشكلة سيناء؟
    - المشكلة جزء من انعدام الشفافية والمصداقية، وكي أحدد المشكلة لا بد أن أعرف الحقائق، ولكن أحداً لا يعرفها، إلا ما نعلمه من الإعلام.
    في شمال سيناء منطقة خارجة عن السيطرة، ومجموعات من الجهاديين والتكفيريين، عددهم يراوح بين 10 آلاف و15 ألفاً، والسؤال هو هل سننتقل إلى وزيرستان وقندهار؟ 16 شخصاً (جندياً) ذُبحوا منذ عام ولم تنته التحقيقات بعد، ولم نعرف مَنْ وراء الحادث، وأعتقد بأن الرئيس مرسي قال الأسبوع الماضي أن من الأفضل ألاّ نكشف حقيقة مَنْ وراء الحادث. هل هذه إدارة دولة؟
    لا شفافية لمعرفة ما يحدث في مصر، وأحياناً يقال إن القتلة ستة، وإن إسرائيل قتلتهم، هذا الكلام منذ سنتين. ما أعرفه من المصادر الرسمية في الاستخبارات أن أحدهم كان يرتدي حزاماً ناسفاً وفجّر اثنين منهم، لم نقل ذلك للشعب المصري.
    منذ أيام مبارك كانت هناك خلافات وجماعات جهادية، وتعامل أمني فظ مع قبائل سيناء. تسمع أن سلاحاً جاء من ليبيا إلى سيناء، هناك تجارة الأنفاق، قبل 3 أو 4 سنوات قلت إن هذه الأنفاق لا بد أن تنتهي ونقيم منطقة للتجارة الحرة في رفح، لأن من حق شعب غزة أن يأكل ويشرب طبقاً لأي قانون ولا يمكن لأحد أن يعترض على مثل هذه المنطقة على مساحة كيلومتر مربع أو اثنين، فيدخل أهل غزة ليشتروا ما يريدون، وفي هذا مكسب للطرفين، ولكن ليس هناك خيال أو إبداع، أو حتى تفكير عقلاني.
    يُقال أحياناً إن القوات المصرية المتواجدة (في سيناء) نتيجة اتفاق كامب ديفيد ليست كافية، ويتركون هذا الانطباع لدى الناس، لكنني أعرف من مصادري أن إسرائيل تسمح لمصر منذ مدة بـ (نشر) 8 كتائب إضافية خارج إطار المعاهدة للمساعدة في (ضبط امن) سيناء، لأن إسرائيل ليست لها مصلحة في أن تتحول سيناء بؤرة. فهل هذا كله نُوقش ووُضع على الطاولة لنعرف الحقيقة وكيفية العلاج؟ هناك صمت تام من جانب رئاسة الجمهورية والجيش والاستخبارات، وفي النهاية يدعو الرئيس إلى حوارات هزلية مذاعة على الهواء لمناقشة الأمور في سيناء. طبعاً أنا وكثيرون رفضنا لأننا لا نقبل بأن نكون جزءاً من ديكور. كي أشارك في حوار يجب أن أعرف الحقائق، بالتالي أستخلص نتيجة وفكرة وأشارك في إبداء رأي، وما يحصل يدلّ على غياب فهم تام لكيفية إدارة الدولة.
    > هل تتخوف من أن تتفكك مصر؟
    - مصر إلى حد كبير كانت متجانسة، لا توجد اختلافات عرقية كبيرة، هناك النوبة وسيناء، أقباط ومسلمون، إنما حين نقارن أنفسنا بدول أخرى نجد أن تركيبة مصر أكثر انسجاماً، وربما لا يكون ذلك في المدى البعيد من الأشياء الطيبة، لأن الدول الأكثر تعددية هي الأكثر تسامحاً.
    دائماً أعطي مثل دبي، فيها جنسيات وأديان مختلفة لكنهم يجلسون مع بعضهم بعضاً، ويكتشفون أن لا فرق بين الإنسان والإنسان بغض النظر عن الدين أو العقيدة.
    في الدول العربية بعد الثورة بدأوا يخلقون صداماً، ويتحدثون عن مشروع إسلامي. هذا المشروع ما زال خديعة، فلسنا في عصر الفتح الإسلامي، و90 في المئة من الشعب المصري مسلمون، وكونك تدّعي أن هناك مشروعاً إسلامياً نقول إننا لسنا دولة كافرة. هو يلعب على عقول البسطاء، سنعود إلى العصر الذهبي، بالتالي الناس اكتشفت أن لا شيء حدث.
    كيف أعالج عجز الموازنة؟ الحل ليس موجوداً في المشروع الإسلامي، كيف أصل إلى التعليم الجيد؟ الإسلام هو قيم لا تختلف ويجب ألاّ تختلف عن القيم المتعارف عليها حالياً: القيم الإنسانية، أول آية في القرآن «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ اْلأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ». القراءة والكتابة في أول آية نزلت في القرآن على النبي، والآن لا أحد يتكلم عن المصريين الأميين، لا أحد يتحدث عن الفارق الرهيب في الدخول.
    يتحدثون عن قشور، عن المرأة وهل ترتدي الحجاب أم لا، عن تطبيق حد الحرابة، هذا هو ما يعتبرونه المشروع الإسلامي. أنا قلق على مصر، لأن هناك رد فعل عنيفاً ضد ما يقولون إنه مشروع إسلامي. لم يتغير شيء وإنما زادوا عليه أن رئيس الجمهورية يصلي الجمعة. شيء جيد أن يصلي الرئيس الجمعة في المسجد، إنما الناس تريد أن تأكل وتشرب وتريد سكناً.
    > تقصد أنه لا يكفي أن يصلي الرئيس الجمعة؟
    - إطلاقاً. قلت مراراً إن هذا أمر طيب، لكنني طلبت أن يذهب إلى منطقة عشوائية ليرى كيف يعيش الناس تحت مستوى أقل من الآدمي، والقاهرة نصف سكانها يعيشون في «عشوائيات». مستوى المعيشة هناك أقل من المستوى الآدمي، ونتحدث هنا عن 5 ملايين مواطن هم نصف سكان القاهرة تقريباً، يقيمون إلى جانب آخرين مستوى معيشتهم مرتفع، والفارق الاجتماعي رهيب.
