اقلام محلي 559
27/11/2013
في هذا الملـــــف:
مكافحة الفساد!
بقلم: عزام توفيق ابو السعود – القدس
ماذا حققت زيارة الرئيس الفرنسي لفلسطين؟
بقلم: غسان العزي – القدس
عندما تنتصر الأكاذيب: لماذا يصعب إيجاد سرد فلسطيني موفق؟
بقلم: رمزي بارود – القدس
ويلٌ من الغضب الصامت
بقلم: توفيق وصفي – الايام
تغريدة الصباح - سقوط طائرة الرئيس في الصحراء الليبية
بقلم: يحيى يخلف – الحياة
مقاربة لتخفيف الهجاء
بقلم: عدلي صادق – الحياة
انتفاضة بـ واحد شيكل
بقلم: حسن ابو العيلة – معا
مكافحة الفساد!
بقلم: عزام توفيق ابو السعود – القدس
خضت قبل اسبوعين تجربة جيدة ، وذلك عند مشاركتي في مؤتمر مكافحة الفساد الذي عقدته منظمة الشفافية الدولية في برلين عاصمة ألمانيا.. فقد سمعت كثيرا من قصص الفساد التي تتم في كثير من دول العالم ، واستمعت الى تجارب عدد من مؤسسات الشفافية الأهلية الموجودة في معظم انحاء العالم ، كيف يكافحون الفساد وبأي أسلوب يكافحونه ..
ولعل أكثر التجارب التي شدتني كانت في احدى الدول التي تتبع فيها صحفي " غلباوي" المال الذي نهب من اموال شعبه، والطرق الطويلة والمتعددة الاطراف والدول التي يمر بها المال الفاسد المنهوب من ثروة البلد، حتى يستقر ويستثمر في بلاد الغرب التي تدعي الديمقراطية، وتساعد الشعوب الفقيرة، وتحارب الديكتاتوريات كما في مبادئها المعلنة، والتي تبدو فيها وكأنها حامية للشعوب المغلوبة، وفي واقع الأمر فهي تحتضن أموال هذه الشعوب المقهورة، والتي سلبها حكامها او المتنفذين فيها واستقرت في الغرب ، تدعم اقتصاده، وتجعله أكثر ثراء وقوة!
هذا الصحفي الغلباوي توصل في النهاية الى معرفة الشركات والعقارات والاصول الأخرى المنقولة وغير المنقولة التي استثمر فيها حاكم بلده مليارات من الدولارات ، بعضها باسمه، وبعضها باسم افراد اسرته! هذا الصحفي الغلباوي عمل تحت نظرية: تتبع المال المنهوب أولا قبل أن تتبع او تثور على حاكم فاسد!
ثوراتنا العربية ضمن الربيع العربي المسلوب، قامت اساسا من فقر الشعوب، وكبر ثروة البلد التي يعيشون فيها، فالحكام سرقوا ثروة شعوبهم ، ولم يحّسنوا وضع بلادهم وشعوبهم ليعيدوا توزيع هذه الثروة فتستفيد منها الشعوب وتعيش في رفاهية وبحبوحة من العيش، فقد تخلص الليبيون من القذافي، لكنهم لم يعثرا حتى الآن على ذهب القذافي، أو اموال ليبيا وأرصدتها الحقيقية التي أخفاها القذافي ولم يبح بها لأحد، قُتل القذافي قبل ان يقول أين المال الذي سرقه من ليبيا. كذلك لم يجدوا ما قالوه لنا عن مليارات بن علي او حسني مبارك او علي صالح...
وبلاد الغرب، تعرف أكثر مما نعرف عن ثروة ، ومكان وجود ثروة، جميع قادة العالم، فالمخابرات الأجنبية تعمل في كل مكان، وتعرف كل شيء، تلك الدول الغربية بشكل عام، وبعضها بشكل خاص سمحت بادخال تلك الأموال الى أراضيها، وهي تعرف، او يمكنها أن تعرف البنوك التي وصلت اليها الأموال ، وكيف وصلت، وما هو مصدر هذا المال، وأين يستثمر، لكننا لم نسمع عن استعداد دول الغرب هذه لإعادة هذه الأموال الى الشعوب التي نهبت منها .. والذريعة المعروفة دوما، هي سرية الحسابات الشخصية وسرية العمل البنكي، وعدم وجود قوانين محلية او دولية تجبرها على اعادة الأموال المسروقة!
القوانين الغربية تمنع الرشوة في العقود التجارية اذا ما تمت في بلادها، وهو مبدأ اخلاقي تنص عليه جميع القوانين في كل البلاد، لكن تلك الدول الغربية أجازت الرشوة في العقود الخارجية مع دول أخرى، فشركة أجنبية تدفع رشوة كبيرة لزعيم دولة ما، أو وزير من دول العالم الثالث مقابل حق امتياز، او عقد لتوريد بضائع ، هذا النوع من الرشوة لا تعارضها دول الغرب، " تغرش عنها " وربما تشجعها أيضا ، رغم أنه فساد واضح وغير أخلاقي ولا تجيزه الدول داخل دولتها!!! فعن أي أخلاق نحن نتحدث؟
وحول الفساد في القطاع الخاص، حدث ولا حرج، ذلك أن الرشوات الكبيرة ، غالبا ما يدفها كبار رجال الأعمال لكبار المسئولين او المتنفذين في البلاد ، مقابل حصولهم على عقود تجارية او تعدينية او خدماتية او صناعية أو امتيازات أخرى، متجاوزة مبدأ التنافس الشريف ، الهادف الى الحصول على أفضل الشروات والنوعيات بأقل الأسعار، فالرشوة تعكس كل هذه المفاهيم بشكل هو عين الفساد وقلة الأخلاق !
