تحريض سافر واستيطان !!
بقلم: حديث القدس – القدس
من يفاوض من في "جنيف 2"؟!
بقلم: عريب الرنتاوي – القدس
معادلة.. "الخلل الاخلاقي" !!
بقلم: حمدي فراج – القدس
بين كيري وقدسنا بندقية
بقلم: المحامي جواد بولس – القدس
تحذيرات كيري .... هل تجد آذانا صاغية؟
بقلم: المحامي راجح أبو عصب – القدس
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image007.jpg[/IMG]
تعقيب على تعقيب التعقيب؟
بقلم: حسن البطل – الايام
"المقاطعة" سلاح أوروبي نرحب به دون أن نستغله
بقلم: عبد الناصر النجار – الايام
عن مصر وموضوع الاتهامات لـ "حماس" و"حزب الله"
بقلم: حسين حجازي – الايام
الهدف الآن ... استمرار المفاوضات
بقلم: صـــادق الــشــافـعـي – الايام
الوطن وقضاياه بحاجة للجدية والاجتهاد
بقلم: صلاح هنية – الايام
عـــــــون
بقلم: رامي مهداوي – الايام
عن مـوســم الهجرة إلى قطر
بقلم: آصف قزموز – الايام
طـــابـــور خـامــس
بقلم: وليد بطراوي – الايام
ذكـــريـــات ثـــانــيـــة
بقلم: وليد ابو بكر – الايام
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image009.jpg[/IMG]
تغريدة الصباح - احمرار الأخضر
بقلم: عدلي صادق - الحياة
ليفني تتقمص دور البلطجي!
عادل عبد الرحمن – الحياة
الحفاظ على المرجعية!
بقلم: يحيى رباح – الحياة
“القنبلة الديموغرافية” و“يهودية الدولة”
بقلم: د. اسعد عبد الرحمن – الحياة
"تسيبي" اصعب من "بينت"
بقلم: عادل شديد – الحياة - باحث في الشان الاسرائيلي
تحريض سافر واستيطان !!
بقلم: حديث القدس – القدس
تواصل الحكومة اليمينية الاسرائيلية حملة تحريض سافرة ضد الرئيس محمود عباس وضد الشعب الفلسيني باطلاق مزاعم وافتراءات باطلة من قبل اقطابها بدءا من رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ووزير دفاعه موشيه يعلون ووصولا الى وزراء وقادة احزاب في ائتلافه المتطرف اضافة الى اعضاء كنيست في محاولة لقلب الحقائق وخلط الاوراق والتهرب من استحقاقات ايجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية بسد الطريق امام جهود السلام التي يقودها وزير الخارجية الاميركي جون كيري، الذي لم ينج هو الآخر من التحريض ووصفه بالهلوسة واللاسامية لا لشيء سوى انه يريد عرض مقترحات لاتفاق اطار لا تنسجم واطماع الاحتلال والتوسع والاستيطان التي تجسدها هذه الحكومة الاسرائيلية.
هذه الغطرسة الاسرائيلية وهذه الأفترادات الكاذبة وتصوير الفلسطينيين على انهم وحوش آدمية وتصوير الدولة الفلسطينية العتيدة بالخطر الذي سيتهدد اسرائيل ومستوطنيها وتصوير الرئيس عباس على انه لا يمكن ان يكون شريكا في صنع السلام ..الخ من المزاعم يطلقها عتاة المتطرفين من حزب الليكود الحاكم وشركائه في الأتلاف ويطلقها قائد المؤسسة العسكرية الاسرائيلية يعلون واعضاء كنيست، يمثلون جميعا الاحتلال غير المشروع بكل بشاعته والاستيطان غير المشروع ويقفون موقفا مناهضا للسلام وللقانون الدولي ولهذا الاجماع العالمي المؤيد للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وهو ما يعني أننا امام قيادة اسرائيلية لا توجد في موقع اخلاقي يتيح لها توجيه النقد للآخرين بل هي في الدرك الاسفل من مناهضة الشرعية الدولية وحقوق الانسان وتنتمي الى عقلية الاحتلال والتوسع على حساب الآخرين.
إن ما يجب ان يقال هنا لنتانياهو وشريكه نفتالي بينيت زعيم الحزب المتطرف "البيت اليهودي" وليعلون وغيرهم، أن القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني ليسا بحاجة الى شهاداتهم الباطلة بعد ان بانت اسرائيل بقياتهم معزولة على الساحة الدولية بعد ان فشلتا في احباط الاعتراف بفلسطين دولة تحت الاحتلال وبعد ان توالت حملات المقاطعة للشركات والمؤسسات الاسرائيلية في اوروبا واميركا وبعد ان ادان المجتمع الدولي بأسره ممارسات الاحتلال خاصة الاستيطان. وبعد ان شهد العالم اجمع بما في ذلك اميركا حليفة اسرائيل على مصداقية الموقف الفلسطيني وجدية القيادة الفلسطينية في صنع السلام.
واذا اعتقد كل هؤلاء ان غوغائيتهم هذه ولجوئهم لمزاعم الاتهام والتشويه ستحرف الانظار عما يمارسونه من استيطان غير مشروع وتهويد وما تنفذونه من سياسة تمييز عنصري فإنهم يخطئون خطأ جسيما ويكفي ان يتذكروا التحزيرات التي يطلقها بعض رجال الفكر في اسرائيل وبعض اصدقائهم في العالم من العزلة الدولية ومن الثمن الباهظ الذي ستدفعه اسرائيل اذا واصلت هذا النهج، كي يدركوا تماما مدى جسامة المواقف والممارسات التي يتبنونها.
والغريب العجيب ان توجه اسرائيل هذه المرة سهامها ايضا الى ولي نعمتها الولايات المتحدة الاميركية التي باتت تدرك مخاطر استمرار غض الطرف عما ترتكبه اسرائيل وعما تتبناه من مواقف فتحاول عبر جهود السلام إقامة نوع من التوازن رغم ان مواقفها لم ترتق بعد الى الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية ورغم ان وزير خارجية اسرائيل وصف "مقترحات" كيري بأنها الأفضل لاسرائيل.
لذلك نقول ان هذه الهستيريا الاسرائيلية وهذه الهلوسة وهذه اللاسامية الحقيقية التي يجسدها هذا النهج الاحتلالي الاسرائيلي ورموزه يجب ان تواجه بشكل جاد وصارم من قبل المجتمع الدولي ومن قبل الولايات المتحدة تحديدا، ومن غير المعقول ولا المقبول ان تتواصل المفاوضات فيما ترتكب اسرائيل هذا الكم الهائل من الانتهاكات والتحريض السافر في الوقت الذي يجب ان تحاسب فيه وتعاقب على انتهاكاتها للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية وفي الوقت الذي يدرك فيه العالم اجمع ان دعاة تكريس الاحتلال والاستيطان وانتهاك حقوق الانسان وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة ليسوا في موقع اخلاقي يتيح لهم كل هذه الغطرسة، بل الأجدر بهم ان يصمتوا وان يخضعوا لإرادة المجتمع الدولي.
من يفاوض من في "جنيف 2"؟!
بقلم: عريب الرنتاوي – القدس
لم نأخذ على محمل الجد، حكاية "الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري"، فالائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية، أخفق في توفير مظلة جامعة للمعارضات السورية على تعددها، ووفده إلى جنيف 2" لا يمثل اكثر من 45 بالمائة من قوى الائتلاف، بعد أن انسحبت منه 67 شخصية سورية معارضة، بعضها لصراع على السلطة (44 عضو محسوبين على دولة خليجية صغيرة) وبعضها الآخر، لأسباب سياسية تتصل أساساً بالموقف من المؤتمر المذكور (23 عضواً) هم كامل حصة المجلس الوطني السوري المعارض، أما «إخوان سوريا» المسلمون، فقد تموضعوا في الخانتين، لهم حصة مع المقاطعين للمؤتمر ولهم حصة مع المشاركين فيه.
في المعلومات المتوافرة عن مجريات مونترو و"جنيف 2"، أن الوفد التفاوضي، كاد ينشق على نفسه حين غادره رئيسه أحمد الجربا، حول من سيقود وفد الائتلاف إلى المفاوضات قبالة وفد النظام، وكانت التسوية باختيار هادي البحرة رئيساً، وهو ما حدا بكل "كبار" الوفد السوري المفاوض للاستنكاف عن المشاركة في مفاوضات الغرفة الواحدة والغرفتين المنفصلتين تاركين رئاسة وفد الحكومة لسفير سوريا في الأمم المتحدة الدكتور بشار الجعفري، وهو أمر أضعف من مستوى وسوية المحادثات.
وفي المعلومات أيضا أن السفير الأمريكي إلى سوريا روبرت فورد، وعددا من سفراء مجموعة "أصدقاء سوريا"، يتابعون عن كثب شؤون المفاوضات، ويتولون بأنفسهم إدارة الوفد السوري المعارض، بل ويتحكمون بقراراته وأولوياته، فبعد حديث الجربا عن مهمة المؤتمر الوحيدة: نقل السلطة، رأينا المفاوضات تنتقل إلى حمص والسجناء والمساعدات الإنسانية، بخلاف ما كان يرفضه الوفد، ودائماً بطلب من واشنطن وتوجيه من سفيرها، وكان حريٌ بهؤلاء أن يجلسوا على المائدة مباشرة قبالة وفد النظام، بدل إدارة المفاوضات من خلف ستار.
الائتلاف في الأصل، إطار مصطنع، أنشأته وتحكمت بموازين القوى في داخله، واتخذت قراراته نيابة عنه، حفنة من الدول المؤثر والوازنة عربياً وإقليمياً ودوليا: وهنا نتحدث بالحصر عن دولتين عربيتين اثنتين، ودولة إقليمية واحدة (تركيا) فضلاَ عن فرنسا والولايات المتحدة، ومن يدقق في أسماء أعضاء الائتلاف، وعمليات الصراع على هيئاته القيادية وانتخاباته الداخلية، يستطيع أن يلحظ حجم ووزن كل دولة من هذه الدول في تركيبة الائتلاف وآليات صنع القرار ورسم السياسة فيه.
وثمة طيف واسع من المعارضات السورية، لم يجلس على مائدة "جنيف 2"، وكثير من هذه المعارضات، له حجم ووزن وتمثيل، يعادل الائتلاف أو يزيد عنه، لكن الإرادة الإقليمية والدولية، تريد حصر تمثيل المعارضة بالائتلاف، للأسباب المعروفة، والتي تتجلى أساساً في سعيها لفرض نفوذها في النظام السياسي السوري الجديد، خدمة لأجندات إقليمية من جهة وطمعاً في مد النفوذ والسيطرة على مقدرات سوريا الظاهرة والكامنة من جهة ثانية.
والمضحك / المبكي، أن وفد عدم التمثيل والنفوذ والصلاحيات، مطلوب منه إتمام تسويات وترتيبات، تتصل بوقف إطلاق نار وهو لا يمتلك نفوذا على المقاتلين، وإطلاح سراح المعتقلين وليس لديه فكرة كافية عنهم، وتوصيل المساعدات الإنسانية، وهو يتصرف بمنطق عدائي لسوريين تحت الحصار في عدة مناطق محسوبة على النظام من وجهة نظر الفريق المفاوض، والتأسيس لنظام سياسي يجمع السوريين جميعاً، وهو الأعجز عن حفظ مكوناته، دع عنك تمثيل بقية ألوان الطيف السوري المعارض، في تذكير لنا جميعاً بأن فاقد الشيء لا يعطيه.
وبقليل من المصارحة نختتم، أن وفداً وائتلافاً يخضع لكل هذه التجاذبات والإملاءات، فاقد لقراره وإرادته، لا يمكن أن يكون مؤهلاً لقيادة سوريا، وصوغ مرحلة انتقال نحو ضفاف الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
معادلة.. "الخلل الاخلاقي" !!
بقلم: حمدي فراج – القدس
في تفاصيل الخلاف بين نتنياهو وبين وزير اقتصاده من على يمينه نفتالي بينت زعيم البيت اليهودي المتشدد ، يجدر بنا ان نقرأ الاسطر وما بين الأسطر ، فلقد عاب بانيت على نتنياهو تصريحاته بشأن ابقاء مستوطنين في الدولة الفلسطينية ، بعبارات كبيرة وقاسية تعكس جيدا شخصية كريهة من التاريخ الكريه ، مثل عبارة "نسلنا لن يصفح عن زعيم يسلم بلادنا ويقسم عاصمتنا" ، لاحظوا مفردة "نسلنا" .
نتنياهو ، الذي لم يعد زعيما غضا مثل بينيت ، فهو معروف في الاوساط السياسية ، وهو الذي خلف شارون في زعامة الليكود ، وتمكن من تفويز هذا الحزب عدة مرات حتى بعد ان عرضّه شارون للانشقاق وتفريخ حزب كاديما ، غضب غضبا شديدا من بينت وطالبه بالاعتذار العلني خلال ساعات ، للدرجة التي فوجيء بها مراقبون ان ينزل الوزير بينيت المعروف بمناصرته للمستوطنين وبالتحديد العتاة منهم ، بهذه السرعة ويقدم الاعتذار .
نتنياهو لم يغضب من تصريحات وزيره التي تسيء للشعب الفلسطيني قبل اي طرف آخر ، عندما قال : ان مستوطنيه سيتم سفك دمهم في ظل الدولة الفلسطينية . غضب نتنياهو كان لسبب آخر بعيد كل البعد عما ذكر وهو انه كان يريد بتصريحه ذاك ان يكشف كيف ان الفلسطينيين سيرفضون المقترح وبالتالي انهم يرفضون السلام . ولهذا جاء في بيان مكتبه ادانة تهور بينيت في "تعريض المصالح الوطنية للخطر بما يضر بالجهود الرامية إلى الكشف عن الوجه الحقيقي للسلطة الفلسطينية " ، وكأن السلام الموعود الذي نقف عند عتباته يتقدمنا وزير خارجية امريكا جون كيري بخطواته العريضة ومقاس قدمه الكبير ، يضعنا كفلسطينيين في مصب الهجمات بين المتنافسين الاسرائيليين ، فحين يرانا هذا قتلة وسفاحين ، يريد ذاك كشف وجهنا الحقيقي من ابقاء مستوطنين تحت حكمنا .
لم يعرف بينيت ، لا عبر ثقافة اجداده ، ولا عبر ما يمرره لنسله ، وفق تعبيره العنصري ، اننا شعب نحرص على الحياة اكثر من اي شيء آخر ، نقدسها لنا ولغيرنا ، وان العرق والجنس والدين هي مقومات لشعبنا وتنوعه على مدار تاريخه الطويل ، هل سأل بينيت نفسه كيف حافظنا على قبر جدته راحيل رغم كل ما قيل عن سلوكها ، حتى احتلال جيشه عام 1967 ، وبدلا من ان يشكرنا قام باقتلاع المنطقة بكاملها لكي يصادر القبر . ترى هل سيحافظ بينيت او نتنياهو او بيرس عليه اكثر مما حافظنا ، وهو بيريس ، الذي حين ادان تصريحات بينيت ادانها بدوره من باب انهم اقوياء "ما هذا الخوف الذي ينتابنا؟ سيقتلون يهود؟ اليوم؟ كان ينبغي أن يكون مثل هذا الخوف في العام 1948 عندما لم يكن بحوزتنا أي مدفع أو دبابة أو طائرة مقابل سبعة جيوش ؟" انتهى الاقتباس .