    > تحدثت أيضاً عن قصة أثيوبيا كنموذج للمعالجة.
    - أثيوبيا كدول حوض النيل، من حقها المشروع استخدام مياه النيل في الكهرباء والزراعة. أواخر القرن التاسع عشر، كان هناك العديد من الاتفاقات التي أبرمتها انكلترا بالنيابة عن مصر التي كانت تحت الاحتلال، أُبرمت بين مصر والسودان، اللَّذين لديهما 90 في المئة من مياه النيل، كدولتي مصب، ويستخدمان هذه النسبة، فيما الدول الأخرى تعتبر تلك الاتفاقات مجحفة، وأنها عُقدت تحت الاحتلال.
    هناك اتفاقية دولية مصر جزء منها، تسمى «توارث الدول» ولا تلزم الدولة بأي اتفاق إذا عُقِد وهي محتلة، وهذا ما يدفع به بعض الدول، مثل أوغندا وأثيوبيا. وهناك اتفاقية أخرى خاصة باستخدام الأنهار، وكلها تشدّد على أن يكون الاستخدام عادلاً ومتساوياً، وألاّ يُلحق ضرراً بدولة لمصلحة أخرى، وأن يكون هناك إخطار مسبق. هذا جزء قانوني مهم، ولا بد أن نبحث عن حل.
    هذه المشكلة قائمة منذ عهد مبارك، والموقف القانوني ليس بهذه السهولة، إذ هناك حجج لمصر وأخرى تعادلها من الدول الأخرى، فضلاً عن النواحي الفنية، كأن تستفيد كل دول حوض النيل من مياهه باستخدام التكنولوجيا الحديثة، وتحلية المياه، وترشيد الري للزراعة... فهل قمنا بأي من هذه الدراسات في السنوات الماضية؟
    إطلاقاً، تسمع اليوم كلمات متعارضة تماماً من المسؤولين والفنيين: هذا السد (سد النهضة الاثيوبي) سيضر بنا، السد لن يضرّ بنا... والنتيجة اجتماع وحوار مخزٍ لرئيس الجمهورية مع الشيوخ والقساوسة وبعض ممن يطلقون على أنفسهم صفة سياسيين، شكّل إهانة لكل الشعوب الإفريقية وكل الدول الإفريقية المطلّة على حوض النيل بلغت حد العنصرية، حين يقول أحدهم هذه مجتمعات مهترئة، ونحن لدينا تاريخ وتراث. الأفارقة دائماً يعتبرون أن مصر تنظر إليهم نظرة استعلاء، فيها شيء من العنصرية، وهذا الحوار زاد هذا الكلام. أنا اضطررت لأن أغرّد اعتذاراً للشعبين الإثيوبي والسوداني.
    تحدثوا (في مصر) عن إجراءات عسكرية، عالم خالٍ من الفهم، لا اعرف كيف يفكرون. لو استخدمت مصر اليوم القوة العسكرية العالم كله سيقف ضدها، بما فيه افريقيا. لا يمكن أن تقول سأستخدم القوة في خلاف فني قانوني تقني حول استخدام مياه نهر. أن تقول وتتصرف كدولة استعمارية وتقول هذه حقوقي التاريخية وإذا مس بها أحد سأستخدم القوة، وهذه شعوب مهترئة، فذاك مثال للانحطاط الفكري والأخلاقي الذي وصلنا إليه في إدارة الدولة.
    > هل تقول إن «الإخوان» فشلوا؟
    - «الإخوان» فشلوا بامتياز. أحد قادتهم قال لي حين كان هناك حوار بيننا أن ليست لديهم خبرة، لأنهم حُرموا 60 سنة من أي فرصة لاكتساب خبرة عملية، ولم يشغلوا أي وظائف باستثناء التعليم الجامعي في الأقاليم.
    لا أفهم كيف وصلوا إلى هذه الدرجة من السذاجة السياسية، أن يتصوروا أنهم سيحكمون مصر بلا شريك، في ظل عدم وجود كوادر مؤهلة لديهم. حتى لو كانت عندهم كوادر، فـ»الإخوان» كلهم 700 ألف والمتعاطفون معهم مَنْ صوّتوا لمحمد مرسي في أول مرحلة 5 ملايين، ومصر 90 مليوناً. الشريك يشكّل الغالبية العظمى من الشعب، وحتى لو أضفتَ إلى «الإخوان» السلفيين وغيرهم فهم لا يشكلون أكثر من 25 - 30 في المئة من الشعب المصري. هناك 70 في المئة من الشعب يملكون كفاءات، معظمها لدى الشريك الآخر، فكيف توصلتَ إلى إقصائه، بل كذلك أن تحاول أن تفرض عليه قيم فهمك أنت للإسلام.
    أقول هذا فهمك للمقدس وليس المقدس، وأخالفك تماماً في كثير من فهمك لأنه قاصر. كي تفهم الحضارة الإسلامية ارجع إلى ابن رشد والفلسفة الإسلامية والحوار، حين تقرأ ابن رشد وحواره مع الغزالي، في مناقشة كيف تتفق وتتسق فلسفة أرسطو مع الحضارة الإسلامية.
    هذا كان في القرن الثاني عشر. ابن رشد تُرجمت كتاباته إلى اللاتينية والعبرية وغيرها وانطلقت منه الحضارة الغربية. النهضة الغربية بدأت على أيدي فلسفة ابن رشد وغيره من الفلاسفة الإسلاميين، ونحن لفظنا المدرسة القائمة على العقل وأخذنا المدرسة القائمة على النقل، وحررنا الحديث مما يطلق عليه الفلسفة ومناقشة مسائل مثل الإنسان مسيَّر أو مخيَّر، وقلنا اننا يجب ألاّ نفتح مواضيع لا تتفق مع القيم الإسلامية، بالتالي ساعدنا في غلق باب الاجتهاد ووصلنا إلى ما نراه اليوم، إلى مرحلة تفسيرنا للدين فيها لا يتفق مع التطور العصري، حين يقول أحدهم أن الباليه محرّم وأن الديموقراطية ظلامية.
