من يوقف هدم المنازل في القدس؟
بقلم: حديث القدس – القدس
«جنيف» عربي - عربي!
بقلم: عبد الله السويجي – القدس
سقوط خيار حل الدولتين
بقلم: فايز رشيد – القدس
انسوا إطاحة الأسد.. لهذه الأسباب لن يسقط
بقلم: قابيل كوميريدي –* كاتب هندي مختص بشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق أوروبا – القدس
"لاءات" الفلسطينيين الى اين: هل مبادرة كيري فرصة جديدة يضيعها الفلسطينيون؟
بقلم: البروفيسور محمد سليمان الدجاني الداودي - مؤسس الوسطية في فلسطين – القدس
المنطقة العربية: لا شيء يبعث على التفاؤل
بقلم: هاشم عبد العزيز – القدس
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image007.jpg[/IMG]
".. وإن هلهلت هلهلنالك"!
بقلم: حسن البطل – الايام
رؤية إسرائيلية لمستقبل الأوضاع المصرية!!
بقلم: هاني حبيب – الايام
فشل كيري المحتم: الخيارات الفلسطينية
بقلم: أشرف العجرمي – الايام
المهم برنامج السيسي
بقلم: علي جرادات – الايام
أعـتـقـدُ ... ولا أعـتـقـد!
بقلم: توفيق وصفي – الايام
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image009.jpg[/IMG]
حتى انت يا ليفني!!!
بقلم: يحيى رباح – الحياة
ثلاثة معان لحقيقة مؤسفة
بقلم: عدلي صادق – الحياة
احذروا التهديدات تجاه الرئيس
بهاء رحال – الحياة
راسم الغول
بقلم: عيسى عبد الحفيظ – الحياة
من يوقف هدم المنازل في القدس؟
بقلم: حديث القدس – القدس
تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرةهدم المنازل الفلسطينية في الأحياء العربية بالقدس. فقد هدمت جرافات بلدية القدس منازل في بيت حنينا والعيساوية وسلمت أوامر هدم بلغ عددها 18 أمرا بحق منازل أخرى. وكلها صدرت أو ستصدر تحت ذريعة ما يسمى "البناء دون ترخيص"، وهي ذريعة لا سند قانونيا ولا تبرير أخلاقيا لها، كما أن سياسة هدم البيوت العربية تتواصل في المدينة المقدسة وفي محيطها بالضفة الغربية منذ الاحتلال عام 1967 وحتى يومنا هذا.
ومع أن المقارنة بين تعامل السلطات الاسرائيلية الحكومية والبلدية على حد سواء مع السكان اليهود والمواطنين العرب في مجال الإسكان تبدو خارجة عن السياق والنص، لأن المواطنين الفلسطينيين واقعون تحت احتلال لم يشهد له التاريخ مثيلا- فإن هذه السلطات تتحدى كل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية حين تهدم المنازل الفلسطينية، دون أن يشعر من هم وراء قرارات الهدم ولو بذرة من تأنيب الضمير، وهم يشاهدون الأطفال والنساء والمسنين يقفون على أطلال بيوتهم المهدمة باكين يندبون مأواهم، ويتساءلون كيف وأين سيحتمون من برد الشتاء القارس. والسؤال هو :هل سيقبل صانع هذه القرارات الجائرة لو كان البيت المهدوم على أثاث أصحابه لعائلة يهودية؟ وماذا سيقول مؤيدو اسرائيل عن مأساة افتراضية مثل هذه؟.
هذه الممارسة يفترض أنها تندرج ضمن ما يسمى بالجرائم ضد الإنسانية، وأن يتحرك المجتمع الدولي بقوة لوضع حد لها. لكن ردود الفعل العالمية تبدو فاترة- إن كانت هناك أي ردود فعل على الإطلاق. وكان من المفروض أن تدين الأسرة الدولية هدم المنازل الفلسطينية منذ البداية وتضغط على اسرائيل للامتناع عن هكذا عقوبة جماعية وفردية في الوقت نفسه. ولو حدث ذلك لما تراكمت حالات هدم البيوت لتصل الآلاف خلال الستة والأربعين عاما التي هي عمر الاحتلال حتى الآن.
اسرائيل مسؤولة بموجب القانون الدولي عن حماية مصالح المواطنين الفلسطينيين باعتبارها سلطة احتلال. وبهذه الصفة فلا يمكن لها أن تبرر هدم المنازل الفلسطينية تحت ذريعة "البناء دون ترخيص". لأن الحكومة الاسرائيلية التي بنت تبني المستوطنات فوق أراض فلسطينية مصادرة بالقوة قادرة، لو تحملت مسؤولياتها، على تسهيل الحصول على تراخيص البناء والاشتراطات التعجيزيةالمفروضة للحصول عليها من ناحية، وعلى توفير السكن للواقعين تحت احتلالها بدلا من إرسال الجرافات لتهدم ما بناه الفلسطينيون بجهدهم الذاتي وبالعرق والكد سنوات طوالا لإقامة سقف تأوي إليه عائلاتهم ومتطلبات الزيادة الطبيعية لهذه العائلات، من الناحية الأخرى.
والغريب أن السلطات البلدية تفرض غرامات على أصحاب المنازل المهددة بالهدم بمئات آلاف الشواكل، ويقوم هؤلاء بتسديد هذه الغرامات أو جزء كبير منها ثم يفاجأون بالجرافات تهدم هذه البيوت. وهذه عقوبة مزدوجة فإذا كانت هذه السلطات مصممة منذ البداية على هدم البيت، فلماذا تجبي الغرامة ولماذا تطالب بها أصلا؟.
هدم المنازل في القدس ومحيطها في الضفة ممارسة غير إنسانية وغير أخلاقية بكل المقاييس. فهل يتحرك العالم ومنظماته الدولية لوضع حد لها، أم يترك الحبل على الغارب للسلطات الإسرائيلية للاستمرار فيها دون رقيب أو حسيب، كما هو الوضع الآن؟.
«جنيف» عربي - عربي!
بقلم: عبد الله السويجي – القدس
ظاهرة الاعتماد على الآخر، التي يعيشها العالم العربي اليوم، لم يمر بها طوال تاريخه مروراً بكل الحقب الاستعمارية والتحررية، وهذا ما يجعله رهينة في يد أصحاب الشركات متعددة الجنسيات التي ترسم سياسة العالم، وبيد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهما المؤسستان اللتان تتحكمان بنصيب الدول من التنمية وكمية الطعام المخصصة لكل فرد، أما الوجه القبيح للعولمة فيصيب الثقافة العربية في عقر دارها، فتنتابها كوابيس لا تعد ولا تُحصى، في الوقت الذي تتوفر في العالم العربي الإمكانات المادية والموارد الطبيعية والعناصر البشرية التي يمكنها تحقيق الاكتفاء الذاتي في المجالات جميعها .
وبما أن الشركات العالمية العابرة للقارات والمتعددة الجنسيات تتنافس في إيجاد أسواق استهلاكية بعيدة المدى، فإن ذلك يقود حتماً إلى إبقاء مناطق عدة في العالم، ومن بينها العالم العربي، مناطق غير مستقرة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً، فتوجد نزاعات هنا وحروباً هناك تحت شعارات ومسميات مختلفة، بعضها له علاقة بالديمقراطية، والآخر بالتنمية وثقافة السلام، والثالث بحقوق الأقليات والطوائف والمذاهب والأعراق، وهذه الشعارات والمسميات تجد لها أرضاً خصبة في العالم العربي، نتيجة للتنوع البيئي والعرقي والديني، ونتيجة للجهل الذي يرافقه التزمت والتطرف والأعراف البالية، الأمر الذي يقود إلى صراع لا ينتهي إلا بالوصول إلى حالة الإنهاك، الذي يعود بمشاريع ضخمة وهائلة للدول المتقدمة والشركات، ومن بينها مشاريع إعادة التسليح، وإعادة الإعمار، وإعادة التأهيل، فيتحول العالم العربي إلى منطقة للخبراء في التقنيات والمعدات العسكرية والاتصالات والمصانع، بتمويل مشروط من المؤسسات المالية العملاقة.
وحتى تُبقي الريح تنفخ في أتون الجمر والنار وتبعث ألسنة اللهب والحرائق وارتداداتها، أوجدت الرأسمالية الغربية والمؤسسات المتحكمة بالاقتصاد إسرائيل، لشقّ قلب العالم العربي إلى عشرين قسماً، وتجزئته إلى عشرين جزءاً، ثم أوجدت التطرف بدعوى إعادة تشكيل خريطة المنطقة وفق العرق والدين والمذهب، ليتحول العالم العربي إلى كيانات صغيرة جداً تحكم بعضها مجموعات عاطلة عن العمل، تمارس الدين ظاهرياً، وتجارة السلاح والمخدرات وتهريب الآثار باطنياً . وحتى تضمن نجاح عملها، وتسهيل عملياتها، تقوم هذه الكيانات بالتحالف مع دول وجماعات أخرى، وبذلك، أصبحت أسيرة للمصالح الأجنبية، وهذا الواقع لم يشهده العالم العربي في تاريخه القديم أو المعاصر .
لقد مر العالم المتقدم بمراحل صراع ديني وعرقي واقتصادي قبل آخر حرب عالمية، وانتهى الأمر به وبسكانه إلى ضرورة إعادة بناء الدول وفق مبدأ الاعتراف بالآخر وقبوله كما هو، شرط ألا تصادر جهة الأخرى تحت أي ذريعة، فكان مبدأ (الدين لله والوطن للجميع) هو المبدأ الذي تحققت تحت سقفه التنمية ونشأت الدول التي حققت الاكتفاء الذاتي وبدأت التصدير حتى سادت العالم . لكن ما يحدث من صراع دموي الآن في العالم العربي بين دولة وأختها، وبين أحزاب متناحرة داخل بعض الدول، وبين جماعات متقاتلة داخل كل حزب، حتى بين أفراد في الأسرة الواحدة، لا يبشّر بنتيجة مشابهة لتلك التي وصلت إليها دول العالم المتقدم، لاختلاف العقلية، ولعدم سير المسارات دفعة واحدة، ولتدخل قوى هذا العالم المتقدم بسير الصراع في العالم العربي حتى تبقيه ساحة استهلاكية في المقام الأول، الأمر الذي ينبئ في استمرار هذا النزيف المقيت، والاقتتال الجنوني.
وما يكفل هذا الاستمرار هو فساد عقول العامة تحت ضغوط الحياة، فيبيع الفرد صوته لنائبه، ويتقبل الرشوة حتى يحسّن حياته (وليت تحسين الحياة في الجوهر إنما كلها تنصب على الكماليات وأجهزة الاتصال والمظاهر الكاذبة)، ويصل الأمر إلى إحياء تجارة الرقيق الأبيض، أو تجارة اللحم البشري التي تزدهر حالياً، عن طريق التفجيرات بكل أساليبها وأنواعها، فضلاً عن الاستعداد للتخابر والتعامل مع جهات عدوّة (فمجموعات العمالة لإسرائيل التي تم اكتشافها في الدول المحيطة بها يثير الفزع)، الأمر الذي يعني ويوحي أن الفرد انفلت من عقال المؤسسة الرسمية حتى يؤمن حياته، وانفلت من منظومة القيم التي تحدد مستوى صفائه وتعايشه السلمي مع الآخر ومع نفسه، وأسباب أخرى يندى لها الجبين لما تعكسه من سقوط وتدنٍ في الأخلاق .
تأسست الجامعة العربية منذ أكثر من ستين عاماً، وتفرعت عنها مؤسسات ومنظمات ثقافية واجتماعية وتعليمية واقتصادية، ووقّع أعضاؤها اتفاقات حدودية وسياسية وعسكرية وأمنية وثقافية، وعقدت اجتماعات قمم كثيرة، واللجان الوزارية اجتمعت وناقشت واتخذت قرارات حاسمة ومصيرية وتنموية، لكنها، وبعد أكثر من ستين عاماً، وبدلاً من تمتين (أواصر الأخوة والصداقة) بين الأعضاء، زادت من شرذمتها، وبدلاً من تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز التعاون، زاد الاعتماد على الآخر، وبدلاً من تفعيل الاتفاقات بين الدول الأعضاء، قامت هذه الدول بتوقيع اتفاقات مع حلفاء متناقضين متحاربين، فانعكس ذلك على الدول العربية تفرقة وشرذمة ودماراً..