بعد بضعة أيام ، سينعقد المؤتمر الخامس للدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ويتبلور لدى شبكة تحالف المنظمات الأهلية العربية التي وقعت على هذه الاتفاقية، بيان توجهه للحكومات التي وقعت هذه الاتفاقية، تطالبهم فيه بتجميد الأموال التي جرى تهريبها من قبل مسئولين عرب الى بلادهم، ومحاسبة المسئولين الذين سمحوا بادخال هذه الأموال التي تثير الشبهات الى تلك الدول، والتعاون ضمن نظام معلومات مع الدول الأخرى التي تحقق في سرقات مسئوليها وتهريبهم لأموالهم خارج بلادهم.. وتسليم المجرمين بجرائم فساد في بلادهم لبلدانهم، هؤلاء يعيشون برفاهية ويستمتعون بالمال المسروق في دولة أخرى موقعة على اتفاقية مكافحة الفساد الدولية! وأخيرا تعويض الشعوب التي استعملت الشركات الأجنبية الرشوة للحصول على عقود فيها... فهل ستستجيب تلك الدول والحكومات لمطالب منظماتنا الأهلية؟
في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، انتشرت في بعض البنوك الأجنبية حسابات الأرقام .. فلا يعرف اسم صاحب هذا الحساب للبنك .. ولا شك أن كثيرا من مسئولي دول العالم الثالث وضعوا أموالهم الفاسدة التي جاءت من رشاوي او سرقات مباشرة في هذه الحسابات الرقمية، كثير من هذه الحسابات تم اغتيال أصحابها، او ثارت عليهم شعوبهم، او اعتقلوا في بلادهم بتهمة السرقة .. كثير من هؤلاء لم يستمتعوا بالمال الذي نهبوه، وبقي رصيدا كبير في حساب رقمي ، يتزايد بالفوائد في البنوك ولا أحد يطالب به ..
السؤال المطروح ... أن أرصدة الحسابات البنكية التي لا يطالب بها أصحابها يتم تجميدها في البنوك .. بعض هذه الحسابات والأرصدة الرقمية أو المجمدة عمره يزيد عن اربعين او خمسين سنة.. ما هو وضعها القانوني ؟ وهل يمكن استخدامها لخدمة وتنمية شعوب الدول التي سرق مقدراتها قادتهم وسياسييهم !
أخيرا ما هو وضعنا نحن في مكافحة الفساد؟ هل يشعر المواطن الفلسطيني أن الجهود، سواء على مستوى الحكومة أو منظمات المجتمع المدني أو القطاع الخاص، هي جهود تقنع المواطن الفلسطيني بأننا نكافح الفساد بصورة جادة، وأننا نتتبع الأموال المنهوبة بصورة يشعر بها المواطن ويقتنع بأننا نقوم بواجبنا في مكافحة الفساد واعادة استرداد أموالنا المنهوبة؟ ... مجرد سؤال!!!
ماذا حققت زيارة الرئيس الفرنسي لفلسطين؟
بقلم: غسان العزي – القدس
خلال معركة الانتخابات الرئاسية في ربيع العام الماضي أرسل فرانسوا هولاند مبعوثاً له إلى القدس، هو لوران فابيوس المقرب من الإسرائيليين، لطمأنتهم بأن شيئاً لن يتغير في السياسة الخارجية الفرنسية المتعلقة بالشرق الأوسط في حال انتخابه رئيساً للجمهورية . ففي إسرائيل مئة ألف فرنسي كانوا يميلون للرئيس ساركوزي، وقد صوتوا بالفعل، بنسبة تسعين في المئة، لهذا الأخير في الانتخابات الرئاسية في أيار 2012 . وعندما وصل هولاند إلى الإليزيه التزم بوعده الاستمرار في السياسة الساركوزية نفسها حيال الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي والملف النووي الإيراني والأزمة السورية وغيرها .
وعملاً بما بات عرفاً في الدبلوماسية الفرنسية قام الرئيس هولاند بزيارة إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية ليؤكد الاستمرار في "السياسة العربية" نفسها التي أسسها الجنرال ديغول بعيد حرب العام 1967 . والحقيقة أن هذا المسمى "السياسة العربية لفرنسا" ليس إلا وهماً أو خطأ بات شائعاً يردده المعلقون من دون تمحيص ولا تدقيق .
ففي ظل هذه السياسة حصلت إسرائيل على أكثر أسلحتها فتكاً وتطوراً من فرنسا الجمهورية الخامسة ومن ضمنها السلاح النووي من خلال مساهمة باريس في بناء مفاعل ديمونا وغيره، ومن خلال تزويدها الدولة العبرية بالمعرفة النووية . ثم ماذا قدمت أو أخرت كل التصريحات الفرنسية المنددة بالسياسات الإسرائيلية؟ هل منعت تهويد القدس أو قضم الضفة الغربية أو التنكيل المستمر بالسكان الفلسطينيين لدفعهم إلى الهجرة والتخلي عن قضيتهم العادلة وحقوقهم المشروعة؟ الأسئلة كثيرة وكثيرة .
المهم أن زيارة هولاند لإسرائيل أتت بين جولتين تفاوضيتين في جنيف بين إيران وما بات يعرف ب"5+1"، نجح وزير الخارجية لوران فابيوس في إعاقة تقدم الأولى نحو الحل، لكنه لم يتمكن من العرقلة طويلاً، إذ تم التوصل إلى اتفاق في نهاية الأمر . وهذا الموقف الفرنسي المتشدد حيال إيران في المفاوضات، الذي يلتقي مع الموقف الإسرائيلي دفع المراقبين لوضع الزيارة الرئاسية الفرنسية تحت العنوان النووي الإيراني، وكأنَّ المفاوضات الفلسطينية -الإسرائيلية لم تعد عنواناً مهماً لزيارات ومباحثات .