    وصلنا إلى نوع من انفصام الشخصية، معه تحاول أن تفرض عليَّ قيماً تقول إن هذا هو المعتقد والمقدس، وأنا أعلم أنه ليس المعتقد. وحتى في الدِّين، مَنْ أخطأ له أجر، وهم (الإخوان) فشلوا سياسياً واقتصادياً وأمنياً. المصري بطبيعته شخص معتدل ووسطي، وهناك محاولة لتغيير طبيعة مصر وروحها التي نعرفها، بالتالي هناك ردَّة حين ترى الحديث عن 30 حزيران (يونيو).
    > تعتقد إذاً بأن «الإخوان» والتيارات الإسلامية يحاولون تغيير روح مصر وهذا يصيبها في السياسة والثقافة والفن؟
    - تماماً وفي كل شيء، لذلك ما يُطلق عليه الآن «تمرُّد» هو تمرُّد على محاولة تغيير روح مصر. روح مصر الاعتدال والوسطية والتسامح والفكر المستنير والفنون، روح مصر هي طه حسين وأم كلثوم ونجيب محفوظ، هي السينما المصرية، عبد الرزاق السنهوري.
    > هل تخشى ألاّ تُنجب مصر بعد حكم «الإخوان» نجيب محفوظ جديداً... طه حسين جديداً، ألاّ تسمح بوجود أم كلثوم؟
    - لا... أعتقد بأن هذه فترة وسنمرّ بها. فترة الشعار البرّاق أن لدينا مشروعاً ونحمل الخير لمصر وأن المشروع الإسلامي هو الحل. ربما فترة صعبة يجب أن نمر بها، كي لا يحدث لنا ما حدث في الجزائر.
    زعيم تونسي كبير لا أريد أن أذكر اسمه، قال لي أن من الجيد أن نمر بذلك كي يعرف الشعب حقيقة هذا الأمر، وأن المشروع الإسلامي الحقيقي هو القائم على العقل والمنطق والحداثة والعدالة والوسطية.
    نحن في فترة صعبة لكنني أعتقد بأنها من الضروري أن نمر بها لنبدأ فعلاً عصر نهضة قائماً على عقيدتنا وقيمنا الحقيقية، لنلحق بركب الحضارة الإنسانية.
    اليوم وضعنا أنفسنا كما لو كان الإسلام في صدام مع الحضارة الإنسانية، وهذا شيء مفزع. الإسلام كان بداية الحضارة.
    > من يحكُم مصر الآن، الرئيس المنتخب الآتي من «الإخوان» أم مكتب الإرشاد؟
    - لا أعلم، إنما كل الدلائل يشير الى أن مكتب الإرشاد هو جزء أساسي من عملية الحكم. أعرف أن جميع المبعوثين الأجانب الذين جاؤوا إلى مصر أخيراً كانوا يقابلون محمد مرسي وخيرت الشاطر، نائب المرشد.
    والجميع يعرف أن هناك خلافات بين الرئاسة ومكتب الإرشاد، وهناك الصقور والحمائم داخل المكتب، في النهاية السؤال هو كيف يُتَّخذ القرار ومَنْ يتّخذه وعلى أي أساس، وهل مَنْ يتّخذ القرار على علم بما يحدث في العالم؟.
    لقد أزعجني تماماً ما حدث مع أثيوبيا. نحن نعيش في عالم من الغيبوبة، لا نعلم كيف يُدار العالم، كيف يمكن حل مشاكلنا، كيف يمكن استخدام القوة، وكيف يمكن استخدام العلوم والتكنولوجيا لحل المشاكل. انفصلنا عن ركب الحضارة، نحن والعالم العربي.
    نحن في العالم العربي 400 مليون نصدّر إلى الخارج ما تصدّره سويسرا وسكانها 8 ملايين. اليونان كذلك 8 ملايين، تترجم إلى اليونانية ما يترجمه العالم العربي إلى العربية.
    ترجمنا في ألف سنة منذ الخليفة المأمون في القرن التاسع، ما ترجمته إسبانيا في سنة واحدة. أُعطي هذه الأرقام وكلّي حزن وخجل وأسى، نتكلم ونسمع شعارات، هذه أرقام وحقائق. من دون علم وفهم وعقل وتعليم وحداثة وتكنولوجيا، لسنا موجودين.
    > ماذا تريد «جبهة الإنقاذ» من 30 حزيران (يونيو)؟
    - تريد انتخابات رئاسية مبكرة. النظام فشل ولا يهمنا إن كان من «الإخوان» أو نظاماً يسارياً أو يمينياً. نود أن نرى نظاماً يضمن بداية تحقيق أهداف الثورة، وأن يكون لكل إنسان ما يكفيه ليأكل ويشرب ويعيش بحرية وكرامة... نظاماً ديموقراطياً يتداول السلطة، وكل هذا غير موجود.
    بعد سنة (على رئاسته) حان الوقت ليقول مرسي للشعب أنه فشل. هذه الحركة يتصدّرها الشباب الغاضب الذي سقط حلمه، بالتالي لا بد أن تكون هناك انتخابات رئاسية مبكرة لإيجاد نظام مختلف، يستطيع أن يحمي أرض سيناء، وأن يحل مشاكلنا بالأسلوب السلمي، ويتيح عودة مصر كقاطرة للحضارة. مصر- بالتالي العالم العربي- ما إضافتها للحضارة الإنسانية اليوم؟
    أصبحنا طرفاً مهمّشاً في كل مجال، العالم كان ينظر إلينا نظرة شفقة «ارحموا عزيز قوم ذلّ»، والآن ينظر إلينا نظرة غضب إذ أصبحنا نصدّر إليه التطرف، بتنا عبئاً على العالم.
    > المعارضة تعدّ لتظاهرات سلمية، فهل يلتقط مرسي هذه الرسالة؟ التقيتُ مسؤولا من «الإخوان» وسألتُه هل سيكمل مرسي ولايته، فأجاب: وسيُنتخب لولاية ثانية...