بين كيري وقدسنا بندقية
بقلم: المحامي جواد بولس – القدس
كثرت في الآونة الأخيرة التسريبات حول ما سيعرضه جون كيري على الفلسطينيين والإسرائيليين وما أصبح يعرف بخطة "كيري" لحل النزاع. آخر هذه التفاصيل ورد بمقالة كتبها "توماس فريدمان" في النيويورك - تايمز وفيها استعرض، يوم الأربعاء الماضي، جوهر نقاط خطة كيري النهائية. ربما ستكون تفاصيل فريدمان الأقرب للحقيقة وربما لا، أمّا الواقع فسيتكشف في المستقبل البعيد القريب ومنه سنتعلم، مرّةً أخرى، أن ما عرض في النهاية على الفلسطينيين كخطة أمريكية ناجزة هي بالحقيقة "خطّة" كان قد اطّلع عليها الإسرائيليون كخربشة، فمسودّة، فوثيقة فجّة، فمقترح متكامل جاهز، ووضعوا عليها في كل تلك المراحل ملاحظاتهم وتحفظاتهم التي لم تقبل كلّها، مع أن الجانب الأمريكي عاملها بمراعاة قصوى وقدر كبير من الاحترام والتفهم.
من لا يقرّ بما طرأ من تغيير على علاقات أمريكا وإسرائيل منذ أيلول (2001) والعملية الإرهابية التي أسقطت البرجين التوأم وآلاف الضحايا الأمريكيين، لن يستطيع مجاراة وتفكيك طلاسم الديبلوماسية الأمريكية ودوافعها، خصوصًا فيما يتعلق بالشرق الأوسط. من سيختصر ويوقف دوافع أمريكا، بالرغم من أهمية الادعاء والتوصيف، على ذلك الحلف الخبيث بين الحركة الصهيونية المتنفّذة في المجتمع الأمريكي والممسكة بمفاصل حياته الاقتصادية والثقافية وبين تلك التيارات المسيحية المتصهينة، لن يهتدي إلى ما يسعفه من منافذ وحجج بواسطتها قد تصير أمريكا راعيًا صالحًا وليس كما هي عليه اليوم.
ما حدث كان انقلابًا صارخًا على ما ساد من مبادئ ومفاهيم تحكمت بكيفية التعاطي مع قضايا النزاع العربي الإسرائيلي وخصوصًا الفلسطيني. كانت القاعدة والفرضية تنصّان على أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية هو مصدر جميع القلاقل وهو يؤدي إلى جميع أعمال العنف والإرهاب لما يسببه من مهانة تسبب الكراهية والغضب وهذه هي أم كل تداعيات العنف والقتال.
في عهد بوش وتحديدًا منذ العام 2002، انقلبت أمريكا على هذه المفاهيم حين تبنّت، بشكل واضح وقاطع، ما طرحته حكومة شارون وصرّحت به دومًا: "لا مفاوضات مع الإرهاب". شعار لم يرفع ولم يقبل حتى في زمن حكومة رابين وغيرها، فصار منذ ذلك العام مطلبًا أمريكيًا ومن ثم نال إجماع "الرباعية" وأكثر.
كانت هذه البدايات التي أنجبت "خريطة الطريق"، ولأول مرّة تم ربط أي تقدم باتجاه حل قضية فلسطين بوقف كل أعمال العنف والإرهاب، كما يعرفها الجانب الإسرائيلي والأمريكي كذلك. ثم جاء الشرط المستحدث الثاني الموجب تسيير أعمال السلطة الفلسطينية وفقًا لقواعد الحكم الرشيد والشفافية الأمريكية، وما عناه ويعنيه ذلك من توابع. لقد كان الأهم من هذا وذاك إلغاء حتمية جدولة كل خطة وبرنامج بأوقات وسقوف زمنية، فالتقدم من مرحلة إلى مرحلة لم يعد منوطًا بيوم، بشهر وبسنة، بل بإنجاز ما تقدم من شرط ومطلب، وكان تقييم الأداء الفلسطيني تعجيزيًا على الغالب.
إلى ذلك، فمن يتابع ما كتبه إسرائيليون واكبوا هذه الحقبة، وكانوا شركاء فاعلين يستطيع أن يستشف الكثير من الدروس والعبر التي قد تساعد على فهم ما يجري في هذه الأيام. فعلى الرغم من ارتياح شارون والقيادة الإسرائيلية للموقف الأمريكي الجديد، بدا لهم واضحًا أن الموافقة الإسرائيلية على خريطة الطريق الأمريكية، وعلى الرغم ممّا أتبعته الحكومة الإسرائيلية لها من تحفظات، تعني أيضًا الموافقة "الشارونية" على حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. افترض كثيرون أن شارون وحكومته اليمينية وافقا على ذلك وكانوا على يقين أن استحقاق إقامة الدولة الفلسطينية سيبقى فرضية نظرية تائهة على طريق ضاعت خريطته، علمًا بأن "دوف فايسجلاس" وهو أقرب مساعديه في تلك التجربة، لا يجزم في كتابه الجديد عن شارون، بأن هذا هو الدافع السياسي الوحيد لموافقة شارون على حل الدولتين.
في جميع الأحوال، احترمت القيادة الفلسطينية، ممثلة في منظمة التحرير، ما وافقت عليه من التزامات وهكذا فعلت الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، ثم جاء موقف حركة المقاومة الفلسطينية "حماس" ومعها الفصائل الفاعلة في غزة والتزمت بدورها ولأسبابها بالتهدئة وإن كانت هذه على مراحل وتقطعات.
على هذه الخلفية وعلى إثر استشعار وتائر الخيبة والغضب الدفين في فلسطين وعلى ضوء ما يجري في العالم العربي، وهو عامل كان له كبير الأثر على مواقف أمريكا تجاه القضية الفلسطينية وتحديد مفهوم "ألمصالح الأمريكية في المنطقة"، جاءت تحركات كيري ومبادرته.
لست في معرض تبرير أي سياسة أو نهج فلسطيني رسمي أو غياب نهج أخر، فأنا أعيش بين شعبي وأتابع ما يجري حولي في الدول الشقيقة و"الحبيبة" وأقرأ بين سطور ما يتيحه هامش النشر الإسرائيلي، ومن كل هذا أتعلم وأعبر هنا عن وجهة نظر قابلة للنقاش، فما سرّبه توماس فريدمان وما رشح من قبل، لا يفي بما اصطلح على تسميته بالثوابت الفلسطينية ولكن إذا كان الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة بحدود حزيران 67وإذا عاد الأمريكيون إلى نظام الجدولة الزمنية والمقاييس ولاستحقاقات حسبها الإسرائيليون أنها ستبقى رابعة لمستحيلات ثلاثة فهل سيصبح ما أعلنه نتنياهو مؤخرًا عن عدم ضرورة موافقة إسرائيل على كل ما يطرحه الجانب الأمريكي "ضغث" يضاف الى "إبّالة" وزير الدفاع يعلون الذي وصف كيري ب"المهلوس الاستحواذي الحالم المسيحاني"؟ أما هكذا يبرعم طلاق حتى في أحسن العائلات؟ مجرد فكرة أو أمل!
تحذيرات كيري .... هل تجد آذانا صاغية؟
بقلم: المحامي راجح أبو عصب – القدس
في كلمته أمام المنتدى الاقتصادي في دافوس يوم الجمعة قبل الماضية تحدث وزير الخارجية الأميركي مطولا عن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي حيث حذر من أنه إذا أخفقت محاولاته الرامية لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين فإنه سيكون من الصعب على إسرائيل أن تحافظ على مستقبلها كدولة ديمقراطية ويهودية، وشدد على أن الوضع لا يمكن أن يستمر للأبد، وفي الوقت ذاته وجه كيري تحذيرا للفلسطينيين بأنهم يجازفون بفرصتهم الأخيرة للحصول على الدولة المستقلة.
والواقع أن كيري أصاب في تحذيره للإسرائيليين وفي الوقت عينه جانبه الصواب في توجيه التحذير للجانب الفلسطيني، وذلك لأن كيري يعلم من هو الجانب الذي يعرقل سير المفاوضات ويحول دون وصولها الى محطتها الرئيسية التي تتمثل في انسحاب اسرائيل الى حدود الرابع من حزيران عام 1967، ومن ثم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الأراضي الفلسطينية، وهو إذ يساوي في تحذيره بين الفلسطينيين والإسرائيليين يجافي الحقيقة ويظلم الجانب المظلوم.
إن الوزير كيري والعالم كله يعرف أن القيادة الفلسطينية صادقة كل الصدق في توجهها نحو تحقيق سلام عادل وشامل ينهي الصراع ويفتح صفحة جديدة من الأمن والأمان. والرئيس محمود عباس أكد منذ اللحظة الأولى لتسلمه السلطة أن الفلسطينيين قيادة وشعبا اختاروا السلام خياراً استراتيجيا، وأنهم يسعون صادقين الى تحقيقه بالوسائل السلمية البعيدة كل البعد عن العنف والقتل وسفك الدماء. ومن هذا المنطلق فإن الرئيس عباس استجاب لكل المبادرات خاصة الأميركية منها الساعية إلى تحقيق السلام، ولذلك دخل في مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، وقد تم التوصل الى تفاهمات كبيرة في هذا المجال مع حكومة إيهود أولمرت السابقة، ولكن ما أن تولى نتنياهو رئاسة الحكومة الإسرائيلية خلفاً لأولمرت حتى ألغى كل تلك التفاهمات وأصر على العودة إلى المربع الأول وإلى نقطة الصفر، واتخذ من المفاوضات سبيلا لمواصلة سياسة حكومته حيث اختار الإستيطان والتوسع على تحقيق السلام مع الجانب الفلسطيني.
وفي سبيل التهرب من التزامات الحكومات الإسرائيلية السابقة تجاه عملية السلام فإن رئيس الوزراء بيبي نتنياهو يضع شروطا تعجيزية أمام الجانب الفلسطيني وذلك سعيا منه لتأخير عملية السلام، من ذلك إصراره على اعتراف الجانب الفلسطيني بيهودية الدولة العبرية ورفضه الإعتراف بحدود الرابع من حزيران عام 1967، وإصراره على التواجد الإسرائيلي في منطقة الأغوار.
وفي الوقت عينه فإن نتنياهو يستغل المفاوضات مع الجانب الفلسطيني لكسب الوقت وبناء المزيد من المستوطنات في الأراضي الفلسطينية، تنفيذاً لسياسة الأمر الواقع والتي تعد مناقضة لقرارات الشرعية الدولية التي ترفض سياسة الأمر الواقع، كما ترفض ضم أراضي الغير بالقوة. وقد أبدى الوزير كيري أكثر من مرة رفضه لسياسة الاستيطان وتساءل مستنكراً لماذا تبني إسرائيل مستوطنات في أراض ستكون جزءا من الدولة الفلسطينية؟
وقد نبه الوزير كيري في كلمته تلك أمام مؤتمر دافوس إسرائيل إلى أن استمرار الوضع الراهن لا يمكن أن يستمر للأبد، وحذرها من "الديناميكية الديمغرافية" حيث أن إصرار إسرائيل على الاستمرار في السيطرة على الأراضي الفلسطينية ورفضها قيام الدولة الفلسطينية سيجعلها دولة ثنائية القومية، وخلال فترة وجيزة سيصبح العرب الفلسطينيون أكثرية في هذه الدولة وهذا ما يحذر منه العديد من القادة والزعماء الإسرائيليين وخاصة مسؤولين أمنيين سابقين.
وقد طرح الوزير كيري عدداً من المبادئ الأميركية لحل القضايا الجوهرية وتتمثل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة تكون دولة الفلسطينيين في أي مكان تواجدوا فيه وتكون مرجعا لكل الفلسطينيين في الوطن والشتات والمهجر، وفي ترتيبات أمنية إسرائيلية تجعل الدولة العبرية أكثر أمنا، والواقع أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة هو السبيل الوحيد لتحقيق الأمن لإسرائيل، لأن من شأن قيام تلك الدولة إنهاء الصراع المستمر منذ أكثر من ستة عقود وإحلال عهد جديد من السلام العادل والشامل.
ومن المبادئ التي طرحها الوزير كيري أيضا لتحقيق السلام انسحاب اسرائيلي كامل من الأراضي الفلسطينية وعلى مراحل، وحل عادل ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، والواقع أن مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت العربية في عام 2002 تعرضت لهذه المشكلة ووضعت الحل المناسب لها، كما أن الرئيس محمود عباس في خطاب له مؤخرا تعرض الى هذه القضية قضية اللاجئين، وقال إن حق العودة حق شخصي فمن أراد ذلك فله الحق في ذلك، ومن أراد التعويض أو غيره فله ذلك.
أما مقترح الوزير كيري باعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة العبرية، فهو أمر يرفضه الفلسطينيون بشدة لأنه يعني أولا طرد مئات الآلاف من أبناء شعبنا الذين بقوا في اسرائيل عام 1948، كما أنه يعني اسقاط حق العودة لمن يريده من اللاجئين الفلسطينيين.
إن ما يطالب به الجانب الفلسطيني لتحقيق السلام إنما يتناغم وينسجم مع قرارات الشرعية الدولية التي تؤكد أن من حق أي شعب في العالم أن تكون له دولته المستقلة ذات السيادة الكاملة على جوها وبرها وبحرها، وأن يحكم الشعب الفلسطيني نفسه بنفسه، وأن تكون له أرضه الخاصة به ووطنه الخاص الذي يقيم عليه دولته، إن مطالبة الجانب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة في الأراضي الفلسطينية الموجودة قبل حرب حزيران عام 1967 أقرته الشرعية الدولية وخطة خريطة الطريق والمبادرة العربية ورؤية حل الدولتين الأميركية.
إن الشعب الفلسطيني يريد السلام الحقيقي العادل والشامل ويريد أن تكون القدس الشرقية عاصمته ولا يريد بديلا عنها، ولن يقبل أن تكون أبو ديس أو العيزرية أو شعفاط بديلا عنها بل هي جزء منها التي تشرف على البلدة القديمة وأحياء الطور وسلوان والعيسوية وجبل المكبر والسواحرة وحي الثوري والطور وشعفاط وبيت حنينا والضاحية. هذه هي التي يعترف بها العالم كما كانت قبل حرب الخامس من حزيران عام 1967.
فالقدس هي مفتاح السلام وستكون كما أكد الرئيس محمود عباس أكثر من مرة مدينة مفتوحة أمام الجميع يصلون إليها بحرية يؤدون شعائرهم الدينية في أماكنهم المقدسة بكل حرية وأريحية، وأنها لن تعود مدينة مقسمة تفصلها الأسوار والجدران كما كانت قبل الخامس من حزيران عام 1967.
وقد أكد الوزير كيري في كلمته أمام مؤتمر دافوس الاقتصادي أن السلام مع الفلسطينيين سيجعل إسرائيل قوية، وقد أصاب في ذلك كبد الحقيقة لأن السلام مع الفلسطينيين سيفتح أبواب العواصم العربية والإسلامية أمام إسرائيل، كما أوضحت مبادرة السلام العربية التي قالت أنه في حال تحقيق السلام العادل والشامل وإقامة الدولة الفلسطينية، فإن الدول العربية والاسلامية مجتمعة ستنهي حالة العداء مع إسرائيل وستقوم بتطبيع علاقاتها معها، وستفتح لها سفارات في عواصم تلك الدول.
أن السيطرة على أراضي الغير لا يحقق الأمن لإسرائيل خاصة وأن التكنولوجيا الحديثة كما قال الوزير كيري في خطابه يمكن أن تساهم بشكل كبير في تحقيق الأمن لإسرائيل، وقد أكد عدد من القادة العسكريين الإسرائيليين والأمنيين السابقين أنه في عصر الصواريخ البعيدة المدى لم يعد هناك أهمية لاستمرار إسرائيل في السيطرة على أراض فلسطينية، كما أنهم أعلنوا أن إسرائيل يمكنها التخلي عن منطقة الأغوار دون أن يشكل ذلك تهديداً لأمنها. وأكد الوزير كيري أنه من خلال التنسيق مع الجانب الأردني يمكن أن يقيم الفلسطينيون والإسرائيليون أكثر حدود آمنة في العالم.
وقد أثبتت السلطة الفلسطينية منذ أن تسلم الرئيس عباس رئاستها أنها قادرة كل القدرة على ضبط الأمن ومنع أية محاولة من أي جهة لتعكيرصفو هذا الأمن، بحيث غدت أراضي السلطة الفلسطينية من أكثر المناطق العربية أمانا في كافة الدول العربية، حيث نرى أن الكثير من الدول العربية تشهد حالة من عدم الإستقرار الأمني وعمليات إرهابية، بينما الأرض الفلسطينية لا تشهد شيئا من ذلك.
إن على الوزير كيري أن يترجم تحذيراته إلى الجانب الإسرائيلي على أرض الواقع وأن يضغط على الحكومة الاسرائيلية لتقوم بالوفاء بما التزمت به الحكومات التي سبقتها منذ عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين الذي وقع مع منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو عام 1993 والذي نص على أنه خلال خمسة أعوام سيتم بحث قضايا الحل النهائي، ولكن اغتيال متطرف إسرائيلي يميني لرابين عرقل هذه المسيرة. كما أن رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت توصل مع القيادة الفلسطينية إلى تفاهمات كبيرة حول تحقيق السلام وخاصة حول القضايا الجوهرية. ولو سار نتنياهو على خطى أولمرت والتزم بتلك التفاهمات لأمكن تحقيق تقدم عريض في طريق تحقيق السلام.
إن الجانب الأميركي يستطيع إن أراد أن يلزم الحكومة الإسرائيلية بالوفاء بالتزاماتها وتعهداتها تجاه عملية السلام. وقد ثبت أن تلك الحكومة لا تستطيع معاندة الجانب الأميركي. فعندما هاجم وزير الأمن الإسرائيلي موشيه يعلون مؤخرا خطة كيري للسلام ووصفها بأنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به، وبخه كيري وأرغم نتنياهو وزيره يعلون على الإعتذار لكيري، وقد فعل.
إن تحذيرات كيري يجب أن تجد آذانا صاغية لدى الجانب الإسرائيلي المسؤول الأول عن تأخرعملية السلام. والعالم كله يؤيد جهود كيري لتحقيق السلام.وقد أكدت مصادر دبلوماسية غربية مؤخرا أن الأسابيع القادمة ستشهد جولات لقيادات غربية بهدف دعم جهود كيري لتحقيق السلام، من ذلك ان رئيسة وزراء ألمانيا انجيلا ميركل ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كميرون سيزوران المنطقة لدعم جهود كيري لتحقيق السلام. ونأمل أن يشكل ذلك دفعة قوية لتحقيق هذا السلام المنشود.
تعقيب على تعقيب التعقيب؟
بقلم: حسن البطل – الايام
السبت المنصرم، نشرتُ في هذا "العمود" فحوى وبعض متن مقالة بحثية للاستاذ - الباحث والمؤرخ صبري جريس، حول اقتراحاته لحل مشكلة الاستيطان اليهودي.
ذكرتُ، في التقديم، أنه كان رئيساً لمركز الأبحاث - م.ت.ف. مدير تحرير "شؤون فلسطينية" - قبرصية الإصدار، الزميل محمود الخطيب، لم يأخذ مأخذاً سوى على كلمة "رئيس" وكتب تعقيباً، نشرته يوم الأحد المنصرم، بأن هذا "تزوير" وافتراء، مصادرة جهود الآخرين.
جرياً على تقليد حق الرد (على الرد) مهنياً قام الأستاذ صبري بإرسال التوضيح التالي، تعقيباً على تعقيب السيدة روز شوملي ومحمود الخطيب في 26 - 1 - 2014:
* * *
"شؤون فلسطينية" هي مجلة بحثية متخصصة بالقضية الفلسطينية، وضع هيكلها المرحوم الدكتور أنيس صايغ، المدير السابق لمركز الأبحاث، وقد بقيت المجلة ملتزمة بذلك الهيكل خلال كل فترات صدورها وحتى اليوم.
ووفقاً لذلك الهيكل، ضمت أعداد المجلة، دائماً، دراسات او أبحاثا عن القضية الفلسطينية وأهلها، إضافة الى مقالات رأي أحياناً، مع تقارير عن مجالات أو أحداث مختلفة، ثم مراجعات كتب وتوثيق وخلافه.
والواضح من طبيعة هذه المواد أن من يقوم بإعدادها هم من المختصين في مجالاتهم، او ممن لهم خبرة في البحوث والكتابة. وعليه فإن "تحرير" ما كتبوه، وبالتالي "رئاسة" ذلك التحرير، كانت أساساً عملا مكتبيا إدارياً صرفا، لا يمكن اعتباره "خلافاً" ، ولا من يقوم به "مهماً". إذ إن كنه ذلك "التحرير" كان عملياً عبارة عن ضبط المادة وتصحيح لغتها، ثم متابعة الصف والإخراج والطباعة والتجليد وما شابه. وبالتالي توخيت، عند تكليف احدهم بعملية التحرير، ان يتمتع بهذه الصفات فقط. اذ لا حاجة لأكثر من ذلك. فمحتويات المواد، نتيجة لطبيعة المجلة، تقر من قبل كاتبيها وليس "رئيس التحرير". وهذا هو بيت القصيد.
وفي حال الخلاف بين الكاتب ومن يتولى عملية التحرير، حول مادة ما، يحال الأمر لمدير المركز للبت فيه، والذي يميل عامة الى مراعاة خاطر الكاتب.
فمم يشكو محمود الخطيب؟ وأي جهد له هو الذي سُرق؟ لا أتذكر انه نشر مرة دراسة أو بحثاً أو مقالة رأي في المجلة؛ بل قام بعمل إداري مكتبي صرف، بصفته موظفاً في المركز. فما الذي يؤلمه، خصوصا وان هذه هي المرة الثانية التي يتنطح فيها لهذا الموضوع؟
* * *
من المحرر: مشكلة الصحافي، وكاتب العمود بالذات، ان بعض القراء يحملون مسطرة (مستقيمة او عوجاء) لنقد كاتب هذا العمود، او من يستضيفه.
كان يجب أن أقول "رأس" الجهاز وليس "رئيس الجهاز" وكان الأستاذ صبري جريس "رأس" الجهاز بالفعل، ولو تحت مسمى "مدير مركز الأبحاث" .. ألا يكفي أن رئيس الـ CIA هو مدير هذا الجهاز المخابراتي العرمرمي؟.
يمكن أن يكون وزير دفاع برتبة جنرال، ويمكن أن يوصف بالجندي الأول.
"المقاطعة" سلاح أوروبي نرحب به دون أن نستغله
بقلم: عبد الناصر النجار – الايام
عندما كانت الأحداث تعصف بجنوب إفريقيا العنصرية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي... وعندما كانت هذه الدولة تطبّق نموذجاً لا إنسانياً من الفصل العنصري قائم على لون البشرة، وتحاول تمكين المستعمرين البيض من مقومات الدولة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية رغم أنهم أقلية... فإن السلاح الذي هزم نظام الفصل العنصري في هذا البلد العريق هو المقاطعة الدولية وعلى رأسها المقاطعة الاقتصادية ثم السياسية، ما أدى في النهاية إلى انهيار نظام الفصل العنصري وعودة البلد إلى أصحابه، وتسلم القوى الوطنية والثورية وعلى رأسها المناضل نيلسون مانديلا الحكم بعد أن أمضى زهرة شبابه في المعتقلات العنصرية.
نحن الفلسطينيين لم نتعلم أهمية المقاطعة... بل على العكس، لم نفكر في هذا السلاح الإنساني الخطير جداً، إلاّ متأخراً، رغم أن قلة - ربما بعدد أصابع اليدين - من الفلسطينيين، هي التي بدأت تركز وتدعو إلى استخدام هذا السلاح في الدول الأوروبية أولاً، وفي كل دول العالم ثانياً... فيما بدأت مجموعات أوروبية تتمترس خلف مؤسسات حقوقية وإنسانية وأكاديمية لتفعيل حقيقي لهذا السلاح في وجه الاعتداءات الإسرائيلية التي تفاقمت خلال العقدين الماضيين. سواء على مستوى ما يتعرض له الإنسان الفلسطيني من قتل وتشريد وتجويع واعتقال، أو ما تتعرض له الأرض الفلسطينية من مصادرة وإقامة مستوطنات وتلويث للبيئة.
فئات أوروبية واسعة محكومة بالمفاهيم الإنسانية والحرية وحق تقرير المصير بدأت تفهم خطورة الاحتلال الإسرائيلي، آخر احتلال في العالم... ليس فقط على الفلسطينيين أو دول الجوار، بل على العالم بأسره...
وبدأت تعي، أيضاً، خطورة تقويض الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي للمفاهيم الإنسانية والأخلاقية، بعد تصاعد مظاهر العنصرية الإسرائيلية وبشكل أساسي بعد إقامة جدار الفصل العنصري الذي ليس له مثيل ولن يكون له مثيل في كل العالم.
آخر مظاهر المقاطعة الأوروبية لإسرائيل جاء من صندوق التقاعد النرويجي، وذلك بمقاطعة الشركات التي تعمل في المستوطنات، واستغناء منظمة أوكسفام البريطانية الإنسانية عن الممثلة سكارليت جوهانسين كسفيرة لها...
وزير المالية الإسرائيلي يائير لبيد في خطابه أمام معهد بحوث الأمن القومي الإسرائيلي، قبل يومين، قال: إذا دخلت إسرائيل في واقع المقاطعة الأوروبية، حتى وإن كانت جزئية جداً، فإن الاقتصاد الإسرائيلي لن يصمد، وسيتراجع بشكل دراماتيكي يمسّ جيب كل إسرائيلي. وأضاف: ثلت التجارة الإسرائيلية هي مع الاتحاد الأوروبي وإن لم تكن هناك تسوية سياسية، فسيتضرر التصدير بنحو ملياري شيكل (6 مليارات دولار)، وستتم إقالة 5,800 عامل بشكل فوري، وهذا سيؤدي إلى ارتفاع حادّ في الأسعار، وسيرتفع غلاء المعيشة بشكل دراماتيكي...
قبل ذلك نقل عن أحد أساتذة الجامعات الإسرائيلية أن المقاطعة الأكاديمية الأوروبية، إذا ما استمرت أو تعمّقت، فإن ذلك سينعكس بشكل سلبي على مستوى التعليم الإسرائيلي، وخاصة في مجال البحث العلمي...
في الوقت الذي تتصاعد فيه المخاوف الإسرائيلية من المقاطعة بشكل جدّي، وبدأت الدوائر السياسية والأكاديمية والاقتصادية تضغط في كافة الجهات، ومن خلال وسائل الإعلام المملوكة للوبي الصهيوني من أجل الحدّ من آثار هذه المقاطعة، فإن الجانب الفلسطيني لم يرتقِ - سواء النظام السياسي أو النخب أو القيادات على مختلف مستوياتها وفي كافة القطاعات - إلى الحدّ الذي يفعّل فيه هذه المقاطعة، ويزيد هذا السلاح حدّة من خلال الحملات الإعلامية، وحشد مناصري الشعب الفلسطيني وقضيته، واستغلال كل عنصر فلسطيني في الخارج من أجل تقصير عمر هذا الاحتلال.
بل على العكس لاحظنا في كثير من الأوقات أن فئات فلسطينية تسير عكس التيار، وتعمل على كسر هذه المقاطعة، وخاصة الأكاديمية منها. وبناء على ذلك، وبعد أن أشهرت مؤسسات أوروبية كثيرة هذا السلاح، يجب علينا جميعاً، نظاماً سياسياً ونخباً وأكاديميين وقادة، أن نستثمر سلاح المقاطعة بكل ما نملك من طاقات ونكثّف هذه المقاطعة... ولنبدأ بأنفسنا وذلك أضعف الإيمان!.
عن مصر وموضوع الاتهامات لـ "حماس" و"حزب الله"
بقلم: حسين حجازي – الايام
كان العنوان الأصلي لهذه المقالة والخط الرئيسي في معالجة القصة المطروحة، مستلهماً بإيحاء ذي دلالة في إسقاطه على الأزمة المصرية اليوم من عنوان كتاب أصدره الأستاذ محمد حسنين هيكل، بعيد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر " لمصر لا لعبد الناصر". وكان موضوع الكتاب وعنوانه لافتاً في ذلك التوقيت إذ أراد الرجل الذي ارتبط سجله المهني كصحافي، كما كان يحب أن يلقب أي "بالجورنالجي" بقربه من عبد الناصر، أن يوضح موقفه بأن الولاء أولاً هو لمصر وليس للأشخاص الذين يمكن ان يحكموا " المحروسة " مهما كان قدرهم، أي عدم إصباغ الشخصنة على مواقف الكاتب. وكان هذا التوضيح من الصحافي الكبير مترافقا واصطفافه لاحقاً الى جانب خليفة عبد الناصر، الذي قاد انقلابا صامتا العام 1971 ضد المجموعة الناصرية الراديكالية في جهاز الدولة، او ما اسماهم السادات في ذلك الوقت بمراكز القوى والذين كان يتزعمهم علي صبري. حيث سيلعب هيكل دورا في دعم انقلاب السادات قبل ان يطيح به السادات فيما بعد ويعتقله، بعد حملات تحريض ضد هيكل الذي سيكتب بعد اغتيال السادات كتابه الشهير "خريف الغضب " يصفي فيه الحساب مع السادات وفترة حكمه التي كانت وبالا على مصر.
اليوم يقف الصحافي الكبير التسعيني في العمر امد الله في عمره، مع مصر ضد حكم الإخوان المسلمين الذي أطاح بهم الجنرال عبد الفتاح السيسي، كما وقف مع البكباشي جمال عبد الناصر في انقلابه العام 1952 ضد حكم الملك فاروق، وحيث ترسم صورة للجنرال السيسي الى جانب صورة البكباشي القديم، الذي كان ملهما ومعبودا ساحرا للجماهير.
والحق ان هيكل انتقد مواقف عديدة اتخذها الرئيس محمد مرسي قبل الإطاحة به، ولا سيما موقفه من الأزمة السورية وإيران الذي رأى فيها إخلالا خطيرا بنظرية الأمن القومي المصرية، حيث سورية هي بوابة مصر على آسيا. لكنه في الحساب الأخير وأيا تكن أخطاء مرسي والإخوان المسلمين في مصر، فإن ما حدث كان انقلابا ليس على أول تجربة ديمقراطية في حكم مصر، وإنما على أول ثورة شعبية حقيقية منذ العام 1919 في تاريخ مصر، ومع كل الاحترام الواجب تقديمه أمام الخيارات والاجتهاد الشخصي للمواطنين العاديين كما للكتاب، إلا أن القصة التي نحاول التطرق إليها هنا لا تتعلق بهذه المسألة تحديداً، فالشأن المصري الداخلي يظل شأناً داخلياً ومصرياً يخص المصريين وحدهم، وليس لنا التعرض له أو إبداء الحكم عليه الا من جهة واحدة، وهي تتعلق حصراً فيما اذا كانت هذه المسائل الداخلية تحمل ارتدادات ذات طابع خطير لا يمكن السكوت عليها تجاه أطراف خارجية، كما هو الحال اليوم في ارتدادات هذه الأزمة المصرية الداخلية علينا هنا في غزة ومجمل القضية الفلسطينية، بحيث يبدو الصمت على ذلك موقفاً خاطئاً.
ليكن توصيف الأمر ما يكون ليس هذا ما يعنينا، ان كان يشبه مشية البطة وصوتها او لا يشبهها. انقلاب او ثورة شعبية تكمل ثورة يناير. عبد الناصر آخر ام عودة نظام مبارك، هذا متروك حكمه للأيام والتاريخ، وهو لا يشغل بالنا او اهتمامنا رغم انه مهم، ولكن الذي يقض مضاجعنا وترتعد له فرائصنا، هو تحول هذه الحملات الإعلامية ثم فيما بعد الاتهامات ضد حركة "حماس"، والتي يشوبها الكثير من النيات والأهداف المقصودة، والقليل من الأدلة والبراهين القاطعة، الى تحول هذه الحملة الصاخبة وغير المسؤولة من فقدان الاتزان، الى نوع من الصدام لا قدر الله الذي يعني تحطيم نظرية الأمن القومي العربي، كما المصري والفلسطيني وقبل ذلك تحطيم العقل العربي.
هذه هي اللحظة التاريخية يا أستاذ هيكل وشيخنا الكبير في المهنة، وكل العقلاء والمثقفين المحترمين في مصر، لأن يرفعوا سلاح الموقف في مصر ضد هذا الحمق والجنون، الذي تغذيه طموحات قاتلة في صراع دام على السلطة. ويخشى منه ان يتحول هنا على الحدود بين غزة ومصر الى نسخة أُخرى من الاحتراب الداخلي السوري، بحيث يحتشد، الفقراء ضد الفقراء، العرب ضد العرب، يقتل بعضهم البعض الآخر بدل أن يجتمع شملهم، قوتهم ضد عدوهم، يا للهزيمة ويا للعار، ولكي يمكن بعد ذلك إخراج الخطط الشيطانية من الإدراج في لعبة امم جديدة، تعيد رسم الخريطة إذا كانت الأحداث سوف توفر الذريعة لتنفيذ مشروع إسرائيل القديم، بتوطين الفلسطينيين الغزيين في شبه جزيرة سيناء، وتقديم الضفة الغربية كجزر وكانتونات معزولة على أنها الدولة الفلسطينية العتيدة، فيما تسمى إسرائيل نفسها بالدولة اليهودية، ويكون بعد ذلك أي بعد خراب البصرة وسورية ولبنان على البيعة، على العرب والفلسطينيين والمصريين السلام.
ثمة هنا أناس يلعبون بالنار ولا يجب السماح لهم بالمضي بهذه اللعبة التي تحرق الأخضر واليابس كما يقال. وإذا كان ما يقوله الادعاء المصري صحيحا في قضية تورط "حماس" وحزب الله، فلنشكل لجنة تحقيق عربية تحت مظلة جامعة الدول العربية، للتحقيق والفصل في هذه الادعاءات. ونقول ذلك لأن ثمة ما يفوق الخيال في هذه الاتهامات أصلا، ولأن المسألة في الارتدادات التي تحيط بهذه القضية تتجاوز حركة "حماس"، وتمس بالمصالح الحيوية للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، ولأن هناك ما يكفي من الإشارات والدلائل على ان القضية وإثارتها على هذا النحو، إنما هي في المقام الأول سياسية وذات أهداف سياسية.
اليوم يجب أن نخاطب مصر الكبرى، لكن للتاريخ والحقيقة كان الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، توجس خيفة وحذر العام 1965، من ان إنشاء حركة فتح والعمليات المسلحة التي بدأتها، إنما هو في إطار مؤامرة إخوانية سعودية تهدف الى المزايدة عليه وإحراجه بل وتوريطه، في حرب غير مستعد لها مع إسرائيل بعد سنة واحدة من مبادرته إلى إنشاء "الكيان الفلسطيني"، اي منظمة التحرير الفلسطينية، واستند عبد الناصر في ذلك الوقت الى تقارير مخابراته التي أكدت له بأن المجموعة القيادية لفتح إنما تضم أعضاء أما إخوان مسلمين او تأثرا بفكر الإخوان، وان السعودية الخصم اللدود لناصر هي التي تدعم هذه الحركة، وحيث لاحظت تقارير صحافية غربية في ذلك الوقت ان الملك حسين وهو خصم آخر لعبد الناصر، كان يبدي غض الطرف عن عمليات "فتح" وكل ذلك لإرباك عبد الناصر والمزايدة عليه. لكن عبد الناصر لم يتردد بعد حرب العام 1967 ان يحتضن حركة فتح ويعتبرها انبل مقاومة وثورة، وان يصطحب سرياً ياسر عرفات الى موسكو ويقدمه الى القادة السوفيتية لأول مرة، ويفتح بعد ذلك مخازن الأسلحة المصرية ومعسكرات الجيش لتدريب الفدائيين وكوادر فتح، ويرعى بنفسه العام 1969 اتفاقية القاهرة الشهيرة بين المقاومة ولبنان، والجمع بين عرفات والملك حسين في قمة القاهرة بعد ايلول الأسود، والتي سيقال ان الزعيم الخالد اسلم الروح تأثراً بالضربة التي تعرضت لها المقاومة في الأردن، رحم الله جمال عبد الناصر.
وللحقيقة والإنصاف فان محمد حسنين هيكل لعب دورا في جميع هذه التطورات التي أدت الى التحالف بين عبد الناصر وفتح، وللتاريخ أيضا فإن عرفات في أثناء حكم السادات وبعده مبارك ظل مواظبا وحريصا في كل مرة يزور بها مصر، الالتقاء بالمرشد العام للإخوان المسلمين دون ان يثير ذلك حفيظة الرؤساء المصريين، الذين لم يكونوا على وفاق مع الإخوان، او ينظروا الى ذلك كنوع من التدخل في الشؤون المصرية الداخلية. والمطلوب اليوم وقبل فوات الأوان العودة الى هذه الحكمة الرحيمة التي طالما ميزت علاقة مصر بعالمها العربي كما بالفلسطينيين، باعتبارها الأخ الأكبر بتحييد الخلافات الداخلية المصرية عن محيطها الخارجي، باعتبار هذه الخلافات مسألة مصرية خالصة، لأن مصر ليست لبنان ولم تكن مرة في تاريخها ولن تكون سورية أخرى موضوعا للصراع عليها، لأنها اكبر من مثل هذا التوصيف الذي يقزمها، ويقلل من صورتها في ادعاء مهين يظهرها كما لو أنها ألعوبة في يد منظمات صغيرة مثل "حماس" او حزب الله. حاشا يا إخوان، هذا لا يجوز.
الهدف الآن ... استمرار المفاوضات
بقلم: صـــادق الــشــافـعـي – الايام
وكأن استمرار المفاوضات أصبح هو الهدف والمبتغى بحد ذاته، وأن تبقى في دائرة الاحتكار الأميركي الحصري، ففي مواجهة حالة الرفض التي تقرب من الاستعصاء لمحاولات كيري التوصل الى اتفاق إطار يحدد الخطوط العامة للحل السياسي، فانه يسعى في هذه المرحلة الى اتفاق أقل تواضعاً ويتسم بمبادئ عامة كي يسهل عملية تمديد المفاوضات ويضمن استمرار الاحتكار الأميركي الحصري لها.
الموقف الفلسطيني المعلن في بيانات وعلى لسان الرئيس وعدد من المسؤولين المعنيين لا يزال ثابتاً ومتمسكاً بالأسس التي وافق المشاركة بالمفاوضات عليها والمطالب التي اعلنها.
ومع ذلك، فان استمرار اللغط حول المفاوضات والتسريبات من كل حدب وصوب، يوجد في نفوس نسبة لا بأس بها من الناس المخاوف، ويقدم للبعض فرصة التشكيك.
أما المخاوف فمبعثها أن تلدغ الناس مجدداً من الجحر الذي لدغت منه مرات قبل الآن.
وأما التشكيك فانه يقوم على مواقف محسومة وجاهزة مسبقاً وقد يكون لأصحابها غرض، ومقولتها الأساسية ان السلطة ستقبل في النهاية بالمقترحات الأميركية وستصل الى اتفاق إطار مع إسرائيل بشروط مجحفة وتقترب كثيرا من المطالب الإسرائيلية.
اذن، لماذا لا تبدد القيادة الفلسطينية المخاوف وترد على تشكيك المشككين وذلك بان تحسم أمرها بشكل قطعي يصدر في بيان عن أعلى هيئة فيها. الا يستأهل الحسم في هذه المسألة الدعوة الى عقد دورة للمجلس المركزي تختص بهذا الأمر؟ وحبذا لو يدعى للمشاركة فيها ممثلون عن حماس والجهاد وان يشاركوا فعلا.
ان حسم الموقف بقدر ما يعني تمسكنا بمطالبنا الوطنية المعلنة، والتي لا تشكل سوى حدود دنيا من حقوقنا الوطنية، فانه يتطلب ايضا رفضا قطعيا لتمديد المفاوضات تحت اي مبرر او وعود ضغوط.
والحسم يتطلب أيضا أمراً هاما، هو تقرير الخروج من إسار الاحتكار الأميركي الحصري لنضالنا السياسي الدولي وكل أوجه التعامل والعلاقة مع الكيان الصهيوني، والانطلاق الى فضاء الأطر والهيئات الدولية الرسمية والمدنية ومنظماتها المتخصصة، وعلى أسس مرجعياتها الشرعية وقراراتها.
لقد شكلت مرجعية أوسلو تراجعا الى مستوى أدنى وأضعف من المرجعيات الدولية التي كانت قائمة لقضيتنا، واتفاق الإطار الذي تسعى أميركا لفرضه سيعني تراجعا إضافيا أكبر، وسيخلق مرجعية جديدة اكثر دنوا وضعفا.
ان الحكومة الإسرائيلية بالجوهر والمختصر لا تريد اتفاقا ولا وساطات ولا ضمانات، انها تريد فرض الحل الإسرائيلي وفرض مطالبه وشروطه، وتريد من الفلسطينيين ان ينصاعوا لهذا الحل وان يقبلوا بإسقاط كل مطالبهم.
وهي تستفيد في موقفها هذا من الوضع العربي المتردي والملائم لها، وتستفيد بالتأكيد من احتكار أمريكا الحصري للمفاوضات وأهدافها ومقترحاتها ومسارها وكل تفاصيلها.
ان الحكومة الإسرائيلية في مواقفها وشروطها ومطالبها تعبر عن قناعات ومواقف الغالبية الكبرى من المجتمع الصهيوني وتنسجم تماما معها. وتنحصر الفروقات- اذا ما وجدت- بين الحكومة والمجتمع وقواه في هوامش ثانوية تفرضها على الحكومة، ضرورات المناورة السياسية، بالذات على المستوى الدولي، في محاولة لتجنب العزلة الدولية التي تخشاها إسرائيل كثيراً، خصوصاً وان هناك تنامياً كبيراً في الموقف الدولي الرسمي والشعبي الذي يلح على إسرائيل لإنهاء احتلالها، ووقف سياساتها وممارستها العنصرية والتوسعية الاستيطانية، والتجاوب مع المطالب المحقة للشعب الفلسطيني كما اقرها المجتمع الدولي بمواثيقه وقراراته وعبر مؤسساته الدولية والشعبية. ومخطئ من يظن ان إسرائيل لا تخشى العزلة الدولية كثيرا.
ان موقف الغالبية الساحقة من المجتمع الصهيوني ومعه القوى السياسية والحكومة يقوم على ثوابت راسخة في الفكر والعقيدة الصهيونية، أولها ثلاثة: الثابت الأول هو الفكر الصهيوني نفسه الذي يتحدر من أساس ديني موغل في أصوليته وظلاميته. ويقوم على الاستيلاء والاستحواذ بالقهر، وعلى الضم والإلحاق، وعلى رفض الآخر- كل آخر- ويحلل اضطهاده وحتى قتله. كما انه يحرم إعادة اي شيء تم اغتصابه والاستيلاء عليه من الآخر بأي طريقة كانت. والثابت الثاني، هو فوبيا الخوف الذي يتعمق في المجتمع الصهيوني على الرغم من كل مكونات القوة والتفوق التي يمتلكونها، وهي حالة ناتجة عن الوعي انهم كيان غريب يفرض وجوده بالقوة في محيط شعبي واسع يطوقه بالرفض والعداء، وان تفوق القوة الذي يحمي هذا الوجود لا يمكن ان يستمر الى ما لانهاية، خصوصا وان القوة اصبح لها مع تطور المجتمعات والعلاقات الإنسانية أوجه متعددة أُخرى غير وجه القوة العسكرية والأمنية.
ويتجلى هذا الثابت في ضعف الانتماء الى " الوطن الصهيوني" وعدم الشعور بالأمان والاطمئنان فيه، وهو ما يفسر امتلاك اعداد مليونية من الإسرائيليين جنسيات وجوازات سفر لبلاد أُخرى او إقامات دائمة، إضافة الى مئات آلاف طلبات الهجرة الى بلدان مختلفه، وما يظهر في تنامي الهجرة المضادة من إسرائيل الى الخارج في كل مرة تتعرض الدولة الصهيونية الى اخطار تتهددها.
والثابت الثالث هو الرفض المبدئي العميق لقيام دولة حقيقية وذات سيادة للفلسطينيين لأن ذلك يشكل نقيضا لكل السردية التاريخية الصهيونية. وهذا ما يفسر الإصرار على وجوب الاعتراف بيهودية إسرائيل، (او بانها دولة لليهود) لأن في ذلك اعترافا بصحة سرديتها ونفياً في نفس الوقت للرواية الفلسطينية.
والاعتراف بيهودية الدولة يشرّع ان كل وجود فلسطيني ومهما كان شكله ومكانه هو وجود أقلية تقيم في الدولة اليهودية يخضع لضروراتها وشروطها، ويظل للدولة حق طردهم أو حرمانهم اذا لم يتلاءموا او ينسجموا معها.