وكما كان منتظراً أكّد هولاند أن فرنسا لن تتهاون في الملف النووي، وكأنه كان يتهم الغربيين الآخرين بالتهاون . وهذا ما أرضى رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يبحث عن دعم لموقفه المتشدد في هذا الملف، وقد جاءه الدعم من دولة تملك حق النقض الفيتو في مجلس الامن . وهذا الموقف غطى على تصريحات هولاند التي ذكرت بالموقف الرسمي الفرنسي الذي بات معروفاً حيال قضايا الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي .
فالمستوطنات ليست شرعية ولا قانونية وهي تضر بالسلام وبالمفاوضات، والحل يقوم على دولتين مستقلتين وشعبين يعيشان جنباً إلى جنب بسلام والقدس عاصمة للدولتين "إذا أفضت المفاوضات إلى حل وإذا تم العثور على السلام المنشود"، كما أعلن هولاند .
والمعروف أن "إذا" شرطية ما يعني أنها تضع الاتفاق على تسوية من خلال المفاوضات شرطاً لحصول الفلسطينيين على حقوقهم . ومن دون هذا الاتفاق المتفاوض عليه لا حقوق للفلسطينيين . هكذا يقول منطق اللغة التي استخدمها هولاند، على الأرجح بغية إرضاء مضيفه نتنياهو . وبالطبع قدم إشارات بروتوكولية عديدة لتأكيد صداقته، مثل زيارة نصب المحرقة وقبر رابين وخطابه أمام الكنيست الذي اضطر لإلقائه بعد ضغوط تلقاها عشية زيارته التي كادت تلغى لولا موافقته المتأخرة على المثول أمام الكنيست وإلقاء الخطاب .
وكان الهدف التجاري من الزيارة واضحاً لا لبس فيه . فقد أعلن هولاند أن العلاقات التجارية بين البلدين لا ترقى إلى مستوى العلاقات السياسية المتطورة . فالتبادل التجاري بين البلدين يبلغ 4،2 مليار يورو سنوياً وفرنسا تستحوذ فقط على اثنين في المئة من السوق الإسرائيلي في مقابل تسعة في المئة لألمانيا .
وهي تحتل المرتبة الحادية عشرة في لائحة الدول التي تستورد منها إسرائيل . لذلك ضم الوفد الزائر حوالي أربعين مديراً لشركات فرنسية كبرى جاؤوا يبحثون عن عقود على خلفية تصريحات فرنسية تمجد الصداقة بين البلدين وتبدي إعجاباً "بالتكنولوجيا الإسرائيلية التي استحوذت على إعجاب العالم بأسره"، حسب ما صرّح هولاند بكلام فيه الكثير من المحاباة والمبالغة .
في رام الله كان كلام هولاند أكثر وضوحاً بالنسبة لرفض الاستيطان ودعم حقوق الفلسطينيين . وقام بزيارة ضريح عرفات وتلفظ بجملة عربية في خطابه (تحيا الصداقة الفرنسية - الفلسطينية) تماماً كما فعل بالعبرية أمام الكنيست، في محاولة يائسة لتحقيق توازن شكلي حاول نفيه بالقول: "ما أفعله في فلسطين اليوم وما فعلته في إسرائيل أمس هو أن أكون نافعاً . لم أسعَ لأفعل أكثر أو أقل لهذا الطرف أو ذاك، بل لأفعل أكثر من أجل السلام" .
هولاند لا يملك أن يفعل أكثر أو أقل من أجل السلام، فهو كرر ما بات معروفاً من كثر تكراره في الخطاب الدبلوماسي الفرنسي .
وهذا التكرار لا يقدم شيئاً ولا يؤخر لأن المطلوب هو الأفعال وليس التصريحات . وقد برهنت فرنسا على أنها لا تملك القدرة على الخروج عن الإرادة الأمريكية في المواضيع الأساسية لا سيما تلك المرتبطة باسرائيل .
عندما تنتصر الأكاذيب: لماذا يصعب إيجاد سرد فلسطيني موفق؟
بقلم: رمزي بارود – القدس
في تمرين عبثي من الأساس، والذي استمر لساعة تقريباً، تقلبت بين قناتين تلفزيونيتين فلسطينيتين؛ قناة "الأقصى" التابعة لحركة حماس في غزة، وقناة "فلسطين" التابعة لفتح في الضفة الغربية. وفي حين زعمَت كل منهما تمثيل فلسطين والفلسطينيين، بدت كلتاهما وأنهما تمثلان مكاناً ما آخر، وأناساً ما آخرين. كان الأمر كله مخيباً كثيراً للأمل.
عالم حماس متركز على كراهيتهم لفتح وغيرها من دكاكين الأعمال الفئوية. وتلفزيون فتح عالق بين العديد من عوالم اللغة القديمة والثورات الزائفة، والخصومات الفصائلية والعشق الذاتي الذي لا يضاهى. ويبدو أن هذين السردين يصبحان أكثر غرابة باطراد، وليس من المرجح أن تتحركا أبداً نحو تجاوز حسهما المباشر بتمجيد الذات والسخافة المطلقة.
لا عجب إذن أن الفلسطينيين ما يزالون يناضلون حتى يتمكنوا من إخبار من أن يقولوا للعالم قصة بسيطة، واضحة وصادقة. وربما أصبح الآن بفعل اليأس أنهم يتوقعون من مؤرخي إسرائيل الجدد، والأجانب الذين يقومون بزيارات عرَضية لفلسطين، أو صحفيين غربيين عادلين بشكل غير متوقع، أن يقولوا هذه الرواية نيابة عنهم.
ولكن، ماذا عن الفلسطينيين أنفسهم؟ ذلك نادر الحدوث لأن الفصائلية في فلسطين وبين الفلسطينيين في الشتات تدمر أيضاً نفس فكرة امتلاك سرد مشترك يمكن أن يقولوا عبره رواية واحدة متماسكة، غير ملطخة بعقلية سياسية قبَلية تقوم بالتهام هوية الفلسطينيين بنفس الطريقة التي تلتهم بها الجرافات الإسرائيلية كل ما تبقى من أراضيهم.