وبدلاً من القضاء على الأمية زادت نسبتها، وبدلاً من تحقيق التحرر الاجتماعي زاد التطرف وموجات الاستبداد حتى وصل الأفراد . وعلى الرغم من كل صيحات الإصلاح إلا أن جامعة الدول العربية ظلت تعيش روتيناً قاتلاً، وبيروقراطية جوفاء، حتى انقسمت بشكل واضح مع ظهور ما يُسمى ب(الربيع العربي)، الذي لن تُكتشف آثاره الكارثية إلا بعد حصر حجم الدمار الذي طال الإنسان والبيوت والمؤسسات والبنية التحتية والتناغم الاجتماعي، فهل تعرف الجامعة العربية عدد اليتامى والأرامل والمعاقين والمشردين واللاجئين والمرضى والضائعين والضائعات أخلاقياً والمصابين النفسانيين الذين ستخلفهم موجة (الديمقراطية)؟، ستعرف ذلك بعد أن يحط شبح الدمار رحاله، وتبدأ المؤسسات والمنظمات بالقيام بعملية جرد للنتائج، وستذهلهم كما ستذهل العالم، الذي يتباكى بدموع التماسيح الآن، ويجمع الفتات من التبرعات لإنقاذ هؤلاء .
منذ أكثر من ستين عاماً، لم يستطع العرب حل مشاكلهم بأنفسهم، ولهذا يلجأون إلى الدول العظمى والمنظمات الدولية السياسية والاقتصادية، فمن مؤتمر دافوس حتى "جنيف2"، والدول العربية تحت تصرف الآخر لحل مشاكلها، والسؤال الذي يطرح نفسه ويحمل الإجابة في باطنه: أما آن الأوان ليكون لدى الدول العربية (جنيف عربي عربي)، يحل مشكلاتها وأزماتها المتراكمة؟ ألم تسمع بالمثل المهمل (ما حك جلدك مثل ظفرك، فتول أنت جميع أمرك)؟
"جنيف2" أو "جنيف100" "لن يعيد الاستقرار الدائم والشريف والشامخ لأي نزاع في أي منطقة في العالم العربي، لأن المثل يقول: (من يده في الماء ليس كمن يده في النار)، فمن يده بالماء وجميع الأيادي في النار؟ سؤال وإجابة برسم الدهشة على وجوه النازحين الذين يموتون من الجوع .
سقوط خيار حل الدولتين
بقلم: فايز رشيد – القدس
حتى لو قام الجانب الفلسطيني بتنفيذ الشروط الإسرائيلية كافة، فإن إسرائيل ستخترع شروطاً جديدة أخرى من النوع التعجيزي حتى تعطّل قيام دولة فلسطينية . لقد سبق لرابين أن تمنى بأن يصحو ذات يوم ويكون البحر قد ابتلع غزة! لسان حال نتنياهو يقول "لو أن الفلسطينيين يختفون من الدنيا" .
إسرائيل لا تريد أن تكون للفلسطينيين دولة حتى لو كانت عبارة عن حكم ذاتي، ليس إلاّ . لا تريد أن يقوم لهم كيان، فكيف بدولة؟ لدى إسرائيل حساسية مرضية من الفلسطينيين ومن دولتهم العتيدة، لذلك فهي اخترعت مجموعة من الشروط الصعبة لتعطيل قيام مثل هكذا دولة . إسرائيل ترى في قيام دولة فلسطينية حتى لو منزوعة السيادة والصلاحيات، نقيضاً لها وعاملاً أساسياً سيلعب دوراً في إنهائها .
من أجل ذلك، ضمّت القدس وأسمتها "العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل" وهي ترفض حق العودة رفضاً قاطعاً، حتى إرجاع بعض اللاجئين على قاعدة "لم شمل العائلات" ترفضه إسرائيل . لقد اقترح كلينتون ذلك من قبل . الاقتراح تبناه كيري في إحدى جولاته الأخيرة لكن اسرائيل رفضته . من أجل ذلك، اقترحت مبادلة أراضي المثلث في منطقة 48 بأراضٍ فلسطينية تحوي تجمعات استيطانية كبيرة . هي سلفاً تدرك أن الفلسطينيين في قرى المثلث سيرفضون ذلك، وأن السلطة الفلسطينية لن تقبل هذا الاقتراح بأي حال من الأحوال، لأنه سوف يكون إذناً لبداية ترانسفير لسكان منطقة 48 من الفلسطينيين العرب .
إسرائيل طرحت بدايةً ضم ثلاثة تجمعات استيطانية كبيرة في الضفة الغربية . منذ يومين فقط أضاف الكيان تجمعاً استيطانياً جديداً في منطقة رام الله، ويضم ثلاث مستوطنات هي: بيت إيل، بساغوت، وعوفر، ووفقاً لإذاعة الجيش الإسرائيلي، فإن نتنياهو أبلغ جون كيري مؤخراً بهذا الاشتراط . التجمعات الاستيطانية الأربعة تضم ما ينوف على 400 ألف مستوطن .
من أجل منع قيام دولة فلسطينية منعاً شاملا، تصرّ إسرائيل على شرط جديد وضعته وهو تواجد عسكري إسرائيلي في منطقة الغور على الحدود بين الأردن والضفة الغربية . إسرائيل رفضت وجود قوات أمريكية أو دولية (مثلما اقترح كيري) وأصرّت وتصرّ على وجود الجيش الإسرائيلي في هذه المنطقة، الأمر الذي يعني دخول هذه القوات الأراضي الفلسطينية متى رأت ذلك ضرورياً . لا نكتب خيالاً، فقد سبق لشارون أن أعاد اجتياح الضفة الغربية في عام 2002 . ستمتلك إسرائيل أدنى سبب لإعادة احتلال الأراضي الفلسطينية (مع أنها عملياً محتلة إذا ما تواجدت القوات الإسرائيلية في غور الأردن) بالمعنى الفعلي فإذا خرجت قوات الاحتلال من الباب فسوف تعود من الشباك .
إسرائيل حددت شرطاً جديداً لإجراء التسوية مع الفلسطينيين والعرب يتمثّل في ضرورة اعتراف الطرفين "بيهودية دولة إسرائيل، الأمر الذي يعني موافقة فلسطينية وعربية على إجراء إسرائيل لترانسفير آخر لكافة أهلنا في منطقة 48 والاعتراف يعني أيضاً صحة الأساطير التضليلية الإسرائيلية من أن "فلسطين هي الأرض التاريخية لليهود" و"شعب بلا أرض لأرض بلا شعب" وغيرها من الافتراءات، الذي يعني أيضاً الاعتراف الفلسطيني والعربي بالتاريخ الاسرائيلي المزوّر للأرض الفلسطينية، وأنها لا تمت للعروبة والإسلام في أي شيء .
وبداية لإمكان إجراء تسفير وتهجير جديدين للفلسطينيين، تقترح إسرائيل ضم منطقة المثلث إلى المناطق الفلسطينية (وليس إلى الدولة الفلسطينية والفرق كبير بين التعبيرين) .
من أجل قطع كل إمكان لقيام دولة فلسطينية يحاول المشرّعون الإسرائيليون، تحصين عدم تطرق المفاوضات إلى موضوعي القدس واللاجئين، بسن القوانين التي تحظر على رئيس الحكومة وأية حكومة قادمة وأية وفود إسرائيلية مفاوضة، أن تبحث في أيٍ من هذين الموضوعين على طاولة المفاوضات، إلا بموافقة من الكنيست، ولأن الميزان السياسي في إسرائيل يتوجّه بتسارع كبير نحو زيادة أعداد المتطرفين، فمن الاستحالة بمكان على أي كنيست جديد في إسرائيل الموافقة على بحث هذين الموضوعين على طاولة المفاوضات .
من قبل قامت إسرائيل بضم مدينة القدس في عام 1967 ، ولذلك فإنها لا تقبل بطرح هذا الموضوع على بساط البحث . ربما في المستقبل القريب، وإذا ما جرى سنّ هذه القوانين في الكنيست سيصار إلى إحالتها على استفتاء شعبي يجعل من الاستحالة أيضاً مفاوضة إسرائيل بعدها على أيّ من النقاط هذه .
بالمعنى الفعلي، سقط خيار الدولتين بالرفض الإسرائيلي له . هذا الرفض يتعزز يوماً بعد يوم . كما أنه "بيهودية دولتها"، تقطع إسرائيل الطريق على حل الدولة الديمقراطية الواحدة أو الدولة ثنائية القومية مثلما يتصور وينادي البعض .
نقول، سقط حل الدولتين ليس بطريقة عفوية، وإنما اعتماد على وقائع كثيرة قلناها، وأخرى تجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية متواصلة ومتكاملة، فالاستيطان ومصادرة الأراضي الفلسطينية بسبب الدفاع عن الأمن الإسرائيلي (مثلما تتذرع إسرائيل) قضيا على أية إمكانية عملية لقيام دولة فلسطينية، مثلما يقولون ويصفونها "قابلة للحياة" .
يبقى القول، إن المناداة الفلسطينية والعربية بهذا الحل، هو مطلب تجاوزه الواقع، أي أنه أصبح من الخيال أو مجرد وهم ليس إلا، فالمطالبة لا تعدو كونها هروباً إلى الأمام وفراراً من استحقاقات الواقع .
انسوا إطاحة الأسد.. لهذه الأسباب لن يسقط
بقلم: قابيل كوميريدي –* كاتب هندي مختص بشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق أوروبا – القدس
(ما يرد في المقال يعبّر فقط عن موقف كاتبه ولا يعكس بأي حال من الأحوال وجهة نظر"سي ان ان")
قال لي أحد الدبلوماسيين الأجانب في سوريا صيف 2012، إنّه ليس لدى "الفرنسيين والبريطانيين والأمريكيين أي فهم بشأن ما يحدث هنا."
في ذلك الوقت كان من الممكن لأجنبي مثلي كان قد وصل مؤخرا إلى دمشق قادما من لندن، أن يتخيل رحيلا مؤكدا للأسد رغم أن الإدارة الأمريكية وقتها أيضا نأت بنفسها عن اعتبار نظامه "ميتا يتحرك."
ولكن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى أي دبلوماسي قضّى سنوات في سوريا. فقد رفض جميعهم التسليم بتقارير الإعلام الأمريكي التي تتحدث عن سقوط النظام البعثي.
فبالنسبة إليهم، يتمتع الأسد بشعبية جارفة لدى الأقليات كما أنّ إخلاص الجيش له يبدو تقريبا مطلقا.
واليوم يبدو الأسد أقوى مما كان عليه قبل 15 شهرا فآلة حزب البعث مازالت الهيكل الوحيد الذي يعمل في البلاد، كما أن الحياة اليومية في دمشق، معقل الأسد، تستمر في الغالب كما كانت من قبل. كما أنه لم تكن هناك انشقاقات جديرة بالاهتمام والجزء الأغلب من الجيش العربي السوري، رغم فقدانه لأكثر من 30 ألف عسكري، مازال مخلصا له، وخلال الشهرين الماضين استعاد أراض من المعارضة خارج دمشق.
والآن بدلا من إدخال بعض التوازن على موقفها، مازالت واشنطن لا تتزحزح بشأن ضرورة تنحي بشار. وفي تقديري فإنّ ذلك أمر غير واقعي بالمرة، فبغض الطرف عن صعوبة إطاحته، فإنّ ذلك لو تحقق سيزيد من اضطرام نار العنف ويطيل من أمده.
و"بيان جنيف" الذي يشكل المبادئ الأساسية لمطالب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، لا يدعو واقعيا لإطاحة الأسد الذي لن يستسلم، على الأرجح، من دون تهديد ذي مصداقية من الولايات المتحدة.
وادعى كيري أنّ التهديد مازال "على الطاولة" وفي الحقيقة فإنّ خيارات بلاده تبدو محدودة لمجرد أنّ المعارضة التي جاءت إلى سويسرا لا تملك أرضية قوية داخل سوريا. وربما ليس لها سوى شعبية أكثر بقليل من المجاهدين الذي يقاتلون النظام.
وغالبية الأراضي التي لا تسيطر عليها القوات الحكومية، واقعة تحت قبضة جماعات على علاقة بتنظيم القاعدة الذي يرفض محادثات السلام ويعرف أنه سيكون المستفيد الأول من أي محاولة يقوم بها الغرب لإطاحة بشار الأسد.
وحتى العناصر "المعتدلة" في المعارضة تبدو خارج سيطرة الولايات المتحدة وماجرى بشأن دعوة إيران للمحادثات دليل على ذلك لاسيما أن كيري عمل شهورا لضمان مقعد لطهران.
فقد عارضت تلك العناصر "المعتدلة" حضور طهران بضغط من المملكة العربية السعودية التي ترى في أي حضور لغريمها في المنطقة انتصارا خسارة لها.
وباعتبارها الداعم الرئيس للمعارضة، لعبت المملكة العربية السعودية دورا حيويا في تحويل سوريا إلى ملجئ للجهاديين الأجانب الذي تجمعهم نفس عقيدة منفذ هجمات 11 أيلول 2001.
لكن كان أيضا غباء إيران بعد أن ألحق موقفها ضررا بمصالحها برفضها الالتزام بشروط مسبقة، قد تؤدي إلى ظهور حكومة انتقالية تابعة للملكة العربية السعودية، وذلك حتى قبل بداية المحادثات، مما أدى إلى استبعادها وبالتالي إعلان نصر دبلوماسي سعودي.
