النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: مقالات في الصحف المحلية 114

  1. #1

    مقالات في الصحف المحلية 114

    المقالات في الصحف المحلية,,, ملف رقم (114)

    المقالات في الصحف المحلية
    (114)

    الاثنين
    12/08/2013
    جاء في صحيفة الحياة الجديدة
    تغريدة الصباح - ملح الرجال
    بقلم: محمد علي طه - الحياة
    خيبة آن باترسون
    بقلم: عدلي صادق - الحياة
    كيف يمكن فض الاشتباك؟
    بقلم: يحيى رباح – الحياة
    كلمة وفاء بحقهم
    بقلم: عادل عبد الرحمن - الحياة
    زهرات تتفتح !!
    بقلم: محرم البرغوثي – الحياة جاء في صحيفة القدس

    ضربة اخطر من سابقاتها!!
    بقلم: حديث القدس – القدس
    مظاهر الاعلام المصري المنفلت
    بقلم: عبد الرحمن ابوعرفه – القدس
    هل تؤدي المفاوضات الى حل الدولة الواحدة؟
    بقلم: الدكتور عقل أبو قرع – القدس
    طريق مصر نحو مستقبل أفضل
    بقلم: جون ماكين وليندسي غراهام – القدس
    مأزق حركة «حماس» في الربيع العربي
    بقلم: ماجد كيالي – القدس
    تعريب فلسطين بدلا من فلسطنة العرب.. نكبتنا!
    بقلم: محمد جلال عناية – القدس
    جاء في صحيفة الأيام
    من أجل قبر صديق شاعر
    بقلم : حسن البطل – الايام
    عقاب التاريخ
    بقلم: طلال عوكل - الايام
    استبداد الأردوغانية ينهي "النموذج التركي"
    بقلم: د. خالد الحروب – الايام
    في البحث عن الذاكرة
    بقلم: د.عاطف أبو سيف – الايام
    تغريدة الصباح - ملح الرجال
    بقلم: محمد علي طه - الحياة
    لا أدري الخلفية الاجتماعية أو السياسية للمثل المشهور أو القول المأثور: الكذب ملح الرجال، فلا يمكن أن يكون الكذب ملحاً أو سكراً بل هو مثلبة أخلاقية تفوق المثالب الإنسانية الأخرى مثل السرقة والخيانة والنفاق والزنا وغيرها، وأما إذا أصرّ البعض على أنّ الكذب ملح الرجال فأرى أنه الملح الذي يضرّ مرضى ضغط الدم العالي وقد يودي بحياة من يكثر منه. وأنا أكره الكذب وأحتقر الكاذبين، وعالجتُ ظاهرة الكذب المنتشرة في مجتمعنا في مسرحيتيّ "إضراب مفتوح" و"حوض النعنع" حينما لمستُ انتشار هذا المرض الاجتماعيّ والأخلاقيّ وبعدما عانيتُ عدة مرات من كذب بعض المعارف أو بعض الذين ذكرهم القرآن الكريم في سورتيّ "الفلق" و"الناس".
    يطلق القرويون على الكاذب أو الكذّاب عدة أسماء منها: هشّات، فشّار، دجّال، حلول، ذمته واسعة، لسانه فرط، سلاخ كوسا.
    وكانت والدتي رحمها الله تقول لي إنها لا تصدق نشرة الأحوال الجوية في راديو إسرائيل: لأنهم لا يعرفون طقس البلاد فالبلاد ليست بلادهم بل جاءوا إليها في الببور من كل بقاع الدنيا.
    والكذب ليس محصوراً في فئة ما فهناك تجار وسياسيون ورجال دين وفنانون وشعراء وإعلاميون يمارسون الكذب يومياً.
    سمع دافيد بن غوريون، أول رئيس حكومة في إسرائيل، من قيادة الجيش عن اعجابهم بضابط شاب اسمه أرئيل شارون فدعاه إلى جلسة في مكتبه وبعد أن انتهت الجلسة كتب بن غوريون في يومياته: "لا أصدق كلمة واحدة مما يقوله هذا الضابط الشاب" وأما رئيس حكومة إسرائيل إسحاق شمير فعندما قيل له في إحدى جلسات الكنيست بأن كلامه كذب أجاب: إنه أمر جيد أن يكذب من أجل الدولة، وأما بنيامين نتنياهو فحدّث عنه ولا حرج.
    هناك شخصيات دينية تكذب ولا تخجل من كذبها ويزعمون بأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد سمح للرجل بأن يكذب على زوجته. ذات مرة اتفقتُ مع شخصية دينية إسلامية مرموقة في بلادنا على موضوع ما وبعد أيام سمعته يتحدث عكس ما اتفقنا عليه فلما واجهته بالحقيقة قال لي: نعم أنا أكذب ومن أجل المصلحة. قلتُ له: سوف نسميك الشيخ الكذاب، فأجابني دون خجل: سمّني ما شئت !!
    كذبت قيادة الإخوان المسلمين في مصر عدة مرات علانية في السنة الأولى للثورة. قالوا إنهم سينافسون على ثلث مقاعد البرلمان فقط فلما جاءت الانتخابات نافسوا على جميع المقاعد وحصلوا على الأغلبية، وقالوا إنهم لن يترشحوا لرئاسة الجمهورية ومن سيترشح فسيفصلونه من الحركة فلما جاءت الانتخابات رشحوا زعيمهم خيرت الشاطر فسقط ترشيحه قانونياً فرشحوا مباشرة د.محمد مرسي، وهناك مسلسل كذب إخوانيّ ينافس المسلسلات التركية التلفزيونية.
    في إحدى السنوات الخالية زارني شاعر وأخبرني أنّ دعوة ثلاثية وصلت إلى صديقنا فلان كي نسافر نحن الثلاثة إلى باريس للمشاركة في معرض الكتاب الذي سيفتتح بعد ثلاثة أسابيع وطلب مني أن أحضر جواز سفري وحقيبتي، وهكذا فعلت. ومرت ثلاثة أسابيع ولم يتصل بي أحد فاتصلت بصديقنا فلان مستفسراً فضحك ملء صدره وقال: "وصدقته" !؟
    لا أدري لماذا لا تجري مسابقات محليّة وقطريّة ودوليّة في الكذب ولو جرت لكان لبعض أبناء شعبنا القدح المعلى. مثلاً لي قريب يأخذني في الكذب إلى النيل ودجلة والفرات ويعيدني عطشان. حينما يبدأ الحديث في حضوري يوأوئ قليلاً ثم ينطلق ويحلق ويلف ويدور وهو يهشت ويفشر وأنا أبلع وأبلع. وهناك أناس يكثرون من القسم بالله في كل جملة ينطقونها فأدرك عندئذ أنهم يكذبون ويغطّون كذبهم بالصلاة على النبيّ. وأما المصيبة الكبرى فهي أن الكاذب يصدق نفسه.
    قسماً بلحية الشيخ القرضاوي ولحية الراب عوفاديا ولحية البطريارك (اسمه غريب) أنّ كل ما ورد في هذه المقالة صادق وخال من الكذب.
    هل تصدقونني؟ بلاش كذب !!!

    خيبة آن باترسون
    بقلم: عدلي صادق - الحياة
    تستأنس الدبلوماسية الاميركية، في عملها، بمُخرجات العديد من مراكز البحوث والدراسات المعمقة. ويكون المسار «الطبيعي» للعمل الدبلوماسي اليومي، ملتزماً خط التقدم الى الأهداف المحددة. وعندما دفع الاميركيون بـ الستينية، ذات التجربة الغنية في بلدان الاضطراب الاجتماعي والفكري، آن باترسون؛ الى الموقع الدبلوماسي الأول في القاهرة؛ كان اختيارهم منسجماً مع أهداف عملهم في مصر، عندما تسلم «الإخوان» الحكم، وبدا أنهم القوة الوحيدة السياسية المنظمة، والمرشحة لتحقيق المزيد من النفوذ في المجتمع. ففي خضم الأحداث الصاخبة في باكستان، قرر الرئيس بوش الابن، في آيار (مايو) 2007 ارسال باترسون الى باكستان. فهي ضليعة في القضايا الشائكة، وكانت تشغل وقتها، موقع مساعدة كونداليزا رايس وزيرة الخارجية، لشؤون المخدارات الدولية وإنفاذ القوانين. فقد شغلت موقعها ذاك، بعد أن عملت وخبرت أوضاع البلدان الواقعة على امتداد سلسلة جبال «أنديز» التي تزنّر الحافة الغربية لقارة اميركا اللاتينية. وشغلت منصب السفير في السلفادور وكولمبيا على التوالي. ولما أظهرت براعة في التعاطي مع القضايا غير العادية، ثم رصد اليساريون حركتها الدؤوبة، قيل إنها نجت من تفجير دُبر لها!
    أحيلت الى الأمم المتحدة كنائبة للسفير الاميركي لدى المنظمة الدولية، ولما استقال السفير، عملت قائمة بأعماله، في فترة رفض مجلس الشيوخ المصادقة على اعتماد جون بولتون. ثم نقلت الى باكستان، حيث تضطرب مكونات المجتمع وتفعل تدرجات الإسلام السياسي فعلها، واستهلت تجربتها في العالم الإسلامي. كان سلفها، رايان كروكر، الذي نُقل الى العراق، ممن سبقوها في الإحاطة بأوضاع المسلمين، إذ عمل في سوريا ولبنان وأفغانستان وباكستان والعراق والكويت، وكل مهامه جاءت في اوضاع صاخبة، فحاز على أرفع الأوسمة، وسماه بوش الإبن «لورانس العرب» الجديد. فأمثال هؤلاء عندما يسميهم الرئيس الاميركي لمناصبهم؛ يصادق مجلس الشيوخ عليهم فوراً وبالإجماع. هكذا حدث دائما مع كروكر، وحدث مع آن باترسون، عندما سُميت لباكستان ومصر!
    كانت آن، تطمح الى تشبيهها بلورانس العرب، مع التأنيث، لكي تصبح لورانسة. فقد خفّت الى القاهرة في حزيران (يونيو) 2011 بعد أن سمتها هيلاري كلينتون سفيرة لدى مصر. وصلت تحمل تجربتها الغنية مع كل ألوان العجائب السياسية. جاءت ميمّمةً شطر جماعة «الإخوان» تحديداً، لكي تعقد زواج مسيار، يجدد علاقة قديمة، بين طرفين يمقت واحدهما ثقافة الآخر ولا يمقت سياسته ولا مسعاه، وتربط بينهما مصالح مشتركة، قوامها التمكين ونفاذ السياسات التي تلبي مقاصد الطرفين.
    في طريقها المرسوم، مضت آن، بوضوح لافت. لم يخطر ببالها، أن الأمور ستنقلب. وما أن لاحظت الحشود المتزايدة ضد «الإخوان» حتى أرسلت إحدى توصيفاتها التي توالت في إهاب النصائح أو الحِكم السديدة ذات التأييد البيّن للجماعة: «الحشود والتظاهرات ذات معزى، لكنها لا تحسم المسار الديمقراطي. فهذا تحسمه مُخرجات الصناديق»!
    وما أن وصل المصريون الى موعد 30 حزيران (يونيو) بعد عامين من بدء مهمتها؛ حتى أغرقت الحشود الشعبية المصرية إضبارتها. وببقايا وريقات غير مبللة، ظلت تؤثر في الموقف الاميركي على المستوى الدبلوماسي، ومعها كل أقطاب أقصى اليمين الحليف المجنون والقوي للصهيونية. هؤلاء تعاطوا مع موضوع «الإخوان» وكأن عصفوراً جميلاً يُذبح. كانوا يراهنون على «الجماعة» لحل أعقد مشكلات عملية التسوية، وهي قضية اللاجئين، لكي يجري توطينهم في أرض أخرى مجاورة تحكمها الحلقة الفلسطينية من الجماعة، وتضفي على هذه الصيرورة نفحات نورانية، تُستمد من التعريف العقائدي للأرض وللجغرافيا!
    كان ذلك سياقاً متعوباً عليه، من مراكز أبحاث وأوساط يمينية اميركية، بالتوافق مع الممول العربي العنابي، الذي ظن أنه يصنع لنفسه صدقية من خلال تأييد الثورات العربية بحماسة. غير أن المصريين، رأوا في إيقاع آن باترسون، ما يحافي مشاعرهم وآمالهم في الحفاظ على «الدولة» من حيث كونها حَكَماً نزيهاً بين الناس، يرعى مصالحها من أقصى نقاط انتشارها الى أقصاه. لذا رفع المصريون صورة آن، مع رسم إشارة الشطب وعبارات الهجاء. بدا سياق مهمتها مستحيلاً، وكأنما الدبلوماسية الاميركية أُخذت الى مُنزلق. تلعثمت لغة السياسة، وغاصت الدبلوماسية في رمل مصر أو في طمي نيلها الأسود الذي سماه الأقدمون «النيلة» وكان المحزنون الفراعنة ومن جاءوا بعدهم، يلونون جباههم به، إعلاناً للحزن العميق والخيبة الماكثة!
    تعطلت الدبلوماسية، وفُتحت قناة وزارتي الدفاع في مصر واميركا، لتأسيس لغة تخاطب ومسرب للتراجع. كان الطرف المصري حذراً ومتأثراً بحماقة الدبلوماسية الاميركية. ورُفعت في إحدى تظاهرات «التحرير» صورة بوتين، نكاية في اليمين الاميركي المحافظ. أما آن، البارعة في بلدان غربي اميركا اللاتينية، وفي باكستان، فقد لامست خيبتها في القاهرة!