حتى لو تسنى لمثل هذه الرواية أن تأتي إلى الوجود في نهاية المطاف، فإنه يغلب أن تواجه مهمة شاقة، لأن رواية إسرائيل الرسمية، ولو أنها مزورة، تذهب متجذرة في التاريخ. يوم 16 أيار 2013، وصف شاي حازكاني في مقالة مفصلة في صحيفة "هآرتس" العملية المعقدة والإلغائية التي أعاد بها رئيس وزراء إسرائيل الأول، ديفيد بن-غوريون، كتابة التاريخ. وقد استندت المقالة المعنونة: "التفكير الكارثي: هل حاول بن-غوريون إعادة كتابة التاريخ" بشكل كبير إلى ملف واحد (رقم gl-18/17028) في أرشيف الدولة، والذي بدا وأنه أفلت من الرقابة. وكان قد تم نقل بقية الملفات بعيداً بعد أن وضع مؤرخو إسرائيل الجدد -بيني موريس وآفي شلايم، وتوم سيجف، وإيلان بابيه وغيرهم- أيديهم على العديد من الوثائق التي تنفي بقوة رواية إسرائيل الرسمية عن ولادتها.
كتب حازكاني في الصحيفة الإسرائيلية: "الوثائق الإسرائيلية المؤرشفة التي ذكرت طرد الفلسطينيين، والمذابح أو عمليات الاغتصاب التي ارتكبها جنود الاحتلال، إلى جانب غيرها من الأحداث التي تعتبرها المؤسسة محرجة، أعيد تصنيفها تحت فئة ’سري للغاية‘". لكن الملف رقم gl-18/17028 نجا بطريقة ما من الهجمة الرسمية على التاريخ.
تتحدث الوثيقة الوحيدة عن "تطور نسخة الرواية الإسرائيلية للنكبة الفلسطينية للعام 1948". وقد حدث هذا التطور تحت رعاية بن غوريون نفسه في السنوات ما بين 1960-1964، حيث كلف باحثاً بعد آخر بفبركة التاريخ بشكل أساسي، وهو ما فعلوه بكل تأكيد. كان القادة الصهاينة بارعين بما فيه الكفاية على الأقل لفهم قوة الذاكرة الجماعية، وتأثيرها المحتمل على الرأي العام العالمي. لذلك، فصلوا نسختهم الخاصة من التاريخ في وقت مبكر جداً من أجل مواجهة الجيل المستقبلي من الفلسطينيين.
سلمان أبوستة هو واحد من أبرز مؤرخي فلسطين. وقد فعل الرجل لحفظ وتوثيق السجلات التاريخية الفلسطينية أكثر من أي مؤرخ آخر على قيد الحياة. وفي مقابلة مع صحيفة الأخبار اللبنانية يوم 5 آب 2012، كان أبوستة، بطبيعة الحال، مدركاً تماماً للمحاولات الإسرائيلية لإعادة ترتيب شكل التاريخ. وقال: "لم تكن الخرائط الإسرائيلية للخمسينيات أكثر من المسح البريطاني لخرائط فلسطين، والتي أعيدت كتابتها باللغة العبرية. ومنذ العام 1960 فصاعداً، بدأ مسح إدارة إسرائيل لإصدار خرائط خالية من كل تلك الأسماء الفلسطينية الأصلية، واستبدالها بأخرى عبرية".
الإشارة إلى العام 1960 تؤكد بأثر رجعي قصة حازكاني المستندة إلى ملف gl-18/17028 المتبقي.
بعد ستة عقود ونصف العقد لاحقاً، ما تزال المعركة دائرة، بين محاولات إسرائيل محو تاريخ فلسطين، في حين أن الفلسطينيين، من خلال الجهود المستقلة (لا شكر للفصائل المتحاربة) يحاولون الحفاظ على تاريخهم الخاص. وكما يوضح أبوستة، فإن "الحرب تدور على جبهات عدة، ليس العسكرية فحسب، وإنما هي أيضاً معركة على عقول الناس... إننا لا نحاول طمس أي تاريخ آخر -نحن نحاول أن نقول إننا لن نسمح لكم (إسرائيل) بمحو تاريخنا".
مع ذلك، لم تتوقف جهود إسرائيل لإلغاء التاريخ الفلسطيني أبداً، بدءاً من تدمير مئات القرى الفلسطينية وطرد سكانها في 1947-1948، إلى إعادة رسم وكتابة خرائط، إلى تغيير أسماء المدن والشوارع، إلى تصنيع التاريخ البديل، إلى الأمر الأكثر حداثة: تجريم الذاكرة الفلسطينية. نعم، ذلك بالضبط.
في آذار 2011، صادق الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) ما يعرف باسم "مشروع قانون النكبة". وهو قانون يعاقب مالياً أي منظمة أو مؤسسة تتصور وتحيي ذكرى تأسيس دولة إسرائيل كيوم حداد للفلسطينيين. هذا القانون، المعروف رسمياً باسم "قانون مبادئ الميزانية (التعديل 39) -تخفيض دعم الميزانية للأنشطة التي تتعارض مع مبادئ الدولة"، كان استمرارا لمشروع بن غوريون الرامي إلى الفلسطينيين فيزيائياً، وقطع علاقتهم مع أرضهم، وتقديم بناء للتاريخ إلى بقية العالم -تاريخ أساء بضعة أفراد بناءه عمداً في اتباع للتعليمات الرسمية.