والاعتراف بيهودية الدولة يشرّع الاستيطان باعتبار انه يقوم على ارض اسرائيل التاريخية الكبرى، وهو هدف استراتيجي للاحتلال. لقد أعطينا المفاوضات فرصتها ووقتها واثبتنا للعالم إيجابيتنا ولا ملام علينا.....كفى.
الوطن وقضاياه بحاجة للجدية والاجتهاد
بقلم: صلاح هنية
التهريج بكل ما يحمل المصطلح من كلمة بات سمة فارقة لعدد لا بأس به من الناس الذين باتوا يعتقدون انهم محور الكون ومحور التصوير الاعلامي ومحور الاعلام الفيسبوكي، فيهرجون في مواجهة الواقع وفي كل القضايا حتى انها باتت تقليعة لدى مجموعة تمتهن التهريج، وغالبا يكون التهريج متعلقا بالتعامل مع اشاعة وليس واقعا وليس حقيقة.
شخصيا لا اعتبر ان إجراءات الاحتلال تستثني فلسطينيا حيا ولا شجرة ولا مصدر مياه، والوعي الجمعي يتعاطى بشكل واع مع هذه الإجراءات رغم تذبذب فعاليات المواجهة، وبالتالي فإن وجود مسؤول فلسطيني في موقع من مواقع المواجهة لا يجوز ان يستخدم تهريجا ضد الفعالية نفسها، وغياب مسؤولين عنها لا يجوز أن يستخدم تهريجا ضد الفعالية نفسها، ووقوع إجراء احتلالي ضد مسؤول فلسطيني لا يعني تهريجا. الاستخفاف بالإجراء وتضخيمه تهريج بصرف النظر عن رؤيتنا.
وبذات المجال لا يجوز أن يتعامل المسؤولون بذات المنطق التهريجي الاستخفافي بموقف الرأي العام الفلسطيني، إذ عندما تقيم جهة شعبية توجه الحكومة تركيب عدادات المياه مسبقة الدفع قصرا بحجة الجباية المالية لا يجوز أن يضرب المسؤولون عرض الحائط برأي جمعية المستهلك ومختصي المياه على اساس انهم اعلم بشؤون الناس.
ولا يعني تقييم المناطق الصناعية التي يجري العمل على اقامتها من جهات شعبية غير حكومية ان يجابه هذا الامر بالاستخفاف ايضا وتنظيم سلسلة نشاطات فيها من المماحكة ما فيها للرأي العام الفلسطيني ان المناطق الصناعية ستستمر شاء من شاء وابى من ابى.
التهريج مساو للاستخفاف وفي كلا الحالتين يضيع الرأي العام الفلسطيني بين مسؤول يظن انه يحسن صنعا في اتفاقية الغاز لعشرين عاما، ومسؤول يقرر تركيب عدادات المياه مسبقة الدفع، ومسؤول يقرر تعديل قانون تشجيع الاستثمار بالاعتماد على رأي القطاع الخاص الذي وقع اتفاقية الغاز والمتحمس للمناطق الصناعي والذي يحمل وكالة عدادات المياه المسبقة الدفع.
ويضيع الرأي العام عبر المهرجين على جراح وآلام شعبنا في محاولة لتسجيل نقاط في مرمى من لا ندري استخفافا وتهريجا تارة بتعاطي البلديات مع طوارئ المنخفض الجوي، واستخفافا بقدرة باحث على التفكير، واستخفافا باجتهاد مسؤول له حق الاجتهاد بما يعلم، وشخصنة الامور بحيث تتحول القضايا العامة إلى قضايا مناكفة شخصية.
المعالجة تبدأ من خلال التربية على القيم، من خلال إعادة الاعتبار للخطاب الرسمي، وللخطاب المنتج في المؤسسات غير الحكومية والاتحادات الشعبية، والتوقف عن التكرار الممل والرتابة ذاتها في التعاطي مع المسائل كافة بصورة تفتح الباب امام التهريج والاستخفاف.
في الوطن هناك الكثير مما يستحق الجدية والاجتهاد في قضاياه واولوياته.
عـــــــون
بقلم: رامي مهداوي – الايام
كما وعدتكم أعزائي القراء منذ بداية العام بأن أسلط الضوء على قصص يجب أن نفتخر بها، ندعمها، مبادرات هنا وهناك قد لا يهتم بها الإعلام أو ربما لم يسمع عنها بعد. سأحاول أن أشاهد الضوء رغم الصورة التي يعلمها الجميع. عشان هيك هذا المقال مش سياسي ولا اقتصادي فإذا كنت من هواة التشاؤم لا تقرأ هذا المقال لوسمحت! لأن هذا المقال فقط لمن يزرع الأمل.
عون، إسم مبادرة شبابية، يشارك في المبادرة مجموعة من النشطاء الشباب من محافظتي بيت لحم والخليل وفريق متطوعي جامعة البولتكنيك. أسسها احمد علي ديرية ، 25 سنة، خريج علوم سياسية مع جامعة القدس ويدرس الماجستير في تنمية الموارد البشرية.
يقول لي أحمد: حالة حنين ديرية وهي طفلة توفيت في المنخفض الاخير كان لها وقع سلبي على قلبي، اهلها حمّلوا المسؤولين المسؤولية عن حالتها، والبعض قال ان الاهل كان يتوجب عليهم الاهتمام بها بشكل اكبر، لكن هذا لا يهم لان حنين في النهاية ماتت لأنها لم تتمكن من الوصول الى المستشفى في الوقت المحدد لإجراء مراجعتها لغسيل المعدة.
كان لموقف موت حنين اثر كبير على طريقة تفكير أحمد، حيث قرر ان يغير مسار عمله الشبابي من ناشط يتحدث عن قضايا سياسية من مفاوضات وانقسامات ومشكلات اجتماعية، الى التركيز على القضية الصحية، التي لا يمكن التعامل معها لوقت طويل، التهاون في مثل هذه الحالات يعني انه من الممكن ان يفقد شخص حياته، على العكس من القضايا التي من الممكن ان يستمر الحديث عنها لأكثر من عشرين عاما دون جدوى او فائدة !.
ومن هنا جاءت فكرة مبادرة عون، نسمع كثيراَ عن اناس يبحثون عن واسطة من اجل الحصول على تحويلة لاحد المستشفيات الاسرائيلية او مستشفيات الخارج، نسمع ايضا وكثيراً ان هناك عددا كبيرا من الناس لا يستطيعون الحصول على دواء لارتفاع سعره، وعدم توفره في المراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية، وهنا يجب أن أشير ان الوزارة رغم الظروف الصعبة تقدم غالبية انواع الادوية وهي في تطور مستمر من اجل توفير كل انواع الادوية للمريض الفلسطيني، الا ان هناك 20% من احتياجات الادوية غير موجودة في عيادات الوزارة وهي في اغلب الاحيان مرتفعة السعر ولا يستطيع المواطن البسيط شراءها من الصيدليات الخاصة .
في اغلب الاحيان نسمع الشباب يتحدثون ويشكون من غياب الرعاية الصحية في فلسطين وارتفاع اسعار الدواء، وينتقدون بشكل كبير شركات الادوية الفلسطينية لقلة مساهمتهم في التخفيف من معاناة الفقراء الصحية، إلا أن أحمد كان يتحدث بشكل دائم انه كشباب تملؤنا الطاقة من اجل احداث التغيير الاجتماعي المطلوب وان لا يقتصر دورنا على الانتقاد الغير بناء الذي لن يصلح من الواقع شيء.
وبمساهمة مجموعة من المتطوعين انطلقت الحملة كان الدافع الحقيقي هو احتياج الفقراء المرضى، في ظل هذه الظروف الصعبة التي نعيشها من ناحية اقتصادية واجتماعية صعبة على الناس، حيث نسمع عن كم هائل من الحالات الانسانية التي لم تتمكن من الحصول على العلاج الكريم.
المبادرة أخذت الموافقة والمباركة من وزارة الصحة بدأ عدد كبير من المتطوعين بجمع الادوية التي لا يتم استخدمها من المنازل، حيث سيتم التأكد من تاريخ انتهائها ومدى صلاحيتها للاستخدام وظروف التخزين، من خلال استمارة يعبئها المتطوعين عند اخذ الدواء من كل منزل، وستقوم لجنة مختصة من المبادرة بإشراف مجموعة من الاطباء وقسم الصيدلة في مديرية وزارة الصحة بالتأكد من مدى صلاحيتها لإعادة الاستخدام، ومن ثم سيتم وضع اماكن مخصصة في المراكز الصحية في محافظة بيت لحم كمرحلة تجريبية للمبادرة، كما تم التواصل مع شركات الادوية والمنظمات ذات الصلة العاملة في فلسطين لتقوم بتزويد صناديق الادوية الخاصة بالمبادرة المتواجدة في المراكز الصحية بأنواع الادوية غير المتواجدة لدى وزارة الصحة والتي يتم توزيعها على المرضى.
رغم الوقت القصير لانطلاق المبادرة الا ان التفاف الشباب المتطوعين حولها يدلل على مدى الروح الانسانية التي يتحلى بها الشباب الفلسطيني، وان المجتمع الفلسطيني بحاجة لمثل هذه المبادرات لإعادة الروح للعمل التطوعي، الذي غاب بسبب التمويل الكبير الذي تحصل عليه المبادرات، الا ان هذه المبادرة لم تحصل على تمويل وهي ناجحة بكل المقاييس لتثبت ان الطاقة الشبابية هي المشغل الاساسي والحقيقي للعمل الشبابي.
أعتقد وبشكل سريع وبسيط علينا دعم هذه المبادرة من خلال: توفير الدعم المعنوي من قبل الحكومة ووزارة الصحة للمساهمة في انتشار المبادرة في كل ارجاء فلسطين، التفاف الشباب حول المبادرة والمساهمة الفعلية في تنفيذها، توفير الدعم المادي الفلسطيني للمبادرة حتى تستطيع التطور والانتشار بشكل أسرع، مساهمة الناس في الترويج للفكرة والمشاركة بفعالية في مساعدة المتطوعين والمبادرة على تحقيق اهدافها.
بالنهاية كل أمنياتي لهذه المبادرة بالنجاح وتحقيق أهدافها التي يحتاجها المجتمع، وكل الاحترام والتقدير لقائمين عليها.... الى الأمام يا شباب... الى الأمام..
عن مـوســم الهجرة إلى قطر
بقلم: آصف قزموز – الايام
في بلد شحيح الموارد، مفكك الأوصال والاستقرار، ضعيف النمو الاقتصادي، يرزح تحت نير آخر الاحتلالات في العالم، وترتفع فيه نسب البطالة لتبلغ ما يقارب 25% وهي من أعلى النسب، قياساً مع البلدان المجاورة والمشابهة. اليوم نحن نتحدث عن ما يقارب 250 ألف عاطل عن العمل في بلادنا، في ظل اقتصاد لا تتجاوز قدراته توليد 5000 فرصة عمل سنوياً، علماً أنه يدخل الى سوق العمل في كل عام حوالي 45 ألف طالب عمل جديد، وهذا عبء كبير جداً إذا ما لحظنا أن معدلات النمو السكاني تعتبر هي أيضاً من أعلى النسب في العالم، ويعتبر المجتمع الفلسطيني مجتمعا فتيا تغلب عليه السمة الشبابية، ما جعل معدلات البطالة في صفوف الشباب وخريجي الجامعات تصل لأكثر من 43%، وهذا رقم مرعب وخطير يشكل كابوساً دائماً للاقتصاد الفلسطيني، الأمر الذي يصعب مهمة القيادة السياسية التي ما زالت تقود مرحلتي التحرر الوطني والبناء المؤسسي والديمقراطي جنباً الى جنب في ذات الوقت والظروف. لأجل كل هذا وغيره دأبت السلطة الوطنية وحكوماتها منذ قيامها العام 1994 وحتى يومنا هذا، على بذل كل جهد مستطاع لإيجاد فرص العمل الكافية ومواجهة تحديات الفقر والبطالة أيضاً في آنٍ معاً. ولعمري إن مناشدة الأشقاء العرب لا سيما دول الخليج العربي والمشغل الأكبر لتسهيل دخول الفلسطينيين لأسواق العمل العربية، باتت هي اللازمة على لسان كل مسؤول فلسطيني من قمة الهرم حت أخمص القاعدة، لأننا نؤمن إيماناً راسخاً بأهمية تأمين سبل الحياة الكريمة والعادلة لشعبنا، ولأن استقرارنا واستقلالنا وأمننا وأماننا لا يمكن أن يتأتى ولا صمود شعبنا من دون أمن واستقرار حياة المواطن أولاً، لا بل ولا سلام ولا استقرار سياسيا من دون توفر السلم والأمن الاقتصادي والاجتماعي، الذي سيشكل نواة وركيزة العملية السلمية والدولة الفلسطينية.
من هنا جاءت استجابة دولة قطر الشقيقة نتيجة لهذا الجهد التراكمي المناشد، لرفع الحظر عن تأشيرات العمل للفلسطينيين والسماح لهم في الحصول عليها إذا ما استطاعوا لفرصة عملٍ سبيلا، وهو بيت القصيد وجديد الأمر في موضوع السماح بتشغيل العمالة الفلسطينية في قطر. نعم أعلنت قطر عن استعدادها لاستقدام عشرين ألف فلسطيني للعمل على أراضيها، لكن ذلك في مطلق الأحوال سيخضع لقانون العرض والطلب كما في كل بلد من البلدان المشغلة للعمالة، وبالتالي فإن احتياجات السوق القطرية الحقيقية، هي التي ستحدد كم سيكون عدد فرص العمل المتاحة وما هي طبيعتها، فلربما تصل لسقف الرقم المطروح في زمنٍ قد يقصر أو يطول وربما تقل أو تزيد، هذا ما ستنطق به سوق العمل القطرية في المستقبل القادم وعلى المدى الطويل.
لكن غريب الأمر في بلادنا أن لغطاً كبيراً يدور هذه الأيام، حول هذا الموضوع الانجاز، الوطني بامتياز كما أسلفنا، فتارةً تجد من يشككون في القيادة الفلسطينية التي سعت لهذا الأمر، فيعتبرون في تشغيل العمالة الفلسطينية في قطر مؤامرة على الشعب الفلسطيني لتهجيره من أرضه، مع أن العمالة الفلسطينية طول عمرها بتعمل في جميع الأسواق العربية بحرية وإرادة كاملة وعين الله عليها، وتارةً يربطون ذلك بطلب اسرائيلي أميركي من قطر لتقوم بهذه المهمة عبر هذا الإجراء. يعني شو عدا ما بدا!! طيب اتحيرنا يا قرعة من وين نبوسِك، فتجد ذات الجهات والأطراف المعهودة مستمرة على الدوام بالعزف على ربابة انتقاد السلطة والقيادة الفلسطينية على أنها مقصرة تجاه الشعب على أنها لم تؤمن لهم فرص العمل الكافية، وتارةً يسلخون جلد الأشقاء العرب على أنهم لم يقدموا يد العون لشعبنا، فإن فتحنا لهم أبواب العمل التي تفرج كربتهم وتخفف من فقرهم نتهم بالتآمر بهدف التهجير، وإن لم نفعل ذلك نتهم بالتقصير في دعم صمود الشعب وتأمين احتياجاته. طب شو نعمل قولولنا دخيل عرضكم، حقاً إنها قصة جحا وولده والحمارْ، في جميع الأحوال مذموم وغير مقبول شو ما جرى وشو ما صارْ!! وأقول لكل هؤلاء المشككين بالفم المليان إنها لقمة عيش الناس أولاً وقبل كل شيء وذات الأولوية القصوى في حساباتنا بعيداً عن حساباتهم في التخوين والتآمر والتشكيك، وبعدين مين اللي قال إنو من حقنا أن نطالب الآخرين الوقوف الى جانبنا بمنطق المثل القائل" بدُّو قُرْصِ مْقَرَّص من ذَقن مْعَرَّصْ"؟!
أعود وأقول لكل الذين سيتقدمون للاستفادة من هذه الفرصة المتاحة، ومن منطلق إيماننا وقناعتنا الراسخة، بأن واجبنا أن نقول لهم ما يجب أن يقال ويعرفوه وليس ما يحبون أن يقال ويسمعوا. فالإخوة القطريين أرادوا لنا أن نستفيد من إمكانات التشغيل في بلادهم، ولا سيما بشكلٍ خاص من فرصة عزمهم على بناء الملاعب والمنشآت الرياضية اللازمة لاستضافة كأس العالم في العام 2022، الأمر الذي يعني أن من سيحظون بالفرص الأكبر ربما يكونوا الفنيين والمهرة من عمال ومهندسين وتقنيين مع أن الباب مفتوح على كل المهن والخيارات الأخرى دون استثناء. وبالتالي ستدخل العمالة الفلسطينية للسوق القطرية لتنافس على الفرص المعروضة والمتوقعة، مع مناشدتنا للمشغلين هناك من فلسطينيين وقطريين وعرب بأن يساعدوا على استقدام العمالة الفلسطينية وإعطائها أفضلية، وهو ما بذلت في سبيله سفارتنا هناك جهوداً مضنية وهامة على مختلف الصُّعد والمستويات الرسمية وغير الرسمية.
نعم سنضع كل البيانات بين يدي المشغلين وهم الذين سيقومون بدورهم باختيار الأشخاص المناسبين لهم وفقاً لقانون العرض والطلب في أي سوق حر، مع أهمية الأخذ بعين الاعتبار أن مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين" هو الناظم والمنظم لعلاقة العامل بصاحب العمل، ولكن كل هذا سيكون خاضعا للقوانين والنظم القطرية المرعية هناك، ناهيك أن المعايير القطرية وأنظمتها وإجراءاتها في التعامل مع العمالة سيكون احترامها واجبا وملزما للجميع مثلنا مثل باقي العمالة من البلدان الأخرى، اللهم إلاَّ إذا تعرض أي مواطن لأية عقبات أو إشكاليات خارجة عن إطار ذلك، فبالتأكيد ستقدم سفارتنا هناك كل الدعم والرعاية بالطرق الرسمية والأصول المرعية كباقي السفارات الأخرى تجاه مواطنيها وأكثر.
إذن المسألة التي يجب أن تؤخذ بالحسبان من قبل جميع المتوجهين للسوق القطرية، أن بانتظارهم منافسة قوية مع العمالة الآسيوية الرخيصة التي تعج بها قطر، ما سيجعل الأجور المنتظرة في كثير من القطاعات التشغيلية دون سقف التطلعات والتوقعات، آخذين بالاعتبار كذلك ما أشرنا اليه آنفاً من أن الحاجة الحقيقية لليد العاملة ستتركز غالباً في الجوانب والمهن الفنية والتقنية ارتباطاً مع شروع دولة قطر في التحضير وإقامة المنشآت الرياضية والملاعب اللازمة لاستقبال كأس العالم الذي سيقام على أرضها في العام 2022.
يا جماعة ما حصل بكل الأحوال لا يمكن إلا أن نعتبره جهدا مشكورا وإنجازا لمصلحة المواطن الفلسطيني في الداخل والشتات، بصرف النظر عن نسبة ومساحة الفائدة التي ستعمم على فئات مختلفة من العمالة الفلسطينية، فالرئاسة والحكومة راكما جهداً متميزاً على غير مستوى، والسفارة الفلسطينية لم تأل جهداً في تواصلها مع القيادة والأشقاء القطريين حتى خرج مثل هذا القرار الى النور، وها هي وزارة العمل تعمل كخلية نحل في تنظيم وجمع البيانات على نظام معلومات سوق العمل، الذي قامت بدورها بالعمل على تكييفه مع متطلبات العمل في قطر، واستحدثت مواقع وبرامج اليكترونية تسهل على المواطن عمليات التسجيل والدخول للنظام لجميع الفلسطينيين اينما كانوا، ناهيك عن الدور الكبير الذي تلعبه مكاتب مديريات العمل في المحافظات الفلسطينية عامة لاستقبال المراجعين وتعبئة وتحديث البيانات الخاصة بالراغبين في العمل. لكن هذا الأمر ما زال في طور الإعداد والتحضير من قبل الإخوة القطريين لاستكمال الجوانب الفنية الخاصة بهم، حيث جرى التواصل من قبل السفارة الفلسطينية مع شركات القطاع الخاص القطرية لا سيما تلك التي يديرها فلسطينيون، وذلك لحصر احتياجاتهم من الوظائف للعام الحالي، لإعلامنا بها ليصار قريباً الى ربط هذه الشركات والمشغلين اليكترونياً مع نظام معلومات سوق العمل الفلسطيني، لمطابقتها مع احتياجاتهم من العمالة. هذا بالإضافة لما ستقوم به وتتحمله من أعباء ومسؤوليات في تسهيل مهام العاملين واستصدار تأشيرات العمل اللازمة لهم عند التعاقد مع المشغلين.
لكن مع كل هذا أعود وأقول، لكل المشككين الذين ينبرون دوماً لإطلاق التهم جزافاً وكيفما اتفق لتشويش الحقائق، وتصوير الأمر على أنه مؤامرة من قبل القيادة على شعبها لتهجيره وتفريغ الأرض، متجاهلين أن اليد العاملة هي الذهب الفلسطيني وأهم مورد في بلادنا، وأن أحداً ولا قانوناً منع فلسطينيا يوماً من السفر الى خارج البلاد وحتى في زمن الاحتلال. أما آن الأوان للإقلاع عن تفسير كل الأشياء والمواقف بنظرية المؤامرة، طالما أن أحداً لن يلزم أو يُكره أحداً أن يغادر الى قطر أو لغيرها، وكل ما هنالك أن العمل اختياري لمن يجد فرصةً له وشروط التعاقد والاتفاق ثنائية حرة ما بين المشغل والمشتغل، ويبقى العقد شريعة المتعاقدين.
وفي كل الأحوال المثل بيقول: "حْمارتَك العَرْجَا تِغنيك عن سؤال اللئيمْ".
طـــابـــور خـامــس
بقلم: وليد بطراوي – الايام
اشعر احيانا اننا طابور خامس ننساق وراء ما يروّج من شائعات ونتداولها، ربما لغاية في انفسنا، او ربما عن جهل، وربما لنقول "نحن هنا"! اخر ما لفت نظري ما تم تناقله في وسائل الاعلام وسرعان ما انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي حول اقتحام الجيش الاسرائيلي لسجن بيتونيا. الموقع الاخباري الذي نشر الخبر، معروف بعدم مصداقيته، وصفار صفحاته، ولكن للاسف قامت مواقع اخبارية اخرى بنقل الخبر، ثم تناوله صحافيون عبر "فيسبوك" دون التحقق من صدقيته، وانتهى الامر الى ما انتهى عليه وهو عدم صحة الخبر. اما المسألة الثانية التي اثارت انتباهي هي ما نشرته "فورين بولوسي" حول ابناء الرئيس، وسرعان ما تم تداول هذا عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لست ضد المساءلة والمحاسبة، ولكن علينا ان نعي توقيت ما ينشر من معلومات. فعلى سبيل المثال ما نشر حول اقتحام سجن بيتونيا اعتبره شخصياً خبرا يهدف الى زعزعة ثقة المواطن بالاجهزة الامنية، وعملياً صب الزيت على النار والمساهمة في الحملة المنظمة ضد السلطة، وان كنت لا اتفق مع كثير من ممارساتها. اما تقرير ابناء الرئيس فأتساءل لماذا تم نشره في هذا الوقت بالذات؟ الم يلاحظ من تداوله انه جاء في الوقت الذي تستعر فيه التحريضات ضد الرئيس، وعندما شعر المحرضون ان هذا لن يجديهم نفعاً، دخلوا من مدخل يدغدغ مشاعر الناس، ليزعزع ثقتهم بالرئيس وبالتالي القيادة. قد تكون لنا الكثير من الملاحظات والانتقادات على هذا او ذاك، وان كانت لدينا بينّات ضد كائن من كان، فهناك الجهات الرسمية التي يمكن التوجه اليها. واقولها بصراحة من كان لديه اي شي ضد ابناء الرئيس فليتفضل ابواب "ابو شاكر" مفتوحة، اما ان ننساق وراء ما ينشر وما يقال، فهذا هو الجهل بعينه ولا يسعني الا ان اصفق لهم وابارك لهم الوقوف في الطابور.
عواطف
اثبتت التجربة ان العواطف هي من يحكمنا، اما العقل ان وجد فهو مركون جانباً! اذكر انه خلال عملي مع منظمة "هيومان رايتس واتش" في بداية التسعينيات، اجرينا تحقيقات مفصلة حول القوات الخاصة الاسرئيلية واصدرناها في كتاب حمل عنوان "رخضة للقتل". كنا نحقق كما "كولومبوس" في افلامه الشهيرة. نمسك المسطرة والقلم، ونقيس بالشبر والفتر احياناً، نوثق وندقق في المعلومات. وقد اضطر التلفزيون الاسرائيلي بعد تحقيقاتنا هذه، ان يصور فيلماً وثائقياً يدين فيه القوات الخاصة في حادثتين احداهما مقتل مسن في مخيم دير البلح ومقتل ثلاثة اطفال في مخيم المغازي. وعلى اثر التقرير الذي اصدرناه والفيلم، فتح الجيش تحقيقاً وتوصل الى نفس النتائج التي توصلنا اليها. في حادثة استشهاد ابن الجلزون محمد مبارك، ماذا فعلنا؟ اصدرنا بياناً نشجب ونستنكر. لماذا لم نقم بتشكيل لجنة تحقيق محلية ومن المنظمات الدولية كالصليب الاحمر ومفوضية حقوق الانسان في الاتحاد الاوروبي ومثيلتها في الامم المتحدة؟ كذبنا الرواية الاسرائيلية في بيناننا (والتي بالمناسبة لا اصدقها) لكن تكذيبنا لها جاء هشاً، على اعتبار ان العالم سيصدقنا. في هذا السياق اذكر انني وزملاء لي توجهنا مرة الى رئيس لجنة حقوق الانسان في المجلس التشريعي، رحمه الله (المجلس) وعرضنا عليه ان نجهز ملفاً مفصلاً بالانجليزية حول الانتهاكات الاسرائيلية واوضاع حقو الانسان ليقدمها الى مبعوثة الامم المتحدة لحقوق الانسان فكان رده "لا يوجد اي داعٍ لذلك، فقضيتنا عادلة والانتهاكات واضحة، من لا يتفق مع عدالة قضيتنا ومن لا يرى هذه الانتهكات لا ينفعنا ولن ينفعه ان نقدم له شيئاً مكتوباً". الله يجازيكي يا "عواطف"!
ثوابت
مثلهم مثل الثوابت الوطنية، يتكرر ظهور بعض الاشخاص في كل تقرير اخباري يبث على شاشة تلفزيون فلسطين. اشاهد التقارير التي تأتي من مدينين في الشمال تحديداً فأرى فيها نفس الاشخاص كل يوم، اذا لم يكن ظهورهما على شكل مقابلة، فلا بد ان يظهرا في الصور. علاقات عامة!\
الى متى؟
بهذا السؤال بادرني احد القراء "إلى متى سنبقى نعاني من ظاهرة تفحيط السيارات والإزعاج والخطر الذي تسببه هذه الظاهرة؟ سؤال ربما ساعدتني في طرحه على الأجهزة المختصة. أسكن في بيتونيا قرب حاجز "عوفر"، وهناك، وخاصة أيام العطل، تكثر هذه الظاهرة، وخاصة بعد منتصف الليل، تفحيط وسباقات حتى يخيل لك أن "شوماخر" تعافى وعاد ليسابق في بيتونيا! مجرد أن رفعت سماعة الهاتف، الساعة 12:30 بعد منتصف الليل، وطلبت رقم 100 وقلت للشرطي الذي رد علي إنني أسكن قرب حاجز "عوفر"، حتى قاطعني مستفسراً "تفحيط سيارات؟" وهذا يشير إلى أنني لست أول متصل للتبليغ عن هذه الظاهرة، فلماذا السكوت عنها؟ لماذا تتكرر؟ هل لأن معظم السيارات المشاركة في هذا "الرالي" تحمل لوحات تسجيل صفراء؟ لا يمكن أن أتصور أن جهاز الشرطة الذي أسس لبناء دولة والحفاظ على أمنها وأمن مواطنيها لا يستطيع أن يضع حدا لمثل هذه الظاهرة! هل انعدمت الحلول ؟ ربما!"
لو كنت مسؤولاً
لما اتخذت القرارات مستغلاً الصلاحيات الممنوحة لي، ولما استخدمت هذه الصلاحيات لاتخاذ اجراءات عقابية بعيدة كل البعد عن التقييم الموضوعي لاداء الموظفين، ولما اخضعت هذه الصلاحيات لمزاجي، او احكامي الشخصية.
الشاطر انا
"بويا بويا بويا شغلة ومنّا شغلة، عد رباع عد نصاص، بويا بويا بويا". اه والله، راح زمان البويجية، بطل الواحد يشوفهم في الشوارع، يمكن لانه اصحاب الكنادر اللماعة بطلوا يمشوا صاروا كلهم راكبين سيارات وجيبات، وكله قرض من البنك. والشباب صار الواح يلبس بوات ماركات عالمية من صنع الصين ومش بحاجة للتلميع. بس والله هالشغلة لازم ترجع، بس مش بشكلها القديم. يعني جنابي مش راح اقعد ع الرصيف المع كنادر العالم، راح افتح محل مقمع ملمع مع فترينه سيكوريت واعمل بروشور ملون واحط دعاية ع الشاشات اللي مرشومة في البلد، وشعاري "ادخل مغبّر، اطلع ملمّع". الفكرة انه لسا في ناس اكيد بتحب تلمع، بس البرستيج ما بيسمحلهم يمشوا في الشوارع، علشان هيك لازم محل خصوصي، الواحد يمد رجليه براحته، وبنعمل له نفس ارجيلة لحد ما نلمعله كندرته، وبنقدمه كاسة عصير ضيافة، وعلشان الشغل يمشي راح يكون في قسم للعائلات، وطبعا الاسم مش لازم يكون "ابو فلان الكندرجي" لا راح اسميه اسم اجنبي يلفت النظر لانه العربي ما بيمشي في هالبلد. اهلا بكم في Shoe Shine ادخل مغبّر، اطلع ملمّع!.
ذكـــريـــات ثـــانــيـــة
بقلم: وليد ابو بكر – الايام
لا أستطيع أن أتذكر متى التقيت محفوظ عبد الرحمن لأول مرة، لأنني أشعر بأنني أعرفه منذ وعيت، ولكني أدرك جيدًا أنه واحد من أصدقاء العمر، الذين لا يغيب حضورهم عني في أيّ وقت، ولذلك أحرص ـ ويحرص ـ على أن لا ينقطع التواصل بيننا. ولعلّ أبرز ما نفعله، خارج التواصل العادي، هو أن أحدنا حين يدعى إلى مناسبة ما، خارج وطنه، كالمهرجانات المسرحية أو السينمائية، يبادر إلى الاتصال بصاحبه على الفور، ليطمئن إلى حضوره، حتى يؤكد هو حضوره، لأن أحدنا يشجع الآخر على وعثاء السفر، التي باتت تعني كثيرا بسبب ما صرنا نشعر به من تعب، وفي الذهن واحد من الأهداف الرئيسية: أن يتاح لنا لقاء متصل لبضعة أيام.
منذ عرفت محفوظ عبد الرحمن وأنا أقيّمه كواحد من أهم من كتبوا للتليفزيون، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق، لأن إبداعه فيه لا يسير عبر سبل رسمت من قبل، وإنما يعمد إلى الابتكار، الذي يمكن أن يسجّل "علامة" باسمه، وهو يهرب من التقليد، بأن يضع لما يكتبه قواعد تكاد تخصه، أتمنى أن يتخذ منها من يكتبون في هذا الفن دروسا، إذا استطاعوا استيعابها، وإذا كان طريقهم جادا مثل طريقه، وإذا كانوا قادرين مثله على بذل الجهد الكبير، الذي تحتاجه الكتابة الجادة، بدءًا من البحث الدقيق، مرورًا بالحوار الذي لا تخرج فيه كلمة عن وظيفتها، وصولا إلى تقنين الصورة، وهو ما يستلزم جهدا عقليا وعصبيا وعضليا، إلى جانب الموهبة، كثيرا ما يتجنب الخوض فيه كتاب يملكون القدرة ولكنهم غير قادرين على بذل الطاقة، وكثير من يهرب منه من يطرقون طريق الاستسهال الذي صار سمة الكتابة في هذا الزمن.
اللقاء الأخير مع محفوظ عبد الرحمن كان مشبعا بالذكريات مثل غيره، لكنه جاء أكثر اتساعا، وأكثر بوحا، لأن العمر ـ كما يبدو ـ يستلزم شحنة عاطفية فائضة، لا يمكن أن تبذل إلا أمام من له في القلب مكانة ذات جذور، في حين أنها تعود إلى الجذور العميقة في تحليل الأشياء، ولا تكتفي بالحكايات العابرة.
محفوظ عبد الرحمن، الذي حصل في تزامن على جائزة الدولة التقديرية في الآداب، وعلى قلادة النيل، صدرت عنه كتابات كثيرة في الفترة الأخيرة، بعد النجاح الكبير الذي حققه في أعماله التليفزيونية والمسرحية، والتكريم الذي حظي به في كثير من البلدان، دون أن يغير ذلك من طبيعته المدققة الحاسمة التي تتسم بالمواقف الواضحة والثابتة معا، وهي مواقف لا يتنازل عنها مقابل أي شيء، لأنها تتوافق مع شخصيته وكتاباته.
من الكتب التي استمتعت بقراءتها في لهفة، كتاب سميرة أبو طالب، الذي يروي محطات من سيرته الذاتية، مع الحياة ومع الكتابة، معظمها ورد على لسانه، وهي سيرة أتيح لي أن أعايش بعض مراحلها الدقيقة، ومن بينها ما ارتبط بالزمن الذي اضطره أن يغادر مصر التي يعشقها، ليتنقل بين بعض البلدان العربية، حتى يصل الكويت، ويعمل مشرفا على النصوص في تليفزيونها لبعض الوقت.
في تلك السنوات القليلة التي أستطيع أن أزعم أنها بنت أواصر ما زالت مستمرة بيننا، بكل قوتها ودوافعها، أخذ المستقبل الذي خططه محفوظ لنفسه يدخل مراحل التنفيذ بقوة، مسرحيا وتليفزيونيا. لقد التقى صقر الرشود، أبرز من أنتجه المسرح في الكويت وجاراتها، في استيعاب النصوص وإخراجها، بعد أن كان الأخير قد قرأ مسرحيته "حفلة على الخازوق"، التي رفض إنتاجها رسميا في مصر، وقرر أن يخرجها لمسرح الخليج العربي، أول المسارح الأهلية في الكويت، وأكثرها تطلعا نحو الحداثة والتجدد. وقد حققت المسرحية نجاحا كبيرا، وعرضت في الوطن العربي أيضا، وفي مهرجان دمشق المسرحي، حيث حظيت بتنويه النقاد (الذين كانوا جادين حينئذ، ويعرفون مهنتهم) بنصها وعرضها هناك، ما أعاد لكاتبها ثقته بالكتابة للمسرح بعد يأس، على حدّ تعبيره بعد ذلك.
أما في التليفزيون، الذي حقق فيه شهرة أكثر من أي شيء آخر، فقد كان لقاؤه بالمخرج الأردني عباس أرناؤوط مفتاح العمل الذي لم يتوقف، ولم يتوقف التطور والتجديد فيه. لقد أخرج له أرناؤوط عدة مسلسلات، صارت جزءا من كلاسيكيات الشاشة الصغيرة، ومنها على سبيل المثال "ليلة سقوط غرناطة"، الذي يوضح أسلوب هذا الكاتب في البحث عن التفاصيل الصغيرة التي تشكل حياة الإنسان، ملكا كان أو صعلوكا، ليخلق منها دراما راقية، هي التي تميزت بها أعماله الدقيقة في التعبير، الخالية من الهذر، رغم كل تفاصيلها.
ولأن معظم ما كتبه محفوظ مستقى من التاريخ، الذي كان تخصصه الدراسي أساسا، فإن ما يسجل له في ذلك هو أنه لم يأخذ التاريخ "كما ورد"، ولكن كلّ عمل قدمه فيه، وفي السيرة الذاتية في بعض مسلسلاته، مثل "أم كلثوم"، كان وليد بحث مضن، وطويل، قد يستغرق الموضوع الواحد منه سنوات من الجهد، بهدف الصدق من ناحية، والدقة من ناحية أخرى، وإبراز ما هو إنساني في الشخصيات التي يعالجها، ومنها تلك التي وصلت صورتها على غير ما تصورها، مثل شخصية الخديوي إسماعيل، في مسلسله المهم "بوابة الحلوني".
لقد عايشت محفوظ عبد الرحمن في كثير من حالاته، كما عايشته في بعض أعماله، منذ لحظة تفكيره بها، حتى إنجازها، وعايشته في بعض ما فكر في أن ينجزه، ولم يفعل بعد، مثل سيرة الزعيم العربي جمال عبد الناصر من خلال "حصار الفالوجة"، التي يحلم بأن تحقق نجاحا مثل فيلم "ناصر 56"، ورأيته كيف يبذل الجهد في البحث، وكيف يستنفد كل عصب فيه وهو يكتب، وكيف يتعامل مع كلّ كلمة وكأنها خرزة في عقد من ماس، كما عايشت قلقه، وفرحه مع نجاح أي عمل، وغضبه حين لا تمنح كتاباته ما تستحق من بذل، كما حدث مع مسلسله الأخير "أهل الهوى"، الذي شممت منه نصيحة بألا أشاهده، لأنه لم ينفذ كما أراد له.
في الشارقة، ربما كان عدد الساعات التي جلسناها معا، قريبا من عدد الساعات التي جلسنا فيها وأنظارنا متوجهة إلى خشبة المسرح، وأستطيع أن أشهد، وأنا أستعيد تلك الساعات، وأكاد أجترّها، أننا لم نكن نسكت لحظة عن حديث الذكريات الثمينة، لأن ذكرياتنا التي نستعيدها، أوسع من الزمن المتاح.
تغريدة الصباح - احمرار الأخضر
بقلم: عدلي صادق - الحياة
خلال الخمس عشرة سنة المنصرمة، كنت في معظم المرات، كلما دخلت الى صالة القادمين في مطار القاهرة، أجد في انتظاري "أبو علي حسن" مسؤول التنسيق مع المطار في سفارتنا في القاهرة، إذ يربطني بالرجل وداد قديم. هذه المرة، أرسل "أبو علي" من ينوب عنه. فقد تخطى الرجل عامه السبعين، وبدأ يحس بالإرهاق. وهو - أصلا - لم يبق في عمله إلا بسبب إصابته بالتمطر، لأن رحلته اليومية الى المطار وتأخره فيه، تحولت الى جزء من دورة الحياة ومألوف التنفس. رجل مستقيم لا يخالف نظاما ولا يراوغ في شيء ولا يهذر بأي كلام في السياسة ولا يخوض في أي تفصيل يتعلق بـ "الحالات" التي تمر عليه، ويحبه مسؤولو المطار المتعاقبون ويثقون به. لقد بدأت صداقتي به، عندما انفجرت عاطفته ذات يوم، خارج المطار، وطَفَق يترحم على جمال عبد الناصر ويريني صورته المحفوظة في جهازه المحمول، على النحو الذي يوافق هوى محسوبكم وعاطفته.
كان "أبو علي" طوال السنوات، يبتهج ويرتاح كلما أراح فلسطينيا، ويكظم غيظه ممن يوجه اليه غضبا إن وقع التعثر، ويؤلمه أن يظن المأزومون أن بيده أن يفعل شيئا إضافيا يفك العثرة، علما بأن ضابط الجوازات نفسه، سواء حضر "أبو علي" أو غاب؛ ينفذ ما هو مدون في جهاز الحاسوب.
هذه المرة، استقبلني "طلعت" الذي يعمل مساعدا لصديقي. اختلف طقس الدخول السريع، كأنما استدعيت الى شاشة الحاسوب مدونات قديمة، أعادت جواز سفر العبد لله الى سيرتها الأولى. استغرق الانتظار نحو أربعين دقيقة، فبدأت أصيح على "طلعت" الذي كان يشير الي بما معناه: "انتظر قليلا". وبعد عشر دقائق أخرى، جاءني الشاب مؤذنا بالدخول، ولما طلبت تفسيرا للتعثر هذه المرة، قال لي باقتضاب: "هناك ترقب وصول.. قديم". معنى ذلك أن الأمور تبدلت مثل تقلب الليل والنهار. كان اسمي؛ أيام كنت أكتب في "القدس العربي" وأدافع عن حق الفلسطيني في الدخول باحترام، عندما يصل الى مطار القاهرة؛ يقابل بإشارة حمراء، ثم حلت الأمور ونال اسمي اخضرارا. ثم حل اخضرار لأسماء حمراء كثيرة، في عام مرسي، فأحسست أن لون طيفنا الفتحاوي قد دخل فصل الخريف، وحل في الاصفرار مثلما هي أرضية رايتنا الفصائلية. وهذا اللون في إشارات المرور، هو قبيل الأحمر بثوان قليلة. ويبدو أن غالبية المصريين، في عام مرسي، أحسوا مثلنا بالخريف وتداركوا الأحمر، فعملوا على استعادة اخضرار الدولة ومجافاة أي اخضرار سواها، وكان لهذا تداعياته على شاشات الحاسوب.
في السياق، قرئ التدخل الإعلامي الحمساوي الفج في الشأن المصري، باعتباره موصولا بالتداعيات الأمنية. كنت أتمنى أن يصبح دم المصريين الذين يقتلون بأيد آثمة، سببا لدى "حماس" للتنصل من مشروع "الجماعة" المصرية ومن أفاعيل الشراذم المتطرفة التي ثابرت على العنف الإجرامي. وليس هذا الذي اتمناه، مجرد استجابة لألف داع يجعل دماء المصريين حراما صريحا؛ وإنما لأن مشاعر الفلسطيني فيما جبل عليه، تستفظع أن يقتل شقيق مصري، لمجرد أنه يحدد خياراته في السياسة. لذا فإن تنصل "حماس" من مشروع "الإخوان" في مصر، يستجيب لضرورة وطنية. أما استعداء مصر فإنه موقف لا وطني ولا إسلامي وهو الحماقة التي أعيت من يداويها. فلو تنصلت خضراؤنا من اخضرار "الجماعة" المصرية الذي يتوغل في السواد؛ لما انتهز مبغضو الشعب الفلسطيني في الإعلام هذه السانحة، للحث على إشهار البطاقة الحمراء في وجوهنا جميعا، ولما سمعنا هذا التزيد في الحديث عن دور حمساوي في المشهد المصري.
لقد أعيد الى شاشة الحاسوب، كل ما مر على البرنامج من أسماء حمراء على مر الحِقب. ربما يمكن معالجة أمر كل اسم على حدة، لكي يبقى التذكير بأن الدخول والمرور استثنائي وأن القاعدة حمراء. لقد قلنا في سطور سابقة، إننا شعب تحكمه المنافذ على النحو الذي يخصم من ترف السياسة ومن ترف التنظير وتطيير أنباء العنفوان الجهادي. لقد بات حالنا، في المعابر والمطارات، يصعب على الكافر، لا لشيء سوى أن خضراءنا تريد أن تثبت بلا براهين، أنها شقيقة الزلازل وفاتحة الاستراتيجيات البديلة، وممتصة الظنون والتخرصات، حتى ولو كانت بحجم الرأي العام المصري. وهذا وهم يلامس الجنون. فالحقيقة أن الدولة في مصر قوية، وأقطاب "الجماعة" يلتمسون عودة آمنة الى بيوتهم، و"الجزيرة" تتسلى لأنها بعيدة وتبني ناطحات السحاب والمنشآت الرياضية استعدادا لكأس العالم بعد سبع سنين. ونحن مضغوطون ومحشورون في السياسة، لا نعيش يومنا متفائلين، وينز القيح من جنبات الحياة والاجتماع، واستحالت سنغافورة التي حلمنا بها، أكثر بؤسا من "هرغيسا" المضاءة، في جنوبي الصومال. ماكثون كلنا في خريف أوقاتنا، وبات اخضرار "الجماعة" في الإقليم قاني الإحمرار.
ليفني تتقمص دور البلطجي!
عادل عبد الرحمن – الحياة
حرصت تسيبي ليفني خلال السنوات الماضية، منذ تأسيس حزب "كاديما"، الذي انشقت عنه عشية الانتخابات للكنيست الـ (19) وشكلت حزب "الحركة" 2013 بتمثل دور "حمامة السلام"، مع انها كانت حصان طروادة في إسقاط حكومة إيهود اولمرت قبل ست سنوات خلت. ومازالت حتى اللحظة المعاشة، توحي للمراقبين والقادة السياسيين، انها "ركيزة" السلام في حكومة نتنياهو.
لكن من سمع وزيرة العدل، رئيسة الوفد الاسرائيلي المفاوض قبل يومين، وهي توجه تهديداتها للرئيس محمود عباس، يكتشف ان السيدة ليفني ليست بعيدة عن نتنياهو ولا عن ليبرمان وبينت واريئيل، لا بل هي اليد الناعمة لتمرير الرؤية الاسرائيلية الاستعمارية؛ كما انها بتهديداتها تعترف، بانها لم تغادر عقلية سيدة المخابرات القاتلة.
تصريحات رئيسة حزب "الحركة" تميط اللثام عن وجهها المعادي للسلام، لانها تعرف جيدا، ان الضغط على الرئيس ابو مازن والقيادة الفلسطينية للاعتراف بـ"يهودية" الدولة الاسرائيلية، لا يجدي نفعا، لان هذا الشرط الاستعماري، والمعادي للتاريخ والوقائع ولخيار السلام، يعني انهيار العملية السياسية برمتها.
فضلا عن ذلك، فإن القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس عباس لا تخشى تهديدات ليفني ولا نتنياهو ولا ليبرمان ولا يعلون ولا اي قائد إسرائيلي مسكون بتزوير التاريخ بغض النظر عن النتائج.
وليفني لمن لا يعرف، أعلنت بتصريح صريح قبل ايام غير بعيدة، عن رفضها لمطلب نتنياهو باعتراف الفلسطينيين بـ"يهودية" الدولة، كما فعل رئيس دولة التطهير العرقي شمعون بيرس. واعتبرته ليس اساسا لتقدم السلام، وأن دولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية غير معنية بذلك الشرط. فما الذي جرى يا وزيرة العدل؟ لماذا امسى الاعتراف بشرط نتنياهو مطلبا لك؟ وهل بات ضروريا الآن ؟ أم انك خلعت الكفوف البيضاء من يديك، ولبست ثوب البلطجي، لتلعبي دور اقطاب اليمين المتطرف في ائتلافك الحاكم؟ وهل تعتقدين ان تهديداتك يمكنها تحقيق ما لم يحققه نتنياهو وليبرمان وبينت وباقي الجوقة العنصرية؟
أيا كانت كومة الاسئلة، التي يثيرها ويبتزها تصريحك، فإنك خسرت مجددا مكانتك، التي حرصت على إظهارها امام الرأي العام الاسرائيلي والفلسطيني والعربي والعالمي. وعدت مجددا لاستعادة دورك المخابراتي. وكشفت دون مواربة عن وجهك الحقيقي، وجه القاتل الاسرائيلي، الذي يرفض السلام، ويسعى لتعطيل الجهود الاميركية، التي يبذلها جون كيري بشكل منهجي وعن سابق تصميم واصرار.
الحفاظ على المرجعية!
بقلم: يحيى رباح – الحياة
عندما استجبنا الى جهود دولية على رأسها الولايات المتحدة الاميركية، كما استجبنا الى نصائح وتقييمات غربية لاستئناف المفاوضات الحالية المتعثرة جدا، كان لدينا الكثير من الاشارات بان هذه المفاوضات ربما تؤول الى الفشل، وها نحن نقترب فعليا من اعلان الفشل اذا لم يحدث اختراق شبيه بالمعجزة.
وكانت خبرتنا الطويلة، وتجاربنا الكثيرة، ومعرفتنا العميقة بالطرف الآخر الذي يتفاوض معه، وهو حكومة اسرائيل، حكومة بقيادة نتنياهو، تشكل ائتلافا على هذا النحو الذي يلعب فيه المستوطنون والمتعصبون العنصريون الدور الابرز، وكان لدينا ما يشبه التأكيد على ان هذا الائتلاف الحاكم الحالي، عاجز تماما عن التقدم الى الامام ولا حتى بالحد الادنى صحيح ان نتنياهو حاولت بعض الاوساط الاسرائيلية والاميركية ان تروج له انه الشخص القوي الذي سيكون قادرا على تقديم تنازلات حقيقية، ولكن حين جاءت الاختبارات ثبت انه عاجز بالمطلق، وانه تنازل بالمطلق لصالح المستوطنين والمتعصبين، وان الخشية من سقوط الائتلاف الاسرائيلي اصبحت فزاعته المحببة، وان الهواجس الامنية لديه وصلت الى حد الهستيريا مثل ادعاء ان بقاء الجيش الاسرائيلي في الاغوار الفلسطينية سيردع التهديد الايراني وكان قبل ذلك يهدد بانه سيذهب الى ايران ويدمر التهديد النووي، وعندما فاجأه حلفاؤه بانهم يعرفون انه لا يستطيع ذلك، فسحبوا منه الملف وتولوه بانفسهم "الخمسة+واحد" وبدا من وقتها يصرح بانه سيبقى في الاغوار الفلسطينية حتى اذا وصل التهديد الايراني الى حافة النهر قام بمواجهته، معادلة وهمية مضحكة لا يصدقها احد.
إذاً، اسرائيل ليست مؤهلة الان لمفاوضات جدية، ولا لتلقي جوائز السلام الكبيرة، اسرائيل يقودها الان فعليا قطعان المستوطنين الذين يختبئ وراءهم نتنياهو، وبما ان اميركا لم تحزم امرها بعد لاسباب كثيرة في الضغط الحقيقي على اسرائيل، فان المفاوضات ستصل الى الجدار وتتوقف.
ما هي اولوياتنا؟ اولوياتنا تكمن في عدم تقديم هدية مجانية لاسرائيل بالانسحاب من المفاوضات، بل يتوجب على من يدير هذه المفاوضات وهو الراعي الاميركي ان يعلن فشلها، وان يرى العالم ويسمع صوت العربدة الاسرائيلية والسلوك الشائن من قبل المستوطنين لكي يقول ان الاسرائيليين لا يفاوضون، بل يعتدون، ويمارسون الممارسات الشاذة!
اما الاولوية الثانية: فهي الحفاظ على المرجعية، لدينا مرجعية بتصويت باغلبية غير مسبوقة من الامم المتحدة بدولة مستقلة في حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ولا يمكننا، ولا نقبل ان يطلب احد منا ان نقبل بمرجعية اقل، وعندما حصلنا على هذا المكسب لم نكن نتفاوض، واذا حصلنا على مكاسب أخرى في المستقبل من خلال عضويتنا في منظمة الامم المتحدة، فسوف يضاف ذلك الى الرصيد، ويجب ان تظل مرجعيتنا قائمة على ان الاستيطان قديمه وحديثه غير شرعي، ولن يكسب أي نوع من الشرعية منا فلسطينيا، واذا ما فشلت المفاوضات ثم استؤنفت مرة أخرى، فسوف نستأنف على هذه المرجعية مضافا اليها ما اكتسبناه في الطريق.
“القنبلة الديموغرافية” و“يهودية الدولة”
بقلم: د. اسعد عبد الرحمن – الحياة
هناك ثوابت جوهرية يرتكز عليها الاجماع القومي الصهيوني تتمحور في اجماع على كون اسرائيل دولة يهودية. ولطالما عبر المسؤولون الصهاينة عن تخوفهم من “القنبلة الديموغرافية” التي يمثلها العدد المتزايد لفلسطينيي 48 (وكذلك في الضفة وقطاع غزة).
واكدت مجموعة من الدراسات والاحصائيات السكانية والاجتماعية صدرت في اسرائيل، ان العامل الديمغرافي مفترض له ان يكون احد اهم العوامل في موضوع “يهودية الدولة”. وفعلا، سلط خبراء ومحللون الاضواء على الهاجس الديموغرافي الذي يشغل الصهيونية واسرائيل. لذا، لم يكن من المستغرب تصريح وزير الخارجية الأميركية (جون كيري) الذي قال فيه: “الديناميات الديمغرافية في اسرائيل شكلت تهديدا وجوديا يجعل من المستحيل على اسرائيل ان تحافظ على مستقبلها كدولة ديمقراطية يهودية”.
وسبق ذلك، تخوفات كل من زعيم المعارضة الاسرائيلي (اسحق هيرتزوغ) والعضو الرفيع في مجلس الوزراء (يائير لابيد) من ان الاتجاهات الديمغرافية سوف تحول اسرائيل الى “دولة ثنائية القومية”. وفي معظم المواقف التي يتم فيها ذكر عامل السكان، يُذكر كسبب عاجل لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.
في وعد بلفور 1917، وعدت بريطانيا بوطن قومي للشعب اليهودي، وليس بدولة يهودية. وفي 1948، وحين قدم طلب الاعتراف باسرائيل للرئيس الأميركي (هاري ترومان) ليقوم بتوقيعه، قام بشطب وصف اسرائيل بالدولة اليهودية الجديدة وكتب بدلا منها وبخط يده عبارة “دولة اسرائيل الجديدة”. وكان هذا اول اعتراف من اي دولة في العالم باسرائيل، ما يؤكد ان العالم لم يعترف يوما بيهودية اسرائيل.
عربيا، لم ترد اي اشارة تعتبر اسرائيل دولة يهودية سواء في اتفاق السلام المصري الاسرائيلي 1979، واتفاق السلام الاردني الاسرائيلي 1994. كذلك، رسائل الاعتراف المتبادل بين الرئيس الراحل (ياسر عرفات) ورئيس وزراء اسرائيل الاسبق (اسحق رابين) التي سبقت اتفاقات اوسلو. اي ان كل الوثائق الدولية التي تعتبرها اسرائيل اساس شرعية وجودها، لا تعترف بيهودية الدولة. بل ومنذ عشر سنوات الغيت خانة الديانة في اسرائيل (يهودي، مسلم، مسيحي، درزي)، واصبحت كلمة الجنسية تملأ بكلمة واحدة للجميع (اسرائيلي).
في مقال نشرته “فورين بوليسي” للباحث المشارك في برنامج الشرق الاوسط في مجال العلاقات الخارجية (يوري سادوت) بعنوان “قنبلة اسرائيل الديمغرافية الموقوتة ليس لها فتيل”، كتب يقول: “اذا استمعت الى بعض كبار المسؤولين الاميركيين والاسرائيليين، فستتشكل لديك القناعة بان “قنبلة اسرائيل الديمغرافية الموقوتة” تدق - وانها مهيأة للانفجار في اي يوم الان”. ويضيف (سادوت): “مخطط (برافر) القاضي بتهجير عشرات الاف الفلسطينيين من مناطقهم في النقب، له علاقة بمسألة تهويد الدولة وليس (بالقنبلة الديموغرافية)”. ويضيف: “كذلك، وفي مناسبة الحديث حول اتفاق نهائي بين اسرائيل والفلسطينيين في موازاة جولة المفاوضات الحالية بين الجانبين، طرحت مرة اخرى (لتكريس يهودية الدولة) فكرة نقل مناطق من المثلث العربي في اسرائيل الى سيادة الدولة الفلسطينية المفترض انها قادمة”. ونقلت صحيفة “معاريف” عن مصدر سياسي اسرائيلي رفيع، ضالع في الاتصالات بين اسرائيل والولايات المتحدة، ان “اقتراحا كهذا من شأنه ان يحل قضية تبادل الاراضي وفي الوقت عينه ان يساهم في الحفاظ على “التجانس الاثني” لاسرائيل اي الحفاظ على طابعها اليهودي عبر التخلص من 300 الف عربي”.
اعادة طرح هذه الافكار يثبت انه ما من موضوع حاليا (عدا “حق العودة” للاجئين الفلسطينيين) يتوافق حوله “اجماع قومي ووطني اسرائيلي” اكثر من موضوع المحافظة على “الطابع اليهودي- الصهيوني” لدولة اسرائيل. وان امل اسرائيل الوحيد للحفاظ على هويتها، كما يقول انصار نظرية “القنبلة الديمغرافية الموقوتة” هو ابرام صفقة سلام سريعا مع الفلسطينيين تعبد الطريق لقيام دولة فلسطينية مستقلة. لكن القبول بمصطلح ومطلب “يهودية اسرائيل” يعني التنازل عمليا عن “حق العودة” بشهادة فلسطينية/ عربية، ومنع عودة اللاجئين الى وطنهم المحتل عام 1948، كي لا تؤثر عودتهم على الديموغرافية الاسرائيلية وطابع “الدولة اليهودي”. وهذا المطلب يتضمن ايضا توجه اسرائيل نحو طرد فلسطينيي الـ 48 من وطنهم بزعم الحفاظ على نقاء “الدولة اليهودية”. كما يخدم محاولة جذب مزيد من يهود العالم الى اسرائيل.
"تسيبي" اصعب من "بينت"
بقلم: عادل شديد – الحياة - باحث في الشان الاسرائيلي
ردا على مقالة السيد يحيى رباح التي نشرت في الحياة الجديدة عدد يوم الاربعاء الماضي، بعنوان (حتى انت يا ليفني)
امر غريب عندما تختلط الامور والمفاهيم في قراءة الاحداث السياسية، حيث تقرأ ان البعض قد استغرب تصريحات وزيرة القضاء الاسرائيلي تسيبي ليفني، والتي حملت تهديدات مباشرة للسيد الرئيس ابو مازن حول تدفيعه ثمن تمسكه بالثوابت الوطنية ورفضه لمقترحات وزير الخارجية الاميركي جون كيري والتي ستؤدي الى اعادة تجميل للاحتلال.وهذا يؤكد ان البعض كان يتوقع منها عكس ذلك. وكأن تسيبي ليفني قد تخلت عن موقعها الريادي في الحركة الصهيونية، الى حد ان البعض وصفها بممثلة الحمائم.
الحكومة الاسرائيلية الحالية التي مضى على اقامتها حوالي العام والتي تشكل تسيبي ليفني جزءا منها. لم يرد في برنامجها السياسي المتفق عليه من قبل كافة مكوناتها اي ذكر لحل الدولتين او الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران للعام 1967. بل اكتفى برنامجها السياسي بالموافقة على اجراء مفاوضات مع السلطة الفلسطينية وفي حال التوصل لاية تفاهمات وهذا مستبعد تماما نتيجة التركيبة اليمينية للحكومة، بان يتم عرضها على المجتمع الاسرائيلي من خلال استفتاء عام.
تسيفي ليفني والتي ما زال البعض يعول على وجودها ضمن طاقم المفاوضات الاسرائيلي بان تحدث اختراقة وانطلاقة جدية في العملية السياسية. كانت قد انتقلت للحياة السياسية بعد عمل طويل في جهاز الموساد الاسرائيلي في الكثير من المهمات في الدول العربية، وتنحدر من اسرة تعتبر من رواد المشروع الصهيوني في المنطقة. ووفق الحراك السياسي في اسرائيل تعتبر ليفني اليوم من رواد مدرسة بن غوريون الصهيونية والمتمثلة في انكار الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا الفلسطيني وفي مقدمتها حريته وعودته واستقلاله.الا ان ما يميزها عن التيارات الصهيونية الاخرى رؤيتها للحفاظ على علاقات استراتيجية مع الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا وذلك بناء على مبادئ بن غوريون والتي تحدد ان اسرائيل يجب ان تبقى ثقافيا جزءا من الغرب رغم وجودها في المنطقة العربية.وذلك لكي تبقى قائمة وقوية من خلال التحالف مع الغرب بعد اقناعة بان اسرائيل تشكل خط الدفاع الاول عن المصالح الغربية في المنطقة من خلال استمرار اليهمنة والسيطرة على العالم العربي وموارده وثرواته ومنع بروز كيان عربي قوي في المنطقة..
ارى ان تسيبي ليفني تشكل خطرا على القضية الفلسطينية اكثر من الخطر الذي يشكله نفتالي بنيت وافيغدور ليبرمان.لما لها من امتداد خارجي ودولي.


رد مع اقتباس