    - هذا نوع من العناد الذي عانينا منه منذ تولي «الإخوان» الحكم. مَنْ مهّد لهذا الأمر الذي أدى بنا إلى طريق مسدود؟ إنه المجلس العسكري حفظه الله، نتيجة جهل بكيفية حكم البلاد، والخوف على مكتسباتهم والخوف من ابتزاز «الإخوان المسلمين» لهم. مهدوا (أعضاء المجلس) للأمر وجاء بعدهم «الإخوان» ليحوّلوا مرسي إلى فرعون جديد، يتولى السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأقصىالسلطة القضائية. ومع ذلك العناد، كل هذا يحدث كما لو أن الرسالة لا تصل.
    آمل أن تصل قبل 30 يونيو، وركزنا دائماً على أن تكون سلمية لأن الشعب المصري لا يتحمّل هذا الانقسام والصراع بين الإسلام السياسي وباقي الشعب. خلقنا مشكلة، بدلاً من أن نركّز كيف نعمل معاً للتعليم وللصحة والاقتصاد.
    خلقنا مشكلة، «المسلمون والكفرة» التي قسّمت الشعب، وما أراه ليس تعبيراً عن دين، بل عن غضب. والشعوب عندما تغضب، أحياناً تصب غضبها في أشكال متعددة، في اختلاف في اللغة، اختلاف العرق والدين، ونحن استعملنا الدين كغطاء للاختلاف، ولكن لا يوجد هذا الاختلاف إطلاقاً.
    اليوم هناك مشايخ يقولون إن الشيعة أسوأ من اليهود، ولكن ألا نذهب إلى الحج معاً كتفاً في كتف، السني والشيعي؟ أصبحنا نتحدث في عالم من الغيبوبة العقلية والفكرية التي يحرّكها الغضب، والأخطر اليوم أن كل فرد يشعر بأنه أصبح حراً بعد الثورة، حاجز الخوف كُسِر، وهناك طموحات غير عقلانية أحياناً في غياب إطار دولة توجهها.
    اليوم تجد حوادث متكررة في محافظات مختلفة لتطبيق حد الحرابة، يطبّق الناس القانون بأنفسهم، يعلّقون آخرين على الأشجار ويسحلونهم... فهل هذه مصر ذات المؤسسات العريقة؟ كنا في الأربعينات والخمسينات نمتلك نخبة تعادل أي نخبة في أي من دول العالم.








    البرادعي: المجلس العسكري استقبلني بتوجس وهذا ما دار مع طنطاوي وعنان وموافي مرسي اتصل بالعسكريين مهدداً: «سنحرق البلد إذا جاء البرادعي رئيساً للوزراء»
    الحلقة الثانية
    كان من الصعب اسناد منصب رئيس الوزراء الى الدكتور محمد البرادعي سواء كان الحاكم محمد حسني مبارك او المجلس العسكري او محمد مرسي. البرادعي رجل صعب. لا يتقن ابرام التسويات والصفقات السرية. لا يتقن ولا يريد.
    لهذا لم يكن مبارك سعيداً بعودة هذا الرجل الى مصر حاملاً راية الديموقراطية والاصلاح والتحديث. ولهذا تعامل معه المجلس العسكري بعد الثورة بقدر كبير من التوجس. ابلغ المشير حسين طنطاوي البرادعي ان «الاخوان» وضعوا فيتو على توليه رئاسة الوزراء لكنه عرف لاحقاً ان الدكتور محمد مرسي هدد العسكريين باحراق البلد اذا اعتمدوا هذا الخيار.

    وهنا نص الحلقة الثانية:
    > عدت من فيينا في 2010 هل شعرت ان نظام الرئيس حسني مبارك يتهاوى؟
    - كان اعتقادي أنه لا بد من أن يحدث تغيير للنظام، إذ كان أصابه الوهن والشلل. وكنت كلما أتيت مرة أو اثنتين في العام، أقابل الرئيس مبارك وأُسدي اليه ما اعتقد بأنه نصيحة مخلصة لوجه الله، بضرورة الإصلاح الداخلي والإصلاح في السياسة الخارجية، لكنني أيقنت أخيراً أن لا أمل وأن الرجل وصل الى أقصى ما يستطيع.
    ربما يستطيع ان يضع ضمادة على الجرح، انما لا يستطيع أن ينظر الى ما يجب أن يتم. مرة ذكرت له أن مصر لن تنهض من دون تعليم، والتعليم المجاني دونه صعوبات، يجب أن يكون التركيز على الجودة لا على الكمّ. قلت له حتى من ناحية العدالة الاجتماعية كيف يجب أن يتعلم ابني مجاناً وأنا شخص قادر، لماذا لا تطلب مني أن أساهم في دولة فقيرة، فكان ردّه لا تفتح هذا الموضوع، لأنه لو فتحنا موضوع التعليم المجاني، سيقوم الشعب المصري بثورة... أيام أنور السادات دمروا البلد في 1977 وحصلت خسائر بـ 100 مليون جنيه. هذا كان ردّه، فأدركت أن هذا أقصى ما يستطيعه ذاك الشخص. سنّة الحياة والثابت فيها هو التغيير، كونك تمتنع عن التغيير، معنى ذلك أن كل المؤسسات سترجع الى الوراء.
    > هل كان سعيداً بعودتك ومتى رأيته للمرة الاخيرة؟
    - لم يكن سعيداً بعودتي. آخر مرة التقتيه كانت في زيارة رسمية ذهب فيها الى فيينا أعتقد في 2008 أو 2007، ولم أرَه منذ ذلك الحين. لا اريد أن أدخل في تفاصيل، لكن حين رأيته في فيينا أدركت أن لا أمل فيه لجهة الاصلاح. التركيب العقلاني في ذلك الوقت كان متعباً جداً. شاركت في غداء اقامه له المستشار النمساوي ودار بيننا حديث طويل (...) خرجت منه بانطباع ان الرجل تخطاه الوقت.