للأسف، يبدو التاريخ المخترَع إلى حد كبير، والمركز جداً والممول جيدا وأنه يتغلب على التاريخ الحقيقي الذي يتم تشويهه في الغالب بسبب عدم كفاءة أصحابه. صحيح أن هناك مؤرخين غير أبوستة، والذين ينظرون إلى الفلسطينيين من خلال المنشور الجمعي الشفاف، وليس المناشير المشوهة للأفراد أو الفصائل. لكن أصواتهم تظل مع ذلك مكتومة، تتغلب عليها الخلافات الساحقة -حركة حماس مقابل فتح، مقابل البقية، وتقسيمات الهوية الوطنية على أساس الجغرافيا والسياسة والأموال، من بين عوامل أخرى.
لكنه ما يزال يترتب على الجيل الحالي من الفلسطينيين أن يصنع مشروعاً فلسطينياً طويل الأجل، ممولاً جيداً وشاملاً تماماً، والذي يتجاوز مصالح المجموعة المحدودة والجغرافيا؛ واحداً يديره مؤرخون فلسطينيون مؤهلون ومدربون تدريباً جيداً، ومتحدثون رسميون وعلماء، بحيث يمكن تقديم رواية فلسطينية واسعة وثابتة الأقدام في جميع أنحاء العالم. وما تزال كل الجهود من هذا القَبيل مسؤولية أفراد فُرادى ومنظمات صغيرة بوسائل وأدوات محدودة، وبالتالي تعاني من ضيق الوصول. ولكن، من دون إقامة منبر موحّد، فإنه سيكون من بالغ الصعوبة أن تصل الرواية الفلسطينية إلى الكتلة الحرجة اللازمة للتغلب على الرواية الإسرائيلية الخيالية الوهمية للتاريخ الفلسطيني، والتي تستمر في تعريف التفكير السائد في أجزاء كثيرة من العالم، خاصة في الغرب.
كان عمل المؤرخين الإسرائيليين الجدد قيّماً للغاية، ولو أن المرء لا يستطيع مقارنة تعاطف مؤرخين مثل أيلان بابيه، بقسوة بِن موريس. كما أن مئات الروايات الأخرى التي يقدمها الغرباء مهمة هي أيضاً، لأنها تساعد في خلق أطر مرجعية يمكن لجمهورها المحدد في أنحاء العالم أن يعيد روايتها. ولكن، من دون رواية فلسطينية موحدة، واسعة في حجمها، ومدهشة في اتساقها، وشاملة تماماً في عرضها، فإن القصة الإسرائيلية المليئة بالمغالطات كما هي، سوف تستمر في تعريف الفهم السائد للتاريخ لسنوات كثيرة مقبلة.
*مستشار إعلامي، وكاتب عمود دولي، ومحرر موقع الحكاية الفلسطينية "ذا بالستاين كرونيكل". آخر كتبه هو: "أبي كان مقاتلاً من أجل الحرية: قصة غزة التي لم تُروَ".
ويلٌ من الغضب الصامت
بقلم: توفيق وصفي – الايام
ويلٌ للماضي من الحاضر، ويل للحاضر من المستقبل، أو العكس لا فرق، الآباء يتذكرون خساراتهم وهزائمهم دون الإفصاح عنها للأبناء والأحفاد، ينهمكون في لعن الذات وتقريعها على وقوعهم في أحابيل جهلهم المغلف بإرادة عنترية زائفة، ويكتفون بسرد انتصارات فردية تافهة على خصوم الشجارات والمنافسات البدائية، وإطلاق أحلام حول مستقبل واعد للأبناء تسخر منها زوجاتهم، لا لون ورديا فيها إلا على وجناتهن المبللة بدموع الضحك.
اعتادوا الارتحال من غيهب الليل إلى الذكريات أو أحلام اليقظة، يتجنبون المؤلم في تفاصيلها لأن "القلب من الحامض لاوي"، يتذكرون حروب الآخرين عليهم بارتجال وعشوائية، كحربي "الرصاص المصبوب وعامود السحاب" اللتين شنهما عليهم ساسة إسرائيل وعسكرها، تستوقفهم لحظاتٌ فارقة في متاهة الخوف من الموت والأمل في الحياة، تلك التي كانوا يضحكون ويبكون ويجزعون أثناءها، يستبشرون خيرا بنبأ عاجل ويتطيرون تشاؤما من آخر، لحظاتٌ وساعات أمست ذكرى، تنتظر حربا أخرى لتبتلعها، وكأن كل ما مضى رزمة من الخيبات ذهبت بـ "بلاش"!
***
يهتف المريض العائد إلى غزة بعد رحلة علاج طويلة لحظةَ تَنَسُّمِه هواءَ غزة "ما أحلى ريحتك يا غزة"، ويردف بعد أن يدور بناظريه في محيط المعبر بعينين دامعتين "ريحة بلادي ردَّت لي عافيتي".. يحث السائقَ على الإسراع بنقله وزوجته إلى منزله في حي الشجاعية القريب من الحدود الشرقية لمدينة غزة، يستفسر السائق باستهجان "على إيش مستعجل"، يرد المشتاقُ إلى ربعه وداره قائلا إن عليه أن يجرب الغربة في بلاد هائجة، ويذوق الخوف من الطريق المزروعة بالموت والسلب وغير ذلك، ليدرك مبعث لهفته للعودة سالما إلى أهله.
يعانده السائق بسرد تفاصيل حقيقية عن حال غزة "ليست روائية" كما وصفها، فيشير إلى أن محال البقالة تبيع الآن بثلث ما كانت تبيعه قبل أسابيع، وشركات المقاولات آخذة في تسريح عمالها، لأسباب تتعلق بمنع دخول مواد البناء وفقدان الوقود وتداعيات أزمة الكهرباء التي توشك على إحكام خنق غزة من كل جهة، عدا عن تراجع الدخل وارتفاع الأسعار.