    كيف يمكن فض الاشتباك؟
    بقلم: يحيى رباح – الحياة
    قبل أقل من أسبوع على انطلاق المفاوضات المباشرة بين الوفدين الفلسطيني والاسرائيلي في القدس وأريحا، بإشراف المبعوث الأميركي الخاص ذي التجربة العميقة في هذه المفاوضات، وتعقيداتها، والقضية ومستحيلاتها بصفته كان سفيراً لأميركا في إسرائيل مرتين واحدة بوجود نتنياهو وثانية بعدم وجوده في مقعد رئيس الوزراء.
    قبل أقل من أسبوع وقعت حكومة نتنياهو على عطاءات استيطانية داخل أراضي الدولة الفلسطينية، هذا بالإضافة إلى استمرار الهجمات الاستيطانية المسعورة ضد القدس، واستمرار سلوك العربدة الاسرائيلي ولغة العربدة الإسرائيلية التي تترافق مع بداية هذه المفاوضات.
    والاستنتاج الأول الذي يمكن الوصول إليه بسهولة، أن الجولات الست التي قام بها جون كيري وزير الخارجية الأميركية في المنطقة، ولقاءات مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ولقاءاته مع قيادات عربية، ومع لجنة مبادرة السلام العربية، لم تنجح في خلق ولو بادرة صغيرة جداً من التغير الإيجابي في السلوك السياسي الإسرائيلي.
    كل شيء على حاله، كل شيء كما تركناه قبل أكثر من ثلاث سنوات، وكل العناصر التي أدت إلى فشل وتوقف المفاوضات، هي نفسها موجودة دون نقصان، نتنياهو نفسه، التطرف هو نفسه، الاستهانة بالحق الفلسطيني، عدم إقامة أي اعتبار لقرارات الشرعية الدولية، عدم احترام المزاج الدولي الذي رأيناه في قرار الجمعية العامة نهاية العام الماضي، وفي قرار الاتحاد الأوروبي الآخير، وفي حضور فلسطين في العديد من منظمات الأمم المتحدة.
    كل ذلك قفز عنه الإسرائيليون كأن لم يكن، وحتى اللعبة التائهة المكشوفة والسقيمة التي يلعبها نتنياهو هي نفسها لم تتغير، يشكل ائتلافاً من الذئاب الجريحة ثم يختبئ وراء هذا الائتلاف بحجة أن التقدم بجدية على طريق المفاوضات سيؤدي إلى سقوط هذا لائتلاف!!!
    أين نقطة الأختراق؟
    حتى هذه اللحظة لا توجد إشارة واحدة على وجود أي نوع من الاختراق، وهذا يسجل في خانة الفشل الأميركي، لأن الإسرائيليين هم قوة الاحتلال الموجودة قبل المفاوضات وبعد المفاوضات.
    ولأن الفلسطينيين بكل تراتبية هياكلهم القيادية الوطنية والسياسية والحزبية لا يملكون إزاء ذلك سوى الاستناد إلى الثوابت، وهي ثوابت موضوعية، تقول بكل بساطة أن الاستيطان السابق واللاحق داخل المستوطنات وخارج المستوطنات القائمة هو غير شرعي ولا يمكن أن يكتسب أي شرعية، وأن المفاوضات بوجود أي شكل من أشكال الاستيطان لا يمكن أن يكون لها جدوى، ولا يمكن أن تصل إلى أي نجاح.
    لا جديد إذاً:
    وحكومة نتنياهو عاجزة حتى عن أي مستوى من الإبداع، فهي تكرر الفشل، والعدوان والعربدة، والاستهانة، وهي تعامل جون كيري مثلما أفشلت الذين سبقوه، وهي تكرر نفس دوائر الانغلاق على الذات، وهذا ما يجعل الكثيرين في المنطقة والعالم يقولون بنوع من اليقين انه ما دامت إسرائيل فاقدة القدرة على إنتاج قيادة جديدة، وفاقدة القدرة على إحداث تغيير ما، فهي ستظل في مرتبة المشروع وليس في مرتبة الحقيقة المقبولة، لأن كل ما تفعله إسرائيل مع الشعب الفلسطيني لا يتم تحت سقف القوة والعربدة والإنكار، وليس تحت سقف احترام الحقوق الفلسطينية، بل الاستمرار في أنكارها.
    وهذا المنهج الإسرائيلي ليس جديداً، ولكن السؤال الآن يشير إلى الإدارة الأميركية، هل لديها من جديد؟
    هل لديها نية في أن تمارس ولو ضغطاً محدوداً على إسرائيل؟
    هل لديها القدرة أن تعلن من هو المسؤول عن الفشل على أقل تقدير؟
    إذا ثبت لإسرائيل أن هذه الإدارة كسابقاتها، وأن كيري –رغم جدية الجهود التي بذلها- كسابقيه، فلن نرى في الأيام القادمة سوى المزيد من إحراق الوقت والعربدة واحتقان عوامل الانفجار.

    كلمة وفاء بحقهم
    بقلم: عادل عبد الرحمن - الحياة
    مرت قبل يومين ذكرى الراحل الكبير محمود درويش الخامسة. مضى شاعر فلسطين والعرب في ركب العظماء، الذين غادروا دنيانا، ولكنهم باقون في تفاصيل حياتنا بعطائهم وابداعاتهم.
    سيد الكلام، ابن فلسطين البار حاضر بيننا بنبوءاته والياذياته العابرة للزمن والتاريخ، مستشرفا آفاق مستقبلنا. أبحر فينا كربان سفينة، قارئا تهجداتنا وتعاويذنا، مستوحيا عبورهم في الكلمات العابرة.
    محمود شاعر الشعب والقضية، رمز الثقافة الوطنية، لم يمت حتى وان غادرنا جسده وعطاؤه. لانه ما زال حيا بيننا، ونسعى مع الساعين لاستحضاره في كل لحظة، لنستلهم ما اوحاه لنا لمتابعة شق طريق النصر والحرية.
    كل الكلمات تبقى عاجزة عن الوفاء لروح وعطاء الشاعر الكبير. احد شعراء الانسانية الحداثيين.. غير ان ضيق مساحة اللغة، أو عجزنا عن استنهاض أبجدية لغة الضاد كما يليق بالراحل العظيم، لا يحول دون محاولة الوفاء للرجل قدر ما نستطيع.
    ********
    غادر قافلة الحياة عضوا المجلس الوطني المناضلة الفلسطينية عصام عبد الهادي، رئيسة الاتحاد العام للمرأة حتى العام 2009، والمناضل واصف منصور، الكاتب والاعلامي وامين سر حركة فتح في المغرب. شخصيتان ساهمتا بجدارة في مسيرة النضال الوطني، كل من موقعه ومن تجربته الخاصة.
    لا يمكن لاتحاد المرأة ان ينسى تجربة عصام (فاطمة ام فيصل) الرائدة في مسيرة الاتحاد والثورة الفلسطينية، لا سيما وان المرأة، كانت وما زالت حارسة نيران مسيرتنا الوطنية. الشهيدة عصام عبد الهادي، دافعت عن المرأة ومكانتها في كل المحافل الفلسطينية والعربية والدولية. ولم تترك مناسبة ومنبرا إلا وحملت فيها قضية المرأة ودورها في النضال، وتصدت بصلابة وشجاعة عن كفاح المرأة وحقها في المساواة الكاملة بالرجل حتى وفاتها.
    كما لا يمكن لحركة فتح ولا لاتحاد المحامين والحقوقين جميعا وللاعلاميين، ولا لوزارة الثقافة تجاهل تجربة المناضل واصف منصور. ابو سفيان لم يترك ساحة النضال لحظة، وتنقل في ميادينها المختلفة بين الاردن ولبنان والمغرب وفي داخل فلسطين، وكل موقع تواجد به سعى واصف، إعطاؤه كل ما يستحق من الوفاء والانتماء. وكتب لفلسطين عموما وللاجئين خصوصا، خاصة وان قضيتهم كانت عنوان اطروحته للدكتوراه.
    رحم الله الشهيدين عصام عبد الهادي وواصف منصور، الذين سيبقى ارثهما الكفاحي وتجربتهما المعطاءة ونتاجاتهما في ميادين الحياة المختلفة نبراسا للمناضلين الوطنيين عموما.

    زهرات تتفتح !!
    بقلم: محرم البرغوثي – الحياة
    تنتشر في محافظات الوطن اسماء مجموعات شبابية كثيرة، تحمل اسماء تعبر في معظمها عن قلوب وأرواح ملتصقة بهذا الوطن وأصحابه.
    مجموعة "فكر بغيرك" مأخوذة من قصيدة للشاعر الخالد محمود درويش، ومجموعة أخرى "بيت الحياة" وثالثه "عالحيط" لمجموعة من الفنانين التشكيليين يرسمون على الجدران والحيطان، وهناك اسماء كثيرة لمجموعات مختلفة بأسماء مختلفة لكن جميعها تلتقي في التطوع لفلسطين وشعبها وأرضها.
    آخر مجموعة التقيتها تطلق على نفسها "عمٌار الأرض "اعمارهم تبدأ من 15 سنة، طلبة مدارس عملوا على افطارات جماعية ومساعدات لأسر فقيرة، وحملات نظافة...
    اعمارهم كالورود، يتحدثون بثقة عالية، كغيرهم يستعدون لمساعدة الطلاب الفقراء في المدارس بتزويدهم بحقائب وقرطاسية... يستعدون لموسم الزيتون في المناطق الساخنة "الجدار والقريب من المستوطنات" وسيزورون اسر الشهداء والمعتقلين.
    ان التطوع الذي يعتبر ظاهرة نبيلة، قيمة اجتماعية هائلة، انها جسر متين يربط الشباب "ذكورا وإناثا" بمجتمعهم ووطنهم.
    رغم ان ظهور هذه المجموعات انما هو مؤشر مهم عن عزوف الشباب عن التنظيمات السياسية، وتعبير عن ضعف الثقة بمعظم المؤسسات الشبابية، لكن هذه الظاهرة تضع التنظيمات امام واجب اعادة النظر في علاقتها مع هذا القطاع، وتضع المؤسسات امام ضرورة عزوفها عن البيروقراطية والفئوية السياسية، وأن تفتح ذراعيها لتحتضن وتعتز بهؤلاء المنتمين لهذا الشعب وهذا الوطن.
    يجب أن تتوفر لهؤلاء فرص الحوار والتعبير والمشاركة، لأنهم زهرات تتفتح في أرض فلسطين ومستقبلها رغم كل المحاولات لتصحر البلد، والهاء الشباب في نشاطات بعيدة عن الهم العام والمستقبل لهذا الوطن.
    ان هذه المجموعات الكثيرة المنتشرة في الوطن، انما هي مصدر للأمل، ورد على حالة الاحباط والظلم الذي يطلق على الشباب.
    ان هذه الزهرات التي تتفتح بين الحين والآخر، تعطي الدليل القطعي ان هذا الشعب ليس عاقرا، وان فلسطين تاريخيا تنجب الافواج من الشباب القادة الحقيقيين الذين يولدون من رحم المعاناة من رحم هذا الشعب وليس بصناعة قادة في برامج ليس لها علاقة بالوطن. أبوابنا مفتوحة، انتم شركاء في الهم الواحد والمستقبل الواحد لشعب واحد، انتم ابناء شعب لن يتراجع عن الابداع في كل شيء. فلتتفتح هذه الزهرات ليعم رحيقها ارجاء الوطن ولن توقفها الاسلاك ولا الجدران العنصرية.