    انا عملي أكاديمي ويتعلق بمسائل عالمية، لكن الكثير من الناس طلبوا مني أن آتي وأشارك في عملية الإصلاح. رأيت مصر حين كانت مختلفة ثقافياً وفكرياً وحضارياً، وحين تكون في الخارج وتأتي، ترى التدهور الذي وصل اليه البلد. كنت حزيناً أعيش غصة في قلبي. سافرت الى أكثر من مئة دولة، وكان السؤال دائماً: لماذا وصلنا الى ما وصلنا اليه؟ في العالم، هناك انفتاح ورغبة في الحياة وفي التقدم والتطور، فيما أصبحنا ننظر الى الخلف. العالم كله أصبح يطلق لشعوبه الحق في أن تفكر وتعمل، فيما نحن نقمع شعوبنا وهي لا تعمل ولا تفكر. وحين عدت كان مطلبنا تغيير الدستور لخلق نظام ديموقراطي كبداية للتغيير.
    > ما سر العلاقة بينك وبين الشباب؟
    - لا أعرف. ربما الشباب مرتبطون بي وأنا مرتبط بهم، ربما أعطيهم نظرة مستقبلية، أنظر الى الأمام وهم أيضاً. أستطيع أن أفهم الشباب على رغم سنّي المتقدم، فقلبي شاب. أحب أن أنظر الى مستقبلهم، وأن أتعلم دائماً شيئاً جديداً، فكل يوم أعلم أنني لا أعلم ما يكفي... النظرة المستقبلية، القدرة على تقبل النقد، القدرة على التغيير أو الرغبة فيه. وجدت أن الأمل الوحيد في التغيير هو الشباب.
    > كنتَ مديراً للوكالة الدولية للطاقة الذرية، حصلتَ على جائزة نوبل. أليس غريباً أن تأتي الى الوضع الداخلي المصري وتدخل في هذا النفق مع كل أخطاره ومخاوفه؟ تعرضتَ لاعتداء، من كان وراءه؟
    - كان الاعتداء عليّ في استفتاء آذار (مارس) 2011، ولا أعلم هل وراءه النظام القديم، أم الجماعات الإسلامية، إنما هناك احتمال كبير أن يكون النظام القديم الذي خسر بقيام الثورة وكان غاضباً مني. بالطبع الاعتداء مدبر، وكانوا يضربون بقِطع رخامية، ولولا حماية الله كان ممكناً أن أموت لو أصابتني إحداها، تعرضت لكثير من الإساءة والتشويه.
    > ولماذا حملة التشويه ضدك؟
    - يوم معركة الجمل في 2 شباط (فبراير)، خرجت سيارات بمذياع في كل أرجاء مصر، لتعلن ان الرئيس مبارك اتخذ كل الخطوات للإصلاح، ويجب أن تعلموا ان المراكب الأميركية تقف في قناة السويس من أجل تنصيب محمد البرادعي رئيساً للجمهورية. هذا التشويه منذ أيام مبارك، بدأ بالحديث عن أنني عميل للأميركيين، عميل للإيرانيين، وكل ما يخطر على بالك، بما في ذلك أنهم اخترقوا صفحة ابنتي على «فايسبوك» وأخذوا صوراً. كل القذارات التي تتخيلها استُخدِمت، واستمر الأمر بعد فترة الجيش (المجلس العسكري) وأثناءها. الجيش كذلك كان خائفاً مني أيام الحكم العسكري. كان يُقال: هذا شخص أتى من الخارج، لا يملك حسابات ولا ملفات داخل مصر، وسيقول لنا أين المحاسبة والمسؤولية.
    > سوء التفاهم بينك وبين المجلس العسكري هل بدأ مبكراً؟
    - كانت علاقة تقوم في جزء منها على عدم الثقة، كان هناك توجس مني، أن آتي لأقول لهم مع السلامة، وأين حساباتكم؟ استمرت حملات التشويه، الى أن طلبوا مني أن أكون رئيساً للوزراء وأنا عرضت كذلك أن أكون رئيس وزراء في الفترة الانتقالية، طنطاوي كان حينها رئيساً للجمهورية.
    > مَن عرض عليك؟
    - طنطاوي ومدير الاستخبارات في ذاك الوقت طلبا أن يجلسا معي.
    > أين ومتى رأيت طنطاوي؟
    - في مكتبه في وزارة الدفاع، وكانت صلتي كذلك بمدير الاستخبارات العامة اللواء مراد موافي، وقال لي إنهم يريدون التواصل معي كي أكون رئيساً للوزراء وبدأوا يسألونني: إذا أصبحتَ رئيساً للوزراء، هل تبقي على هذا الوزير أم لا، ولم تكن إجاباتي على هواهم.
    > التقيتَ طنطاوي ومراد موافي؟
    - التقيت موافي اولاً. موافي كان في اليوم السابق يدخل غرفة مجاورة ليُحضّر أسئلة، يسألني لو أصبحت رئيساً للوزراء فهل ستُبقي على الوزير الفلاني من دون ذكر أسماء. كانوا وزراء في الحكومة، فقلت له لا، إذا أبقيت وزيراً فسيكون ذلك على أساس الكفاءة، لا بد من أن يكونوا وزراء لا صلة لهم بنظام مبارك. هذا كان أول يوم، بعد ذلك وفي نهاية الحديث مع مراد موافي أبلغته لماذا لا أجلس معهم وجهاً لوجه، بدلاً من أن تأخذ أنتَ الأسئلة وتحضرها ثم تذهب بالإجابات. قلت له من الأفضل أن أجلس معهم.
    > ما أهم الأسئلة التي حملها لك مراد موافي؟
    - السؤال الأساسي بعيداً عن الوزراء أو غيرهم: «إذا أتيتَ فهل ستنحّي جانباً طنطاوي بالكامل»؟، فقلت له: هذا سؤال غريب، إن أتيتُ فسأكون رئيساً للوزراء وهو رئيس للبلاد، والحكم الفعلي له، ولا بد من أن أستشيره. الخوف الأساسي كان أنني إذا أتيتُ رئيساً للوزراء فسأُنحّي طنطاوي والمجلس العسكري.
    > تحدثتم عن مسألة الصلاحيات؟
    - قال لي لو أن هناك قراراً استراتيجياً، هل تستشير طنطاوي، فقلت طبعاً. ما فهمته أن هناك خوفاً من أن أنحّي المجلس، خصوصاً أن الشباب في الميدان أيام أحداث مجلس الوزراء، حين تولى الجنزوري رئاسة الوزراء، كانوا يطلبون أن آتي رئيساً للوزراء وكان مطلباً شعبياً، الشباب طلبوا مني آنذاك أن أنزل الى ميدان التحرير لينصّبوني، ورفضت والى الآن ما زالوا غاضبين مني. لم أكن أودّ أن تكون هناك حرب أهلية، أن أنصّب نفسي رئيساً للوزراء من ميدان التحرير فيما مجلس عسكري يدير الدولة.
    ذهبت في اليوم التالي، وحدث ما رويته مع موافي، وشعرت بأن هناك خوفاً من أن أنحّي المجلس، خصوصاً أن لي ظهراً شعبياً. فقلت له في نهاية الاجتماع: لماذا لا أقابلهم وجهاً لوجه، فقابلت طنطاوي وسامي عنان في اليوم التالي.
    > ماذا دار في هذا الاجتماع؟
    - طنطاوي قال لي: «الإخوان» يضعون «فيتو» على مجيئك رئيساً للوزراء وأتمنى أن تقبل بأن تكون رئيساً للمجلس الاستشاري، فأجبته: لا أريد أن أكون رئيساً للمجلس الاستشاري، وإذا أتيتُ رئيساً للوزراء فستكون مهمة انتحارية. سأل: لماذا؟ فقلت له: لأن البلد ينهار، فقال لي: استشرتهم وهم وضعوا «فيتو» على اسمك.
    > هل فوجئت بموقف «الإخوان»؟
    - فوجئت، وتحدثت الى بعض قيادات «الإخوان» فأنكروا.
    > مع خيرت الشاطر مثلاً؟
    - تكلمت مع سعد الكتاتني وأنكر هذا الكلام، لكنني علمت حديثاً أن الرئيس محمد مرسي هو من قال لهم لو أتى البرادعي رئيساً للوزراء فسنحرق البلد، وواحد من كبار قيادات المجلس العسكري قالها لي أخيراً بعدما ترك المنصب. طنطاوي قال لي: سأعيّن الجنزوري رئيساً للوزراء وأنت تأتي رئيساً للمجلس الاستشاري، فرفضت. وأنا أهمّ بالمغادرة، قال لي: فكّر في هذا الأمر، فأجبت: فكر أنتَ أيضاً في أن آتي رئيساً للوزراء ويتولى الجنزوري رئاسة المجلس الاستشاري، وتم تعيين الأخير رئيساً للوزراء.
    > هل طُرحت مواضيع أخرى في اللقاء؟
    - نعم، قلت له أخافُ على الدستور، فهو ما يهمني في كل تلك الأمور، أجاب: الدستور خط أحمر بالنسبة الينا، ويجب أن يكون دستوراً ديموقراطياً ومدنياً، فلا تخشَ، ويجب ألا يكون هناك أي خوف على الدستور.
    > هل كنتَ تعرف طنطاوي في ما مضى؟
    - لا، لم أكن أعرفه. التقتيه قبل ذلك مرة أو اثنتين حين كان في المجلس العسكري، ومرة التقتيه حين قال إن المرحلة الانتقالية ستتطلب 6 شهور. قلت له إن هذا الكلام غير صحيح، ولا بد من أن نبدأ بدستور وبعد ذلك أحزاب ثم انتخابات. والمرة الوحيدة التي شعرت فيها بأنهم وثقوا بأنني لا أملك أجندة خاصة ولا نية لعقابهم أو أي شيء من هذا القبيل، كانت المرة الأخيرة، ليلة إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية بين مرسي و (منافسه أحمد) شفيق. كان هناك خلاف حول من يملك السلطة التشريعية وأصدروا إعلاناً دستورياً.
    يومها كان الدكتور مرسي حدثني بالهاتف، وكان يعقد اجتماعاً دعاني اليه، فرفضت أن أشارك لأنني أؤمن بأن انتخابات من دون دستور «مضروبة»، وبالتالي كنت أقاطع المشاركة في العملية الانتخابية. قلت له ان ما أخشاه هو حدوث صدام وأنا ذاهب الى المجلس العسكري اليوم كي أسعى الى ايجاد وسيلة لحل بين الرئيس المنتخب والمجلس لئلا ندخل في صدام. ذهبت والتقيت طنطاوي وعنان، وللمرة الأولى شعرت بأنهما بدآ يثقان بأن لا مصلحة لي إلا مصلحة البلد.
    وجدت الاثنين في حالة ارتباك تام، وكان ذلك قبل اعلان النتيجة بيوم. قالا: هل انتهى بنا الوضع أن تكون هذه حالنا بين شفيق ومرسي؟ فقلت لهما أنتما أوصلتمانا الى هذه النتيجة منذ الاستفتاء على التعديلات الدستورية في آذار (مارس) 2011، وأقدر أنكما كنتما خائفين من تأثير الضغط الإسلامي، فأنكرا هذا وأقسما على أنهما اعتقدا بأن نصيحة مخلصة وُجّهت اليهما، ولكن للأسف غُرّر بهما أو كانت النصيحة غير مخلصة.
    > مِمن؟
    - سألتُ من نصح بذلك؟ فكانوا المستشارين القانونيين لديهما، وكان جزء منهم من أيام حسني مبارك، وجزء له صلة بالتيار الإسلامي، إنما أقسما (طنطاوي وعنان) بأنهما كانا يعتقدان بأن هذا هو الأفضل، انما أُسديت إليهما نصائح غير مخلصة، واتفقا على أن البلد وصل الى طريق مسدود منذ آذار 2011.