"أي بشر يريدون أن نكون"؟ يقذف السائق بالسؤال، قبل أن يسارع إلى القول أن غزة ليست كما كانت ولا مرة، وأنه غير معني بالمجد والفخار الذي يزركش انتصارات مزعومة، ما دام المتسولون على مدخل كل مخبز ومفترق وعيادة تحت عيون الشرطة والمارة، يستجدون الشيكل بكراتين صغيرة للعلكة أو المناديل الورقية، حتى الطفل المقعد "أبو كرسي متحرك" يقول "أديني شيكل" وهو يهز بالكرتونة.
أصر العائد على أن غزة أكثر حنانا على أبنائها من أي بقعة في الأرض، وأن حال أهلها أفضل من كثيرين في بلاد ذات سيادة، معتبرا أن العيب في ناسها، قاطعه السائق قائلا بأن "الفيلم" أكبر من غزة، ثم شرع في تحليل سياسي للربيع العربي وإيران والانقسام، وافقه الراكب منوها إلى أن على أهل غزة أن يدركوا أن السياسة مصالح وتبادل منافع ولا ثوابت فيها، وأن الواقع لا يتغير بالأحلام، وعلى من يريد تغييره ألا يكتفي بكظم الغيظ إلى أن ينفجر قلبه كمدا، وإلا فليقبل بالظلم، ليلعنه خلفُه من أبناء وأحفاد!
تغريدة الصباح - سقوط طائرة الرئيس في الصحراء الليبية
بقلم: يحيى يخلف – الحياة
حطت بنا الطائرة العسكرية الليبية في مطار السارّة،وفي الواقع لم يكن مطارا بالمعنى الفعلي للكلمة، بل كان مدرجا وغرفة بمثابة برج مراقبة، لم يكن يستعمل الاّ للأغراض العسكرية.استقبلنا اللواء خالد سلطان وعدد من الضباط بحفاوة، وانتقلنا معهم الى المعسكر الذي لا يبعد سوى مسافة قصيرة عن المطار،وأقمنا في احد الشاليهات حيث لا بحر اللهم الاّ اذا لم نغض الطرف عن مقولة (الجمل سفينة الصحراء)، وبعد استراحة قصيرة دعينا – أنا والأخ صخر حبش- الى مائدة الغداء في قاعة مخصصة للضباط، وقبل تناول الطعام واثناءه وبعده كان الحديث عن سقوط طائرة الرئيس عرفات في مكان ما يبعد عن المعسكر مسافة مئة وخمسين كيلومترا، حديثا حماسيا ودافئا وفيه عاطفة جياشة، ويفخر كل منهم بالدور الذي قام به في الوصول الى الطائرة وانقاذ الرئيس ورفاقه.
وبعد الظهر عندما جمعوا لنا الشباب في قاعة مخصصة للاجتماعات، لم يمكننا الشباب من الحديث،فقد أمسكوا زمام المبادرة، وأخذوا يحدثوننا عما فعلوه عندما سقطت الطائرة ،وكيف سمعوا بالنبأ وكيف وكيف..الخ.ولعل حماس واعتزاز هؤلاء الشباب بما فعلوه، وبلاغة سردهم والتفاصيل الإنسانية التي ذكروها قد حفزتني على كتابة رواية تسجيلية وثائقية عن هذا الحدث الذي هز وجدان البشرية، وجعل القيادة الفلسطينية تظل يقظة طوال تلك الليلة والتي هي اطول ليلة عاشها الشعب الفلسطيني وهو يكتم أنفاسه بانتظار أن يجلوالغموض عن مصير الزعيم ياسر عرفات، وتهامسنا انا واخي صخر واتفقنا ان نكرس هذه الليلة لروايتهم عن حكاية الطائرة والقائد.
في مساء يوم السابع من نيسان(ابريل) لعام 1992 شهدت تلك الصحراء عاصفة رملية ليس لها مثيل سدت الأفق وحولت النهار الى ليل، وعند لحظة الغروب التقط برج المطار في السارّة اشارة من طائرة مجهولة الهوية تطلب الهبوط الاضطراي، وأن على متنها شخصية مهمة.كان المعسكريغرق في ظلام دامس،وعندما أبلغ ضابط الإشارة الليبي قائد القوات خالد سلطان، شعرهذا بأن الشخصية الهامة هي ابوعمار اذا اعتاد ان يزور هذه القوات فجأة ودون سابق انذار. فاستنفر قواته وتحرك في تلك الظروف القاسية وأصدر اوامره بتحرك رتل من السيارات العسكرية مشعلة مصابيحها واحاطة المدرج لتتمكن الطائرة من الرؤية.لكن الطائرة لم تر تلك الأنوار نظرا لكثافة الرمال، ثم انقطع الاتصال بها، واختفت عن الرادار. انقطع الاتصال مع الطائرة على زاوية 215درجة، ابلغ قائد الطائرة في آخر مكالمة ان الوقود قد نفد، وانه سيقوم بتنفيذ الهبوط الاضطراري.انتشر الخبر في المعسكر عبر وكالات الأنباء وهاجت المشاعر وقد اشتدت ظلمة الليل،ولم تعد الإنارة ذات جدوى بسبب كثافة العاصفة. ازداد هيجان العواطف والمشاعر حتى ان بعض الضباط والجنود قرروا ان يخرجوا بسياراتهم من المعسكر بحثا عن مكان سقوط او هبوط الطائرة، عند ذلك جمعهم اللواء سلطان والقى بهم خطبة قصيرة مفادها ان هذه اللحظة تحتاج الى عقولنا وليس عواطفنا، وان خروجهم في هذا الجو دون دليل صحراوي سوف يتسبب في ضياعهم وربما حتفهم، وقال ان علينا ان ننتظر حتى الصباح اذ تكون العاصفة قد هدأت، ويكون الدليل الذي طلبنا حضوره من بلدة الكفرة التي تبعد ثلاثمائة كيلومتر قد وصل اذ لا يستطيع أحد ان يوغل في عمق الصحراء دون دليل.وبالفعل وقبل بزوغ الفجر هدأت العاصفة، وكانت دوريتان بكامل تجهيزاتهما بما في ذلك طاقم اسعاف طبي جاهزتين، وكان الدليل(الريفي) ومساعده( عيسى) قد وصلا، وهما خبيران في هذه الصحراء ويحفظان دروبها عن ظهر قلب، فتحركت الدوريتان ومع كل منهما دليل، واتجهتا في مسارين، نحو زاوية 215درجة التي انقطع عندها الاتصال. وتمكنت احداها التي يقودها اللواءخالد سلطان من الوصول الى الطائرة.لقد ذكرت انباء عن ان الأقمار الصناعية للولايات المتحدة هي التي أرشدت عن مكان سقوط الطائرة وهذا غير صحيح، والصحيح أن قوات الثورة الفلسطينية المتواجدة في ذلك المكان هي التي تمكنت من معرفة المكان والوصول اليه، وانقاذ الرئيس ابوعمار، واخلاء الجرحى والشهداء، الشهداء هم : العقيد طيار محمد درويش، والعقيد طيار غسان ياسين، والمهندس طيار تيودور جيورجي وهو روماني الجنسية..شباب قواتنا هم الأبطال وهم الذين أوحوا لي بكتابة روايتي (تلك الليلة الطويلة)عن سقوط الطائرة والتفاصيل المدهشة والإنسانية التي رافقت هذا الحدث، ووصلت الى أدق التفاصيل من خلال تسجيل الوقائع مع الجرحى ومتابعة سيرة الشهداء الذين افتدوا بأرواحهم سلامة القائد والرئيس حين امتصوا الصدمة الأولى.... كما خصص لي الرئيس ابو عمار اكثر من ساعتين روى لي فيهما احداث تلك الليلة التي هزت وجدان العالم.
مقاربة لتخفيف الهجاء
بقلم: عدلي صادق – الحياة
يشعر محسوبكم بثقل المهمة، كلما اقتضاه الحدث أن يهجو "حماس". فالخطب جَلل، والوضع عسير ومعقد، وسوى الروم خلف ظهرنا رومُ، ويتعين علينا جميعاً أن نحاذر وأن نتبين جيداً وقع أقدامنا. ونحن ضد اتهام طرف فلسطيني، بأنه سبب سفك دماء أشقاء، أو تعكير استقرار بلد، بالقدر نفسه الذي نربأ بأي طرف فلسطيني أن يفعل ذلك، لأنه عندما يفعل، يؤذي نفسه وقضيته والأمن الاجتماعي لشعبه، فما بالنا بحركة كبيرة، لها محازبوها وجمهورها، وتراها السلطات الرسمية في الإقليم وفي العالم، قوة تعكس ـ بوجهتها العامة ـ مزاج قطاع لا بأس به من الشعب الفلسطيني!
لدينا الكثير من القضايا والإحباطات والتعقيدات، ولا ينقصنا التورط في قضايا الأشقاء الداخلية وتعقيدات حياتهم السياسية وإحباطات أي طرف فيها، مهما كانت رؤيته قريبة من رؤيتنا، لطبائع الحكم وشروطه وثقافته. فلا يختلف اثنان، على كون موقفنا من التغيير الذي حدث في مصر، بإقصاء الرئيس محمد مرسي، في يوم 3 تموز 2013 اتسم بـ "حياد إيجابي". أي عدم التدخل مع تأييد الخطوة ضمنياً. وكان موقف "حماس" حيال ذلك الحدث، عُرضة للاختبار والمعاينة، من قبل القوى التي غيرت الأوضاع ومعها مؤيدوها بعشرات الملايين. لكن هذه الحركة لم تتخذ الموقف السياسي الذي يراعي الوضع الفلسطيني ويتحسس نقاط ضعفه. وكأن "الجزيرة" بالصور المهزوزة التي تعرضها ويرافقها دفق من الكلام "الإخواني"؛ تنقل الحقيقة عندما تقول إن "الإنقلاب" يترنح، وأن "الثورة" متأججة. غير أن الوقائع الموضوعية ترشدنا الى مسألة مهمة، وهي أن أصحاب "الجزيرة" قادرون متى شاءوا، على إبرام مصالحة عاجلة مع الحكم في مصر، قبل أو بعد أن تأخذ سياقات "خارطة الطريق" مداها. ولكن من يصالح "حماس" إن تورطت في خصومة مع مصر الجارة والشقيقة الكبرى؟!
ولنأخذ العبرة من مثال يتعلق بنا، ونسأل أنفسنا: هل أدى الوداد الذي أظهرناه بصدق، للقوى التي تحكم الآن، الى تخفيف القيود على شعبنا، حتى ونحن نردد بأننا الممثلون الشرعيون للحركة الوطنية المعاصرة، وللشعب الفلسطيني وللمجتمع في غزة، الذي خرج 80% منه للتعبير عن اعتزازه بذكرى انطلاقة حركة "فتح"؟!
أما المثال الذي يتعلق بحركة "حماس" فإنه يكمن في الجواب الواقعي عن سؤال: هل كانت غزة، في سنة مرسي، تشهد انفراجاً، وتضييقاً على المحتلين، وإعلاناً مصرياً للنفير ضد إسرائيل، اللهم إلا إذا اعتبرنا سهولة خروج ودخول قيادات "حماس" من المعبر الى الفنادق، انفراجاً على غزة ونفيراً ضد إسرائيل؟!
يعلم الجميع، أن هدم الأنفاق، بدأ منذ عهد مرسي. أما حفرها فقد بدأ وانتهى واستمر في عهد مبارك. ولما تذمر المحتلون قبل جلائهم عن غزة، من تستر مصر على الأنفاق، ومساعدتها على ضخ المحمولات عبرها، رد الرئيس الأسبق بما يشبه الدعابة: لكل نفق فتحتان، فليهدموا الفتحة التي عندهم!
ولما ضغط الأميركيون على مصر، وطالبوا برقابة إلكترونية كان رفضها من قبل مصر سيؤكد على تسترها، واختارت القوات المسلحة المصرية التظاهر بقبولها وإحباطها ميدانيا؛ حدث للأسف أمر في غاية اللؤم، إذ انبرى القرضاوي ومعه "الإخوان" وبتأليب منهم كل خطباء المنابر الأصوليين، يتحدثون عن جدار حديدي، ويدينون ويفتون بعظائم الأمور، بينما هم يعرفون الحقيقة على الأرض، ويعرفون أن مصر لا تستطيع دحض الاتهامات "الإخوانية" علناً. وعلى الرغم من ذلك، لم تتأثر علاقة "حماس" بالقوات المسلحة المصرية، وبالمرحوم عمر سليمان، الذي ساعدها كثيراً، ولكن دون جدوى طالما الأمر يتعلق بشؤون "الجماعة" في كل مكان!
لم تفكر "حماس" سياسياً، من موقعها المفترض كجزء من حركة تحرر فلسطينية حصراً، مثلما فكر "إخوان" مصر سياسياً كطلاب حكم حصراً، وبعث رئيسهم برسالة غرامية الى بيريس. لذلك كانت ردة فعل الحمساويين على تغيير 3/7/2013 حمقاء أوقعت الأذى بمصالح الشعب الفلسطيني، إذ توهموا أنهم يمتلكون ترف التمظهر والتفاصح في قضية الشأن الداخلي المصري، وأطلقوا فضائيتين تتبعان أثر "الجزيرة" البعيدة، التي تملك مثل هذا الترف. الآن، نأمل أن تراجع "حماس" موقفها، وأن تكف فضائياتها عن الثرثرة، وأن يتوخى خطباء منابرها مصلحة شعبنا وأن يتقوا الله فيه. وستكون هذه، أحد البراهين على نية المراجعة العقلانية، لكل موقف على كل صعيد، فربما يشجع ذلك، على تخفيف الهجاء أو التهاجي الفلسطيني الداخلي!
انتفاضة بـ واحد شيكل
بقلم: حسن ابو العيلة – معا
في كل صباح ومساء ونحن نتابع حالتنا الفلسطينية على كل الاصعدة السياسية ، الاجتماعية والاقتصادية وفي كل المستويات لا نسمع الا من يشخص الحالة وبتعامل معها بعين المراقب ، ونحن نلاحظ يومياً المشروع الاسرائيلي الرسمي والاستيطاني المتدحرج والمتسارع على الارض لقتل حلم شعبنا بإقامة دولته وعاصمتها القدس الشريف على حدود الرابع من حزيران والذي هو بعين اصحاب الحقيقة والحق هو تنازل كبير من طرف الشعب الفلسطيني .
بكل اسف وفي ظل هذه الحالة لم يرتقي مستوى الخطاب المسؤول ليصل الى شكل يتماها فيه مع الجماهير لتكون استجابة الجمهور بمستوى الحدث .
ففي حالة الاسرى والتي هي حالة مقدسة لدى الشعوب المناضلة الطامحة للحرية نرى ان الاسرى يموتون يوميا بفعل سياسة الاجرام التي يمارسها السجان بحقهم ولا نرى فعلا على الارض يتناسب وقدسية الحالة التي يمثلونها .
وفي حالة تهويد القدس وتهويد مسجدنا اولى القبلتين وثالث الحرمين المسجد الاقصى ، نرى وبكل اسف التشخيص للحالة ونطالب العالم العربي ان يتفاعل بحالة نضالية مع الاجرام السادي بحق مقدساتنا وارضنا ونحن كشعب ننظر بعين المراقب ونشاهد اقصانا يومياً يتعرض للتهويد ومدينتنا المقدسة وساكنيها ينكل بهم ، ونرى شعبنا في الوطن والشتات يصمت صمت اهل القبور ولا من مستجيب لصرخات الامهات والاطفال الذين تهدم بيوتهم ، ويشردون للعراء بعد ان تحطمت احلامهم في بيوت يسكنوها وآسرَه لاطفال يحلمون بمستقبل افضل وكراسات رسم وكتب لهم تتناثر بين انقاض بيوتهم التي نهشتها اسنان جرافات الاحتلال .
وبكل اسف نرى خطابنا يوجه للعالم العربي والاسلامي ان اغيثونا وقمم عربية تخصص المخصصات والمبالغ الكبيرة لانقاذ القدس ولكنها ارقام على اوراق قمم تناثرت بين انعدام الكرامة والمسؤولية .
ولكن يجب ان ندرك يا قادتنا وشعبنا ان المثل حينما قال " ما بحرث البلاد الا عجولها " لم يكن مجرد قول للترف والتسلية وانما هي الحقيقة الثابته .
وحينما نقول اننا بحاجة لانتفاضة بواحد شيكل انما نعني ان نعزز قيم الانتماء للارض والوطن ، فلو كل واحد فينا قدم واحد شيكل في بداية كل اسبوع من خلال ابناءه الدارسين في مدارسنا وجامعاتنا لوجدنا اننا نستطيع ان نجمع ما يقارب اربعة مليون شيكل شهرياً نستطيع من خلالها تعويض اهلنا في القدس ونعزز من صمودهم ونحافظ على اقصانا فضلا على اننا نزرع في ابنائنا روح الايثار والانتماء للوطن ونعزز لديهم حبهم لوطنهم وقدسهم ، ونشعر جميعا اننا شركاء بمشروعنا الوطني من خلال تعاقب اجيالنا .
ونقول لشاعرنا الكبير محمود درويش انه فعلا " على هذه الارض ما يستحق الحياة " وان هنالك شعباً على هذه الارض يستحق الحياة .


رد مع اقتباس