    ضربة اخطر من سابقاتها!!
    بقلم: حديث القدس – القدس
    مناقصات البناء الاستيطاني الجديد التي أعلنتها إسرائيل امس سواء البناء في القدس العربية او باقي انحاء الضفة الغربية تشكل تطورا خطيرا وضربة جديدة لعملية السلام خاصة بعد ان كشفت وسائل الاعلام الاسرائيلية النقاب عن ان هذه المناقصات تم الاعلان عنها بالتنسيق مع الادارة الاميركية في الوقت الذي وصل فيه المبعوث الاميركي الخاص بعملية السلام انديك الى المنطقة والتقى الرئيس محمود عباس لبحث جهود السلام.
    هذا التطور الخطير يثير مزيدا من الشكوك حول مدى جدية اسرائيل وحول جدوى استئناف مفاوضات السلام اذا كان الحديث يدور عن استمرار التوسع الاستيطاني واذا كان الراعي الاميركي للمفاوضات ينسق مع اسرائيل بهذا الشأن او يوافق على ما تقوم به اسرائيل من انتهاكات جديدة، وبالتالي يعزز الرأي القائل بعبثية المفاوضات طالما ان اسرائيل تفرض وقائع يومية على الارض اقل ما يقال فيها انها احادية الجانب وتنتهك القانون الدولي وتتناقض مع اسس ومبادئ عملية السلام.
    والحقيقة ان هذا التطور يصدم كل فلسطيني وهو ما عبرت عنه ردود الفعل الفلسطينية سواء رد الفعل الرسمي او ردود القوى السياسية وردة الفعل الجماهيرية فلا يعقل ان تستأنف عملية السلام على هذا النحو من مواصلة الاستيطان وإصرار اسرائيل على الاستمرار في تهويد القدس بصمت و بتنسيق اميركي، وهو ما يعني ان هذه المفاوضات محكومة بنتائج تريد اسرائيل فرضها مسبقا وهو ما يتناقض مع هدف عملية السلام وهو التوصل الى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على كافة الاراضي المحتلة منذ عام ١٩٦٧ بما فيها القدس العربية .
    ان ما يجب ان يقال هنا ان هذا التطور يفرض أمرين هامين :
    الاول ان على الولايات المتحدة ان تعلن موقفها بشكل واضح من هذا التطور ومن الاستيطان عموما والثاني ان على الجانب الفلسطيني إعادة النظر في الموقف من المفاوضات خاصة وان الضمانات الاميركية التي قيل انها قدمت للجانب الفلسطيني قبيل استئناف المفاوضات لم تعد كافية.
    ان من حق أي مواطن فلسطيني ان يتساءل اليوم عن هذا السلام الذي نريد الوصول اليه عبر هذه المفاوضات طالما ان اسرائيل لم تغير شيئا من ممارساتها ومواقفها وتصر على استمرار التوسع الاستيطاني عدا عن استمرارها في فرض المعاناة على شعب بأكمله عبر مختلف ممارساتها من حواجز وحملات دهم واعتقال وحصار للقطاع الخ من الممارسات .
    ولهذا نقول انه اذا كانت اسرائيل تصر على ان توجه كل يوم ضربة لعملية السلام وتستغل مفاوضات السلام لتنفيذ مخططات التوسع الاستيطاني وتهويد القدس فان ذلك يستوجب وقفة جادة مع الذات من جهة ومطالبة الراعي الاميركي بتوضيح مواقفه ازاء هذه الممارسات فالمطلوب فلسطينيا الان نقل رسالة واضحة لواشنطن وللمجتمع الدولي ان استمرار اسرائيل على هذا النحو يعني فشل المفاوضات وان اسرائيل تتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا الفشل وان من حق الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال غير المشروع مواصلة نضاله من اجل انتزاع حريته واستقلاله.


    مظاهر الاعلام المصري المنفلت
    بقلم: عبد الرحمن ابوعرفه – القدس
    كنت قد اشرت في مقالة سابقة، الى دور الاعلام المصري في تأزيم الوضع المصري الداخلي وايصاله الى شفا الحرب الاهلية، وبنفس المقالة ربطت بين ما يحدث في الاعلام المصري الان، وبين دوره ابان ازمة "ماتش الكورة" مع الجزائر، وما يقوم به هذا الاعلام من شيطنة للاخر دون اي ضابط، وبحيث ان اي اعلامي يفتح له الفضاء المباشر ليقول ما يشاء مهما كان هذا الشىء.
    الاعلام المصري بحاجة الى ضبط!
    والكثير من المذيعين المصريين بحاجة الى ما هو اكثر من الفرملة، بل الى آداب وأخلاقيات مهنة العمل الاعلامي، من الطبيعي ان ذلك ليس لعموم الصحفيين والاعلاميين المصريين الذين هم اساتذة بطبيعتهم، ولكن لتلك الفئة من الاعلاميين وخاصة الذين يعملون في فضائيات كبار رجال الاعمال ممن يتقاضون رواتب خيالية ونسب على الاعلانات، تجعل دخل الواحد منهم معادلا لمجموع اجور عمال احد المصانع، وكأن بضاعة اللسان الرديئة تتنافس مع انتاج المصنع، وكأن مدى انفلات اللسان يتناسب مع حجم الراتب!
    من له الصبر ليستمع الى مهاترات "الاعلاميين" و" الاعلاميات" في الفضائيات إياها، فانه سيلاحظ ليس فقط عدم التقيد بآداب المهنة، بل ما هو أكثر من ذلك بكثير، سيلاحظ السب والشتم، القدح والذم، الفجور واستعمال الكلمات البذيئة، توجيه الاتهامات واصدار الاحكام جزافا. ليس شيطنة الآخر فقط، بل تعدي دور مقدم البرنامج، الى ما هو اكثر من ذلك بكثير، انتحال دور القاضي والمحامي والمدعي العام ودائرة الاجراء والتنفيذ، كل مهنة القضاء والبوليس والأمن، يحملها هذا المذيع مقرونة بقاموس غير مكتوب من الشتائم واشارات وتعابير الفجور.
    من الذي خول هؤلاء بان يكونوا على ما هم فيه؟ ومن الذي علمهم مهنة الصحافة؟ ومن الذي سمح لهم القيام بما يقومون به، وكيف يصمت عنهم أساتذة الاعلام المصريين الكبار، الذي علموا الصحافة والاعلام للامة العربية كلها؟
    كيف يصمت عنهم النائب العام، وهم الذين تقمصوا شخصيته، وأحلوا لانفسهم القيام بدوره، وكيف يصمت عنهم حتى الرعاع الذين اصبحوا منافسين لهم؟
    لو تفرغ أحد ما او جهة ما، لاجراء دراسة علمية لما تبثه هذا القنوات لأتى بالعجب.
    مذيعة تتهم حزب سياسي كامل واتباعه الملايين بانهم كلاب، ومذيع اخر يوجه تهمة الخيانة والعمالة لمئات الاف المتظاهرين السلميين، وآخر يصدر توجيهاً وامراً الى قوات الامن باقتحام مظاهرة، وآخر يحلل اطلاق الرصاص نتيجة لعدم جدوى قنابل الدخان، وآخر يستهزء بكل رموز الحكم، يستهزء على الشكل وعلى اللفظ وعلى المنطق وعلى الاسلوب، وكأنه الحكم على ما يكون عليه المسؤول، لو تم لهؤلاء الاعلاميين ان يجتمعوا معا وتشكيل لجنة حكام لمن يستهدفونه سواء شعوباً أم هيئة، لرأيت الدرك الذي يمكن الوصول اليه جماعةً بعد ان وصلوا اليه افرادا.
    في كل حادث دموي في مصر، يلقى اللوم فوراً على البلطجية، ولا توجد قضية مرفوعة ضد الجيش او الشرطة او الاحزاب، ولم يثبت اي اتهام ضد هؤلاء بانهم اطلقوا النار، رغم سقوط مئات القتلى من المتظاهرين، البلطجيين اصبحوا قميص عثمان الذي يُحمل مسؤولية كل جرائم القتل، واصبح هناك يبدو به ان البلطجية او على الاقل شعار البلطجية هو امر مطلوب وضروري لاي نظام سياسي في مصر، فمن خلالهم يمكن تنفيذ اي عمل والبقاء في خانة الابرياء بعد احالة التهمة الى البلطجية الذي لا شكل ولا اسم ولا عنوان لهم، تماما مثل تسجيل القضية ضد مجهول.
    بلطجية الاعلام، البعض يسمونهم "الكلامنجية"، لا يجيدون شيئا سوى الكلام ولا سيما البذيء منه، تفتح لهم الفضائيات هوائها المباشر، ليوغلوا في الحديث وفي الهراء دون رقيب او حسيب، ومقابل ذلك يدفع لهم، اليس الدماء تجارة ايضاً.
    من الذي سمح لمجموعة تعتبر نفسها اعلامية باستباحة دماء الشعب المصري وسوقه كالنعاج لحرب اهلية تبتلع أبناء الفقراء، بينما أناء هؤلاء الاعلاميون يدرسون في المدارس الاجنبية؟ ثم يفاجئنا بعض هؤلاء الاعلاميين انفُسهم بالقول "ان الإعلام هو المتهم الاول في المصيبة التي بها الشعب المصري الآن، وان الاعلام وكثرة الفضائيات حولت الازمات الى حرب اهلية وكوارث. المصدر www.youtube.com/watch?v=6ccide
    وآخر يقول: "إحنا ضد الشتيمة، المعارضة لم تشتم على الاطلاق. ثم يعود في نفس الحلقة ليقول لمن يهاجمهم " تجربتكم بنت ستين كلب"
    وآخر يقول في بث مباشر ايضا "احنا كلنا منبطحين – يقصد الاعلاميين-، وكلنا دواجن، انا اريد ان اقول انه لا يوجد اي اعلامي رفع صوته امام حسني مبارك وانا من ضمنهم، ليعود لرفع صوته بل للردح والسب والشتم لمسؤول اخر جاء بعد حسني مبارك". المصدر www.youtube.com/wach?v=FiaTul
    مجرد نماذج، شاهدتها على Uoutube، وهي متاحة لمن يرد ليشاهد الدرك الذي وصلت به فضائيات كبار رجال الاعلام، ومن يرتزقون على قوت الشعب المصري ومآسيه.
    صدرت دعوات في مصر، لأصدار والتقيد بميثاق شرف اعلامي، طبعا لم يصدر هذا الميثاق، وحتى صدوره لا تعرف ما هي الآليات والضوابط التي ستلزم المنفلتين بالتقيد ببنود الميثاق.
    ان المطلوب من الصحافة المصرية الغيورة والصحفيين المصريين الشرفاء، عدم انتظار وزارة الاعلام لتقوم بهذه المهمة، عليهم وهم اصحاب المهنة، المبادرة الى الاجتماع، وصياغة هذا الميثاق وطرح الآليات للإلتزام به، وبضمن ذلك لفظ الاعلاميين الذين اساءوا الى مصر وشعبها قبل ان يسيئوا الى مهنة الصحافة.
    مثل هذه الآليات يمكن ان تتضمن:
    •وقف جميع البرامج السياسية وبالتحديد التي تذاع بالبث المباشر ريثما يتم تقييم اخلاقياتها
    •اعادة فحص اهلية المذيعين بمراجعة ما قدموه من برامج
    •دورات تاهيل لمن هم بحاجة اليها
    •تقييم شهري للاداء، ومن يفشل في ضبط نفسه خلال فترة معينة يتم حرمانه من التوجيه للجمهور لعدم اهليته.