    > هل كان شعورهما يميل الى شفيق أم الى مرسي؟
    - كان تخوفهما أنه في حال جاء «الإخوان المسلمون» فقد يطول وجودهما في الحكم، أما شفيق لو أتى، فسيذهبان.
    > قالا كلاماً من هذا النوع؟
    - نعم، كانا خائفين من «الإخوان»، إذا أتوا فستكون حركة إسلامية، أما شفيق لو أتى فسيكون رئيساً مدنياً وسيذهب.
    > هل تعتقد بأن طنطاوي مثلاً كان يظن أنه سيكون الرئيس المقبل؟
    - إطلاقاً، لم تكن لديهم (المجلس العسكري) أي رغبة في البقاء في السلطة. كانوا يريدون التخلص منها، كانت بالنسبة اليهم جمرة نار، وكان تعاملهم مع المواضيع يوحي بخبرة محدودة تماماً. أتصور أنه كان هناك خوف على أنفسهم والحفاظ على مكاسب الجيش، ومكتسباتهم. هذا كان الهدف الذي يحركهم، أما البقاء في السلطة فلا، وأخذوا في النهاية درساً قاسياً. غادروا والشعب يهتف «يسقط حكم العسكر». الآن الجيش لا يرغب اطلاقاً في أن يكون جزءاً من النظام الحاكم في مصر. حتى الناس تطالب بأن ينزل الجيش إذا حدث عنف أو شيء من هذا القبيل، لكن الجيش قلق جداً أو يرغب في ألا يكون جزءاً من الأمر، لسان حاله «حلّوا مشاكلكم مع بعض»، لأن تجربته كانت مريرة جداً.
    > هل تعرف وزير الدفاع الجديد؟
    - أعرف عبدالفتاح السيسي لأنه كان قريباً جداً من طنطاوي، وفي الاجتماع الذي تحدثت عنه كان السيسي حاضراً مع طنطاوي، وقريباً منهم جداً. كان الأخير يطلب مني أن أهدئ الشباب، فقلت لهم إن لا سيطرة لي عليهم، فخاطبني السيسي: «لا، هو (السيطرة) بالفكر».
    أعرف السيسي والتقيته مرة أثناء وجوده في الحكم العسكري، هو شخص صغير السن مقارنة بطنطاوي وعنان، ومدرّب جيداً، أمضى فترة تدريب في الولايات المتحدة. تشعر بأنه جيل جديد.
    > هل كان هناك تواطؤ بين المجلس العسكري والاسلاميين، الجيش يسهّل وصول الإسلاميين وفي المقابل يسلم الاسلاميون بامتيازات العسكريين؟
    - لم أعتقد بذلك. كان هناك تخوف من أن انتخاب مرسي هو انتخاب لفكر جديد ومدرسة جديدة، كان هناك خوف من تغيير في هوية المجتمع. قلت لسامي عنان حين تحدثنا عشية اعلان نتائج الانتخابات، إن شفيق ممثل للنظام القديم، فقال: أياً يكن من سيأتي الى السلطة، النظام القديم لن يعود، وهذا صحيح. الشعب تحرك، خرج من البوتقة الموجود فيها. فأياً يكن من سيأتي رئيساً للجمهورية، لا يستطيع استنساخ النظام القديم.
    التقيت طنطاوي وعنان مرتين أو ثلاثاً، لكنني التقيت مدير الاستخبارات مراد موافي أكثر بكثير. كان يشاركني القلق من التطورات في البلد، لذلك لم أُفاجأ بعزله في النهاية. كنت أراه باستمرار، وهو الذي أدخل الشعور الى المجلس العسكري بأن ليست لي مصلحة، إذ كنت أسدي اليه النصيحة بخصوص العلاقة مع الولايات المتحدة وفي الداخل. كان هناك توجس مني أثناء الحكم العسكري ولم أشعر بأنه انتهى إلا عشية اعلان نتيجة الانتخابات، حين شعرت بأن طنطاوي وعنان فتحا قلبيهما لرجل يسعى الى حل مشكلة البلد، لا ليجد شيئاً لنفسه.
    > كان غريباً في رأيك أن طنطاوي لم يدافع عن مبارك؟
    - لا أعتقد بأنهم كانوا يستطيعون. أنا لم أكن أستطيع أن أقول لا للشباب أو للشعب المصري. لم أكن أستطيع أن أقول لهم إنني سأستمر في العمل في الخارج. لم يكن لديّ خيار، ولم أكن أتصور أن تتطور الأمور بهذه التعقيدات.
    دائماً عندنا شعور بالذنب، حققت ما حققت وفي بلدي مَن لا يستطيع أن يأكل أو يشرب. لا بد من أن يكون عندي نوع من الوفاء (لمصر).
    عشتُ في الخارج كثيراً، وأبي حين كان في العام 1961 نقيباً للمحامين، كان يقول الكلام الذي قلتهُ في 2009، كان والدي في 1961 يتحدث في مؤتمر للقوى الوطنية لدعم حرية الصحافة والديموقراطية، وحصلت مشادّة بينه وبين أنور السادات، وكان آنذاك رئيس مجلس الشعب ورئيس الاجتماع وقطع عنه الميكروفون قائلاً له: وقتك انتهى. أجابه والدي: لقد انتزعتُ مِنْ على المنبر. وجدت نفسي عام 2009 أقول الكلام الذي قاله أبي، لا بد من أن يحدث شيء في بلدي من أجل تقدمها.
    > أين كنت في 25 يناير (كانون الثاني)؟
    - كنت في فيينا فحين عدت في 2010 كانت لديّ ارتباطات كثيرة في الخارج، وكنت أسافر كثيراً لأنه لم يكن يُسمح لي بأن أظهر في مقابلات تلفزيونية في مصر. أتذكر أن «قناة الجزيرة» أرادت إجراء حوار معي عبر الصحافي التونسي محمد كريشان، فرفضوا منحه فيزا لدخول مصر، واضطررت أن أسافر لإجراء المقابلة، وكذلك الأمر مع «قناة الحرة». كان جزء من رحلاتي لحضور مؤتمرات ومجالس للحكم الرشيد والشفافية الدولية.
    > وبمَ شعرت حين رأيت تظاهرات 25 يناير؟
    - شعرت بفرحة لأن الأمور سارت أسرع مما أتصور. في 25 يناير كانت هناك 3 صفحات تدعو للتظاهرات، على «فايسبوك»: صفحة «كلنا خالد سعيد» وصفحتان للحملة الشعبية لدعم البرادعي وحملة «لازم» التي انفصلت عن حملة البرادعي. كلها كانت تدعو لـ 25 يناير، ولم نكن نعرف حجم الاستجابة. في 25 يناير نزل إبراهيم عيسى (رئيس تحرير «جريدة التحرير») وقال: لم نكن نعرف ان 10 آلاف أو 20 ألفاً سينزلون فوجدوا 40 ألفاً نزلوا، لم يكونوا يعرفون أين يذهبون، فقرروا الذهاب الى ميدان التحرير. وجدوا متظاهرين كثراً، فقالوا نريد ميداناً كبيراً، فذهبوا الى «التحرير». وجدت الأمور تتطور بسرعة، وأتيت ليلة 27 كانون الثاني،عشية جمعة الغضب، ووصلت الى المنزل. كان عندي سعد الكتاتني وعصام العريان، وكنا واضحين. لدينا اختلاف فكري ولكن يربطنا عمل مشترك، لجمع التواقيع على المطالب السبعة. وحين وصلت في شباط (فبراير) 2010 استقبلت 30 سياسياً وأنشأنا الجمعية الوطنية للتغيير، وكان فيها سعد الكتاتني وعصام العريان.
    كانوا يساعدون في جمع التواقيع، وجمعنا مليوناً. في أيلول (سبتمبر) 2010 قلت للشباب في مطعم: إذا نزلنا في تظاهرة تضم مليون شخص فستكون الأولى والأخيرة، وعقدنا الاجتماع في مطعم كباب وكفتة (مطعم أبو رامي)، حتى أن الشباب لم يعلنوا أنني آتٍ لئلا يخاف صاحبه، وقلت هذا الكلام في إطار تحفيز الشباب.
    وفي 27 كانون الثاني خرج الكتاتني والعريان من منزلي الى السجن، وكنا متفقين على أن نلتقي في 28 كانون الثاني في مسجد الاستقامة في الجيزة، ومعنا كل القيادات الشابة.
    لم أجد العريان والكتاتني واكتشفت أنهما في السجن. ومنذ ذاك اليوم كان عملي أن أجري مقابلات صحافية لأؤكد ضرورة رحيل مبارك.
    اتصلت بالأميركيين وقلت لهم لا بد من أن ينحاز (الرئيس باراك) أوباما فوراً الى الشعب المصري، لأن موقفكم مخزٍ، وخرج أوباما بعد أيام وغيّر موقفه. في ذلك الوقت بدأت مفاوضات مع عمر سليمان.
    > هل تعرف عمر سليمان، أو اتصل بك لحضور التفاوض؟
    - لا أعرفه، ولم يتصل بي، و «الإخوان» ذهبوا للتفاوض معه وغيرهم. كان موقفي والشباب أنه لا بد من رحيل مبارك، ولو أنه ذهب في 11 شباط وترك مصر مثل (الرئيس التونسي السابق زين العابدين) بن علي، لكان الأمر أكرم له.
    > أكنتَ تفضل ذلك؟
    - كان خلّصنا من كثير من المشاكل، أراح واستراح... لو غادر لكان جزء كبير من المحاكمات خلاص، مشي في الفترة الصعبة التي مرت لكنه لم يغادر، وهذا دليل على عدم رؤية واقعية للأمور. طبعاً هناك كثيرون لن يرضيهم هذا الحديث، وسيقولون القصاص وغيره، إنما في فترة الثورة أنتَ لا بد من أن تصل الى مرحلة تنظر فيها الى الأمام لا الى الخلف. أتذكر أن جون كيري كان هنا في مصر، وطلب النظر الى الأمام، والسعي الى مصالحة وطنية والمضي قدماً مثل جنوب أفريقيا، لكن هذا لم يحدث.
    > إذاً أنت لم ترَ عمر سليمان ولم تكن تعتقد بأن التفاوض معه سيشكل حلاً؟
    - لا، لم يكن يشكل حلاً إطلاقاً. عمر سليمان رأيته مرة أو اثنتين، حين كنت ألتقي مبارك. رأيته مرة حين كان مديراً للاستخبارات. عمر سليمان ومبارك خصوصاً أثناء حرب العراق كنت على اتصال دائم بهما للمساعدة في تجنب الحرب في العراق. وطبعاً كما اتضح لي بعد ذلك، أن الموضوع بين مبارك وصدام حسين كان عداء شخصياً، إنما عمر سليمان كان عقله متزناً ورؤيته للأمور أفضل بكثير من مبارك. مرة تحدثت مع سليمان عن رؤيتي للسياسة الخارجية وقلت له لا بد من أن ننظر شرقاً، فقال: هذا كلام عظيم، ليتك تُقنع به الرئيس مبارك، فتعجبت. أنت تراه كل يوم، وهذا يدل على أنه لم يكن هناك انفتاح على مبارك بالدرجة الكافية، لأن سليمان كان الأقرب اليه. في الفترة الأخيرة كبر (الرئيس السابق) وأصبح يتحدث كثيراً. لا يريد أن يسمع، يريد أن يتحدث في أمور تعود الى 20 أو 30 سنة. أصبح يشعرك بأنك تجلس مع جدّك.

    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

المواضيع المتشابهه

  1. الملف المصري 478
    بواسطة Aburas في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-02-12, 10:40 AM
  2. الملف المصري 477
    بواسطة Aburas في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-02-12, 10:38 AM
  3. الملف المصري 476
    بواسطة Aburas في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-02-12, 10:38 AM
  4. الملف المصري 475
    بواسطة Aburas في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-02-12, 10:37 AM
  5. الملف المصري 309
    بواسطة Haneen في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-07-02, 09:35 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •