في هذا الملـــــف:
نبض الحياة - خفايا اللقاء السري (1)
بقلم : عمر حلمي الغول عن الحياة الجديدة
ماذا بعد ... والى أين نسير ؟
رأي القدس
تفجيرات غزة وتداعياتها على المشروع الوطني
بقلم : راسم عبيدات عن القدس
الفصائل في زمن المهرجان
بقلم : أحمد جميل عزم عن القدس
لا حلّ أمنياً .. ولا حلّ سياسياً ؟
بقلم : حسن البطل عن الأيام
لا داعي لمواصلة طرح السؤال ...
بقلم: طلال عوكل عن الأيام
في القدس
بقلم: حمادة فراعنة عن الأيام
عرفات: حارس الحلم وفارس الأمل الفلسطيني
بقلم: د. عبد المجيد سويلم عن الأيام
نبض الحياة - خفايا اللقاء السري (1)
بقلم : عمر حلمي الغول عن الحياة الجديدة
اللقاء السري الذي اشار له الرئيس ابو مازن في خطابه بأحياء الذكرى العاشرة لرحيل الرمز الشهيد ابو عمار، بين موسى ابو مرزوق وروبرت سيري بتاريخ الثامن من ايلول الماضي في مكتب الامم المتحدة /غزة، جال على قضايا عديدة: الاعمار، حكومة التوافق الوطني، المعابر، موظفي حركة حماس، الوقوف الحمساوي على احتياجات اسرائيل، تعزيز الثقة الامنية المتبادلة بين حماس واسرائيل.
وقبل التعرض لتفاصيل النقاط المثارة في الاجتماع، يود المرء، التأكيد على اهمية الدور، الذي تلعبه الامم المتحدة في دعم الحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية، رغم اية ارباكات او نكوص هنا او هناك، في مسيرة عملها الطويلة في اوساط الشعب الفلسطيني منذ ما بعد النكبة عام 1948 وحتى الآن، ومحاولة بعض القوى الدولية استخدام الهيئة الاممية الاولى في تمرير بعض المشاريع المشبوهة او الالتفاف على دورها للانقضاض على مصالح الشعب الفلسطيني العليا.
لن يتم التعرض للنقاط حسب تسلسلها في الحوار بين الطرفين، ولكن وفق ما تمليه المصلحة الوطنية. غير ان الاهمية تفرض التأكيد، على ان الدكتور موسى ابو مزوق تبنى وجهة نظر الامم المتحدة في اعادة الاعمار، وأكد على دعمه وشكره لها، وقال في هذا الصدد: " تستطيعون القيام بكل الاعمال الخاصة، وكذلك القطاع الخاص دون اي عراقيل او مشاكل، بالعكس نحن (حماس) نريد ان نقدم لكم الشكر والدعم." ومع ذلك خرجت حركة حماس لاحقا عبر ممثليها، لتعلن رفضها للخطة الاممية، وتطعن فيها، وادعت بوجود تواطؤ بينها وبين اسرائيل والسلطة. وهو ما يعكس التناقض بين ما يجري في الغرف المغلقة وبين ما يعلن. اضف الى ان حماس، افترضت ان يكون لها دور اكبر في عملية اعادة الاعمار، بما يسمح لها بنهب اموال المواطنين، اصحاب المصلحة الاولى في اعادة الاعمار.
عن علاقات حركة حماس باسرائيل، يقول روبرت سري: نحاول بناء ثقة بينكم وبين الاسرائيليين، وسبق ان نقلنا (لحماس) مقترحات من مردخاي حول هدنة طويلة مقابل تطوير البنية الاقتصادية في غزة." النص واضح وصريح، ان سري، قام ويقوم بدور الوسيط بين الجانبين الاسرائيلي وقيادة حماس لتعميق التنسيق الامني بينهما. مع انه يعلم وفريقه المشارك في اللقاء، ان التنسيق بين حماس واسرائيل لم يتوقف يوما، لا قبل الانقلاب ولا حتى الان. اضف الى ان الهدنة الطويلة، التي وافقت عليها حركة حماس مباشرة بعد الانقلاب بعدما سيطرت على محافظات الجنوب، وشكلت "ميليشيا" خاصة لحماية الحدود. كما عادت ووافقت على هدنة مذلة في تشرين الثاني 2012 بمباركة الرئيس الاخواني المخلوع مرسي، ومجددا وافقت على الهدنة بعد الحرب الاخيرة آب/ ايلول 2014 بعد (51) يوما من الحرب الاسرائيلية المسعورة دون مقابل. اضف الى ان ما اشار له ممثل الامين العام للامم المتحدة، هو الربط بين الهدنة الطويلة مقابل مواصلة سيطرة حماس على القطاع مقترن بالتطوير الاقتصادي، اي الرشوة والثمن البخس، الذي ارتضته حركة الانقلاب، الذي يعني استمرار حالة الانقسام مقابل الحل الاقتصادي وحماية أمن اسرائيل؟!
ماذا بعد ... والى أين نسير ؟
رأي القدس
لقد تفاءل ابناء شعبنا جميعا بالاتفاق الاخير للمصالحة الوطنية وتشكيل حكومة التوافق والتهدئة الاعلامية بين طرفي الانقسام فتح وحماس. واسباب التفاؤل كانت لان كل فلسطيني يدرك تماما ان هذا الانقسام كان اكبر ضربة وطعنة للموقف الفلسطيني العام سواء في مواجهة تحديات الاحتلال المصيرية او أمام الاخوة والاصدقاء في العالم. لم يكن من المقبول ولا المعقول ان ننقسم ونختلف ونتحارب احيانا، بينما الاحتلال يسرق الارض ويهود المقدسات ويهجر المواطنين ويقضي على كل احتمالات السلام او اقامة الدولة التي نطالب بها.
ولقد تم التوقيع على اكثر من اتفاق للمصالحة احدها كان في مكة المكرمة وكان الامل ان يضفي مكان الاجتماع نوعا من الجدية على احاديث المصالحة ويزيل من عقول المتخاصمين كل اشكال الفئوية وان تعلو المصلحة الوطنية على كل شيء سواها. لكن شيئا من هذا لم يحدث واستمر الانقسام حتى الاتفاق الاخير وتشكيل حكومة التوافق والتفكير بمتابعة الخطوات الاخرى لاستكمال ملف المصالحة والوقوف يدا واحدة وقلبا واحدا وصفا واحدا امام هذا الاحتلال المتغطرس الذي لا يفهم سوى لغة القوة والضغوط الحقيقية. ومرة أخرى، وفي ذكرى استشهاد رمز الثورة والوحدة الوطنية، القائد التاريخي ياسر عرفات، انفجرت الوحدة الموعودة وعدنا الى المربع الاول من تبادل الاتهامات والانقسام الذي يزداد حدة، وما توقعناه من اقتراب للوحدة ابتعد ونكاد نقول بل انه تلاشى على ضوء الواقع الذي نعيشه اليوم.
السؤال الذي يتردد على كل لسان وينهك قلب كل وطني غيور على مصلحة وطنه ومستقبل قضيته، هو ماذا بعد والى اين نسير ؟ هل حان الانقسام السياسي نهائيا وربما الانقسام الجغرافي ايضا ؟ كيف نطلب من العالم ان يتضامن معنا ونحن غير متضامنين مع انفسنا ؟ كيف نوقف ممارسات الاحتلال بالاستيطان واقتحام المقدسات ونحن مشغولون احدنا ضد الآخر بالاقوال حينا وبالافعال أحيانا كثيرة ؟
نحن لا نريد الدخول في متاهة من النقاش حول من هو السبب او من الذي يعيق تحقيق الوحدة لان مجرد البحث عن الاسباب لن يؤدي عمليا إلا الى مزيد من الانقسام ولسنا بحاجة الى ذلك. نحن ندعو الى وقف هذه المهاترات الاعلامية العلنية اولا، والى البحث الجدي عن سبل توقف هذه الحالة المأساوية المخجلة من الانقسام، ثانيا، وبأسرع ما يمكن، وربما تكون الاستعانة ببعض الاطراف ذات العلاقة اقليميا، اهمية خاصة ويجب على هذه الاطراف ان تتحرك حتى لا نصبح ضحية للانقسامات الاقليمية المشتعلة من حولنا، ايضا.
تفجيرات غزة وتداعياتها على المشروع الوطني
بقلم : راسم عبيدات عن القدس
واضح بأن المؤامرة على المشروع الوطني الفلسطيني تكبر يوماً بعد يوم،وان هناك أيد متعددة تشارك في هذه المؤامرة محلية وعربية وإقليمية ودولية،وهذا ليس تهيؤات او إستنتاجات غير منطقية وواقعية،او شطحات فكرية لكاتب يهذي،بل الشواهد على ارض الواقع كثيرة وخطيرة،ولذلك كل المنتمين للوطن والقضية والمشروع الوطني من عقلاء وحكماء وقادة فكر ورأي وصناع قرار وساسة وإعلاميين،عليهم ان يتنبهوا ويكونوا على اعلى درجات اليقظة والحيطة والحذر،فثمة متغيرات وتحولات كبيرة وخطيرة تجري في المنطقة،متغيرات من شأنها أن تعيد رسم خرائط المنطقة بشكل جذري،ولعل القضية الفلسطينية في صلب الإستهداف لهذا المشروع،مشروع يعيد انتاج سايكس – بيكو بحيث يضمن بقاء اسرائيل قوية ومسيطرة على المنطقة،بعد تحولها الى دولة دينية في ظل محيط لدويلات مذهبية وطائفية إسلامية وعربية ..الخ تدور في فلكها وتتحكم فيها،على ان يجري تصفية القضية الفلسطينية بالكامل،ولذلك المعارك على أشدها من أجل طحن وذبح المشروع القومي العربي،وتدمير دوله وجيوشه بالكامل( العراق،سوريا ومصر)،وهذا المشروع على الجبهة الفلسطينية يفترض مشاركة ادوات تنفيذية محلية وعربية وإقليمية،على ان تتولى اسرائيل قيادة تلك الأدوات وتحريكها،والساحة الفلسطينية المنقسمة على نفسها والضعيفة والتي تعاني من غياب القيادة وحالة واسعة من الفلتان والفوضى،توفر الغطاء والذريعة لإسرائيل وادواتها وإرتباطاتها العربية والإقليمية والدولية لكي تلعب بسهولة في الملعب الفلسطيني، ولكن ليس فقط لعبة تكريس الإنقسام وشرعنته والإستمرار في إدارة الأزمة،بل جر الساحة الفلسطينية الى الصراعات والخلافات الداخلية والتي قد تصل الى حروب وتصفيات،وتعيد مسلسل سقوط مقولة حرمة الدم الفلسطيني- الفلسطيني،والتي اهتزت في عام 1983 بالإحتراب الداخلي في حركة فتح،وما سمي آنذاك بالحركة التصحيحية،ولتبلغ ذروتها بسيطرة حماس عبر الحسم العسكري والإنقلاب على السلطة في تموز/2007.
واضح بأن الجريمة المتزامنة بإستهداف منازل قادة فتح ومنصة إحياء الذكرى العاشرة لمؤسس حركة فتح الشهيد القائد أبو عمار،هي ليست نتاج عمل فردي او حادث عرضي أو معزول أو عمل لمجموعة من الهواة،بل مثل هذا الحدث يدلل وبما لا يقبل الشك بأن هناك جماعة محترفة عملت بوعي وقرار،وتحمل رؤيا واهداف واجندة سياسية خبيثة ومشبوهة،والأدوات والقدرات المستخدمة في التفجيرات تتجاوز حدود القطاع،ولتشارك فيها المحاور المتصارعة عربياً وإقليمياً بالأخص.
ثمة مجموعة من السيناريوهات تحتمل تحميل المسؤولية والإستفادة من تلك التفجيرات الإجرامية المتزامنة،وإن كان عدد تلك السيناريوهات يضيق ويقل مع إعلان داخلية حكومة حماس اليوم عن عدم قدرتها على تامين الحماية لإقامة الإحتفال بالذكرى العاشرة لإستشهاد القائد أبو عمار،مما حدا بالهيئة المسؤولية في فتح عن قطاع غزة الإعلان عن إلغاء الإحتفال،وكل السيناريوهات التي أسوقها تحمل في جوهرها رفض المصالحة وإنهاء الإنقسام،وإبقاء الحصار وتعطيل الإعمار،وإستمرار السيطرة المنفردة على القطاع وتعطيل حكومة الوفاق الوطني وكذلك توتير وتسميم العلاقة المصرية – الفلسطينية لحد القطيعة والحصار.
لا نختلف بان اسرائيل هي المتهم والمستفيد الأول مما حصل،واسرائيل في إطار تهربها من دفع أي استحقاق في العملية التفاوضية قد يقودها الى تقديم تنازلات ذات مغزى جوهري،تقول بأن ابو مازن بإختياره للمصالحة وحكومة التوافق مع حماس يفضل "الإرهاب" المقاومة والوحدة على السلام،وكذلك هي تستفيد من زاوية تعطيل وإعاقة الإعمار وتكبيله بإشتراطاتها.
وفي السيناريو الاخر واضح بان الحركات السلفية "الجهادية" و"داعش" انتعشت في قطاع غزة،حيث اعلنت مجموعة سلفية مبايعتها لخليفة "داعش" ومن بعد العدوان الأخير على قطاع غزة،وفي ظل ما يحدث في المحيط العربي،وفي مناخات واجواء الفوضى والفلتان وغياب السلطة أو إنهيار مؤسساتها،تنشط مثل تلك الجماعات،وربما هي أقدمت على تلك الفعلة من أجل إشاعة مناخات الفوضى والفلتان في الشارع الفلسطيني.
ولكن على ضوء ما حصل من اعتذار داخلية حماس عن عدم قدرتها على تامين الحماية للإحتفال،وقرار الهيئة الفتحاوية المسؤولة عن فتح بإلغاء الإحتفال،نجد انفسنا أمام سيناريو قد يكون محتملاً، لا يحمل اتهاماً لحماس كحركة وحكومة،فالجميع يعرف بأن واقع التنظيمات الفلسطينية اليوم ليس بالصحي والمعافى،وتتصارع فيها أجنحة وتيارات،فلربما هناك تيار في حماس عبر عن ذاته في أكثر من مرة برفض المصالحة وعودة السلطة الفلسطينية الى قطاع غزة،وسيطرتها على الأمن والمعابر،ويري بان ذلك من شأنه ان يقلل من دور حماس ومكانتها وشعبيتها في القطاع،ولذلك هو عمد بذلك الى بعث رسائل تخويف وليس قتلا،فهو يريد أن يوقف عجلة المصالحة ويمنع إقامة الإحتفال وعودة فتح وسيطرة السلطة وحكومة الوفاق الوطني على قطاع غزة،وأشك بأن هناك قرارا سياسيا، صدر من المستوى السياسي في حماس لتنفيذ تلك الجريمة النكراء،فحماس معنية برفع الحصار والبدء بالإعمار المتعثر،والذي أصبح يشكل عاملا ضاغطا عليها من قبل المواطنين المشردين والمهجرين عن بيوتهم،بفعل العدوان الإسرائيلي،وكذلك هي ترى بان المصالحة قد تخرجها من دائرة وشرنقة الحصار،وخصوصاً بعد تأزم علاقاتها مع مصر،ولكي تجد لها فضاء جغرافيا عربيا يمكنها من فكفكة حلقات الحصار الظالم.
هذه جريمة خطيرة جداً،والجريمة والمؤامرة على المشروع الوطني ستكبر،ما لم يجر تشكيل لجنة تحقيق حيادية من مختلف ألوان الطيف السياسي والمجتمع المدني الفلسطيني،لجنة تحقيق تقود الى محاسبة رادعة،وليس مجرد تقارير توضع على الرفوف والأرشيف،وبدون معرفة الجناة ومرتكبي هذه الجريمة النكراء،فإن الجناة قد يقدمون على فعلة أكبر،وواضح بأن تداعيات هذه الجريمة كبيرة،وقد أشعلت فتيل الأزمة على نحو ينذر بأن الوضع الداخلي الفلسطيني اصبح قاب قوسين او ادنى من الإنفجار،إنفجار قد يطيح بكل شيء ... مصالحة،إنهاء انقسام،رفع الحصار والإعمار،والخطر من ذلك الدخول في حروب وصراعات،تنهي القضية الفلسطينية وتدمر المشروع الوطني،كما يخطط له طباخو وصناع المشاريع السياسية المشبوهة من امريكان وأوروبيين غربيين ودول إقليمية وعربية.
الفصائل في زمن المهرجان
بقلم : أحمد جميل عزم عن القدس
على مدى عقود، اغتال الإسرائيليون كثيرا من الفلسطينيين؛ منهم أدباء، وفنانون، ودبلوماسيون، وعسكريون، لغرض إنهاء المقاومة. أما فلسطينيا، فمارست مجموعات منبوذة انتهت شر نهاية، الاغتيال الداخلي، وتحديداً جماعة المدعو صبري البنا (أبو نضال)؛ وكان ذلك نتيجة لتطرف وشهوة سلطة، ولأنّها كانت "بندقية للإيجار"، ولكن بذريعة معارضة التسوية السلمية. وحدث اقتتال بين حركتي "حماس" و"فتح" في قطاع غزة في العام 2007، محوره السلطة، ونزعة "حماس" إلى الحسم العسكري لما اعتبرته تمرداً أو انقلاباً مزمعاً من حركة "فتح" ضد حكومة جاءت بالانتخاب. بدورها، رأت "فتح" أن ما تم انقلاب ضد شرعية الرئاسة المنتخبة، وضد القانون الأساسي وما حدده بشأن المسؤول عن الأجهزة الأمنية. وفي غزة الآن سلسلة انفجارات مذلة ومرعبة، عنوانها "مهرجان".
تبرز ثلاثة مطالب رئيسة في حالة عملية مثل التي حدثت في غزة يوم الجمعة الماضي؛ عندما تم وضع عبوات ناسفة قرب منازل قيادات حركة "فتح" هناك، إضافة إلى منصة الاحتفال الذي كان مقررا بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. هذه المطالب هي: أولا، الكشف عن الجناة وهدفهم. وثانيا، منع استفحال الأمر وتدهور الحالة الأمنية. وثالثا، عدم نجاح الجناة في خلط الأوراق وفرض ما يريدون، ليشكلوا مستقبلا ميليشيات تزرع بالرعب ما تريد، مقابل أيضا عدم استخدام الحدث لتقييد الحريات وتصعيد حملة ضد المعارضة، ولاسيّما في الضفة الغربية، فمع حدث من هذا النوع يأتي عادة من يحاول استغلاله لتمرير أجندات كانت تنتظر اللحظة المناسبة.
في ثنايا كل هذا، فإنّ هناك إشكالية تبرز بوضوح، ألا وهي محدودية وضيق الأجندة الوطنية الفلسطينية، وانحسارها للحديث عن مهرجان جماهيري (واجهه فشل في كل مرة عقد فيه)، إلى أزمة رواتب لعناصر أمن في زمن ما يزال الاحتلال فيه يعيش حالة تمدد.
لو أجرى باحث إعلامي تحليل مضمونٍ للتصريحات التي صدرت عن حركتي "حماس" و"فتح" عقب تفجيرات الجمعة الماضية، لوجد القليل جداً عن الإسرائيليين والاحتلال، إذ اقتصر الحديث عنهما على محاولة بعض مسؤولي "حماس" الإشارة إلى احتمال تورط إسرائيلي، مع أنّ هذا يعني اختراقاً أمنيّاً هائلاً لقطاع غزة، ينسف حديث "حماس" عن نجاحاتها في مَسك الأمن في القطاع، ومواجهة المخابرات الإسرائيلية. إذ لو تحقق أنّ جهة خارجية نفذت ما حدث، فهذا يعني أنّ الأمن وأجهزته في غزة يعيشان حالة انهيار.
أضف إلى ذلك تهرب "حماس" من الإجابة عن الأدلة الظرفية العديدة الخاصة بإعلان عناصر فيها، في أجهزة الأمن والإعلام، عن سعيها إلى منع انعقاد المهرجان؛ بل إن بيان "الاعتذار" عن عقد المهرجان فيه تأكيد لهذه الأدلة الظرفية، من نوع الحديث عن "عدم توفر الوقود والميزانيات التشغيلية ورواتب للموظفين". والسؤال هو: هل هذه مقدمة لاعتذار هذه الأجهزة (التي كان تأسيسها سببا أساسيا للانقسام) عن كل مهماتها الأخرى قريباً؟ وهذا سؤال يوجه لحكومة رامي الحمدالله، بقدر ما يوجه لحماس وفتح.
إلى ذلك، يختزل احتشاد أعضاء لجنة مركزية "فتح" وقياداتها خلف المايكروفونات للتعليق على الحدث، والإشارة إلى ما إذا كان المهرجان سيُعقد أو يلغى، حالة انهيار وطني. إذ لم نر غرفة عمليات ومواجهات لنصرة القدس وردع الاحتلال، أو توقفاً، بذات الحجم، عند جرائم القتل اليومية في كل فلسطين. وهو غياب ينسحب على حركة "حماس" أيضاً. وحركة "فتح" نظمت أكثر من مهرجان لإحياء ذكرى عرفات في قطاع غزة، نجحت فيها الجماهير بالاحتشاد الهائل، لكن فشل فيها التنظيم الفتحاوي وفشلت "حماس" بأجهزتها الأمنية؛ ففي العام 2008 قتل عدد من المواطنين في المهرجان، وفي العام الماضي لم يكتمل المهرجان بسبب عدم القدرة على ضبط النظام.
لم تؤدِ حرب غزة الأخيرة إلى رفع الحصار عن القطاع، بل ازداد قسوة، خصوصاً مع الإجراءات المصرية بذريعة تورط فلسطينيين من غزة في أحداث سيناء. وتعزز التفجيرات الأخيرة المزاعم بشأن انفلات أمني في القطاع، وبشأن وجود شبكات تسرح وتمرح هناك، وتدعم أصواتا تتهم "حماس" أو عناصر فيها بالتورط في عمليات عنف.
تشير البوصلة الفلسطينية الفصائلية الراهنة للتناقضات الثانوية الداخلية، بعيداً عن التناقض الأساسي، وتقزم الأجندة الوطنية إلى مهرجان ورواتب ورتب عسكرية ومدنية، ونكايات داخلية.
لا حلّ أمنياً .. ولا حلّ سياسياً ؟
بقلم : حسن البطل عن الأيام
كان زميلي الغزي رمضان العصّار، المحرر الدولي السابق في مجلة "فلسطين الثورة قبرص"، يميل إلى استخدام مفردة "الاستعصاء" لوصف "أزمة" لا تنفرج ولا تنحلّ أو "تتلحلح"!
هل أزمنت الأزمة الفلسطينية ـ الإسرائيلية بعد أوسلو، حتى "استعصت" على الحلّ؟ إسرائيل اختارت، بقيادة رابين، الحلحلة السياسية عام 1993 بعدما تبيّن له أن لا حلّ أمنياً للانتفاضة الأولى.
أزمة الحلّ السياسي الأوسلوي في "واي ريفر" 1998 استحكمت وانفجرت في أيلول 2000، وبدءاً من العام 2001، حتى العام 2004 بدا أن شارون فرض حسم الحل الأمني، وانتصر على الانتفاضة الثانية، معتمداً نظرية "ما لا يُحلّ بالقوة يُحلّ بقوة أشدّ"!
لكن، جنرال "الحل الأمني" للوجود العسكري الفلسطيني بلبنان، واجه، بعد عشرين عاماً، أن الحسم العسكري لم يفض إلى حل سياسي لا بعد اجتياح لبنان 1982 حين اختار رابين الحل السياسي 1993؛ ولا بعد الحسم العسكري للانتفاضة الثانية. اختار شارون الانسحاب من غزة، وبعض "الانطواء" في الضفة!
لا عجب أن التماس الحل السياسي بدأ فور هزيمة الانتفاضة الثانية عسكرياً. أولاً بمشروع "خارطة الطريق" ثم بـ "الحل بدولتين".
هكذا، ومنذ عشر سنوات، أي بعد وفاة الرئيس عرفات، جرت محاولات للحل السياسي لم تكن أكثر من "إدارة الأزمة" وبخاصة منذ ولاية نتنياهو الثانية، ووصلت إلى استحكام الأزمة منذ ولايته الثالثة.
فلسطين في أزمة مركّبة؛ وإسرائيل في أزمة مركّبة. يعني؟ لا حل أمنياً فلسطينياً يطوي آثار الانقلاب في غزة، ولا حلّ أمنياً إسرائيلياً لمشكلة غزة، بعد ثلاث حروب عليها دون حسم عسكري.. ثمنه باهظ وغير مستقر!
صحيح، أن مشاريع الحل السياسي مطروحة منذ عشر سنوات، وهي مقبولة فلسطينياً ودولياً، أي حل "الدولتين" لكن الهوة واسعة وتتسع أكثر بين ما تقبله السلطة في حدّه الأدنى، وما تستطيع حكومة إسرائيل الحالية أن تعطيه في حدّه الأقصى!
عندما تمكن شارون من الانتصار بالحسم العسكري على الانتفاضة الثانية، كانت إسرائيل قد أقنعت معظم دول العالم بأن السلطة العرفاتية "ملوّثة بالإرهاب" فقد رفضت في "كامب ديفيد" ما بدا للعالم حلاّ وسطاً، وما بدا للفلسطينيين وعرفات حلاً جائراً لمسألة حق تقرير المصير ودولة مستقلة.
الآن، مع سلطة يقودها أبو مازن، الذي تلقى عرضاً مبدئياً ومراوغاً من ايهود اولمرت لـ "حل سياسي" بدا أحسن من عرض ايهود باراك في "كامب ديفيد"، فإن رئيس السلطة متهم من إسرائيل "بالإرهاب السياسي" لأنه لجأ إلى حسم عن طريق الشرعية الدولية لمسألة حق تقرير المصير، وايضاً متهم بالتحريض السياسي على العنف، وهذا ما لا توافق عليه قيادات أمنية إسرائيلية، ترى في العنف الحالي مبادرات فردية متوالدة، هي ردة فعل على العنف الإسرائيلي: الجسدي والاستيطاني والسياسي.
الحل السياسي الفلسطيني لأزمة غزة بدأ بالاتفاق على حكومة وفاق، ثم بالاحتكام إلى الانتخابات. لا يبدو أن حكومة الوفاق تستحق غير اسمها، ولا يبدو في الأفق أن انتخابات ثالثة فلسطينية سوف تجري، بعد ستة أشهر من تشكيل حكومة الوفاق، وبخاصة بعد أن اختارت "حماس" حلاً أمنياً لمنع إحياء ذكرى عرفات.
الحل السياسي الإسرائيلي لمشكلة الضفة، وبالتالي لمشكلة "الحل بدولتين" هو العودة لمفاوضات، وفقط لإدارة أزمة الحل بدولتين، وهذا غير مقبول فلسطينياً: شعبياً وسلطوياً معاً.. وعالمياً أيضاً.
في مقابل نظرية "ما لا يُحلّ بالقوة يُحلّ بقوة أكبر"، هناك من يقول إن حل أزمة الخيار الديمقراطي لأية أزمة يكون بمزيد من الخيار الديمقراطي، أي بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع.. لكن، مع فشل الحل السياسي الفلسطيني لأزمة غزة، من المستبعد الاحتكام قريباً إلى الشعب الناخب. أولاً للخلاف مع "حماس"، وثانياً لأنه لا انتخابات دون غزة؛ ولا انتخابات دون القدس!
لأسباب وظروف سياسية في أوانها، سمحت إسرائيل بمشاركة القدس في الانتخابات الفلسطينية، وهذه أسباب وظروف لن تسمح فيها إسرائيل بمشاركة القدس بالانتخابات.
الطريف أن إسرائيل اتهمت أبو مازن، قبل حكومة الوفاق، أنه لا يمثل نصف شعبه، ثم اتهمته بعدها بأنه شريك مع حماس في حكومة الإرهاب، وأنه أخطر حتى من عرفات.
على الأرجح، ستذهب إسرائيل إلى انتخابات مبكرة، وستكون على الأرجح في الربيع المقبل؛ وعلى الأرجح سيفوز نتنياهو بولاية رابعة، أي بحكم قياسي هو الأطول في إسرائيل، لكن مع انزياح أشدّ نحو اليمين في ولايته الرابعة. لماذا؟ قادة أحزاب اليمين ـ الوسط ليسوا منافسين له لولاية رابعة، أمّا قادة أحزاب يمين ـ اليمين فهناك من ينافس نتنياهو.. ومن يبتزه!
هناك اتفاق عام على أن "لا حل أمنياً" تشارك به جهات في إسرائيل؛ وهناك اتفاق عام على أن "لا حلّ سياسياً" يكون مقبولاً من الجانبين.. إلاّ إذا حسمت أميركا موقفاً سياسياً إلى جانب المشروع الفلسطيني المطروح على مجلس الأمن هذا الشهر، أو امتنعت عن نقضه. ولم يعد ممكناً إدارة الأزمة أمنياً ولا سياسياً.
تبدو الأمور نو "استعصاء" أمني وسياسي العام المقبل، وربما نحو انفجار أمني مؤكد، أو انفراج سياسي ضئيل الاحتمال.. اشتدّي أزمة تنفرجي!
لا داعي لمواصلة طرح السؤال ...
بقلم: طلال عوكل عن الأيام
من المجحف أن تتعرض النشاطات الخاصة بالذكرى العاشرة لرحيل الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، إلى ما تعرضت له، وهي كانت واحدة من المؤشرات الإيجابية على تطور العلاقة والتفاهم بين حركتي فتح وحماس رغم كل التصريحات المتوترة، وتبادل الاتهامات بين الطرفين قبل حلول هذه الذكرى. في زمانه اختلف الكثيرون مع ياسر عرفات، من جورج حبش، ونايف حواتمة، وأحمد جبريل، وحتى عدد من صقور اللجنة المركزية لحركة فتح، لكن أحداً لم يختلف على الرجل. هؤلاء القادة الكبار لم يكونوا خجلين من أن يصرحوا بهذه الحقيقة، فلقد كان الرجل بكل ما له وما عليه من صفات وقدرات، زعيماً لا يضاهى للشعب الفلسطيني وأحد أبطال التحرر الوطني في العالم، رغم أن الأيادي المجرمة حالت دون أن يحقق حلمه وهو على قيد الحياة.
لا تستحق ذكرى الشهيد عرفات كما أي شهيد كبيراً كان أم صغيراً أن يمنع بالقوة، مناصروه، وكل الشعب يناصرونه، من إحياء ذكراه التي ربما كان من أهم مآثرها، تمسكه بالوحدة الوطنية.
الإساءة والضرر كبير على الشعب أولاً، وعلى كل وطني غيور سواء أكان حمساوياً أو فتحاوياً أو جبهاوياً، والحقيقة أنه لم يكن لدينا فائض تفاؤل بتجاوز الانقسام حتى نحتمل مثل هذه الانتكاسة، التي يطرب لها العدو الإسرائيلي فقط.
تملي هذه الحقيقية على كل الأطراف سواء من هم في موقع الاتهام أو في موقع من يوجهون الاتهام واللوم، وما بينهما، أن يتدارك الجميع هذه المصيبة، بتحكيم لغة العقل، وتوخي المصلحة الوطنية، والاهتمام الجدي بالتحقيق، والكشف عن الفاعلين بأقصى سرعة وتقديمهم للعدالة.
في الذكرى العاشرة لرحيل هذا الزعيم الكبير، ينهض كما في كل عام السؤال الذي يجد له جواباً عند الشعب، ولا يجد له جواباً عن المستويات السياسية الرسمية، وهو من الذي قتل عرفات، وكيف قتل؟
إذا كانت الجماهير الفلسطينية هي من يحتاج إلى مثل هذا الجواب فإنها قد حصلت عليه منذ اليوم الأول لإعلان وفاته، إذ ليس هناك فلسطيني واحد يشك في أنه قتل بقرار إسرائيلي، وان إسرائيل هي التي تتحمل كل المسؤولية عن ذلك.
لا يحتاج الشعب للإجابة عن هذا السؤال إلى قرائن، أو براهين ولا ينتظر نتائج المختبرات العلمية، ولا توقعات وقراءات العرافين، فالاحتلال الذي قتل أحمد ياسين وفتحي الشقاقي وأبو علي مصطفى وأبو جهاد وأبو إياد والرنتيسي والعشرات من القادة، هو وحده صاحب المصلحة واليد في إنهاء حياة زعيم الشعب الفلسطيني.
إذا كانت إسرائيل مستعدة لاستخدام الطائرات الحربية المدمرة، والطائرات المروحية، لقتل زعماء وقادة الشعب الفلسطيني، جهاراً نهاراً ولا تخفي مسؤوليتها عن ذلك، دون أن تنتظر عقاباً أو حتى تأنيباً قوياً من قبل حلفاء إسرائيل الدوليين فكيف بها لا تقوم بقتل عرفات، بوسائل خبيثة، طالما أن لديه من الحصانة ما يمنعها من استخدام الوسائل الفتاكة ذاتها والتي استخدمتها ضد القادة الآخرين. أما إذا كان سؤال من قتل عرفات وكيف يتصل بمتهمين آخرين مشتركين في ارتكاب الجريمة إلى جانب إسرائيل فإننا هنا نرجح أن الولايات المتحدة، ودول غربية أخرى وربما بعض الرؤساء العرب، كلهم إما أعطوا موافقتهم على إنهاء الحياة السياسية والوجودية لعرفات أو انهم يعلمون ومتواطئون.
كان من المقدر أن تتعرض حياة عرفات للخطر، منذ أن رفض العروض السخيفة التي تقدم بها كل من ايهود باراك رئيس وزراء إسرائيل آنذاك وبيل كلينتون رئيس الولايات المتحدة، خلال مفاوضات كامب ديفيد في تموز من العام 2000. لم يكن عرفات قد رفض بقوة وتحدى الإرادة الأميركية الإسرائلية بل انه عاد إلى فلسطين، ليتزعم ويشرف على انتفاضة شعبية عارمة، للتأكيد بأن الشعب الفلسطيني كله يرفض الاستسلام، وانه يقف خلف قيادته الوطنية، وحين نجحت إسرائيل في عسكرة الانتفاضة، اشرف عرفات على تشكيل وتسليح كتائب شهداء الأقصى.
كان عرفات يريد أن تصل رسالته إلى كل العالم، بأنه ليس مضطراً للالتزام بخيار المفاوضات كخيار وحيد لتحقيق الحقوق الوطنية لشعبه، وكان يريد التأكيد على أن الشعب الفلسطيني مستعد لأن يدفع المزيد ثمناً لحريته واستقلاله. لهذا تتواطأ الدول القادرة على الكشف عن الحقيقة بما في ذلك تلك التي تناصر الشعب الفلسطيني نضاله وحقوقه، فمثل هذا الملف يصلح للمقايضة والبيع والشراء في سوق المصالح. أما إذا كان الهدف من السؤال هو تجهيز ملف باتهام إسرائيل بارتكاب هذه الجريمة بحق الشعب الفلسطيني وبحق الإنسانية والأعراف الدولية فإن لدى الفلسطينيين عشرات الملفات التي تنطوي على اتهامات جدية لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب، تسوقها إلى قفص الاتهام ولكن حتى هذه اللحظة، لم تجر عملية تفعيل هذه الملفات.
على كل حال لن يغير سلوك الآخرين من قناعة الشعب الفلسطيني، أما المعلومات والبراهين في مثل هذه القضايا فإنها تظل طي الكتمان لسنوات وعقود طويلة، وفي تاريخنا ملفات مشابهة للرئيس الجزائري هواري بومدين، وللقائد الفلسطيني وديع حداد.
في القدس
بقلم: حمادة فراعنة عن الأيام
قالها شاعرنا الكبير الراحل محمود درويش، "إن لم تؤمنوا لن تأمنوا" مخاطباً جموع المهاجرين الأجانب والمستوطنين الجدد وقادة المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي على أرض فلسطين، قالها بكل وضوح بعد أن سبق وخاطبهم أن "ارحلوا عن بلادنا"، وإن لم يكن، فامنوا أن تعيشوا بيننا بأمن وسلام، على أن تكونوا مواطنين مثلنا، على أرضنا وتاريخنا ومقدساتنا، وإلا لن تأمنوا، مهما مسكم الضلال بسبب القوة أو التفوق، أو دعم الطوائف اليهودية الثرية والمتنفذة في العالم، وإسناد الولايات المتحدة المنتصرة في الحرب العالمية الثانية على النازية، وفي الحرب الباردة على الشيوعية والاشتراكية والاتحاد السوفيتي.
يؤرخ الإسرائيليون أحداث القدس العام 2014، باختطاف المستوطنين الثلاثة وقتلهم، ونؤرخ للقدس بخطف الفتى محمد أبو خضير وحرقه، وها هي تتمدد في صراع مكشوف بين المشروعين: المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي بإجراءات تهويد القدس وأسرلتها، والمشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني، ببقاء القدس، عربية فلسطينية إسلامية مسيحية، وعاصمة للروح لكافة المؤمنين، وبوابة لهم نحو السماء، لمن يرغب في التعايش واحترام الآخر والحفاظ على الخصوصية لليهود كما هي للمسلمين والمسيحيين، فالشعب العربي الفلسطيني، يُؤمن بالديانات السماوية الثلاث، وأنها جاءت مكملة لبعضها البعض.
مبادرات معتز حجازي، ومن بعده إبراهيم عكاري، سواء أكانت دوافعها حزبية أم ذاتية، فهي تعبير عن الإحساس بالقلق والخطر، وعدم الرهان على الأدوات الأخرى لتوصيل رسالة فلسطين وشعبها، في أنها لا تقبل الظلم والتبديد وتغيير معالم الأرض ومظاهرها، والشعب وطبيعته، وأن هؤلاء الشباب لن تضيق عليهم فرص الحياة لاستنباط وسائل كفاحية لجعل الاحتلال مكلفاً، على أصحابه.
قد يختلف البعض منا، مع هذا الأسلوب أو ذاك للنضال، وكيفية التصدي للاحتلال ومشاريعه، ولكن مبادرات هؤلاء الشباب دوافعها مفهومة، وحصيلتها التضحية بالذات من أجل قضية شعب يتوسل الحياة والحرية، والحفاظ على ما تبقى له من كرامة بعد احتلال ارضه، وطرد نصف شعبها خارج وطنه. ومع ذلك ما زالت مبادرات المشروع الاستعماري الإسرائيلي متواصلة، على شعب غزة الفقير المحاصر بسلسلة حروب تدميرية لا تتوقف 2008 و2012 و2014، وتهويد القدس وأسرلتها وهدم بيوتها وطرد أهلها، وأسرلة الغور ومنع أهله من العيش فيه وتكبيل حياتهم لترحيلهم، وتمزيق الضفة الفلسطينية إلى شمالية وجنوبية وقطع الصلة بينهما كما هو حاصل مع القدس، ومع قطاع غزة، أي بجعل فلسطين تجمعات محاصرة مقطوعة لا صلة بين أجزائها.
المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، لم يكن شديد الوضوح ببرامجه ومشاريعه ومخططاته كما هو حاصل اليوم، في قطاع غزة، كما هو في القدس، وفي القدس كما هو في الغور، وسائر الضفة الفلسطينية، وليس هذا وحسب، بل ما يفعله في النقب، سبق وفعله في الجليل والمثلث، وها هو يفعل ذلك في مدن الساحل المختلطة، عكا وحيفا ويافا واللد والرملة، في محاولات محمومة لتهويد الأحياء العربية والعمل على أسرلتها.
برنامج الاحتلال واضح، شديد الوضوح، وإجراءاته على الأرض تتكيف مع وضوح برنامجه الإستراتيجي، ولكن برنامجنا الوطني الديمقراطي الفلسطيني، ما زال متلعثماً، متردداً، لا يملك الرؤية المتكاملة، وخطواتنا ما زالت متواضعة، رغم معرفتنا بالحقائق الثلاث التالية:
1 - ضعف إمكاناتنا الذاتية أمام قوة العدو وتفوقه على الأرض وفي الميدان.
2 - ضعف الروافع العربية والإسلامية والمسيحية الداعمة لعدالة القضية الفلسطينية ومشروعية نضالها في مواجهة قوة الطوائف اليهودية المتنفذة ودعمها للمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي.
3 - عدم توفر مظلة مساندة للشعب الفلسطيني ولمنظمة التحرير وسلطتها الوطنية، كما هي الولايات المتحدة لإسرائيل، فالشعب الفلسطيني، ما زال أسيراً للعوامل الثلاثة التي تتحكم بحياته وتحركاته، وهي: الاحتلال والانقسام وحاجته المالية من تبرعات الدول المانحة، ولكنه يملك الحق والعدالة وروحه الوثابة التي لا تعرف الإحباط والهزيمة، يُجسدها شباب يتمسك بحقوقه وتطلعات مشروعة لشعبه، نحو العودة والحرية.
عرفات: حارس الحلم وفارس الأمل الفلسطيني
بقلم: د. عبد المجيد سويلم عن الأيام
"فارس الأمل" هو عنوان رواية للروائي البرازيلي الكبير جورج أمادو الذي خلّد فيها القائد الشيوعي البرازيلي لويس كارلوس برستس المناضل العنيد والزعيم المحنك الذي دافع عن فقراء "القارة" البرازيلية في أحلك سنوات كفاحه التحرري من هيمنة أنظمة الظلام الاستبدادية والاستباحة الأميركية لشعوب أميركا اللاتينية ومن ضمنها الشعب البرازيلي.
لم تكتب بعد الرواية الفلسطينية التي تليق بزعيم وطني لشعب من أعرق شعوب الأرض، ولقضيةٍ هي بكل تأكيد أعدل قضايا العصر.