    هل تؤدي المفاوضات الى حل الدولة الواحدة؟
    بقلم: الدكتور عقل أبو قرع – القدس
    مع استمرار وتوسع الاستيطان رغم بدء المفاوضات وبالتالي استمرار الاضمحلال في الحصول على دولة متواصلة وذات سيادة حقيقية على الارض والسكان الذين يعيشون في تلك الارض، او في التوصل الى حل الدولتين كما هو معلن في الاطار العام للمفاوضات، بات التفكير في طرح التفاوض او مناقشة امكانية حل الدولة الواحدة طرحا منطقيا!
    ومعروف ان المفاوضات الجدية سوف تبدأ الاسبوع المقبل، في ظل الانطباع بأن حل الدولتين او بالاحرى عدم السير باتجاه حل الدولة الواحدة هو الاطار الذي سوف تتبعه وهو المحفز الذي في الواقع ادى الى البدء بها، عاجلا وليس اجلا، وليس فقط من قبل الجانب الفلسطيني الذي يرى تآكل الارض من خلال زحف الاستيطان، ولكن من الطرف الاسرائيلي الذي يبدو انه بات يرى وبجدية العامل الديموغرافي او هاجس الدولة ثنائية القومية.
    وقد تناقلت الانباء خلال الايام او الاسابيع القليلة الماضية تصريحات اسرائيلية، فحواها ان منع خلق اواقامة دولة مزدوجة القومية بين البحر الابيض المتوسط ونهر الاردن، اي في ارض فلسطين التاريخية، هو مصلحة استراتيجية لاسرائيل، ولذا فإن حل الدولتين هو ليس فقط هدف اساسي للجانب الفلسطيني، كما هو الانطباع عند العديد من الناس، ولكن ولاسباب مختلفة هو هدف استراتيجي اسرائيلي، وحسب تصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي يعتبر العودة الى المفاوضات مصلحة استراتيجية لاسرائيل لمنع اقامة هذه الدولة ثنائية القومية.
    واذا كان العمل لمنع اقامة دولة واحدة هو مصلحة استراتيجية اسرائيلية، تلك الدولة التي من المتوقع ان يكون الفلسطينيون فيها هم الاغلبية، حيث تشير الارقام الحالية الى انه وخلال فترة قصيرة، اي مع نهاية عام 2014 سوف يتساوى عدد الفلسطينيين مع عدد اليهود، اي حوال 6 ملايين شخص في ارض فلسطين التاريخية، فأن على الجانب الفلسطيني ان يأخذ هذا الوضع بعين الاعتبار حين العمل لتحقيق هدف حل الدولتين، فمعروف ان رؤية الجانب الاسرائيلي لحل الدولتين، وبعيدا عن الدولة ثنائية القومية، هو كيانات بشرية صغيرة متقطعة اي بدون تواصل، وذات بعد امني، ومحاطة بمستوطنات وبدون سيادة حقيقية، او بالادق بدون توفر عوامل الدولة السيادية المتعارف عليها اسوة في الدول الاخرى.
    ولذا فأن حل الدولتين من خلال اقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة اسوة بدول العالم، من المفترض ان يكون هدف استراتيجي فلسطيني، واذا تعذر ذلك، فان خيار الدولة الواحدة هو الهدف الافضل، خاصة في ظل ما حدث ويحدث على الارض من استيطان وبالتالي تقطيع اوصال الارض التي من المفترض ان تقوم عليها الدولة الفلسطينية، وكذلك الخنق الاقتصادي المتواصل من الجانب الاسرائيلي، من خلال السيطرة اوالاصرار في السيطرة على المعابر والحدود الان وحسب المفهوم الاسرائيلي للدولة، بشكل يجعل قيام دولة في ظل هكذا وضع غير قابلة للحياة سواء من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما الى ذلك.
    ونعرف ان موازين القوى المادية، سواء اكانت الاقتصادية او العسكرية او حتى السياسية في ظل الوضع الدولي وفي ظل التشرذم العربي والانكفاء الداخلي، وفي ظل الوضع الفلسطيني الخاص من انقسام وحصار هو ليس في صالحنا وبالتالي ليست في صالح مفاوضات تؤدي الى نتائج نريدها، ولم تكن هذه الموازين في صالحنا منذ فترة طويلة، وربما لن تكون في صالحنا في المدى القريب او المتوسط او البعيد، ولكن وفي وضع مثل وضعنا، موازين القوى للبدء في مفاوضات او للعمل لتحقيق انجاز، لاتقاس بنسبة النمو في الناتج السنوي الاجمالي، ولا في عدد الطيارات او الدبابات او نوعية الجيش، ولا في عدد المصانع او الطرق السريعة والبنية التحتية، ولكنه يقاس بقوة الحق الذي يمتلكه الطرف المفاوض، وقوة العدل في المطالبة بالحقوق الانسانية، والقوة في التحكم في اتخاذ القرار في انهاء الصراع من خلال الحصول على الحقوق.
    وموازين القوى هذه هي التي ادت الى صدور قرار الاتحاد الاوروبي قبل اسابيع، اي القرار الصادر عن حوالي 28 دولة باعتبار واقع الاستيطان وتبعاته وما يترتب عليه، وبشكل عملي، هو عمل غير شرعي او غير قائم، ولذا يجب عدم التعامل معه، وميزان القوى هذا هو الذي يجعل وزراء الخارجية وبانواعهم سواء العرب منهم او الاجانب يتسابقون الينا، ويضعون كاولوية عندهم المطالبة بالعمل لوضع حل للنزاع، وميزان القوى هذا هو الذي ادى الى ان تصوت حوالي 138 دولة لصالح القرار بعضوية الدولة غير العضو في الامم المتحدة وكذلك للتصويت على غير ذلك من القرارات التي تصب في اطار الحقوق الانسانية العادلة للشعوب، وميزان القوى هذا، هو الذي من المفترض ان يكون قوة في يد المفاوض والمواطن الفلسطيني في الاصرار على دولة ببساطة مثل الدول الاخرى في العالم، واذا تعذر ذلك، سيكون البديل الافضل هو دولة واحدة ثنائية القومية، مع كل الحقوق الانسانية اسوة بحقوق البشر في العالم.

    طريق مصر نحو مستقبل أفضل
    بقلم: جون ماكين وليندسي غراهام – القدس
    توجهنا إلى القاهرة هذا الأسبوع لتعزيز الجهود الأميركية والدولية الرامية إلى إنهاء الأزمة السياسية، والتقينا قادة الحكومة والقوات المسلحة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني والإخوان المسلمين. وعدنا ونحن نحمل قناعة بأن الوقت ينفد سريعا لحل هذه الأزمة، لكن لا تزال هناك فرصة للقيام بذلك إذا توحد المصريون ذوو النوايا الحسنة من أجل بلدهم، قلب العالم العربي وموطن ربع سكانه.
    نحن أصدقاء قدامى لمصر وقواتها المسلحة منذ وقت طويل. وقد حاربنا بقوة على مدى سنوات للحفاظ على مساعداتنا الخارجية الحيوية لها. وكنا من أوائل الداعمين لثورة عام 2011 وأيدنا الطموحات الديمقراطية للشعب المصري. وقد انتقدنا بشدة الإجراءات غير الديمقراطية التي قام بها الرئيس السابق محمد مرسي، وتعاطفنا مع ملايين المصريين الذين نزلوا إلى الشوارع الشهر الماضي للتظاهر ضد انتهاكات مرسي للسلطة. لكن كما قلنا في القاهرة هذا الأسبوع، لا يمكن وصف الظروف التي أطيح فيها بمرسي من منصبه عدا كونها انقلابا. ينبغي على القادة غير الناجحين في أي بلد ديمقراطي أن يتركوا مناصبهم عبر الانتخابات.
    رسالتنا الرئيسة في القاهرة كانت بسيطة ومباشرة: الديمقراطية هي المسار الحيوي الوحيد لاستقرار دائم ومصالحة وطنية وتنمية اقتصادية مستدامة وعودة الاستثمار والسياحة إلى مصر. إن الديمقراطية تعني ما هو أكثر من الانتخابات؛ إنها تعني حكما ديمقراطيا، أي عملية سياسية شاملة يتمتع فيها كل المصريين بالحرية والقدرة على المشاركة ما داموا يقومون بذلك بشكل سلمي، وحماية حقوق الإنسان الأساسية عبر سيادة القانون والدستور، ودولة تحمي مجتمعا مدنيا فاعلا.
    هذا هو المستقبل الديمقراطي الذي يريده غالبية المصريين، بحسب اعتقادنا، لكن الخطر الآن يتمثل في وجود قوى متطرفة ورجعية في صفوف الحكومة المصرية المؤقتة ومن ضمن أنصار مرسي على حد سواء تحاول جر البلاد إلى طريق مظلم من العنف والقمع والانتقام، مما يؤدي إلى الكارثة وفشل الجميع. وهو ما من شأنه أن يزيد المشكلات التي تواجهها مصر سوءا ويهدد في النهاية مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائنا.
    ينبغي علينا أن نتذكر - وخاصة عندما يعيد الأميركيون النظر في التهديد الدائم والحقيقي الذي تمثله «القاعدة» - أن زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين المصرية، وأن الظواهري لم يتحول إلى التطرف العنيف إلا بعد تعرض قيادات الجماعة للقمع والاعتقالات من جانب الأنظمة المصرية السابقة. وأن تكرار أخطاء الماضي ذاتها ستدفع بمصر إلى مستقبل طويل من عدم الاستقرار والركود، وسيؤدي إلى نشأة جيل من أعضاء التنظيمات الإرهابية مثل «القاعدة».
    ونحن نعتقد أنه لا يزال هناك الكثير من الأفراد ذوي النوايا الحسنة والوطنية على كلا الجانبين الذين يريدون مستقبلا أفضل بالنسبة لمصر. وقد سمعنا الكثير من التصريحات المشجعة في اجتماعاتنا، وطالبنا جميع الأطراف بتعزيز تصريحاتهم هذه بخطوات بناءة، وطالبناهم أيضا بالقيام بذلك بسرعة لأن الوقت ينفد.
    يجب على جميع الأفراد والأحزاب في مصر أن يتطلعوا لحل خلافاتهم بصورة سلمية عبر الحوار الشامل وعقد تسويات صعبة وتضحيات مؤلمة تشكل ضرورة لإنقاذ الوطن.
    وينبغي على أنصار مرسي، بمن فيهم جماعة الإخوان المسلمين، الاعتراف بأن ما اتخذه من إجراءات تسببت في غضب شعبي واسع، وأنه لن يعود لمنصبه رئيسا مرة أخرى. كما ينبغي عليهم الامتناع عن القيام بأعمال العنف والتحريض عليه، وأنهم في نهاية المطاف سيكونون بحاجة لترك الشوارع والعودة إلى العملية السياسية، لأنه لا يوجد بديل جيد أو فعال لتحقيق مصالحهم.
    في الوقت ذاته، ينبغي على الحكومة والقوات المسلحة إدراك أنه مهما بلغت كراهيتهم لأنصار مرسي إلا أنهم مصريون أيضا، ولا ينبغي استثناؤهم من الحياة السياسية في البلاد، وإلى ضرورة التعامل معهم ومع أنصار مرسي برحابة صدر وليس بطريقة انتقامية، وهذا يعني وضع جدول زمني محدد لتحقيق الانتقال إلى الديمقراطية وتمكين كل المصريين من المشاركة في تعديل الدستور، كما يعني تمكين المنظمات الدولية والمصرية ذات المصداقية من مراقبة الحملات والانتخابات القادمة، ويعني أيضا إطلاق سراح السجناء السياسيين بما في ذلك مؤيدو مرسي.
    إن ما سيجري في مصر خلال الأسابيع القادمة سيكون له تأثير حاسم على مستقبل مصر والشرق الأوسط. لقد كانت مصر زعيمة بين جيرانها. ولا نزال نعتقد بأن مصر تستطيع أن تكون نموذجا للديمقراطية الشاملة تلهم المنطقة والعالم، ولتحقيق ذلك يجب على الولايات المتحدة أن تواصل تقديم دعمها.
    * جون ماكين وليندسي غراهام، جمهوريان يمثلان ولايتي أريزونا وكارولينا الجنوبية في مجلس الشيوخ الأميركي على التوالي.