لهذه الأسباب لم يكن مستغربا أن يعتبر الأسد، رغم أنه رئيس للبلاد في خضم مجازر طالت الكثير من السوريين، المفاوضات "نكتة." ولم يكن قراره إرسال وفد لسويسرا سوى محاباة لروسيا التي جنبته عملية عسكرية عندما شددت على أهمية العمل الدبلوماسي. ولذلك سارع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى اعتبار التقاء أطراف النزاع نجاحا.
لكن إطار العمل الذي تم تحديده سابقا للمفاوضين يبدو في خبر كان وحتى من وضعه، الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان، غادر منصبه في تعبير واضح عن إحباطه.
وبالنسبة إلى السوري العادي فإنّ لقاء المفاوضين ليس سوى استعراض عديم المعنى . في هذه الأثناء، يرفض الأسد الرحيل شعورا منه بالنصر، والمعارضة ترفض تخفيض سقف مطالبها، والغرب عاجز عن التدخل العسكري وعن التأثير دبلوماسيا فيما القاعدة تفتح عينيها انتظارا.
في كل تلك الأثناء، باتت سوريا مسرحا لمجازر وقودها حرب غير مباشرة بين المملكة العربية السعودية وإيران، الغريمين اللذين يتزعمان كل على حدة طائفته، السنية والشيعية. والحوار بين الرياض وطهران سيكون أكثر فعالية لوقف دائرة العنف من التفاوض بين الأسد ومنافسيه الذين ينشطون في الخارج . وسيكون من الأفضل لو وجهت واشنطن جهودها لجمع الغريمين السعودي والإيراني.
وبصفة عاجلة، ينبغي أن يتركز طموح واشنطن على إنهاء العنف. وبدلا من الدفع صوب رحيل الأسد، فسينبغي عليها أن تعمل على الحصول على اتفاق براغماتي يقسم السلطة على أساس المصالحة لا تغيير النظام. كما أنه عليها الضغط على حليفيها في المملكة العربية السعودية وقطر لوقف دعمهما للإسلاميين المتشددين. وإذا لم يتم ذلك، فإنّ ألسنة اللهب التي تكوي سوريا ستنتقل هبوبها قريبا إلى الغرب.
"لاءات" الفلسطينيين الى اين: هل مبادرة كيري فرصة جديدة يضيعها الفلسطينيون؟
بقلم: البروفيسور محمد سليمان الدجاني الداودي - مؤسس الوسطية في فلسطين – القدس
من المتوقع ان تواجه "اللاءات" الفلسطينية،التي حلّت محل "لاءات" الخرطوم الثلاث (لا مفاوضات، لا صلح، لا إعتراف) مصيراً مماثلاً:
"اللاء" الأولى، وتخص المطلب / الشرط الإسرائيلي المتعلق بـ "يهودية الدولة"، وهنا، لما يكون موقف الجانب الفلسطيني شديد الصلابة؟ إن هذا الشرط الإسرائيلي لا علاقة له بالذاكرة او الضمير او الرواية او"السرد" الفلسطيني والعربي والإسلامي لتاريخ القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، أو بحقوق اللاجئين في العودة والتعويض، او ب"مواطنة" فلسطيني الخط الأخضر، فالفلسطينيون اعترفوا بدولة اسرائيل وبيهودية دوله اسرائيل الممثل باسمها. وسواء رغبت اسرائيل بعد هذا الاعتراف أن تكون يهودية أو علمانية أو ديمقراطية أو مسيحية فما علاقة الفلسطينيين بذلك؟ وماذا لو توجهت إسرائيل غدا للامم المتحدة وتقدمت بطلب تغيير اسمها من دولة إسرائيل الى دولة إسرائيل اليهودية وكما فعلت بعض الدول التي اضافت الى اسم الدولة وصف "الإسلامية" كليبيا وايران، فهل ستعترض السلطة الفلسطينية على ذلك في الامم المتحدة؟ وهل سيأخذنا العالم بجدية لو فعلنا ذلك؟
الأصوات الإسرائيلية التي تقف خلف هذا المطلب/الشرط، تسعى لحفز الفلسطينيين على إبداء مزيد من الصلابة من أجل توجيه اللوم للفلسطينيين على فشل المفاوضات. وكما حدث عندما صدر قرار الامم المتحدة الداعي للتقسيم عام 1947. ان المطلب / الشرط الإسرائيلي المتعلق بـ "يهودية الدولة" سراب أن احدقنا النظر به لإختفى. وقول البعض منا انه يترتب على هذا الاعتراف "نتائج كارثية عرف منها التهجير القسري الذي سوف يلحق بعرب (إسرائيل) أي الفلسطينيون تحديدا، وأي طائفة أخرى سيكون منها حتى مسيحيي فلسطين، وهذا سوف يعتبر هجرة ونكبة فلسطينية جديدة"، لا اساس له. أن اعتراف العرب والفلسطينيين بدولة إسرائيل هو اعتراف بيهودية الدولة العبرية، وحق العودة قضية من القضايا التفاوضية المطروحة على طاولة المفاوضات تعامل وفق ما نصت عليه قرارات الامم المتحدة، ولا يبرر أو يجيز الاعتراف اية عمليات نقل وترحيل للمواطنين الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين وغيرهم، من الذين يعيشون ضمن نطاق الدولة اليهودية والتي هي جارية بشكل او بأخر منذ تأسيس الدولة اليهودية بل على العكس سوف يحد منها. والسؤال هو: هل تحتاج إسرائيل لاعتراف الفلسطينيين بها كدولة يهودية للقيام بذلك؟
و"اللاء" الثانية، تتعلق بالقدس الشرقية، وهنا المقصود القدس القديمة داخل الأسوار وهي المدينة الدينية التي تجمع ما بين الاماكن المقدسة للديانات الثلاث. والسؤال هو: لما لا تعطى وضعا دوليا خاصا يشارك الجميع برعايته والاشراف عليه؟ أما خارج الأسوار فإننا نجد على أرض الواقع قدس لا دينية قامت البلديات العربية والاسرائيلية المتعاقبة باضافتها للمدينة وتقسم الى قدس إسرائيلية وقدس عربية تفصلها حواجز نفسية وسياسية دون أي سور أو حاجز . والقول ان المدينة موحدة لا يعكس الواقع. إن التعنت الإسرائيلي يهدف لدفع الفلسطينيين للتصلب بمواقفهم من اجل التسبب في انهيار المفاوضات وإفشال مهمة كيري والقضاء على عملية السلام .
أما "اللاء" الثالثة، فتتعلق بالوجود الإسرائيلي في منطقة غور الأردن، على حدود الدولة الفلسطينية. ... فالفلسطينيون قبلوا بأية قوة ثالثة، أطلسية كانت أم أمريكية، أممية أم عربية تحت رايات الأمم المتحدة او دون ذلك، ترابط في هذه المنطقة. وطالما أن المبدأ أن ترابط جهة اجنبية قد تم الموافقة عليه وقبوله، ففي حال توقيع اتفاق سلام فإسرائيل ستكون مثلها مثل أية دولة أجنبية، ولكن بإمكانيات وخبرات ومعلومات واستخبارات أفضل لحماية القرى والمناطق الفلسطينية كي لا تصبح مرتعا للإرهاب والقنابل اليومية في الاسواق والمساجد، وكما هو الحال في مصر والعراق وسوريا وبغداد وأفغانستان. والمهم ألا تتمركز القوات إسرائيلية على المعابر وأبواب الدولة الفلسطينية تمنع وتسمح وكأننا مازلنا في سجن كبير ..إن مرابطة قوة ثالثة لا خبره لديها بجغرافية المنطقة على الحدود لن يحمي الدولة الفلسطينية من إرهاب القوى المعادية التي سوف تنقل الى فلسطين الويلات التي تعاني حاليا منها بعض شعوب المنطقة. وهنا من الضروري التنسيق مع الشقيقة الاردن حول الموضوع للتوصل الى ترتيبات امنية فلسطينية اردنية اسرائيلية. بالاضافة الى وضع أجهزة تكنولوجيّة متطورة لمراقبة الحدود. إن التواجد العسكري المباشر، الفلسطيني الاردني الاسرائيلي،وإقامة جدار أمني مع استخدام أجهزة تكنولوجيّة متطورة لمراقبة الحدود متطور هو الحل الامثل لحراسة الغور البالغ طوله 250 كم، واية قوة لوحدها لن تتمكن من إغلاق الحدود وتأمين الامن والحماية الكافية لمنع المنظمات الارهابية من التسلل الى المناطق المدنية في الداخل.
أما "اللاء" الرابعة، فتتعلق بالمطلب الاسرائيلي أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح. وعلى الرغم من ان هذا المطلب يبدو حاليا وكأنه انتقاص من السيادة الفلسطينية الا انه قد يتبين مستقبلا انه لصالح الفلسطينيين كي تخصص الاموال لبناء الدولة وأن تضخ في الاقتصاد وتحسين اوضاع المجتمع بدلا من صرفها على الاسلحة التي لن تقدم ولن تؤخر. و تصرف قطر حاليا مليارات الدولارات من اموالها لشراء أسلحة متطورة والسؤال هو ضد من تنوي استخدامها؟ عندما قرر الحلفاء في اعقاب الحرب العالمية الثانية ضرورة ان تكون اليابان والمانيا دول منزوعة السلاح استخدم اليابانيون والالمان ميزانياتهم في اعادة بناء الدولة واصبحتا من عمالقة الدول الصناعية في العالم. كما انه كان من اسباب سقوط شاه ايران عام 1979 استخدام عائدات البترول لشراء اسلحة متطورة لم يستفد منها بدلا من استغلالها لتحسين اوضاع الشعب الايراني.
أما بالنسبة للأسرى الفلسطينيين، فالجانب الإسرائيلي التزم بشروط إتفاقية أوسلو الأساسية، والتي نصت على الإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين قبل أيلول من العام 1993، أي قبل إتفاقية أوسلو، كما انها أبدت التزامها بالإفراج عمن بقي منهم في سجونها على أربعة مراحل، وبدأت بتنفيذها قبل المباشرة في المفاوضات. ومن المتوقع أن تتضمن أية اتفاقية سلام الافراج عن آلاف السجناء الذين يرزحون في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، ويعانون فيها ظروفاً صعبة وقاسية، كما انه سيكون من نتائجها انها ستضع حدا لاعتقال الفلسطينيين وتوقف الحكومة الإسرائيلية عن ملاحقة واعتقال المزيد والجديد من الفلسطينيين حيث انه لن يكون هنالك داع او مبرر لذلك.
اما بالنسبة لسكان المستعمرات الاسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، فإن اعطاء الخيار لهم ما بين الانتقال للحياة في دولة إسرائيل مع منحهم التعويضات الانسانية أو العيش بحرية واحترام وحقوق كأقلية إسرائيلية في الدولة الفلسطينية هو أسوة بالفلسطينيين الذين يعيشون كأقلية في الدولة اليهودية. وهذا بدوره سوف يؤدي الى خلق توازن سكاني يساعد على بناء السلام والتعايش بين الشعبين.
أما بالنسبة للدول العربية، فانها بدورها قد ابدت استعدادها عام 2002 في المبادرة العربية المشتركة للسلام بقبول دولة اسرائيل والاعتراف بها، وتطبيع علاقتهم معها، وتبادل العلاقات الدبلوماسية والسفراء فيما بينهم. وبناء عليه فانها من المفترض ان تقبل بما يتوصل إليه الفريقان المتنازعان، وأن تدعم خياراتهما، وأن تقف إلى جانبهما، وتعزز حالة السلام القائمة، وأن تعمل على تعويض السكان عن الفترات التي مضت، والتي شكلت عبئاً على الطرفين معاً، بعد أن دفع الفريقان ثمن خلافهما، وسقط نتيجة ذلك مئات القتلى والجرحى من الجانبين. علما بأن معظم الدول العربية حاليا منشغلة بترتيب أوضاعها الداخلية وحل خلافاتها الوطنية.
"اللاءات" الأخرى ايضا قابلة للتسويات، وعلى الموقف التفاوضي الفلسطيني أن ينسجم مع الحدود الدنيا من المرجعيات التي قامت عليها عملية السلام ... ولكن دون أن يبدي تعنتا أو تصلبا فقط لمجرد ان يعبر للرأي العام انه لم يظهر لية رونة" "تفريط" .
لو استخدمنا منهج الوسطية، فإنه من الممكن أن تتكلل مساعي السلام بالنجاح وان تتوصل الى اتفاقية تضمن المستقبل لاولادنا.... ومن المعلوم ان هنالك تفاوتا كبيرا في موازين القوى بين الطرفين..والاسرائيليون يكررون فيما بينهم على الدوام: لم نرغب بالسلام والتنازل عن الارض ونحن انتصرنا في الحرب ولو خسرنا الحرب لخسرنا كل شيء؟ كما أن اليهود يعانون من عقدة الهولوكوست التي جعلتهم يؤمنون بشعار: "ما حدث لن يتكرر مرة اخرى".
ولذا فان كيري بنى استراتيجيته على فرضية أنه من الضروري اولا التوصل الى اتفاق مع الإسرائيليين ثم التفاوض مع الفلسطينيين لايجاد نقاط التقاء بينهما مع استخدام الضغوطات على الطرفين بهدف تليين مواقفهما، فهو استعان بضغوطات الاوروبيين واليهود الامريكيين على الاسرائيليين، والضغوطات العربية على الفلسطينيين .ويكون من حسن حظ الطرفين لو تمكن كيري من التوصل إلى نتائج مرضية للمفاوضات، وهو بدوره قد أرجأ جولته الحادية عشرة بانتظار أن تنتهي إسرائيل من التفاوض مع نفسها، ومن ثم مع واشنطن، والى ان يرسو الفلسطينيون على بر والتفاوض معهم حول ما تم التوصل اليه من نتائج في المفاوضات الأمريكية – الإسرائيلية. ومن المتوقع أن يتلقى الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي، بالإضافة إلى الأردن، مساعداتٍ مالية امريكية واوروبية وعربية، بالإضافة إلى أستراليا وكندا واليابان، تدفعهم للمضي قدماً في عملية السلام، وتساعدهم على مواصلة خطوات بناء الثقة المشتركة بينهما.
ويسعى اليمين المتطرف في اسرائيل الى افشال المفاوضات ولكن مع تحميل القيادة الفلسطينية مسؤولية فشلها من اجل وقف المساعدات الامريكية والاوروبية عنها. والمشكلة انه لو غادر كيري المنطقة في حال فشله فانه لن يكون له اي مبرر او داع كي يعود إليها من جديد، تاركاً الفلسطينيين نهباً للعدوان والاستيطان والاحتلال وهذه هي استراتيجية المتطرفين الاسرائيليين المعادين للسلام.
وهنا فانني اعارض القول ان جميع الاسرائيليين معادين للسلام، وجميع الفلسطينيين محبي للسلام، واتفق مع القول بان هنالك معسكرا يضم فلسطينيين واسرائيليين يسعون للسلام في مواجهة معسكر يضم فلسطينيين واسرائيليين معادي للسلام ويسعى لاجهاض مساعي السلام. ويعلم كلا المعسكرين أنّ إحلال السلام يتطلب تقديم تنازلات موجعة ولكن ضرورية.
حين قبل الرئيس المصري جمال عبد الناصر مشروع وزير الخارجية الامريكي روجرز عام 1968 رفضناه رفضا باتا بناءا على شعارات المتشددين، فغادر ولم يعد. وعندما دعانا الرئيس المصري انور السادات للذهاب معه الى كامب ديفيد عام 1978 للتفاوض،لحقنا بالمتطرفين ووصفناه بالخيانة، فذهب دوننا، ونندم على ذلك اليوم. لم لا نتعلم من دروس الماضي من اجل مستقبل اطفالنا ونستمع للوسطيين؟
المنطقة العربية: لا شيء يبعث على التفاؤل
بقلم: هاشم عبد العزيز – القدس
"لا شيء يبعث على التفاؤل" . . هذا ما ذهبت إليه العديد من الوسائط الإعلامية الأوروبية في شأن ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربية بعد ثلاث سنوات من انتفاضات الأمل من أجل الكرامة والحرية والديمقراطية ولقمة العيش الكريمة .
القراءات تعددت، لكنها بدت كما لو أنها مسبقاً وضعت هذه النظرة التشاؤمية، فالآمال التي أطلقتها تلك الانتفاضات الجماهيرية السلمية "تبخرت وتحطمت تحت أقدام القمع والإرهاب والحديد والنار والفوضى والتخبط والموت والدمار وأزيز الرصاص والمتفجرات صارت عنواناً ثوراتنا"، بحسب مجلة "المشاهد" اللندنية و"خيبة الأمل كبيرة في نهاية السنة الثالثة من الثورات العربية .
في مصر يقوم الجيش بترميم الأوضاع القديمة بعدما حاول "الإخوان" السطو على الثورة وأسلمة كامل البلاد، وفي سوريا، هناك حرب وحشية لا مثيل لها وشعوب المنطقة كلها تعانيها الآن، أما في ليبيا فالميليشيات أصبحت لها الكلمة العليا وباتت البلاد مهددة بالانقسام إلى أقاليم متعددة، ومن خلال هذا الوضع المؤلم هناك إدراك متزايد بأن إقامة نظام يقوم على قواعد الحرية وسيادة القانون في السياق الثقافي والديني للعالم العربي أمر لا يحتاج لبضعة شهور، وإنما لسنوات عدة، وربما إلى عقود"، حسب صحيفة "فرانكفورتر" الألمانية .
القراءة على هذا النحو بدت تجمع ما بين نقد حاد ولكنه يتسم بالسطحية أغفل أهم الحقائق، وفي الأبرز أن الأوضاع في المنطقة العربية بلغت حدود عدم الاحتمال لفقدان المواطن كامل حقوقه، العيش بكرامة وإنسانية، بيد أن الانتفاضات التي كانت زلزالية سياسياً واجتماعياً انطلقت في الأغلب بعفوية، وهي لم تفتقد إلى التنظيم فقط، بل إن المكونات التي انبثقت من بحر الأمواج الشعبية وبخاصة الشبابية كانت أشبه بالانفجار وجانبها الخبرة التقاط الأحداث وبخاصة لملمة هذا التعدد من التكوينات، ما أوجد فراغاً أملته تلك القوى التي سقطت على الساحات في اللحظات الأخيرة وهو ما مثل عملية اختطاف لتلك الانتفاضات بالخداع والتضليل و"نعيق" الشعارات وأقنعة القداسة الزائفة بما ترتب عليها من نتائج عكسية كان التدخل الخارجي فاعلاً بما ترتب في النتيجة .
نعم لقد كانت هناك إخفاقات غير بسيطة إلى درجة أن العديد من المهتمين بهذا الشأن اعتبروا ما حدث من انفجار غضب متعثر، لكنهم أقروا بأن ما بدأ لن يتوقف، وربما أن للجانب السلبي الذي تمثل بالاندفاع المحموم من قبل أولئك الذين سقطوا على الساحات الثورية حسنة انكشاف حقيقتهم في مناهضة التحولات الجذرية، وهو ما أدى إلى هذه التطورات التي تتلاحق على سبيل المثال في مصر وتونس فيما يشبه إعادة الاعتبار لمسار هذه العملية التاريخية .
في مصر لم يؤد خداع الإخوان المسلمين للأطراف السياسية الأخرى في شأن الانتخابات الرئاسية ونكوث مرسي تعهده بالشراكة في المرحلة الانتقالية وعدم وفائهم بالوعود الانتخابية وطائفة سياستهم وممارستهم الإقصائية والاستئثار، وفشلهم الذريع في مواجهة القضايا التي ترتبط بحياة الناس المعيشية وزادوا من تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بحيث لم يؤد ذلك إلى عودة الناس إلى النكوص والسلبية وإشاعة اليأس لدى الأجيال الشابة التي تصدرت انتفاضة التغيير الجذرية، بل أدى ذلك إلى إعادة الجماهير إنتاج ثورة الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية وهذا ما جرى في 30 يونيو 2013 التي سجلت حدثاً تاريخياً غير مسبوق بعودة جماهير ثورة يناير إلى الاحتشاد لإطلاق انتفاضة الغضب في وجه سارقي حلم التغيير وبناء مصر الجديدة وباندفاع مزيد من ملايين المصريين في الريف والمدينة والتي فاقت ال30 مليوناً في دلالة على تحرر الإرادة المصرية من قيود القمع وتضليل الخديعة.
وهذه الحقيقة تجلت في عملية الاستفتاء على الدستور التي كانت ناجحة بكل المقاييس كونها جرت في ظروف استثنائية وفي ظل حملات من الابتزاز والترهيب والتضليل من قبل جماعة الإخوان التي لم تكتف بالمقاطعة، إذ يكفي أن يشار هنا إلى تلك النسبة العالية من مشاركة المرأة المصرية في هذه العملية في دور عبور تاريخي اجترحته المرأة المصرية بمشاركة استحقاقية عالية .
في تونس دخلت البلاد نهاية العام المنصرم مرحلة جديدة مسارها خريطة طريق بتشكيل حكومة كفاءات غير حزبية وإجراء الانتخابات النيابية والرئاسية .
وجاءت هذه التطورات على إثر تعاظم الاحتجاجات الشعبية والتفاهمات السياسية التي يرى من خلالها التونسيون أن بلادهم "فتحت صفحة جديدة من تاريخها"، بعد أن "طوت ثلاث سنوات من حكم النهضة الإخوانية الذي لم تجن تونس منه سوى أزمة خانقة من أبرز ملامحها تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية واستفحال الفقر والتهميش وتزايد عنف الجماعات الجهادية المسلحة" .
لا نقول إن القراءات للأحداث في المنطقة العربية عمياء، لكن في عديد منها غير دقيقة والمثل الإشارة إلى دور الجيش المصري بأنه "يرمم الأوضاع القديمة"، إذ لم يكن هناك إيضاح هل المقصود قديم نظام مبارك أم نظام الإخوان؟ مع أن الجيش المصري تجاه كليهما كان في صف قوى الثورة المصرية، فقد أمن الانتقال من نظام مبارك لمن تمكنوا القفز إلى الواجهة السياسية وتحت ستار الشرعية التي خرقوها بعدم الوفاء بمسؤولياتهم وسقطوا بشرعية إرادة المصريين في الثورة وهو (الجيش) حتى الآن يتحمل مسؤولية تأمين انتقال مصر من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية .
".. وإن هلهلت هلهلنالك"!
بقلم: حسن البطل – الايام
عصر يوم السبت، ومن قمة تلة شمالية في بيتونيا، قال صديقي: اسمع تهاليل صلوات يهودية، صادرة من تلال مستوطنات يهودية على مبعدة كيلومترات.. هذا هو، فيزيائياً، الصوت والصدى، وتحدّث عنه عرب أقدمون بأنه "عزيف الجان".
عشت في سورية يافعاً صوت الجماهير الهادر، أواخر خمسينيات القرن المنصرم.. وهذا الهتاف: "مكتوب على قلوبنا عبد الناصر محبوبنا" وكان يصدر من حناجر مظاهرات شعبية سورية، مطلع الوحدة السورية ـ المصرية.
الهلهلة الدينية اليهودية ذكّرتني بهلهلة حربجية بدوية كانت تصدر من الحناجر إياها في الزمن إياه: ".. وإن هلهلت هلهلناك/ صفينا البارود قبالك".
الهلهلة لناصر، محبوب العرب السوريين وسواهم، كانت في سورية لأنه صورة أو صوت يستعيد أمجاد صلاح الدين الأيوبي؛ وربما في مصر كانت الهلهلة لأنه سيعيد لمصر أمجاد محمد علي باشا.
في زمن الهلهلات الناصرية، قال أحمد بن بيلا، أحد قادة ثورة الجزائر وأبرزهم، وأول رئيس للجزائر المستقلة، بعد 130 سنة حكم استعماري فرنسي: يقولون عني إنني ناصر ثانٍ. إنني أحمد الله على هذه التهمة؟
الآن، في مصر ما بعد 25 يناير 2011 فإن نصف الشعب المصري يهلهل للفريق أول عبد الفتاح السيسي كصدى لجمال عبد الناصر، بينما النصف الآخر يستعيد بترشيحه لرئاسة مصر كصورة لقائد عسكري صار رئيساً هو حسني مبارك!
في مصر، جرى استفتاء على دستور "دولة مدنية" أي لا علمانية ولا إسلامية، وأما في تونس فقد أنجزوا دستور دولة مدنية ـ ديمقراطية عبر هيئة تأسيسية، وهو الأصح من خيار وأسلوب الاستفتاء.
ربما الاستفتاء المصري هو ما ذكّر البعض أن يقارن الجنرال ـ الرئيس ديغول الفرنسي بالفريق أول (صار ـ مشيراً بمرسوم جمهوري) سوى أن استفتاء ديغول كان ظاهرة عابرة في الديمقراطية الفرنسية العريقة، بينما تكررت الاستفتاءات المصرية منذ ثورة 25 يناير، بل ما قبلها أيضاً.
الرئيس ناصر انتخب باستفتاء رئيساً لدولة الوحدة، لكن كان السؤال بسيطاً وقصيراً: هل توافق على الوحدة المصرية ـ السورية. أما الدستور فهو نص قانوني متعدّد لا يحيط بجوانبه إلاّ ضلعاء في القانون والقضاء.
منذ طلبت قيادة الجيش المصري، لإقالة الرئيس الإخواني المنتخب دعماً شوارعياً تحقّق بشكل اسطوري، إلى ترشيح المجلس العسكري لقائد الجيش للرئاسة، مرّت مصر بتحولات عاصفة ولكن بخطوات دستورية.
خلال هذه الفترة اعتادت وسائل الإعلام، الغربية منها خاصة، على وصف قائد الجيش بأنه "رجل مصر القوي".
هل يكون السيسي رئيساً رابعاً للجمهورية بعد 23 يوليو 1952، ورئيساً أول للجمهورية الثانية بعد 25 يناير 2011 (مع فاصلة مشوشة لرئيس مدني حكم سنة عاصفة)؟
أي، هل يكون صورة "فوتو ـ شوب" لجمال عبد الناصر محبوب المصريين والعرب، أم صدى للرئيس ناصر، الذي كان صدى لمحمد علي باشا وصلاح الدين الأيوبي؟
كان ناصر "مستبداً ـ عادلاً" فهو قمع الإخوان المسلمين من جهة، وأيضاً قمع الشيوعيين من جهة أخرى، لكنه غيّر وجه مصر بقوانين الإصلاح الزراعي والتأميم أولاً لقناة السويس، ولاحقاً للشركات الكبرى.
ليس في مجال ناصر سيكون السيسي "ناصراً ثانياً" لا في الإصلاح الزراعي ولا في تأميم شركات ما بعد "الانفتاح" الذي قام به الرئيس أنور السادات. ماذا إذاً؟ في مجال الديمقراطية كان هناك منافسون أقوياء في انتخابات الرئاسة، وإن كان مجلس الأمة المنتخب صورة حقيقية عن اتجاهات الشعب المصري وبمشاركة الإخوان، أيضاً.
وأيضاً، في مجال السياسة الخارجية المستقلة، عن العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة، وأولاً وقبل كل ما عداه: فالاستقرار والتنمية (والسياحة) هو ما تطلبه جماهير الشعب المصري.
تونس ثم مصر فتحتا، أخيراً وبعد خضّات كانت قوية في مصر، وهزات وتناحرات عنيفة في سورية، أفقاً لهذا "الربيع العربي" الذي بدا خريفاً وحتى شتاءً.
الفارق بين الطريق التونسي والآخر المصري أن للعلمانية في تونس تراثا بورقيبيا أكثر وضوحاً من علمانية التراث الناصري، أو أن مصر، فجر الحضارة والدول المركزية، تحتاج لنقاهة طويلة من "حكم الرجل القوي" أو "المستبد ـ العادل"، أو لأن للتيار الإسلامي قوة في مصر تفوق قوته في تونس.
هل ستجيب تونس ومصر على السؤال الممضّ: هل يمكن بناء "ديمقراطية عربية" تقف على قدميها وتضيف شيئاً للديمقراطية التركية (الإسلامية ـ العلمانية) أو للديمقراطية الإيرانية (الإسلامية ـ الأصولية) أو للديمقراطية اليهودية في إسرائيل؟
يقولون: ديمقراطيات وليس ديمقراطية، تبعاً لاختلافها في التطبيق العملي العالمي، أو أن الأسماك تعيش في الماء، لكن لكل نوع من الأسماك زعانف مختلفة للسباحة في الماء ـ الديمقراطية، وكذلك للطيور أجنحة وتطير بشكل مختلف.
رؤية إسرائيلية لمستقبل الأوضاع المصرية!!
بقلم: هاني حبيب – الايام
بين وقت وآخر، تصدر مراكز البحث الإسرائيلية، دراسات ومقالات تتعلق بالأمن الإسرائيلي بشكل خاص برؤية استراتيجية، ومن أهم مراكز البحث هذه "معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي" المتخصص بدراسة التهديدات الأمنية غير التقليدية كسباق التسلح والأمن الإقليمي والارهاب والعلاقات الاسرائيلية الفلسطينية والصراعات في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها المحتملة على الدولة العبرية.
في الآونة الأخيرة، تركزت العديد من دراسات هذا المعهد على الوضع المصري تحديداً، وإن كان الأمر المصري دائماً يشغل حيزاً مهما في دراسات هذا المعهد، فإن ذلك يعود الى رؤية صحيحة تشير إلى أن التحولات المصرية، ستؤثر أكثر من غيرها من التحولات على المنطقة برمتها، وتؤثر هذه التحولات تأثيراً مباشراً على الصراع العربي ـ الإسرائيلي على كافة الملفات خاصة الملف الفلسطيني.
بداية العام الماضي، أصدر المعهد دراسة تفصيلية عن الوضع المصري بعد الاستفتاء على الدستور في عهد مرسي ـ الإخوان، وتعقب خبراء المعهد ردود الفعل على المصادقة على هذا الدستور، واصدر دراسة بحثية أكدت أن المصادقة على الدستور تمت عن طريق الخداع والتحايل والتزوير، وإن هذه المصادقة قد عمقت الأزمة داخل المجتمع المصري وأدت إلى انقسامه عمودياً بين إسلاميين وعلمانيين وبين الليبراليين والراديكاليين، بين الريف والمدينة.. ورسم المعهد صورة قاتمة جداً تعكس حقيقة هذا التطور بوصول جماعة الإخوان إلى حكم مصر.. إلاّ أن الدراسة فشلت كما تبين فيما بعد في استشراف ما يحدث وحدث في مصر، إذ أشارت الدراسة، إلى أن العناصر الداخلية لن تنجح في ايجاد مناخ يعيد الحياة إلى طبيعتها وستستمر الانشقاقات والفوضى، ما يحفز "قوى خارجية" للتدخل حفاظاً على استقرار مصر الذي هو مصلحة لهذه القوى. هذا ما توصلت إليه دراسة المعهد قبل عام تقريباً.
ما حدث في مصر، خلال العام الماضي، أو بين استفتاءين على دستورين، أكد أن المقدمات الصحيحة التي أشار إليها المعهد في دراسة لم تؤد إلى نتائج صحيحة، ذلك أن الصدام بين حكم عشيرة الإخوان والشعب المصري، تم حسمه من خلال ثورة شعبية في 30 يونيو الماضي، وان الأمر لم يتطلب "قوى خارجية" بل مساندة القوات المسلحة واستجابتها للمطالب الشعبية.
قبل أيام قليلة، أصدر المعهد ذاته، دراسة جديدة حول الوضع المصري، أشار فيها الى أن الإخوان المسلمين الذين قاتلوا للوصول إلى السلطة خلال عقود طويلة، لم يعرفوا كيف يستغلون هذه الفرصة النادرة، نتيجة لفقدان الكفاءة والحكمة الأمر الذي سارع في سقوطهم. وبعد سرد مطول عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والسياحية والاجتماعية في مصر بعد سقوط "الجماعة" تتوصل الدراسة إلى أن مفتاح المستقبل المصري، مرهون بما تقرره جماعة الإخوان المسلمين تحديداً، خاصة إذا قررت الجماعة استمرار الارهاب والعنف، الأمر الذي يجبر الجيش ليس على التدخل الدائم فحسب، بل على الإمساك بالسلطة لسنوات طويلة، وهذه إشارة من قبل المعهد بشكل غير مباشر، ان وصول الجيش إلى السلطة عبر المشير السيسي، قد يؤدي إلى الخروج على الدستور، أو استمرار القادة العسكريين بالحكم بعد انتهاء ولايتي السيسي وفقاً للدستور المصري الجديد.
لكن الدراسة، لم تصل إلى نتيجة أو حل للوضع في مصر، كما فعلت قبل عام، لكنها أشارت إلى أن عدم الاستقرار في مصر، يعتبر مكسباً إسرائيلياً، بامتياز، لكن إسرائيل ليست المستفيدة الوحيدة من هذا الأمر. ويستعرض التحليل الدور الروسي المحتمل، باعتبار أن روسيا ستستفيد من حالة العداء المتزايدة للولايات المتحدة لصالح استعادة دورها في المنطقة.
استفادة إسرائيل من عدم استقرار الأوضاع في مصر، له ما يبرره، ذلك أن إنهاك الجيش المصري، وربما توريطه كأداة داخلية لمواجهة الارهاب، وانشغال القوات المسلحة المصرية، بالبعد "القطري" نتيجة للتوترات المتصاعدة، إنما هو مكسب إسرائيلي بحت، خاصة وأن مصر ستضطر إلى الانشغال بوضعها الداخلي عوضاً عن قيامها بدورها القومي، خاصة فيما يتعلق بدعم الموقف الفلسطيني.
أهمية الدراسات التي تصدر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، تعود إلى أن طاقم المعهد الأساسي، مرتبط بأجهزة المخابرات الإسرائيلية، إذ يرأس هذا الطاقم الجنرال عاموس يدلين الذي كان رئيساً لقسم الاستخبارات العسكرية، وبات على مقربة شديدة من مصادر المعلومات.
وفي السياق، فإن المعهد أصدر دراسة جديدة، مفادها أن العملية التفاوضية على الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، لن تصل إلى أي حل، وبالتالي، فإن المعهد وضع دراسة عبارة عن "خطة سلام" أحادية الجانب، تنسحب إسرائيل وفقها من 85 بالمئة من الضفة الغربية، والإبقاء على "الجدار الحدودي" كحدود فاصلة!!
فشل كيري المحتم: الخيارات الفلسطينية
بقلم: أشرف العجرمي – الايام
من يقرأ ما ينشر عن السجال الداخلي الإسرائيلي حول المفاوضات والموقف من العملية السياسية يصل إلى استنتاج سريع بأن الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو تبحث عن طريقة لإفشال المفاوضات وتحميل الطرف الفلسطيني المسؤولية عن الفشل. هذا يمكن قراءته بوضوح في تصريحات نتنياهو التي تتحدث عن عدم رغبته في إخلاء أي مستوطنة إسرائيلية وحديثه من جانب آخر عن احتمال الموافقة على بقاء بعض المستوطنات الإسرائيلية تحت السيطرة الفلسطينية.
ففكرة عدم إخلاء أي مستوطنة لا يمكن معها الحديث عن قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة ومتواصلة إقليمياً، وحتى التراشق الذي حصل بين مكتب نتنياهو وبعض الوزراء في حكومته مثل نفتالي بينت الذي قال عن نتنياهو بعد تصريحه بشأن بقاء مستوطنات تحت السيطرة الفلسطينية بأنه "فقد صوابه الأخلاقي".
يبدو أنه كما قال مكتب نتنياهو عنه يأتي في إطار "محاولات رئيس الحكومة الرامية إلى إثبات أن الرافض الحقيقي للسلام هو السلطة الفلسطينية"، والتي يعتقدون أن بينت أضر بها. ويمكن اعتبار ما قاله أحد وزراء الحكومة الكبار وعضو المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية للكاتب الصحافي في جريدة "معاريف" شالوم يروشالمي أن "هدفنا هو افراغ المفاوضات من مضمونها طوال العام 2014 وعلى الاقل حتى موعد الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي في بداية العام المقبل".
الصورة باتت واضحة تماماً ولا تحتاج لجهد كبير لاكتشاف كل تفاصيلها، ويبدو أن مناورة نتنياهو يراد منها جر الطرف الفلسطيني لردود فعل متطرفة حتى يسهل اتهامه بالمسؤولية عن فشل المفاوضات.
ويبدو أن هناك بعض القيادات الفلسطينية التي تنجر بسهولة إلى المربع الذي تريده إسرائيل كأن يدعو البعض لإعلان المقاومة بكل أشكالها ويرفض آخرون فكرة بقاء مستوطنات تحت السيادة الفلسطينية. والمطلوب في مثل هذا الوضع هو تكرار الموقف الفلسطيني الواضح تجاه عملية السلام كما كانت تؤكد عليه القيادة في كل مناسبة وعدم الانجرار خلف ما يريد نتنياهو حتى موضوع بقاء مستوطنات تحت السيادة الفلسطينية لا ينبغي رفضه بشكل مطلق بل الرد بأن هذا الموضوع ستتم دراسته عندما يعرض علينا بشكل رسمي، وذلك في إطار عدم رفض بقاء يهود في دولة فلسطين كمواطنين متساوين في الحقوق وليس كإسرائيليين أو في إطار مستوطنات أو غيتوات.
لقد أضحى من شبه المؤكد أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري سيصل إلى الفشل الذريع والحتمي في ظل المواقف التي يتبناها والتي لا يمكن معها تحقيق اختراق، خاصة وهو يتبنى مطلب إسرائيل بضرورة الاعتراف بها دولة يهودية، وأيضاً بعد تصريحه الأخير بأن انسحاب الجيش الإسرائيلي من أراضي الدولة الفلسطينية مشروط باقتناع إسرائيل أن الضفة الغربية لن تتحول إلى غزة ثانية، وأن القدس ستجسد تطلعات الإسرائيليين والفلسطينيين، وهنا هو يتبنى أيضاً موقف إسرائيل من جعل الانسحاب غير محدد بفترة زمنية قصيرة وواضحة يمكن قبولها فلسطينياً لا تتجاوز الثلاث سنوات حسب ما صرح به الرئيس أبو مازن.
فاشتراط الانسحاب بقناعة إسرائيل معناه إعطاء إسرائيل حق الـ "فيتو" في تقرير موعد الانسحاب ومدته، وحسب خبرتنا لن تكون إسرائيل معنية بالإقرار بأن الضفة لن تتحول إلى غزة جديدة، خصوصاً وأن إسرائيل كانت المساهم الرئيس في الوضع الذي آلت اليه غزة، ويعلمون في إسرائيل والعالم أنه لا يمكن أن تتحول الضفة إلى ما أشبه وضع غزة في حال التوصل إلى اتفاق سلام، فأي اتفاق سيقود حتما لانتصار الخط الواقعي المناقض للخط المتطرف.
والحديث عن التطلعات الفلسطينية في القدس هو هروب من ذكر القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية وهو متطلب رئيسي للموافقة على اي اتفاق حتى لو كان اتفاق إطار.
الوقت ينقضي بسرعة دون تحقيق الاختراق المطلوب وسيكون إعلان فشل جهود كيري في نهاية شهر نيسان (إبريل) القادم مسألة أكيدة حتى لو رغبت الولايات المتحدة وإسرائيل في تمديد مدة المفاوضات بحجة إعطاء فرصة أكبر للتفاوض والاتفاق.
ومن المهم في هذا السياق بعد فشل كيري التخلي تماماً عن فكرة التفاوض تحت رعاية أميركية وفي نفس الإطار الذي فشل مراراً وتكراراً، والمطلوب فلسطينياً هو الخروج عن قاعدة العمل التقليدي في العملية السياسية المتعثرة والبحث عن بدائل على الأقل تحمي الحقوق الفلسطينية، من قبيل المؤتمر الدولي للسلام، أو إطار خمسة زائد واحد الصيغة التي عمل بها في معالجة الملف النووي الإيراني، أو البحث عن صيغة للتحكيم الدولي على قاعدة قرارات مجلس الأمن والمبادرة العربية للسلام، بحيث تعقد مفاوضات تحت إشراف مجلس الأمن مثلاً لفترة محدودة لا تتجاوز ستة شهور، وفي حال الفشل يتم انعقاد هيئة محكمين دوليين يتفق عليهم للتقرير بشأن القضايا المختلف عليها.
وحتى تبدو خيارات القيادة في هذا المجال واضحة ومحددة، لا بد من بحث كل البدائل بصورة معمقة والتوصل إلى خطة واضحة قد تبدأ باستكمال عملية الانضمام للمنظمات الدولية التخصصية.
ولكن أهم شيء على الإطلاق في معركتنا القادمة عدم اللجوء إلى العنف الذي تسعى إسرائيل بكل قوتها لأخذنا إلى مربعه لأنه يريحها تماماً ويمس بنضالنا ويبرر تملص إسرائيل من استحقاقات العملية السياسية، وأيضاً لأن هذه الجبهة التي تستطيع فيها إسرائيل التفوق علينا وإعادتنا سنوات وعقودا إلى الخلف ولتكن تجربة الانتفاضة الثانية ماثلة أمام الذين يدعون لمقاومة عنيفة أو مسلحة.
المهم برنامج السيسي
بقلم: علي جرادات – الايام
الانتفاضة الشعبية المصرية بموجتيها، كما بقية الانتفاضات الشعبية العربية، ليست مؤامرة، إنما حالة استفاقة أعطت الأمل بالتغيير بعد سبات طويل، وعبرت عن حاجات الشعب الموضوعية، وكسرت حاجز الخوف لديه، وجعلته لاعباً سياسياً، بل جعلت ما بعدها مختلفا نوعياً عما قبلها. لكن عفوية انطلاقة هذه الانتفاضة جعلتها،(آفاقاً ونتائج)، مفتوحةً على كل الاحتمالات، ما يفسر لماذا طال أمدها؟ ولماذا تموج مسارها؟ ولماذا تعقد الصراع عليها؟ ولماذا تعددت وتنوعت وتداخلت الأطراف- الداخلية والخارجية- الساعية إلى وأدها أو حرفها أو اختطافها أو إجهاضها أو اختزالها أو تفصيلها على مقاس حزب أو جماعة أو قائد؟ ولماذا تباطأ ربط مطلبها في الديمقراطية السياسية بمطلبي الديمقراطية الاجتماعية وفك التبعية للسياسة الأميركية؟ ولماذا كان بوسع حركات تكفيرية جاهلة متطرفة دموية ومشبوهة أن تمتطي صهوتها وتشوه صورتها؟
إذاً بعفوية انطلاق هذه الانتفاضة كان من الطبيعي والمنطقي تحوُّلها، (مسيرة وصيرورة)، إلى حالة صراعية ممتدة يصعب سبر غورها إلا بالنظر إليها كعملية تحويل معقدة ومركبة للظروف والناس، عدا أنها كأي انتفاضة شعبية تتعلم من الانتفاضات وتضيف عليها، وتشكل تجسيداً حياً لكيفية حضور العام في الخاص، إنما ضمن شروطه ومزاياه، ما يتطلب تحليلاً ملموساً لخصوصيتها، ولفرادة كل طور من أطوارها. تحليل لا يرى سلبياتها، فحسب، بل يرى أيضاً أن شعب مصر الذي فجر انتفاضة بموجتين واسقط سلطتين في ثلاثة أعوام اكتسب خبرة ودراية سياسية جعلته يقظاً تجاه كل سياسة لا تلبي مطالبه التي تجاوزت مطلب الديمقراطية السياسية نحو مطالب فك التبعية وتحقيق التنمية الإنتاجية المستقلة والعدالة الاجتماعية واجتثاث مظاهر ارتفاع مستويات الفقر والبطالة والأمية والفساد بأشكاله وتدني مستويات الخدمات الصحية واستفحال بؤس العيش في "العشوائيات" والمقابر، أي جعلته واعياً لضرورة القطع مع نهج سلطتي مبارك و"الإخوان" اللتين لم تكونا في وارد فك التبعية للسياسة الأميركية، الشرط الأساسي لتلبية مطالب الانتفاضة ولاستعادة مصر لاستقلالها وسيادتها ودورها القومي ووزنها الإقليمي والدولي، والتحدي الأول لكل سلطة قادمة أياً كان اسمها ولونها وعظمة راهن شعبية من سيقف على رأسها، حتى لو كان المشير عبد الفتاح السيسي الذي يبقى القول الفصل في الحكم عليه فيما سيطرح وينفذ من برنامج، أي فيما إذا كان برنامجه سيلبي مطالب انتفاضة 25 يناير بموجتيها اللتيْن اعترف بشرعيتهما الدستور المصري الجديد الحائز نسبتَي مشاركة وتأييد هما الأعلى مقارنة بما حازته دساتير مصر السابقة، وفيما إذا كان برنامجه سيقطع-قولاً وممارسة- مع نهج أيتام نظام حسني مبارك الذين لم يسلِّموا بشرعية الموجة الأولى للانتفاضة الشعبية بزعم أنها مجرد "مؤامرة إخوانية"، ومع نهج "الإخوان" الذين لم يسلِّموا بشرعية جولتها الثانية بزعم أنها مجرد "انقلاب عسكري"، وكأن الجيش الذي ساند الإرادة الشعبية لتنحية مبارك هو ليس نفس الجيش الذي ساند الإرادة الشعبية ذاتها لعزل محمد مرسي. ماذا يعني هذا الكلام؟
يعني أن الشعب المصري حل لغز تماثل السلوك السياسي لنظاميْ مبارك و"الإخوان" تجاه انتفاضته، وأن حكمه على كل سلطة قادمة سيكون في نهاية المطاف بناء على ما إذا كانت ستقطع مع نهج كليهما وليس مع نهج أحدهما فقط، بحسبان أن تماثل سلوكهما السياسي إنما يؤكد أن تناقضهما إن هو إلا تناقض ظاهري لأن كليهما، وكل منهما على طريقته، يرفض الاعتراف بأن ما بعد انتفاضة 25 يناير هو نوعياً غير ما قبلها، وبأن استعادة مصر للأمن والاستقرار والاستثمار مشروطة بتلبية مطالب شعب مصر وحقه في "الحرية والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية"، وبأن كل حديث عن نهوض مصر واستعادتها لاستقلالها وسيادتها ودورها القومي يبقى حبراً على ورق طالما لم يقترن بخطوة فك التبعية للسياسة الأميركية، وبأن صراع أيتام نظامي مبارك و"الإخوان" على السلطة السياسية لا ينفي انتماءهما لقاعدة اجتماعية واحدة تقودها- بتوصيف المفكرين الوطنيين المصريين- "حفنة فاسدة وتابعة من رجال المال والأعمال ورأسمالية المحاسيب"، رغم انشطارها إلى قسمين: "الأول بلحية والثاني بربطة عنق". يؤكد ذلك أن صراعهما على السلطة لم يمنع اتفاقهما على فصل انتفاضة 25 يناير بموجتيها عما سبقها من انتفاضات وثورات شعبية في مقدمتها ثورة 23 يوليو 1952 التي ما انفكت تتعرض منذ رحيل قائدها، عبد الناصر، لعملية "شيطنة" ممنهجة يقودها- داخل مصر- حليفا الولايات المتحدة: "الإخوان" ونظام مبارك وريث نظام السادات الذي ارتد عليها، بينما جاءت انتفاضة 25 يناير بموجتيها لاستعادة البناء على ما حققته من انجازات وطنية واجتماعية وقومية ما انفكت حاضرة في وجدان الشعب المصري وعقله، بدليل أن صورة عبد الناصر كانت الأكثر حضوراً في التظاهرات المليونية لموجتيْ انتفاضة 25 يناير، وأن اسمه كان الاسم الوحيد الذي حظي بتوصيف "الزعيم الخالد" في نصوص الدستور الجديد، بل إن التعلق الشعبي بالمشير عبد الفتاح السيسي اقترن بأمل أن يكون عبد الناصر زمانه، أي بأمل أن يتجاوز ربع كأس مشروعه الفارغ: الديمقراطية السياسية، وأن يستعيد البناء على ما حققه من انجازات وطنية وقومية واجتماعية لم تكن لتتحقق إلا بالتجرؤ على خوض مجابهة قاسية مفروضة مع دول الاستعمار الغربي بقيادة الولايات المتحدة وأدواتها داخل مصر آنذاك: طبقة الإقطاع وكبار ملاك الأراضي.
إذاً هنا القول الفصل في الحكم على المشير عبد الفتاح السيسي، وعلى كل من سينافسه على منصب رئاسة مصر، بل على كل من سينافس على مقاعد السلطة التشريعية القادمة، أيضاً. لماذا؟ لأن المواجهة التي يخوضها الشعب المصري مع عنف "الإخوان" منذ عزل محمد مرسي غير منفصلة، وإن اختلف الشكل، عن مواجهته السياسية مع بقايا نظام مبارك منذ تنحيته، ولأن المواجهتيْن غير منفصلتين عما لسلطتيْ مبارك و"الإخوان" من تبعية وارتهان للسياسة الأميركية، وعما لهما من انتماء للقاعدة الاجتماعية الفاسدة التابعة ذاتها. إنها المواجهة الشعبية الرافضة لاختطاف الثورة أيا كان اسم ولون الطرف الذي يحاول ذلك، بدليل أن الشعب المصري الذي رفض دعوات "الإخوان" إلى مقاطعة الاستفتاء على الدستور الجديد وشارك وصوت بـ"نعم" بنسبتين غير مسبوقتين، يرفض أيضاً محاولة بقايا نظام مبارك امتطاء صهوة الموجة الثانية للانتفاضة، ما يعني أن ثمة أغلبية ساحقة من أبناء الشعب المصري هي بقدر ما ترفض عودة سلطتيْ مبارك و"الإخوان"، إنما ترفض إعادة إنتاجهما بأي شكل من الأشكال وتحت أي ظرف من الظروف. أما لماذا؟
لأن ثمة يقظة شعبية تحولت في معمعان ثلاثة أعوام من الانخراط في "ميادين" الانتفاضة إلى بصيرة سياسية لن تقبل، تقدم الأمر أو تأخر، تكرار تجربة تحويل انجاز خلع حسني مبارك إلى سلَّم ارتقاه "الإخوان" لبلوغ الحكم عبر استعجال الاستفتاء على إعلان دستوري" وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية توجتهم "حاكماً بأمره" بعد جوع ثمانين عاماً، أي لن تقبل كل محاولة لتحويل انجاز إطاحة سلطة "الإخوان" وعزل محمد مرسي إلى إعادة إنتاج بنية نظام مبارك، لأن الموجة الثانية للانتفاضة اندلعت لتصحيح مسار موجتها الأولى وتحقيق مطالبها التي لا يلبيها غير إفضاء الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة إلى ولادة سلطة تعمل على تنفيذ برنامج الائتلافات الشبابية والقوى السياسية والمجتمعية الوطنية التي أطاحت سلطتي حسني مبارك ومحمد مرسي.
قصارى القول: إن المهم بالنسبة للشعب المصري وقواه الثورية والسياسية التي أطلقت الانتفاضة الشعبية بجولتيها لا يكمن في تغيير الشخوص أياً كانت أسماؤهم وخلفياتهم وألقابهم، بل يكمن في مدى انحيازهم وتبنيهم وتنفيذهم لبرنامج الانتفاضة ومطالبها السياسية والاجتماعية والوطنية والقومية. ويشمل هذا- فيما يشمل- المشير عبد الفتاح السيسي بعد أن تأكد أمر ترشحه لمنصب رئاسة مصر. وبكلمات: المهم برنامج عبد الفتاح السيسي لا اسمه وما حازه من شعبية جارفة خلال الأشهر السبعة الماضية، وما يُتوقع أن يحرزه من فوز باهر في الانتخابات الرئاسية المقبلة. فهذا وذاك مجرد مؤشرين يظلان، على أهميتهما، تحت اختبار ما سيطرحه من برامج لتنفيذ مطالب الانتفاضة الشعبية بالمعنى الشامل للكلمة. حاله في ذلك حال منافسيه.
أعـتـقـدُ ... ولا أعـتـقـد!
بقلم: توفيق وصفي – الايام
أعتقدُ أنني شغوف بالحياة أكثر من شغفي بمفرداتها وزينتها، وأنها أسهل مما تبدو عليه من بؤس ورتابة وقسوة، لقناعتي بأنني مجردُ عزفٍ وتري يمزق ليلها، ويقض مضجع جار ثقيل يحب رائحة طبيخي، دون أن أخدع نفسي بأنني نجمُ العود أو البيانو في زقاقنا أو خارجه.. ولا أعتقد أن ثمة شيئا في الحياة يستحق التضحية بها، لأنها ليست حقا مُنتَزعا من الخالق، بل هبة منه جل وعلا، حتى لو كانت المقايضة بين الموت من أجل رزمة الشرف والكرامة والحرية وبين الحياة من دون أي منها، فكيف تضحي بما لا تمتلكه بالفعل!
أعتقد أن لفلسطين دخلا بالشأن المصري لألف سبب وسبب، تتعلق بالجيرة والتاريخ والحاضر والمستقبل، ولا أعتقد أن لفلسطين الحق في التدخل في شأن مصري يجري على أرض مصر بين شعبها، الذي يَعتبر أن أي تدخل خارجي غير مصري غير مأذون له عملٌ عدائي.
أعتقد أن الانقسام لن ينتهي قريبا وسيظل هناك خيار وفقوس أو بطيخ وشمام، ما دام الخوف من الآخر عميقا في الأرواح، وعموم الناس يلعنون ويصفقون كالدمى. ولا أعتقد أن دوام هذا الحال هو الحال، فالعيون شاردة، والزفرات حارة، والحرمان فاجر، ما يقلب كل اعتقاد.
أعتقد أن مستقبل التعليم في غزة وربما الضفة سيكون محكوما بإرادة وأموال المستثمرين في كل شئ، ليبز تلاميذ التعليم الخاص أقرانهم الدارسين في مدارس التعليم العام، كصبية قاصر أجبرها أهلها على الزواج لعجزهم عن إعالتها، فإذا بها بعد حين خادمة أو عاملة في معمل أو ورشة للزوج المستثمر. ولا أعتقد أن الشعب الذي لطالما تباهى بأنه الأكثر تعليما بين الأمم سيجرؤ على التشدق بهذه المفاخر، إلا إذا خرج منه فتى بعشرة فتيان، عاشق للعلم ومناطح للجهل، يلتهم الكتب ليتمكن من منافسة أبناء المدارس الأجنبية، التي يعادل قسط الفصل الدراسي فيها الدخلَ السنوي لأسرته.
أعتقد أن فرص العمل الموعودة للفلسطينيين في قطر لا تستحق التفكير فيها، على الرغم من الضنك الذي يثير جنون الشباب وغيرهم من العاطلين عن العمل، ليس فقط لأن ما أشيع عن قيمة الراتب المتدنية لا يستحق الغربة، بل لأن ما قيل عنها يشي بغياب الشروط الإنسانية لحياة العمال. ولا أعتقد كأبٍ لخريجٍ عاطل عن العمل أنني سأشجعه على سفر غير مأمون من أجل حفنة من الدولارات، لن تزيده إلا ذلا.
أعتقد أن الهجرة الطوعية حل واقعي لمن لا يجد في بلده رزقا ولا كرامة ولا أمنا ولا حرية، على أن تكون آخر الحلول وليس أولها لمن كان في عمره بقية، ليتاح له بناء حياة ذات معنى، أو ليعود بعد انتفاء أسباب هجرته. ولا أعتقد أن الهجرة القسرية تحت وطأة خطر الموت الدائم هجرةٌ بالمعنى المألوف، لأنها تتم في لحظة فقدان كل شئ، الأحبة والدار والأشجار، هي أقرب إلى الهروب من الموت إلى المجهول، كمن يقذف بنفسه إلى الأمواج هربا من الموت في سفينة تغرق.
أعتقد أن المفاوضات هي المسار الوحيد المتاح للحالمين بالدولة المستقلة، شرط أن يقبلها أكثر الفلسطينيين ولو كانت على شبر، كما كنا نسمع ونردد واختلفنا عليه، مذ صار لنا ثورة ومنظمة واعتراف عالمي بشرعية قضيتنا. ولا أعتقد أن أحدا منا يختلف على محددات هذه الدولة، وإن اختلف على مسار المفاوضات، التي يدرك الجميع أنها غير مضمونة، لأن الشريك الإسرائيلي يسير في اتجاه معاكس، لا علاقة له بالسلام.
أعتقد أن ما يحدث على الحدود الشرقية والشمالية والغربية (البحر) لقطاع غزة لن ينتهي على خير، كونه مقدمة إسرائيلية تتدحرج بالتسخين إلى حرب أخرى أو ما يشبهها وقد لا يشبهها. ولا أعتقد أن إسرائيل تحتاج إلى ذرائع لشن كبير آخر على غزة، وإن كان ثمة من يرون غير ذلك، لاعتبارات لا يفهمها سواهم!
حتى انت يا ليفني!!!
بقلم: يحيى رباح – الحياة
كل الدلائل والتفاصيل تشير الى ان حكومة نتنياهو تستعد للاحتمال الاقوى، وهو الاعلان عن فشل المفاوضات في نهاية شهر نيسان المقبل, وهذا الاستعداد الاسرائيلي يعود الى سبب جوهري وهو ان حكومة نتنياهو بأقطابها الحاليين غير قادرين على اتخاذ خطوة الحد الادنى، وهي قبول قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية في حدود الرابع من حزيران, كما تقضي بذلك قرارات الشرعية الدولية, وخارطة الطريق التي اعتمدتها الرباعية الدولية ومبادرة السلام العربية ِالتي اعتمدت في مجلس الامن، وهو الامر الذي انطلقت منه الجهود الاميركية والاوروبية والدولية الاخرى التي ادت الى استئناف المفاوضات في الثلاثين من تموز الماضي, دون ان تتقدم هذه المفاوضات المشروطة بتسعة شهور فقط ولو بوصة واحدة، بسبب التعنت الاسرائيلي, وبسبب سلوك هذا الائتلاف القائم حاليا والذي شكله نتنياهو متعمدا ?حيث كان له خيارات اخرى ? حتى يختبئ وراءه عندما يحين الوقت .
ولعل المراقبين لاحظوا ان السلوك الاسرائيلي منذ بداية المفاوضات الحالية كان سلوكا استفزازيا, يهدف الى افقاد الجانب الفلسطيني القدرة على الصبر والتحمل, بحيث ينفجر الوضع ويضطر الجانب الفلسطيني الى الانسحاب، فتعود المعزوفة القديمة الجديدة بتوجيه الاتهامات الى الجانب الفلسطيني.
وكلنا نذكر ان المطالب الدولية والاميركية بوجه خاص من حكومة نتنياهو تضاءلت الى حد الطلب فقط بعدم الاعلان عن مناقصات البناء في المستوطنات كلما جاء كيري الى المنطقة في جولة جديدة !!! ولكن حتى هذا الطلب المتواضع لم تكن حكومة نتنياهو قادرة على تلبيته، واصبحت التهديدات الموجهة الى نتنياهو من متطرفي الليكود عادة مملة.
الاستعداد الاسرائيلي لاعلان فشل المفاوضات ?وكما هي العادة ?يبدأ بتوجيه الاتهامات والتهديدات الى الرئيس ابو مازن بانه ليس شريكا, وانه غير ايجابي، وتصل الى التهديد الشخصي, دون ان يعي أو يفهم وزراء الائتلاف الحكومي الاسرائيلي ان الرئيس ابو مازن استطاع بحنكة غير عادية وبنجاح مشهود ومصداقية عالية, ان يجعل العالم كله يردد مطالبه وثوابته المشروعة, ابتداء من الجمعية العامة التي اعطته قرارا مشهودا في نهاية العام 2012, ودول الاتحاد الاوروبي التي حدثت بينها وبين حكومة نتنياهو استفزازات كثيرة طيلة العام الماضي وبداية هذه السنة, وكل المجموعة الدولية التي تتابع الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وترغب في ايجاد الحلول الحقيقية له.
وتحت غطاء هذه التهديدات فقد ترك الحبل على الغارب لقطعان المستوطنين وحثالات التطرف بقيادة وزراء من الائتلاف وحماية وحدات من الجيش لتفعل ما تشاء.
جون كيري من جهته اخذ وقتا طويلا من اجل ان يصل الى صياغة نهائية للاتفاق على اطار للعمل, ولكن يبدو ان ما تسرب منه، وهو مالا يغفله الفلسطينيون, جعل الاسرائيليين يستفزون ويصعدون سلوكهم السلبي الى حد لا يمكن القبول به, وحتى كيري نفسه لم يسلم من التطاول المهين.
الشيء الخارج عن القواعد المألوفة هو ان تسيبي ليفني وزيرة العدل في ائتلاف نتنياهو والمسؤولة عن فريق التفاوض الاسرائيلي انضمت مؤخرا الى جوقة التهديد والوعيد ضد الرئيس ابو مازن وضد الشعب الفلسطيني, والمفروض ان تكون هي الاخيرة التي تنحدر الى هذا السلوك وهذا دليل على ان الاسرائيليين حزموا امرهم وقرروا ان المفاوضات لم يعد امامها فرصة وبالتالي يلتحق الجميع بعواء الذئاب لتهديد الفلسطينيين وتحميلهم المسؤولية ورغم الشراسة فان هذا يعطي الانطباع ان المأزق عند الجانب الاسرائيلي ليس سهلا, وان الخيارات عندهم ليست مريحة فقرروا هذه الحملة الصاخبة علنا ننكص الى الوراء ولكن هذا لن يحدث ابدا بل القرار الفلسطيني هو دقة الحسابات واتخاذ القرار الشجاع.
ثلاثة معان لحقيقة مؤسفة
بقلم: عدلي صادق – الحياة
يفاجأ من يزور مصر، في هذه الأثناء، أن معظم الرأي العام الشعبي يظهر نفورا من الفلسطينيين، وهذه هي حقيقة مؤسفة لا مراء فيها، إذ يلمسها كل زائر أو عابر. ويتبدى النفور أكثر وضوحا لدى احتكاك الفلسطيني بأي موضع من الجهاز البيروقراطي للدولة. ويصادف الفلسطيني أحيانا، من ينصحة من مصريي الشريحة المسيسة، التي أيدت حركة الجيش بدعم من الشعب، بعدم التأخر ليلا وعدم الاقتراب من البؤر ذات الكثافة الأمنية، لكي لا يساء فهم تأخره أو اقترابه، سواء من الأهالي أو من عناصر الشرطة المتأثرين بهذا المنحى للرأي العام!
وعلى الرغم من كون هذه الحقيقة تبعث على الأسف؛ إلا أنها تدل ضمنياً على ثلاثة معان، ينكرها "الإخوان" والمتعاطفون معهم. الأول أن الدولة ومؤسسة القوات المسلحة، قد ربحت الرأي العام الشعبي، والثاني أن المشاعر الجديدة حيال الفلسطينيين معطوفة على مشاعر أكثر نفورا من "الإخوان" الذين يراهم هذا الرأي العام، مسؤولين عن الإرهاب الذي ما زال يضرب في البلاد، ويوحد الغالبية العظمى من المصريين لمؤازرة الجيش والأمن في حربهما عليه لاجتثاثه. أما المعنى الثالث، فهو يتعلق بالموجة الإعلامية التي اعتلتها عناصر من المدرسة نفسها التي غطت إعلاميا عملية الصلح المنفرد و"كامب ديفيد" وشطحت وأرغت وأزبدت في ذم الشعب الفلسطيني وفي تدبيج الحجج للتنصل من قضيته. وهذه عناصر ليست من جنس قوى التغيير الوطنية الراهنة، التي تريد إعادة الاعتبار للعدالة الاجتماعية وللبعد العربي وأن تؤسس للديمقراطية!
واللافت المحزن، أن عناصر المدرسة المتخففة من أية مدركات سياسية منطقية ومن أي التزام يتعلق بدور مصر في الإقليم أو على الصعيد العربي؛ هي التي طغت، لأن وسائلها التعبيرية الساذجة والمنفلتة، هي الأكثر شيوعا واجتذابا للبسطاء. أما الشرائح المسيسة، التي ناضلت من أجل عودة مصر الى ريادتها وتمسكت بخطابها القومي وبقناعاتها حول القضية الفلسطينية؛ فقد أظهرت ضعفا وانكفاء حتى انها لم تعد تقوى على التنظير أو النطق المضاد. فهي أولا وأخيرا تلتمس لنفسها خطابا متماشيا مع سليقة البسطاء فلا يثقل عليهم بتنظيرات مضادة لهذه الموجة النافرة من الشعب الفلسطيني. وترتسم المفارقة، حينما يستمع الفلسطيني الطبيعي، الى عبارة جارحة، فيها امتعاض من وجوده في مصر أو مروره منها، بينما هو - حكما - لا يؤيد قيام نظام "إخواني" لا في فلسطين ولا مصر، ويشعر بالارتياح لخطوة الجيش وقد أسعدته ملايين المصريين، التي خرجت يوم 30 حزيران (يونيو) للمطالبة برحيل حكم "الإخوان".
لا حاجة في هذا السياق، لشرح جوانب التقصير الفلسطيني المسبق ثم اللاحق، على صعيد التواصل مع الإعلام المصري الخاص، تلافيا لأن تنحدر الأمور الى هذا المستوى كلما وقعت أحداث كبرى. ومن أكثر المفارقات مرارة، أن الفلسطيني تحديدا، في واقع موقفه ومشاعره، لا يمكن أن يتقبل مساسا بأرواح الأشقاء المصريين أو هدرا لدمائهم التي اختلطت بالدم الفلسطيني في معارك الشرف. فعناصر المدرسة المناوئة للفلسطينيين بالجملة، لا تعبر في الواقع عن مواقف رجال الدولة والقائمين على الأمر في هذه المرحلة. فهي مسكونة بالنزعة نفسها التي وجدت طريقها الى افتتاحيات الصحف القومية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات. والغريب أن طيف الزعيم جمال عبد الناصر الذي هوجم بسفاهة في تلك الفترة، كان مرفقا في لغة هؤلاء بالهجوم على الفلسطينيين. أما عند استدعاء طيف الرجل نفسه بالمديح، في هذه الأثناء، فإنه يرفق بالموقف المناوئ لجماعة "الإخوان"، ويخصم عند استدعاء هذا الطيف، موقف جمال عبد الناصر من الشعب الفلسطيني وقضيته، ولا استذكار لمناقبه على هذا الصعيد ولا لمشاعره!
في الأسبوع الأول من كانون الثاني (يناير) 2013 خرج نحو 80% من الشعب الفلسطيني في غزة للاحتفال بذكرى انطلاقة "فتح". ونحو 90% من الرأي العام الفلسطيني بات يعارض حكم "الإخوان" وهذه حقيقة تعلمها "حماس" جيدا، ونتمنى أن يعرف الرأي العام المصري مغزاها، وهو أن الفلسطينيين حلفاء طبيعيون للدولة الوطنية في مصر، ومعارضون للحكم "الإخواني" فيها. لذا، عندما يعامل الفلسطينيون بطريقة مختلفة، ويغلق معبر رفح (وهو منفذهم الوحيد) في وجوههم؛ فإن الإجراء العقابي يطال الحلفاء الطبيعيين لمصر، وهذه نقطة أسمعتها لإخوة وأصدقاء مصريين. ومع كل الاعتراض على الغباء الإعلامي الذي تبديه "حماس" حيال التطورات في مصر ارتهاناً منها لجماعة "الإخوان" فإننا نستغرب هذا التضخيم لدورها على النحو الذي يجعلها في منطق الإعلام المصري الخاص، قوة عظمى تؤثر عميقا في المشهد المصري!
احذروا التهديدات تجاه الرئيس
بهاء رحال – الحياة
احذروا التهديدات تجاه الرئيس فانها جادة وتتصاعد بوتيرة في اوساط حكومة اليمين الاسرائيلي التي يتزعمها بنيامين نتنياهو ولم تعد تقتصر على بعض المتشددين من وزرائه المتطرفين بل انها تعدت اليمين الى الوسط والى يسار الوسط وكلهم بدأوا يتحدثون عنها في اكثر من مناسبة وفي شكل بدا متكررا وذلك بفعل تمسك القيادة الفلسطينية بالثوابت في المفاوضات التي وضعت حكومة الاحتلال في الاختبار الحقيقي لتبرهن للعالم عدم جديتها وعدم استعدادها للاعتراف بالقرارات الدولية التي تنص على المواثيق الدولية لتحقق السلام العادل وفق قرارات مجلس الامن ووفق مبدأ حل الدولتين وعلى هذا الحال عادت اسرائيل الى ممارسة عادتها القديمة في توجيه الاتهامات وغيرها من اساليب استخدمتها في السابق ومن اخطرها تلك التصريحات التي بدأت تعلو حول مطالبتها بضرورة التخلص من الرئيس وايجاد قيادة بديلة تفاوض وفق سياسة الاحتلال التي تريدها، الأمر الذي يفتح الباب امام العودة بالذاكرة الى تلك الفترة التي نادى بها شارون وموفاز ومن معهم في ذلك الوقت حين طالبوا بالتخلص من الشهيد الراحل ياسر عرفات بعد أن وجدوه متمترساً حول الثوابت الوطنية في مفاوضات كامب ديفيد ما أدى في حينها الى تآمر اميركي واسرائيلي عليه حيث التقى موقف بوش الابن مع شارون ونادوا مجتمعين بضرورة التخلص من ياسر عرفات والكل يذكر تماماً تلك المرحلة وما شهدته من حصار طويل ومن تدمير لكل اشكال الحياة، والتصريحات التي نسمعها اليوم بحق الرئيس محمود عباس هي ليست متشابهة فقط بل انها تتماهى تماماً مع تلك التصريحات ومن هنا نجد انها خطيرة جداً وانها تهديد جدي لا يمكن المرور بشكل عابر وعلى الكل الفلسطيني الالتفات لها واخذها على محمل الجد، وليس الفلسطيني فحسب بل والدولي ايضاً وعدم المرور عنها وكأنها شيء عابر، ويجب ان يكون هناك تحرك رسمي وشعبي موحد للمطالبة بمحاكمة هؤلاء على تصريحاتهم المتطرفة والارهابية والتي خرجت للاعلام وشاهدها الجميع واستمع الى تهديداتهم المباشرة والتي كان آخرها قبل يومين من تسيبي ليفني حين حرضت وهددت بشكل مباشر في حال ظل الرئيس متمسكاً بمواقفه على حد قولها، لهذا فان المطلوب من الكل الفلسطيني وعلى اختلاف مواقعهم الرسمية والشعبية والدبلوماسية أخذ هذه التهديدات على محمل الجد ومواجهتها بكل الطرق لأن الرئيس ابومازن اليوم يتمسك بمواقف الاجماع الوطني ويتمسك بالحقوق الثابته للشعب الفلسطيني وبالتالي فان الهجوم عليه يعني الهجوم على الكل الفلسطيني الذي يجب ان يكون بمستوى هذه التهديدات وان يشكل ضمانة حديدية حول الرئيس وان يتخذ كافة وسائل الدفاع والمواجهة اذا لزم الأمر، فلا تنظروا لهذا التهديدات على أنها عابرة وحذاري من التهاون فيها.
راسم الغول
بقلم: عيسى عبد الحفيظ – الحياة
قبيل النكبة بعام واحد وفي قرية العباسية رأى النور طفل فلسطيني، العباسية تلك القرية الفلسطينية التي كافح فيها الشهيد حسن سلامة وصال وجال فيها العرنيط وابو جلدة اللذان حولا عملهما من قطع الطريق الى الكفاح الوطني ضد الانتداب البريطاني والهجمة الاستيطانية الصهيونية.
عاش راسم كغيره من ابناء شعبه مرارة اللجوء في مخيمات الضفة الغربية وفي مخيمات الشتات بعد النكسة عام 1967.
وفي ذلك العام عام النكسة كانت اقصر الطرق الى فلسطين الوطن هي الثورة. فالتحق بحركة فتح في نفس العام معلنا رفضه للهزيمة التي المت بثلاث دول عربية دفعة واحدة، وضاع ما تبقى من وطنه.
لم يتقاعس وكرس كل جهده للثورة، فشارك في معركة الكرامة التي اثبتت ان (السوبر) المسمى جيش الدفاع الاسرائيلي ليس اسطورة، اذا ما جوبه بارادة الثوار الذين قرروا النصر او الشهادة. لم تكتب لراسم الشهادة في معركة الكرامة فأكمل مشواره في جبل الشيخ في صقيع الثلوج والتي كانت اكثر دفئا وحميمية من قمع الانظمة.
وفي عام 1971 اصيب راسم بجرح خطير دفعه للتفكير جديا بالاستفادة من الجرحى حتى لا يبقوا عبئا على الثورة، فبادر الى تشكيل لجنة جرحى الثورة الفلسطينية واخضاع الجرحى الى برنامج تأهيلي يستفيدون منه ويفيدون القضية الوطنية، ومن ذلك الجهاز الذي تم تشكيله انبثقت القوة التنفيذية للثورة حتى باتت من اقوى الاجهزة التي تعتز بها المؤسسة العسكرية لحركة فتح.
وكان من الذين اشرفوا على تنظيم وتعليم العناصر القائد الشهيد ماجد ابو شرار والقائد الشهيد صخر حبش وكان على رأس تلك القوة الشهيد راسم الغول وما لبثت ان انضمت الى قوات الـ 17، واخذت واجبها النضالي على محور المطار في بيروت اثناء الحصار عام 1982.
وعلى مستديرة المطار تعرض راسم لغارة جوية اسرائيلية واصيب بشظية وعند الانسحاب غادر في سفينة الى اليونان لتلقي العلاج ثم الى تونس، حيث تم تعيينه مسؤولا لامن سفارة فلسطين في الامارات العربية المتحدة.
لكن راسم لم يندمج في ذلك العمل المكتبي البعيد عن المواجهة الفعلية، فغادر الى لبنان عام 1986 بناء على تعليمات الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي كلفه بقيادة قوات الـ 17 ليرسي ويثبت قواعد م.ت.ف.
لم يطل به المكوث هناك فقد كانت رصاصات الغدر بانتظاره، اسوة بالشهداء الذين سبقوه في نفس المكان ومن نفس السلاح: يونس عواد، وحسين الهيبي، وابو سليم.
راسم الغول، ابن نكبة وابن نكسة وابن مخيم وابن قضية هذا المشاكس، قبضاي الحارة، اذكره وهو يضع سوارا من الجلد المرصع بالدبابيس المعدنية حول رسغه، عضلات مفتولة، ولا يؤمن الا بالفعل وتنفيذ الاوامر كما هي، نستذكره اليوم وقد شب ابناؤه ليسيروا على نفس الدرب الذي سلكه راسم والذي سيعود حتما الى فلسطين.
راسم هذا الولد الفلسطيني الشقي كانت نوادره لا تنتهي فكل يوم قصة بطلها راسم، حتى الاشكالات الداخلية التي عاشتها حركة فتح في بيروت بين يسار سوفييتي ويسار على الطريقة الصينية ويمين متجذر ويمين وسط ويسار وسط واشتراكي مفتوح وغيرها من تلك التكتلات التي كانت تظهر بين الحين والاخر، الامر الذي لا يتسم بالغرابة ابدا في حركة لم تتبن ايديولوجية فكرية سوى الهدف النهائي الا وهو التحرير حاشدة كل الافكار والتوجهات والايديولوجيات في قوقعة واحدة اسمها فتح، وبرز هذا الصراع الفكري اكثر ما برز في بيروت. لم يكن راسم مفكرا ايديولوجيا وكان يقيس مدى حبه وكراهيته لاي تيار مما يظن ان ابو عمار يميل اليه، وهذا كان اشكال راسم فابو عمار يريد ان يحشد الجميع وان تستفيد الثورة من كل التوجهات، لذا فان راسم الذي تندر على اليسار بقوله: «اذا امطرت في موسكو حملوا المظلات في بيروت» كان هو نفسه على استعداد للتضحية من اجل اي فلسطيني في الساحة اللبنانية، كما علمه القائد الراحل ياسر عرفات وكما تتلمذ على افكار القائد الراحل صخر حبش.
الرحمة لشهدائنا وانها لثورة حتى النصر.


رد مع اقتباس