عندما نتحدث عن كتابة الرواية والتي لا تكتب أبداً في غضون عدة سنوات من حدث بحجم اغتيال عرفات، وبحجم بطولته وفراسته وحنكته وأحلامه، وبحجم تعلق الشعب الفلسطيني به كرمز للصمود والإصرار والإرادة والقدرة على السير بين نقاط المطر... إلاّ أن الرواية عن عرفات الرمز والأسطورة والمثل والدلالة، عرفات الثبات والبصيرة السياسية، عرفات، الذي بحث عن كل فلسطيني في هذه الأرض ليضمه إلى مسيرة الكفاح الوطني، عرفات الذي أقام مع الناس أقوى العلاقات الإنسانية... إن هذه الرواية أصبحت ملحة وضرورة إبداعية وثقافية وسياسية بأعلى درجات الراهنية.
الرواية التي تغيب عن المكتبة الفلسطينية هي رواية عرفات عن شخص ربط حياته بقضيته حتى الانصهار وكثف حياته في لحظة عشق وإيمان بقدرة شعبه على مواجهة المستحيل.
عرفات الذي كان يفيض بالطاقة ويزخر بالتفاصيل، المتوثب دائماً من أجل وطنه، الهادئ في أشد لحظات الغضب والصابر في أحلك الليالي وأشدها ظلمة ووحشة، كان يقوى دائماً على التلخيص والاستخلاص بما يشبه وبما يوحي بعبقرية الناسك وبساطته.
عرفات عرف دائماً طبيعة شعبه وطبائعه، وتعرف على كل أنواع ملماته ومشكلاته، وخبر الكامن في نفوس الفلسطينيين وفي روحهم.
عرفات كان الأقرب إليهم ولذلك فإنهم كانوا الأقرب إليه والأعز على قلبه.
رواية عرفات هي نفسها رواية الشعب الفلسطيني منذ عشرينيات القرن الماضي، ورواية عرفات هي رواية التيه الفلسطيني ورواية الضياع والإلحاق والوصاية ثم الانبعاث الوطني الجديد وتجديد مشروعه التحرري المعاصر.
طبعاً، كتبت عشرات الروايات التي تحكي وتسرد مسيرة الكفاح الوطني ورحلة البحث عن الهوية، ثم الانتفاض من بين الركام، لكن الطابع الأسطوري لدور عرفات لم يكتب في رواية متكاملة، مع أن الشعر الفلسطيني كان بما ينطوي عليه الشعر من قدرة على الاستجابة المباشرة للأحداث يعوض عن غياب الرواية.
صحيح أن الرواية لا تكون رواية في الحالة الفلسطينية وفي مركزية العرفاتية في هذه الحالة إلاّ عندما تسرد حالة التحول الثوري في الواقع الفلسطيني لكن الرواية بهذا المعنى ما زالت تعيش مرحلة المراقبة والشهادة على تتالي الملحمة الوطنية دون الوصول إلى نتائج حاسمة.
أيكون لحالة الاستعصاء القائمة (حالة ما قبل الانتصار) أو حالة الصعود الأخير على قمة التلة التي تؤدي إلى رؤية المشهد كاملاً ومجسداً هو ما يؤجل مشروع هذه الرواية؟
ربما، وربما أيضاً أن شعور الفلسطيني بالإقدام على مساومة سياسية دون أن يقطف ثمراً ملموساً مقابلها حتى الآن هو ما يمنع انبلاج الرواية عن عرفات من بين كل ضباب هذه المرحلة.
الروائي الفلسطيني وربما العربي أيضاً ما زال متشككا في جدوى الكفاح الفلسطيني في العقدين الأخيرين من زاوية الأسلوب والمنهج السياسي، كأنه لا يزال ينتظر شيئاً ما ليعود إلى عرفات الأسطورة في الفصل الأخير من حياته.
حصار عرفات ثم اغتياله لا يجب ولا يجوز أن يحجب عن الروائي رؤية هذه البطولة وهذه الملحمية في حياة هذا الزعيم، ولا يجدر به إخضاع هذه البطولة لاعتبارات اللحظة السياسية ونتائجها.
صحيح أن الشعب الفلسطيني بأغلبيته المطلقة قد بدأ عملياً الفصل بين المسألتين، وذلك عبر تحويل ذكرى غيابه إلى حالة وطنية شديدة الحميمية، إلاّ أن المثقف والإبداعي وخصوصاً في حقل الرواية تحديداً ما زال في موقف الذي يبحث فيه عن "إنجاز" سياسي لكي يعيد لعرفات دور البطولة المطلق في الحكاية الوطنية الفلسطينية...!!
على مدى أكثر من أربعين عاماً لم يحدث أن ارتبط اسم زعيم وتحول إلى أحد مرادفات وطنه كما حصل في الحالة الفلسطينية من التباس ملحمي بين الزعيم والوطن.
لقد ارتبط اسم مانديلا بجنوب إفريقيا وارتبط اسم مصر بعبد الناصر لكن حالة الالتباس الملحمي بين الزعيم ووطنه هي حالة ملحمية وبطولية في الحالة الفلسطينية كما لم تحدث أبداً في التاريخ المعاصر لثورات التحرر الوطني والكفاح من أجل الحرية.
وأكثر ما يدل اليوم في الوعي الشعبي الفلسطيني على انعدام الوطنية والافتقاد إليها، بل والحرب عليها، هو ما تم من تفجير "لمنصة عرفات" في غزة. أن تكون منصة إحياء الذكرى العاشرة هدفاً للتفجير في هذه اللحظة السياسية الفارقة هو أكبر "اعتراف" من أعداء الوطنية الفلسطينية بهذه القامة الوطنية وبقيمة هذا الزعيم.وعرفات كان بطلاً في حياته وبطلاً في طريقة موته وهو البطل الفلسطيني المطلق بعد عقد كامل من غيابه.
اللحظة السياسية صعبة وقاسية ولكن بطولية عرفات وملحميته أكبر بكثير من اللحظات ذلك لأنها بطولة شعب وبطولة كفاح وطني وملحمة ملتهبة في كل اللحظات.


رد مع اقتباس