    مأزق حركة «حماس» في الربيع العربي
    بقلم: ماجد كيالي – القدس
    باتت حركة «حماس» في وضع صعب ومأزق كبير، بعد التغيير الحاصل في مصر، لا سيما أنها كانت فكّت علاقاتها مع النظام السوري، ما نجم عنه انفراط تحالفها مع إيران، و»حزب الله» في لبنان، وخسارة ما كان ينجم عن ذلك من تقديمات الدعم السياسي والمادي والتسليحي، بسبب خروجها من ما يسمى محور «المقاومة والممانعة».
    في الواقع فإن مشكلة هذه الحركة أنها وضعت كل ثقلها ومراهناتها على صعود تيار الإسلام السياسي، محمولاً على رياح الثورات الشعبية في العالم العربي، باعتبار ذلك مكسباً خالصاً لها، يمكن أن يعزّز مكانتها فلسطينياً وعربياً ودولياً، وعلى الصعيدين الرسمي والشعبي، في آن. ولا شكّ في أن هكذا حسابات أو مراهنات تثير «شبهتين»، أولاهما، ضعف المضامين التحرّرية والديموقراطية في الإدراكات السياسية لهذه الحركة، بواقع استئثارها بحكم القطاع، طوال الأعوام الستة الماضية، وتقييدها للحريات الفردية فيه، وبحكم علاقاتها الوطيدة مع النظم السلطوية والشمولية. وثانيتهما، أن «حماس» لا ترى «الربيع العربي» ربيعاً إلا إذا ضمن تحديداً صعود التيارات الإسلامية، التي تنضوي في إطارها، إلى الحكم، ما يفيد بأن علاقتها مع هذا «الربيع» مجرد علاقة مصلحية وليست مبدئية.
    على أية حال فإن ردّ فعل «حماس» على ما جرى في مصر، بغضّ النظر عن موقفنا منه رفضاً أو قبولاً، يؤكّد ولا ينفي هاتين «الشبهتين»، مع التسريبات التي تفيد باعتزامها استعادة علاقاتها مع إيران، و»حزب الله»، رغم أن هذين لم يحصل أي تغيير في موقفهما بشأن مساندتهما نظام الأسد، ومشاركتهما في قتال السوريين دعماً له.
    بديهي أنه لا ينبغي تحميل «حماس» أكثر مما تحتمل، فهي تتعرّض لحملة ظالمة ومبالغ بها، بمعزل عن خلافاتنا مع بعض سياساتها وخياراتها، كما تتعرّض لحصار مشدّد في غزة، لا سيما بسبب تحوّل حدودها مع مصر إلى منطقة عمليات عسكرية بين الجيش المصري وبعض الجماعات المسلحة، مع كل التداعيات التي نجمت عن ذلك، ومن ضمنها تدمير الأنفاق التي كان يمر عبرها جزء كبير من حاجات أهالي القطاع، وتشغّل آلاف الغزّيين. وهي أوضاع جعلت هذه الحركة تشعر وكأنها أضحت بين فكّي كماشة، سياسي وعسكري، من الجهتين المصرية والإسرائيلية، مع احتمالات شنّ إسرائيل حرباً جديدة عليها، بعد الحربين السابقتين (في أواخر 2008 و2012).
    الآن، وعلى خلفية كل ذلك، يبدو أن «حماس» تحاول التعويض عما حصل في مصر، لترميم الضعف المفاجئ في مكانتها، بعد أن عاشت طوال عامين على شعور بنمو في القوة والمكانة، إزاء غريمتها «فتح» والسلطة في الضفّة، وبخاصّة أن القيادة الفلسطينية السائدة، وهي قيادة المنظمة والسلطة و»فتح»، باتت تبدو أكثر قوة إزاءها، بدليل قرارها استئناف المفاوضات مع إسرائيل، وتهديدها باحتمال تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية، ولو في الضفة، لتعزيز شرعيتها.
    طبعاً، من المفهوم أن قيادة «حماس» وحدها هي التي ستتّخذ القرار الذي يتناسب مع مصالحها، وأنه ليس ثمة أحد (فلسطينياً) يستطيع أن يؤثّر فيها، فهكذا يتم اتخاذ القرارات ووفق معطيات ورؤى آنية وأحادية على الأغلب، بمعزل عن حسابات الجدوى واحتمالات المستقبل، ومن دون البحث عن خيارات أخرى، ولو كانت أصعب.
    على رغم ذلك ربما يفيد قيادة «حماس» أن تنتبه إلى ناحيتين، الأولى، أن لا يأتي قرارها بحسب المصالح الآنية على حساب المبادئ، وأن لا تكون الكلفة (ولو المعنوية) أكبر من المردود (المادي). والثانية أن يكون مفهوماً لها ولمناصريها أن ما هو مباح لـ «حماس» مباح لـ «فتح» وغيرها، وبالعكس. والمعنى أن التبرير بأن «الغاية تبرر الوسيلة»، ليس صحيحاً في مطلق الأحوال، لا سيما أنه ينزع عن السياسة أخلاقيتها، ويفضي إلى تبرير مشاركة إيران و»حزب الله» في قتال السوريين بحجة فلسطين، وبحجة «الممانعة والمقاومة»، ناهيك أن ذلك ينجم عنه أيضاً تبييض صفحة إيران في هيمنتها على العراق، وإثارتها النعرة المذهبية بين السنّة والشيعة في العالم العربي.
    بالمحصلة ثمة ثمن كبير ستدفعه «حماس» في كل الأحوال، فهذا قدر الحركات السياسية، والثورات، والشعوب، لكن الثمن الذي يدفعه الشعب السوري، من عمره وعمرانه، ومن ضمنه الثمن الذي يدفعه فلسطينيو سورية، هو بالتأكيد أكبر بكثير من الثمن الذي ستدفعه «حماس»، ولا يمكن مقارنته بأي شكل بما يمكن أن تجنيه هذه الحركة من معاودة العلاقات مع إيران و»حزب الله»، ما دام الوضع على حاله في سورية.
    ما العمل إذاً؟ إزاء كل ذلك ربما الأجدى لـ «حماس» أن تتحمّل ضائقتها على المدى القريب، وأن تراهن على التغيرات المستقبلية التي قد تحصل على المدى البعيد، في البيئة السياسية العربية، فهذا ما قد يمكنها من كسب نفسها، وإضفاء الصدقية على مواقفها، وتعزيز التعاطف معها. هذا أولاً. ثانياً، لا بد لهذه الحركة من مراجعة طريقة إدارتها لقطاع غزة، التي تثير التذمّر، وتساهم في إضعاف شعبيتها، وربما أن الاقتراح الذي قدمه يحيى موسى النائب والقيادي فيها، بشأن إيجاد قيادة مشتركة لقطاع غزة، هو الأنسب في هذه الظروف، فهذا ما يجنّبها وطأة الضغط عليها، ويجنّب الغزّيين تبعات الحصار، فضلاً عن أنه الشكل الأنسب لإدارة غزة، وتقديم نموذج افضل في إدارة السلطة، وهو الأمر الذي لم تفلح «حماس» في تقديمه طوال الأعوام الستة الماضية. ثالثاً، لا بد لحركة «حماس» أيضاً، بدلاً من أن تهرب إلى الأمام، للتخفيف من ضائقتها، أن تقوم بتغيير المعادلات في الساحة الفلسطينية، من خلال حثّ الخطى نحو إنهاء الانقسام، بأي شكل، والتوجّه نحو انتخابات تشريعية ورئاسية في آن واحد.
    وباختصار، فإن الأجدى لـ «حماس»، في كل الخيارات المذكورة، وعلى كل الأصعدة، أن «تتنازل» لشعبها، ولبيئتها العربية، بدلاً من التنازل لإيران، هكذا، لا ينبغي لـ «حماس» الذهاب إلى ردّ فعل متسرّع، بحجة ما جرى في مصر، والردّ على الخطأ بخطأ، لأن ذلك سيعني أن هذه الحركة لا تراجع مواقفها وخياراتها بطريقة صحيحة ومناسبة.
    الجدير ذكره أن ثمة مراجعات مهمة وجريئة وذكية داخل قيادة «حماس»، وكوادرها الشابة، تتقاطع مع كل ما تقدم، ويأتي ضمن ذلك مقترح يحيى موسى بشأن إيجاد قيادة جماعية للقطاع، وإقرار يوسف أحمد بأن «الإسلاميين ومنذ ثورات الربيع العربي وقبلها تجربة حماس في الحكم لم يحدثوا المراجعات التاريخية التي تجنبهم تكرار الأخطاء. وبدلاً من الحرص على الشراكة.. ظنّوا بأن الملك دانت دنياه وأحكامه لهم، فتصرفوا بعقلية الحاكم بأمره..
    إن وقائع المشهد المصري وأحداثه التي تبعث على القلق، إنما هي جرس إنذار للجميع ليستخلصوا منها الدروس والعبر». وكان كثيرون من بينهم غازي حمد وموسى أبو مرزوق انتقدوا مراراً التدخّل في شؤون الناس، والتعامل بسلطوية معهم. وقد وصل الأمر إلى أن خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لهذه الحركة، تحدث علناً عن أزمة السلطة عند «حماس» ومجمل الحركات الإسلامية، في مداخلة ألقاها في مؤتمر «الإسلاميون ونظام الحكم»، الذي نظمه «المركز العربي للأبحاث» (الدوحة 8/10/2012)، قائلاً: «خضنا تجربة ونتعلّم منها وقد أخطأنا في أشياء ونتعلم من ذلك». وحينها طالب مشعل القوى السياسية العربية، ومن بينها حركات الإسلام السياسي، بأن تؤسّس لنموذج معاصر للديموقراطية، مؤكداً أن «هناك فرقاً بين موقع المعارضة والحكم.. وأن على الإسلاميين الاعتراف بأن الحكم أعقد مما كانوا يتصورون».
    يبقى ثمة ضرورة هنا للتحذير من فكرتين قد لا تساعدان «حماس» على اتخاذ القرار المناسب والأجدى. أولاهما، أن تعتبر أن خسارتها هي بمثابة ربح خالص لغريمتها «فتح»، وهذا غير صحيح، إذ ثمة محددات أخرى لهذا الأمر، لا سيما أن الوضع الفلسطيني كله، ومن ضمنه «فتح» هو في حال من التراجع أما الفكرة الثانية، فهي أن تظنّ «حماس» أن صعود الإسلام السياسي في العالم العربي سيؤدّي حكماً إلى صعودها في الساحة الفلسطينية، لأن هناك عوامل أخرى، أي إسرائيل، والضغوط الدولية لتدجين التيارات الإسلامية، مقابل تطبيعها أو قبولها في السلطة، وكيفية تعاطيها مع شعبها.
    أيضاً، وفوق كل ما ذكرناه، ربما باتت «حماس» معنية أكثر من أي وقت مضى، بتغليب طابعها كحركة تحرّر وطني، على طابعها كحركة إسلامية، من دون أن تتخلّى عن خلفياتها الأيديولوجية، وهي مسألة ظلّت تثقل عليها منذ قيامها، ما يوجب عليها الحسم في الأسئلة التالية: هل هي حركة تتركز أولوياتها في الإطار الفلسطيني أم هي حركة أمميّة تتركز أولوياتها في الإطار العام لما يعرف بـ «الأمة الإسلامية»؟ ثم هل هي حركة تستمد مرجعياتها من حركة «الإخوان المسلمين» أم من الأطر الشرعية والتمثيلية الفلسطينية؟ وأخيراً، هل هي حركة دينية، أم حركة تحرر وطني؟

    تعريب فلسطين بدلا من فلسطنة العرب.. نكبتنا!
    بقلم: محمد جلال عناية – القدس
    لماذا ننهزم؟ وكيف ننتصر؟
    لعلهما اهم سؤالين في عالم السياسة، لأن تحقيق الاهداف يحتاج الى شروط معرفية لتحديدها، ومن ثم لتحقيقها، وان هذه الشروط تتنوع، وقد تختلف بين موقع وآخر، والحياة السياسية عالم متحرك حول أهداف تستدعي الدفاع او الهجوم بمعايير الربح والخسارة.
    ومن الاهداف الرئيسة في السياسات الخارجية للدول حماية السيادة الاقليمية، وتنمية قوة الدولة، بزيادة الانتاج الاقتصادي، وبالتوسع الاقليمي، وبالدفاع عن الفكر السياسي للأمة، وتعزيز السلام كهدف للسياسات الخارجية.
    ومن اهم المعايير التي تحدد اختيار الاهداف القومية للسياسات الخارجية للدولة، الشخصية القومية للدولة، واتجاهات الرأي العام، وامكانيات الدولة، ونمط الزعامة السياسية المسؤولة، وطبيعة الظروف والاحوال الدولية.
    ان الاهداف المعلنة ليست هي باستمرار الاهداف التي تحاول الدول بلوغها، فكثيرا ما تكون تصريحات الساسة قد صيغت بطريقة يقصد بها التضليل، والتستر على النوايا الحقيقية، وان الخطأ والقصور في التعرف على الاهداف والنوايا قد يكبد الدول الغافلة او المستغفلة خسارة فادحة، فإن المانيا خسرت الحربين العالميتين الاولى "١٩١٤ - ١٩١٨"، والثانية "١٩٣٩ - ١٩٤٥" لأنها استبعدت تدخل الولايات المتحدة الاميركية فيهما، وكادت بريطانيا ان تخسر الحرب العالمية الثانية لأنها لم تدرك اهداف هتلر على حقيقتها.
    تتمثل اهمية اتخاذ القرارات في القدرة على التوصل الى صيغة عمل معقولة من بين عدة بدائل متنافسة، وكل القرارات ترمي الى تحقيق اهداف بعينها، او تفادي حدوث نتائج غير مرغوب فيها.
    يرتبط اختيار القرار بوجود معايير ترشيد يمكن الاحتكام اليها في عمليات الموازنة والترجيح، والمفاضلة النهائية، فالتركيز على قرار بذاته لا بد وان يجيء نتيجة اقتناع منطقي بكل ما يمثله مضمون القرار، ما يرمز اليه، وفي اطار التصور العام لما يترتب على الاخذ به من مخاطرات وما يمكن ان يحققه في النهاية من نتائج.
    اما مدى وضوح فكرة الهدف، ودرجة الدقة في قياس وتقييم الاحتمالات المترتبة على الاخذ بقرار معين من بين عدة قرارات بديلة، ثم اخيرا مدى القدرة على تطويع سبل المعرفة المتاحة في خدمة الهدف النهائي الذي ينشده القرار، او بمعنى آخر فإن القرار الرشيد هو محصلة التقييم المتوازن على قدر الامكان لكل القيم المسيطرة، والحقائق المتاحة، والتوقعات المتعلقة بظروف المستقبل.
    فواضع القرار يقيم جزءا من افتراضاته وتوقعاته على اساس تصوراته للاوضاع في المستقبل، ومن ثم، يجب ان تكتمل له القدرة على تغيير الامور بالشكل الذي يجعل المستقبل اكثر مطابقة لرغباته واهدافه.
    مرّ العرب كأمة وافراد في القرون الخمسة المنصرمة، بأكثر الفترات حرجا في تاريخهم، حيث اختلطت عليهم مفاهيم النصر والهزيمة، والتقدم والتخلف ولكن التدهور والانحطاط، كانا السمتين البارزتين لكل ما تعثرنا به في غياب العقلانية وفساد التفكير، والاخطاء في حساب النتائج وتصور التوقعات.
    لم تكن العروبة تعبيرا عنصريا نبت من عرق واحد، بل هي سمة لغوية، اختلط الهجين فيها بالاصيل، في النطاق العربي الاسلامي الذي امتد من جنوب غرب الصين الى شمال غرب افريقيا. وكان الاسلام الرابط الاقوى بين كل هذه الجماعات المتواجدة في هذا النطاق، التي تنوعت اعراقها، واختلفت لغاتها وكان للغة العربية وضع مميز بين هذه اللغات لانها لغة القرآن.
    حتى نكون اكثر قربا من الواقع التاريخي لهذه الجماعات، التي تقرب ما بينها الكثير من الروابط، وتباعد ما بينها الكثير من الفواصل سوف نتحدث عن الحياة السياسية على المستوى العام.
    في بداية القرن التاسع عشر كانت فلسطين عبارة عن مقاطعات مقسمة بين سوريا وبيروت، ولا ترقى الى اكثر من خرائب موزعة في مناطق ادارية، فعلى مدى قرون من الاهمال وسوء الحكم التركي عادت الحروب بين الباشوات المحليين، وافسحت مجال السرقة للعصابات، ونشر الرعب بين السكان الذين كانوا لا يصل عددهم الى اربعمائة الف نسمة.
    وكان اعتماد تركيا على دول اوروبا الغربية لا ينتج عنه تقدم اقتصادي او سياسي او عسكري بل حصول هذه الدول الاوروبية على مزيد من الامتيازات من الدولة التركية. وكانت الحالة الاقتصادية في اسوأ اوضاعها. فالتجارة كاسدة واحوالها متردية، والزراعة متخلفة بسبب الضرائب الباهظة، والتجنيد الاجباري، واعمال السخرة، والكوارث الطبيعية كالجفاف وغزوات الجراد، وظلت فلسطين جزءا مهملا من الامبراطورية العثمانية في حالة ركود، يعاني اهله من الجوع ويفتقر الى الرعاية الصحية في مواجهة الاوبئة والامراض السارية.
    هذه فلسطين التي كانت بريطانيا تتطلع بشغف للسيطرة عليها وحيازتها، فالمسألة اليهودية ليست مسألة يهودية. في تقديرنا ان الصهيونية كفكرة سياسية، وحركة استيطانية في فلسطين هي جزء من المشروع الامبريالي البريطاني في الشرق الوسط اولا، وفي العالم طولا وعرضا. فبريطانيا هي صاحبة مشروع الدولة اليهودية في فلسطين قبل ثيودور هيرتزل (١٨٩٧)، حيث حققت الحصانة القضائية لليهود تحت جناحيها (١٨٦٤). وقد ازاحت بريطانيا الستار عن المشروع الامبريالي المتمثل في اقامة دولة يهودية في فلسطين باعلان وزير الخارجية البريطاني بلفور في ١٩١٧/١١/٢.
    ان ما يكشف ان اسرائيل هي جزء من المشروع الامبريالي الذي اقامته بريطانيا في قلب الوطن العربي، ثم ورثته الولايات المتحدة الامريكية بعد الحرب العالمية الثانية، هو ان اغلب اليهود الذين هاجروا من روسيا بعد اغتيال قيصر روسيا الاسكندر الثاني عام ١٨٨١، اتجهوا الى الولايات المتحدة الاميركية ولم يهاجروا الى فلسطين.
    ما هي الخيارات التي تداولتها بريطانيا بكل ما تملكه من دهاء سياسي ودبلوماسي لاقتناص فلسطين، واستثمارها في بناء امبراطوريتها والمحافظة على ديمومتها.
    ففي العام ١٩١٦ اتفقت كل من بريطانيا وفرنسا على اقتسام املاك الامبراطورية العثمانية بعد انهيارها. ولكن بعد هزيمة تركيا، وتواجد ٢٠٠ الف جندي بريطاني في المنطقة طالبت بريطانيا بالاستيلاء على فلسطين، فلبّت فرنسا الطلب على الفور لضعفها وبالاتفاق مع الشريف حسين (١٩١٥) جند الثوار العرب انفسهم بقيادة الامير فيصل بن الحسين لقتال الاتراك لحساب بريطانيا، مقابل دولة عربية مستقلة لم تقم، فقد كانت الخطة البريطانية البديلة تتمثل في تقسيم الاراضي العربية الى شبه دويلات خاضعة لبريطانيا، وتم تنصيب الامير فيصل ملكا على سوريا ولكن الجيش الفرنسي طرده من سوريا، وعوضته بريطانيا بحكم العراق. ثم اصدر «بلفور» وزير خارجية بريطانيا وعد بلفور (١٩١٧) الذي حرم الفلسطينيين من حقوقهم الوطنية والسياسية ومهد الطريق لليهود لاقامة دولة بريطانية في فلسطين بقناع يهودي.
    كما أنشأت بريطانيا جامعة الدول العربية على نظام جعل منها جهازا لاتخاذ القرارات او احباط القرارات بحسب ما تقتضيه مصلحة بريطانيا. فقد كان نظام الجامعة يقضي باتخاذ القرارات بموافقة جميع الاعضاء الذين كان لبنان والاردن والعراق من اكثرهم اعتراضا على القرارات القومية، وقد أدت هذه الاعتراضات الى حرمان فلسطين من تشكيل حكومتها واقامة دولة فلسطين. وحرم الفلسطينيون من ادارة بلادهم وحكم انفسهم ومن حيازة السلاح للدفاع عن انفسهم كذلك.
    اما فلسطنة العرب فكانت من المحرمات .. لماذا؟!
    - لاجهاض حرب التحرير الشعبية العربية قبل ان تبدأ، هذا الاجهاض الذي انبرت له كل من بريطانيا والحركة الصهيونية ومن تجرجر في اذيالهما من اهل الحكم واصحاب القرار العرب، سواء بالعنف والارهاب او بالحرب النفسية، وازهاق الروح المعنوية للشعب الفلسطيني الاعزل.
    اعتمد الحلف الاستعماري -الصهيوني (بين بريطانيا والحركة الصهيونية) على القوة العسكرية لتحقيق السيطرة اولا على فلسطين كقاعدة لحماية المصالح الاستعمارية المنافسة، والهدف البريطاني الثاني هو تأمين الطريق البري بين شرق البحر المتوسط والخليج العربي لاحكام السيطرة على النفط العربي، وتأمين ممتلكات بريطانيا في الهند حتى دلتا نهر السند. اما الهدف الثالث فهو فصل آسيا العربية عن افريقيا العربية.
    ان عرضنا الان هدفه الدعوة للسلام بين العرب واليهود، وهو في مصلحة اليهود اكثر مما هو في مصلحة العرب. والذي نبلغه لليهود، هو ان زيادة القوة العسكرية للدولة (التي هي اسرائيل) لا يتبعها ابدا زيادة الشعور بالامن في مواجهة التحديات والاخطار العربية، لان زيادة تسلح اسرائيل يؤدي بخصومها - هذه الخصومة التي اثارتها الحركة الصهيونية نفسها - الى دعم قوتهم العسكرية في مواجهتها مع ديمومة التفوق العربي البشري (١: ١٠٠) خمسة ملايين من اليهود مقابل خمسمائة مليون من العرب مع تزايد ضغط الجماعات والاحزاب العربية، ومراكز القوة الاخرى الضاغطة على أجهزة وضع القرارات السياسية، كالانتفاضات الشعبية، وفورات الربيع العربي، ودفعها الى حرب التحرير العربية الشعبية، حيث هزمت الجزائر فرنسا، وهزمت فيتنام اميركا.
    وسوف نكتفي بالاشارة الى بعض الظواهر البارزة في تاريخ اليهود الموجع - للعظة والعبرة - من السبي البابلي، الى التشتيت الروماني، والحرق الاسباني على السفود، ومذابح الحروب الصليبية، واذلال القياصرة الروس، وغرف الغاز الالمانية التي كانت على شكل عربات متحركة. ولم يكن بين قتلة اليهود ومضطهديهم احد من العرب او الفلسطينيين، الذين عاش اليهود في كنفهم مدة الفي عام، كانت اسعد ايام حياتهم، وازهى عصور تاريخهم، قبل ان يلقوا بمصيرهم بين انياب الاسد البريطاني، والحركة الصهيونية .. في انتظار ما لم يكن في الحسبان!.

    من أجل قبر صديق شاعر
    بقلم : حسن البطل – الايام
    "لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة لفسد"
    الربيع بن خيثم
    ***
    الأصدقاء وطن، وقد أضيف أنهم للعائدين إليه وطن ـ في الوطن. إن قال جبران. "أولادكم ليسوا لكم"، فقد أقول ما قاله أبو حيّان التوحيدي عن صحبه في رسالته "في الصداقة والصديق": "إذا ماتَ لي صديق سقطَ مني عضو".
    قرأت رسالة التوحيدي من كتب مكتبة صديقي الشاعر الراحل فيصل قرقطي. مكتبته للشعر والثقافة، ومكتبتي سياسية علمية ـ إسرائيلية.
    مات صديق.. سقط مني عضو، ويقتبس التوحيدي من الخليل بن أحمد "الرجل بلا صديق كاليمين بلا شمال"، وأجاب الشاعر عن سؤال (جواب) الموت بقوله: "هزمتك يا موت الفنون جميعها" وعدّد الفنون وأسقط فنّ الشعر، لكنه لم يُسقِط شعر الرثاء الذاتي، وقد أبدع فيه، أيضاً، الشاعر مالك بن الريب، وأذكر وصيّته لرفاقه، بعد أن وافته المنيّة غريباً عن دياره بالرفق بجثمانه ".. وقد كنتُ صعباً قياديا".
    الشعراء، بعامّة، صعب قيادهم، وقد عرفتُ هذا في درويش كما عرفته في فيصل، الذي عرفته وعركته رفيق سلاح ودرب وزميل عمل، كأنه يجمع أركان الحياة كما لخّصها الإغريق القدماء: ماء وتراب (صخر) ونار، وهواء.
    من بيروت إلى تونس، ومن تونس إلى قبرص، ومن قبرص إلى فلسطين. وفي بيرزيت من فلسطين واريناه الثرى في "مقبرة الغريب" غير بعيدة عن بيته. تلة صخرية إلى جوارها خزان ماء، وجانب الخزان أطلال دارسة، طالما جلسنا على أسوارها مع تدخين سيكارة في فصول الربيع وأزاهيره البرية.
    وقفة على قبر صديق مع صديق لي وله في العيد الأوّل بعد رحيله، فإذا قبره كما يوم دفنه. الحجارة كما هي: وباقات الزهور جفّت وبانت "عظامها".
    "الغريب للغريب نسيب" لكن الصديق للصديق وطن. أولادنا التزامنا حتى يشبُّوا ويتغرَّبوا، لكن بعد الخمسين من العمر يصير أصدقاء السلاح والمسيرة وزملاء العمل إخوة في المزاج. لا أعرف من قال عن دمشق الشام: سقطت قطعة من سماء دمشق أو ما قاله التوحيدي نقلاً عن ابن دريد، نقلاً عن أبو حاتم السجستاني "إذا مات لي صديق سقط مني عضو".
    على "الفيسبوك" نشرتُ صورتي وصورة صديق وصديق صديقنا الراحل، في الوقفة على القبر. ضجّ الأصدقاء والناس، أسىً وحيرةً وغضباً: أهذا قبر شاعر ـ عائد في "مقبرة الغريب"؟
    كان الرفاق والإخوة والزملاء في بيروت نوعاً من "وطن في المنفى".. ماتوا كما يجب أن يموتوا على سلاحهم "لا تموتوا مثلما كنتم تموتون" قال الشاعر، وكانت مقبرة الشهداء في بيروت قطعة من الوطن، فقد وارينا فيها رفاقاً من كل الأديان والمذاهب ومن معظم البلدان العربية. غسان كنفاني إلى جانب أشلاء شهيد مجهول الهُويّة.
    عدتُ وصديقي خالد درويش كسيفين من زيارة قبر الصديق الشاعر فيصل قرقطي. لا أدري لماذا تذكّرت قهوة الصباح وكأس آخر الليل سويّة، أو لماذا تذكّرت يوماً تناولنا فيه دجاجاً مشوياً طازجاً بعد الذبح إلى النار. قال فيصل: "ما زال في لحم الدجاج بقية من روح"!
    ماذا تقول عن صديق ـ وطن عرفته قبل زواجه وشهدت ولادة أطفاله الثلاثة، وعشت حتى رأيتهم شباباً أصدقاء لابني وابنتي. غادرنا فيصل من قبرص إلى "معركة طرابلس" 1983، وعاد إلى قبرص مع زوجته وفاء ابنة مخيم نهر البارد.. وعندما وافته المنيّة لم نجد له قبراً سوى في "مقبرة الغريب".
    قد أقترح على اتحاد الكتّاب أن يفتتح اكتتاباً لبناء قبر محترم لعضو الاتحاد، وشاعر الصورة والعبارة المحكمة فيصل قرقطي، وما يزيد على بناء قبرٍ يذهب إلى بناء سور للمقبرة وباب (حوالي 8 قبور)، وأيضاً، زراعة بعض الأشجار في المقبرة وبعض المقاعد.. فقد يخرجون من قبورهم ليلاً للسمر!
    حياة فيصل وموته جزء من دراما الصراع على فلسطين، لأن أمه راحيل العربية اليهودية، تزوّجت أباه الموسيقي الموهوب، محمد غازي، وبعد النكبة صارت راحيل "فدوى" المسلمة التي هربت في صباها يوم زفافها إلى زواج من حبيبها الفلسطيني.
    من النكبة حتى ما بعد أوسلو ظل أخوها عوفاديا يسأل عن أخبارها، فلما التقى ابن أخته وعرف أنها ماتت في سورية، وبّخه: "إحنا عرب.. وأبوك أخذ أختي خطيفة وبلا مهر.." ورفض فيصل كل عرض وقال: قاتلت وإخوتي الأربعة جنوداً في جيش التحرير الفلسطيني.
    للمقاتل، للشاعر، للمثقف، للاجئ، للعائد.. للفلسطيني، قبر مهمل في "مقبرة الغريب" وأين؟
    في وطنه؟

    عقاب التاريخ
    بقلم: طلال عوكل - الايام
    منذ اندلاع ونجاح الثورة الشعبية الإيرانية بقيادة آية الله الإمام الخميني العام 1979، لم يشهد العالم مشاركة شعبية واسعة وضخمة في عمليات التغيير السياسي والاجتماعي، كالتي وقعت وما تزال في عدد من بلدان "الربيع العربي".
    ربما لأن الثورة الإيرانية في حينه، كانت مجرد نموذج فريد ومعزول، فإنها لم تحظ بالاهتمام الذي ينبغي أن تحظى به، بعد أن تكررت التجربة في بعض البلدان العربية، وذلك من قبل المفكرين والفلاسفة والمثقفين.
    إن كان ثمة مجال لمقاربة الأوضاع الجارية في المنطقة العربية بالتغير التاريخي الذي شهدته أوروبا منذ القرن الثاني عشر حتى السادس والسابع عشر، فإننا سنلاحظ غياب الفلاسفة والمفكرين العظام عن مشهد الربيع العربي، فيما حضرت أدوارهم بقوة في وخلال المشهد الأوروبي التاريخي، حيث لعبوا دوراً ثورياً تنويرياً وقيادياً بارزاً.
    نتحدث عن مارتن لوثر كينغ، وهيجل وفيورباخ، ومونتسكيو، وفولتير وجان جاك روسو، وماركس وإنجلز، والعشرات من الفلاسفة والمفكرين العظام. وخلال القرن الماضي، شهد العالم تفكك وانهيار المنظومة الاشتراكية، وتفكك الاتحاد السوفيتي، وانهيار النظام الاشتراكي في كل الدول التي حكمتها الأحزاب الشيوعية باستثناء كوبا، لكن عمليات التغيير التاريخي تلك، لم تكن بسبب المؤامرات الخارجية، ولا شهدت مشاركات شعبية واسعة كالتي تعم شوارع بعض دول الربيع العربي، ربما باستثناء بولندا ورومانيا.
    لقد سقطت التجربة الاشتراكية المتحققة رغم ضخامتها وضخامة إمكانياتها، ورغم استمرارها لما يقرب السبعين عاماً، بفعل عوامل داخلية، وبسبب عدم قدرة النظام ذاته على الاستمرار لفترة أطول. الربيع العربي يطرح أسئلة جوهرية ذات صلة بالفكر الإنساني المتوارث عن الثورات، وعوامل التغيير، وأدواته، إذ لم تعد الطبقة العاملة حتى لو تحالفت مع الفلاحين، ولا أحزابها، هي بالضرورة صاحبة المصلحة في الثورة، وقيادتها.
    ولم تعد البرجوازية أيضاً وفق النظريات المثالية، بحكم دورها القيادي في عملية الإنتاج، هي المرشحة لقيادة الثورة ضد الإقطاع. في زمن العولمة تتغير الكثير من المعادلات، والظروف الموضوعية التي ترفض إسناد المهام الثورية لطبقة أو فئة اجتماعية بعينها، وتحيل مهمات التغيير الثوري للجماهير، وفي القلب منها الشباب الذين تقصيهم الأنظمة الاستبدادية، وتقصي معهم آفاق التطور المستقبلي.
    ولم يعد كذلك في زمن العولمة، زمن الجماهير، أية إمكانية لوجود الحزب القائد، حزب الأغلبية المطلقة، فالنهوض بأعباء مرحلة التغيير تتطلب بالضرورة، اعتماد مبدأ الشراكة السياسية، كتعبير عن التنوع الاجتماعي، الاقتصادي، والثقافي الذي أقصته أنظمة الاستبداد.
    ثمة ضرورة ماسة للإشارة إلى استنتاج عميق، لم تنتبه إليه الأحزاب والحركات المؤهلة بحكم حجمها وإمكانياتها، لأن تقود المجتمعات إلى مستقبل متغير، وهي أن الجماهير حين تخرج بالملايين، لا تتوقف عن سؤال ضد من ومع من، إنما هي تخرج ضد النظام السياسي القديم، بكل مكوناته ومفاصله، ومناهجه في العمل.
    والمقصود بالنظام القديم ليس فقط الحكام الاستبداديين، وأدواتهم البيروقراطية، وإنما الحركات السياسية بما في ذلك المعارضة التي نشأت في أحضان النظام القديم، واستمدت بعض ملامحها من حيث أساليب وآليات العمل، والبرامج، من هوية النظام القديم.
    كان ومن غير الممكن أن تهدأ الثورات الشعبية العارمة، بمجرد الإطاحة بالنظام البيروقراطي الاستبدادي القديم، وقيام نظام بديل يقوم على الاستفراد بالحكم وتجاهل مبدأ الشراكة الحقيقية، لأنه لا يجوز لفئة حصلت على 20 أو 30 أو 40 في المئة عبر صناديق الاقتراع، أن تقصي الأغلبية الشعبية، حتى التي لم تذهب إلى صناديق الاقتراع.
    ومن البديهي أيضاً أن ترفض الجماهير الشعبية، منهج الاصطدام، أو التغير بمنطق وآلية الصدمة، بمعنى الإطاحة مرة واحدة، بتراث المجتمع وثقافته وعاداته وتقاليده، وبالتالي بهويته التي تشكلت عبر عصور طويلة.
    هذا ما يحصل في مصر وما يحصل في تونس، وما يتكرر في أكثر من بلد عربي من بلدان الربيع. في مصر لا تجرؤ أية جماعة أو قوة أو حزب على الادعاء بأنها صاحبة وقائدة ومفجرة الثورة، لا في 25 يناير ولا في 30 حزيران، ففي المرتين كان الشباب غير المحزب، لكن القادر على تنظيم نفسه ومخاطبة مصالح الجماهير، كان هؤلاء هم مفجرو الثورات وهم أدواتها، ووقودها أيضاً.
    في المشهدين المصري والتونسي، لا تأخذ الأحزاب والحركات ما عدا الإسلامية، هويات فكرية محددة، ولك فقط أن تصنفها على أساس الميول، إنما يجمعها الرغبة في التغيير الديمقراطي، والانفتاح على حركة التاريخ.
    إذا كانت هذه الاستنتاجات الأولية صحيحة، فإن الأحزاب القديمة التي نشأت في أحضان الأنظمة القديمة، كان عليها أن تشهد تغيرات بالقدر الذي يصلح لنقلها إلى عالم المستقبل، وهذا حصل جزئياً بالنسبة لبعضها، وسيحصل اضطرارياً بالنسبة لأخرى، وخصوصاً جماعات الإسلام السياسي.
    لقد نشأت عشرات الأحزاب والجماعات الجديدة بعد ثورتي الياسمين في تونس و25 يناير في مصر، والظروف ترشح ولادة المزيد منها، لكن عمليات التغيير الكبرى في المجتمع وعلى المستوى السياسي، كما عمليات التغيير الصغرى في الأحزاب والحركات، لن تكون مجانية، أو بدون أثمان، وقد تكون أثمان باهظة.
    لقد دفعت جماعة الإخوان في مصر، وسيؤثر ذلك على أخواتها في العديد من البلدان العربية وغير العربية، وما يزال عليها أن تدفع ثمن عدم استيعابها لدروس مرحلة التغيير، وهو ثمن من اللحم الحي للشعبين التونسي والمصري.
    إن التأخر في اتخاذ القرار الصحيح، مثله تماماً مثل عدم اتخاذه، ومثل اتخاذ قرار خاطئ يقوم على المعاندة، والمكابرة، والمغامرة غير محسوبة العواقب. هذا ما يؤكده أحمد نجيب، رئيس الهيئة التأسيسية للحزب الجمهوري التونسي المعارض، الذي "عبر عن خشيته من أن تأتي خطوة استجابة حركة النهضة للحوار متأخرة".
    وهذا ما وقع فعلاً في مصر، حيث تقبل جماعة الإخوان المسلمين الآن ما رفضته قبل وقوع الثورة الثانية في الثلاثين من حزيران، لكن القطار فاتهم، وأصبح عليهم القبول بما هو أقل كثيراً مما كان عليهم أن يقبلوا به، أما الثمن المدفوع بسبب خطأ عدم اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، فإن الميدان يتحدث عنه.

    استبداد الأردوغانية ينهي "النموذج التركي"
    بقلم: د. خالد الحروب – الايام
    الافتتان بكرسي الحكم والاستبداد بالسلطة مجبولان في جينات البشر. تكاد تتحول هذه الظاهرة، التي لا تني تثبت نفسها أيا ما كان الزمن والظرف، إلى قانون رياضي يخرجها من نطاق الظواهر الاجتماعية إلى نطاق العلم الامبريقي والفيزيائي. جوهر سيرورة تحول حاكم راشد إلى مُستبد تستنسخ نفسها: ظروف ما، غالباً ما تكون فشل حكم سابق أو فساده تقود هذا الحاكم إلى كرسي الحكم، معبراً عن رغبات غالبية شعبية. في بداية حكمه يقدم الحاكم الجديد نموذجاً مختلفاً عن سابقيه، وينجح في تقديم بديل ما. خلال نجاحه النسبي أو الكبير يكون "كرسي الحكم" قد بدأ يشتغل بطريقته الخاصة في التأثير على الحاكم، وتتحول علاقة الكرسي بالحاكم إلى ظاهرة مدهشة بحد ذاتها. فإن لم تكن هناك آليات دستورية ورقابية تقيد هذا الحاكم يصير الكرسي "الملعون" هو الحاكم الحقيقي وليس من يجلس عليه. يتحكم أول ما يتحكم هذا الكرسي بالحاكم نفسه ويفقده رشده وحصافته. رجب طيب اردوغان حاكم تركيا اليوم هو أحد أهم المُنتسبين الجدد إلى تلك السيرورة التاريخية – يدخلها بقوة وطيش واندفاع.
    من روبرت موغابي في موزامبيق إلى علي عبدالله صالح في اليمن تفيض الشواهد يساراً ويميناً كل منها يقدم تجربة خاصة و"إضاءة" ما تزيد من ما هو مكشوف أصلاً من ظاهرة استبداد كرسي الحكم بمن يجلس عليه. يقول لنا التاريخ الماضي والقريب إن هناك أبطال حروب مجيدة وصلوا إلى الحكم بعد أن خاضوا معارك صيرتهم أشباه آلهة في عيون شعوبهم، لكن حولهم كرسي الحكم المطلق إلى مستبدين تافهين. سيمون بوليفار، بطل القارة الأميركية اللاتينية بأسرها في حروب التحرير ضد الكولونيالية الاسبانية في القرن التاسع عشر، تمكن منه كرسي الحكم وحوله إلى مستبد أرعن رغم ثقافته الاستنارية المدهشة وحفظه "العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو. ماو تسي تونغ بطل الاستقلال والثورة الصينية في القرن العشرين حوله كرسي الحكم إلى ديكتاتور كاريكاتوري يظن نفسه إلهاً. الحل الوحيد للحفاظ على رشد الحاكم من بطش الكرسي به وتحويله إلى دكتاتور تسكره القوة والسلطة هو تقييد الحكم بآليات ديموقراطية تمنع الحاكم، أي حاكم، من الانفراد بالقرار والسلطة وتنفيذ كل ما يريد في الزمن وبالكيفية التي يريد. وهنا بالضبط تكمن عبقرية الفكرة الديموقراطية الدستورية التي فصلت السلطات عن بعضها البعض (التشريعية، والتنفيذية، والقضائية) بحيث لا تقع جميعها في قبضة الحاكم، ثم فرضت على حكمه سقفاً زمنياً، أي دورتين أو ثلاث دورات انتخابية في الحد الأقصى.
    لكن حتى في الحكم الديموقراطي، وفي حال لم يكن محكماً وأركانه لا تزال هشة، فإن الفجوات المتوفرة تتيح لكرسي الحكم الشبق بالسلطة الاشتغال على تحويل الآليات الديموقراطية إلى آليات استبداد. أفضل مثالين معاصرين لمناورات كرسي الحكم والحاكم على الديموقراطية، بل وصوغها لخدمة إطالة فترة البقاء في كرسي الحكم، هما اردوغان تركيا وبوتين روسيا. هوس الرجلين بالحكم والسلطة والقوة لا تخطئه العين. والأخطر في الحالتين هو الهوس بالتاريخ والمجد الغابر، العثماني هنا، والروسي القيصري هناك، ورؤية كل منهما لنفسه في سياق ذلك التاريخ الطويل. اردوغان يريد أن يدخل التاريخ كسلطان عثماني أعاد مجد تركيا الذي أضاعه انهيار الدولة العثمانية. وبوتين يريد أن يدخل التاريخ كقيصر روسي أعاد مجد روسيا الذي ضيعته المغامرة البلشفية من جهة والمؤامرات الغربية على روسيا من جهة أخرى.
    "السلطان اردوغان" يستحق وقفة خاصة في ضوء تغوله المتواصل على السلطة وانحرافه بـ "النموذج التركي" في سياق تجارب حركات الإسلام السياسي وارتكاسه التدريجي إلى "المربع الأول في تجربة هذه الحركات. "النموذج التركي" قدم ومنذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم سنة 2002 تجربة مختلفة وناجحة. ابتداء انتفض قادة الإسلام السياسي التركي على تقليدية نجم الدين اربكان وتسييسه الذي استنسخ التجربة الإخوانية حيث التركيز على مسألة الهوية وإقامة الدولة الإسلامية. جيل اردوغان وعبدالله غل أزاحا جانباً "مسألة الهوية" وقدما مسألة الخدمات، وعبر هذه التقديم والتأخير في الأولويات انطلقت طاقات الحزب وطاقات شبابه لتشتغل في نطاق الخدمات. انتعش الاقتصاد، وحورب الفساد، ووجهت الجهود في الاتجاه المنتج، ولم تُستنزف في معارك وهمية وحروب طاحنة على "هوية تركيا". لم ينخرط حزب العدالة والتنمية، كما انخرط حزب السلامة من قبله، في معركة عدمية ضد اتاتورك وعلمانية الدولة، بل اشتغل ضمن ما راكمته الدولة التركية الأتاتوركية منذ تأسست. بسبب ذلك، أي اشتغال إسلاميي تركيا في البناء على ما تم إنجازه مسبقاً، وإقرارهم بالإرث الأتاتوركي للدولة التركية الحديثة، تمكنوا من حشد الغالبية التركية وراءهم، ضد منافسيهم المشتتين وفاقدي البوصلة، والغارقين في تجارب سياسية فاسدة طويلة وعريضة. لم تشعر غالبية الأتراك المؤيدين لحزب العدالة والتنمية ولأردوغان بأنهم يقطعون ذاتهم الجماعية مع ما راكمته الدولة التركية، ولعب هذا الشعور بالاستمرارية دوراً مهماً في تغذية التأييد لأردوغان وحزبه. حتى في العلاقات الخارجية استمرت تركيا، وهذه المرة تحت قيادة الحزب الإسلامي، بالاستمرار في جهود محاولة الانضمام للاتحاد الأوروبي (على الضد من نزعة نجم الدين اربكان الذي أراد أن يتوجه اقتصادياً للعالم الإسلامي وتكوين "كتلة اقتصادية إسلامية").
    بيد أن الأردوغانية التي نجحت في تحويل تركيا إلى دولة اقتصادية قوية وحجمت من دور العسكر في السياسة، وضمنت تأييد شرائح واسعة وعريضة داخلياً، ووسعت من شبكة علاقتها الخارجية باتجاه الشرق والعالم العربي تدخل الآن مرحلة الأفول. والسبب الرئيس في ذلك في ما يبدو هو استبداد كرسي الحكم بأردوغان وتحويله له إلى حاكم ذي نزعات استبدادية واستكبارية. فخلال معاركه الطويلة لتقليم أظافر العسكر في السياسة تغول في تسديد الضربات المميتة ليس فقط لخصومه، بل للآليات الديموقراطية التي سمحت له أصلاً بالصعود. مد اردوغان نفوذه إلى الإعلام وسيطر على مفاعيله الأساسية وبالتالي شل طاقته. وقد تبدى ذلك بشكل فضائحي خلال أزمة ميدان تقسيم حين كانت كل وسائل الإعلام العالمية تغطي مظاهرات عشرات الألوف من الأتراك في ما الإعلام التركي غارق في عوالم أخرى. وتمدد اردوغان باتجاه القضاء بما يثير شبهات حول مدى استقلالية هذا القضاء كما تبدى في المحاكمات العسكرية الأخيرة. كل ذلك مع تعزيز لطبقة البرجوازية الإسلاموية المقربة من الحزب والتي تسيطر على أجزاء كبيرة من الاقتصاد التركي.
    ذلك كله قاد اردوغان وما زال يقوده الى سياسة التشبه بالسلاطين سواء في السياسة الداخلية، حيث بناء المشروعات الإسمنتية الكبرى حتى تدخل التاريخ باسمه، أو الخارجية. وعينه الآن مصوبة على رئاسة الجمهورية حيث لا يحق له الترشح الانتخابي لفترة أخرى، بمعنى أن منصب رئاسة الوزراء وهو الحاكم الفعلي في تركيا اصبح الآن، دستورياً، غير ممكن. والممكن الوحيد، وإن كانت تقل فرص تحققه أيضاً، هو البقاء في بقعة الضوء السلطانية عن طريق تأمين مناورات سياسية ودستورية تمكن اردوغان من القدوم ثانية كرئيس للجمهورية، لكن مع تعديل للصلاحيات بحيث لا تبقى رمزية.
    ما لم يقم حزب العدالة والتنمية بعملية انقلاب ابيض داخلي تحيد اردوغان وتنهي سلطاته السلطانية لصالح قيادة أكثر رشداً تعيد بوصلة السياسات بحسب البرامج الانتخابية لعامي 2002 و2006، فإن اردوغان قد يقود الحزب وتجربة "النموذج التركي" إلى نهاية غير سعيدة حقاً!
    في البحث عن الذاكرة
    بقلم: د.عاطف أبو سيف – الايام
    يوضح الهجوم الإسرائيلي الاخير على الرئيس محمود عباس، والذي كشفه نتنياهو برسالته لوزير الخارجية الاميركي جون كيري، عمق الصراع على ذاكرة المكان واهمية الحفاظ على هذه الذاكرة وتطوير استخدامها في الخطاب السياسي الوطني كما في الجدل اليومي من أجل الحفاظ عليها، حتى تأتي لحظة تتطابق فيها مع الواقع حتى لو كان ذلك بعد اجيال بعيدة. نتنياهو كما هي إسرائيل تريد تغيير حتى ذاكرة هذا الشعب، تريد تشويه صورته عن نفسه، ذكرياته عن لحظاته الجميلة، تخيلاته عن المكان الذي يشكل فردوسه المفقود؛ لأن الحلم يأخذ وقوده من بهاء ونضارة الذاكرة.
    إسرائيل اجتهدت في نسب كل أسماء الاماكن الفلسطينية إلى بدائل وجذور توراتية، مستخدمة في مرات تشابها مزعوما في النطق مع نظير عبراني، وفي مرات معيدة الى الكتابة القديمة، وفي ثالثة مرتكزة على نص توراتي لا يعرف أحد إن كان فعلاً قد حدث في فلسطين.
    وإذا اعياها الجهد قامت بتلفيق حكاية ما لرحالة اوروبي او لكاهن قديم، او لقصة معاصرة. أي شيء، المهم ان لا يتم تذكر المكان كما كان في سابق عهده. لذا يؤلم نتنياهو أن الفلسطينيين مازالوا يعتقدون أن صفد فلسطينية ولن تكون غير ذلك حتى لو ظل عمر إسرائيل مليون سنة، وان يافا لا يمكن لها أن تصبح تل أبيب وأن الناصرة هي عاصمة الجليل الفلسطيني حتى لو قاموا ببناء "ناصريت عليت".
    في المقابل نحن ماذا نفعل من اجل الحفاظ على هذه الذاكرة!
    في الفترة الاخيرة تم توزيع خرائط لفلسطين ملونة بحجم كبير تعلق على جدران البيوت، لا يوجد اسم الجهة التي قامت بطباعتها، لكن من السهل الاستدلال على أنها إما تابعة لحركة حماس او للحكومة في غزة على الاقل من المحتوى السياسي لها. على شمال الخارطة ثمة سرد لوقائع الأحداث التاريخية في فلسطين تبدأ بفتح بيت المقدس في عهد عمر بن الخطاب العام 16 هجري ثم احتلالها من قبل الصليبيين عام 1099 وتحريرها على يد صلاح الدين سنة 1187 ومن ثم الأحداث المعاصرة من ثورة يافا عام 1921 والنكبة والنكسة والانتفاضة الاولى والثانية وبعدهما "معركة الفرقان" و "معركة سجيل" (لاحظ أن الجهاد الإسلامي يطلق على عدوان إسرائيل الاخير على غزة "معركة السماء الزرقاء").
    اختصار مؤلم للذاكرة الوطنية وللحروب العظيمة التي خاضها شعبنا والشعوب العربية دفاعاً عن فلسطين من حرب الكرامة التي كانت اول مرة في التاريخ المعاصر ينتصر فيها الشعب الفلسطيني على عدوه إلى حرب تشرين 1973 التي شكلت انتصاراً للجيوش العربية على الجيش الإسرائيلي إلى حرب لبنان العام 1982 التي تجسد إلى جانب بطولات الشعب الفلسطيني في اطول حصار عاشه، بطولة الشعب اللبناني وتضحيته. وبدلاً من أن نعلم أطفالنا بطولات شعبهم والشعوب العربية نريد اختصار ذاكرتهم وفق أجندة حزبية.
    بالطبع من حق أي فرد، ناهيك عن تنظيم او قوة سياسية، ان يكون لها أحداثها التاريخية التي تعتز بها، وروايتها التي تعتقد بأهميتها. وقد يشمل هذا محطات تاريخية مهمة في تاريخ التنظيم أو قادته، بجانب ما يعتقد أنه الأهم بالنسبة لتاريخه الوطني. لكن ليس من حق أحد ان يقوم بتغيير الذاكرة الجماعية للشعب من اجل تعظيم الحزب او الحركة، ويتم ليّ عنق التاريخ لكي يعاد ترتيب الأحداث وفق شهوات حزبية بحتة. عندها لابد من وقفة مراجعة. الشيء ذاته يمكن أن يقال عن التشويه السيئ الذي يجري على الأغنية الوطنية وعلى التراث والفلكور الشعبي حين يتم تنميطه ضمن نسق حزبي، حيث تعاد صياغة كلماته لتتوافق مع تمجيد هذه الحركة او هذا الحزب. وفي كل ذلك يتم تناسي الذاكرة الجماعية التي تمتد لمئات السنين والتي بالطبع هي اكبر وأقدم وأهم من كل ما وجد على هذه الأرض من تنظيمات.
    لصيق بهذا، مؤخراً انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي صورة لنصب الرئيس ياسر عرفات في العاصمة الاوكرانية كييف. النصب عبارة عن تمثال للرئيس أبو عمار جالساً بكامل هيئته. ازيح الستار عن التمثال قبل أيام وهو من تصميم الفنان الفلسطيني "جمال بدوان" والفنان الاوكراني دانيل نوكلاي. بالطبع الخبر يسعد ويثلج صدور الفلسطينيين لأن تمثالاً لياسر عرفات، بكل تأكيد، ليس تكريماً للرجل الذي أفنى عمره بحثاً عن فلسطينيته ودفاعاً عنها، وجسد بكوفيته نضال هذا الشعب وآلامه؛ بل هو تكريم للنضال التحرري الوطني الفلسطيني وللمطالب الشرعية للشعب الفلسطيني في بلاده وللتاريخ الطويل من الثورة والكفاح المسلح والصراع في كل زاوية وحارة وزقاق في العالم لمجابهة سياسات إسرائيل وفضحها.
    بالطبع تكريم ياسر عرفات يمتد في مدن وبلدان عدة في العالم من اميركا اللاتينية لأفريقيا وأوروبا.
    وهو تكريم يذكّر العالم بهذا النضال البطولي لشعب تآمرت عليه قوى كبرى من اجل جعله شيئاً من الماضي، تذكاراً من الشعوب التي ذهبت مع ريح النسيان. شعب وجدت المنظمة الدولية من اجل تشريع ضياع بلاده ولم تتمكن بعدها من الحفاظ على جزء قليل من هذا الحق المهضوم. بل إن التكوين الدولي بشكله بعد انهيار نظام الامبراطوريات في بداية القرن العشرين تأسس على فكرة سرق بلاده. اما كيف نحافظ نحن على هذه الذاكرة فلا أحد يعرف. فقط علينا ان نتذكر كيف كانت تباع تذكارات وانوطة وميداليات ياسر عرفات بشواكل قليلة في سوق فراس قبل خمسة أعوام بعد نهب مكتبه. أيضاً كيف تحول المنتدى الذي كان يشكل مركز صنع القرار الفلسطيني إلى استراحة وشاليه على البحر.
    أظن أن ثمة الكثير الذي يجب فعله من اجل استعادة القليل من بريق الذاكرة العظيمة التي ورثناها من أجدادنا عن فلسطين الجميلة، عن تلك الارض التي يوجد بها ما يستحق الحياة له ولأجله ومعه، وان الكثير الذي يجب فعله من اجل ان نرتقي بهذا الذاكرة عن صراعاتنا ونعتقها من براثن انفصالنا وطلاقنا السياسي، كي لا يأتي يوم بعد زمن بعيد يصير فيه البحث عن هذه الذاكرة مثل البحث عن قشة في كومة رمل، ويكون القطار قد فات.

    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

المواضيع المتشابهه

  1. مقالات في الصحف المحلية 70
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-06-17, 09:26 AM
  2. مقالات في الصحف المحلية 69
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-06-17, 09:25 AM
  3. مقالات في الصحف المحلية 68
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-06-17, 09:24 AM
  4. مقالات في الصحف المحلية 67
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-06-17, 09:22 AM
  5. مقالات في الصحف المحلية 60
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-06-11, 12:01 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •