المقالات في الصحف المحلية،،،ملف رقم (324)
|
المقالات في الصحف المحلية
|
على مفترق طرق ... ورسالة التهديد بحل السلطة وصلت !!
بقلم: حديث القدس – القدس
أيّ مستقبل لـ «الإسلام الحزبي»؟
بقلم: عبد الإله بلقزيز – القدس
الفلسطينيون أمام سيناريوهات كارثية وتحدِ وجودي!!
بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب – القدس
ملاحظات عشية انعقاد المجلس المركزي لمنظمة التحرير
بقلم: يونس العموري – القدس
ثورات ملونة...
بقلم: خيري منصور - القدس
انتخابات الجزائر....... هل هي شهادة وفاة للربيع العربي؟
بقلم: عبد الرحمن ابوعرفة – القدس
.. إلاّ "التفليسة" ؟!
بقلم: حسن البطل – الايام
حلُّ السّلطةِ أم مقاربةٌ جديدةٌ؟
بقلم: هاني المصري – الايام
آخر العلاج الكي: تسليم مفاتيح السلطة
بقلم: رجب أبو سرية – الايام
فرق جوهري بين تسليم مفاتيح السلطة وبين تغيير أدوارها ووظائفها!
بقلم:مهند عبد الحميد – الايام
حريري المكسور
بقلم: زياد خداش – الايام
تغريدة الصباح - هذا المثقف لهذه المناسبة..
بقلم: أحمد دحبور – الحياة
هل اقتربنا من خراب مالطا؟
بقلم: د. صبري صيدم – الحياة
احذروا السقوط في شرك «التلموديين» !
بقلم: موفق مطر – الحياة
الاسلام والغرب ضرورة تدوير الزوايا (3)
بقلم: هاني فحص – الحياة
دولة الجمال
بقلم: رياض مصاروة – الحياة
على مفترق طرق ... ورسالة التهديد بحل السلطة وصلت !!
بقلم: حديث القدس – القدس
نقف نحن الفلسطينيين ومعنا المنطقة بأسرها على مفترق طرق حاسم خلال الايام القليلة القادمة. بعد اسبوع تنتهي رسمياً الفترة التي تم تحديدها لدى استئناف المفاوضات، لتكون فاتحة عهد جديد نحو الحل السياسي المأمول. الا ان شيئاً لم يحدث ويقترب موعد انتهاء المرحلة في 29 الجاري وتتكثف اللقاءات الاسرائيلية الفلسطينية بحضور الوسيط الاميركي مارتن انديك، ومن المتوقع ان يعود وزير الخارجية الاميركي جون كيري الى المنطقة في محاولة جديدة لاخراج المفاوضات من مأزقها.
وفي هذه الاثناء يستمر الاستيطان والتهويد والتهجير بدون توقف وتتصاعد النبرة السياسية الاسرائيلية لدى قادة في الحكومة ورؤساء احزاب، سواء بالتهديد بالانسحاب من الحكومة وربما الدعوة الى انتخابات نيابية جديدة، او بتوجيه الاتهامات الى السلطة الوطنية ورئيسها ابو مازن وقد وصلت حد المطالبة بالتخلص منه لانه حسب خزعبلاتها، ليس شريكاً مناسباً لتحقيق السلام.
ازاء ذلك بعثت القيادة الفلسطينية رسالة اولية بسيطة الى حكومة اسرائيل تمثلت بطلبها الانضمام الى عدد محدود من المعاهدات والمنظمات الدولية، مما اغضب اسرائيل وجعلها تتخذ خطوات مالية وسياسية ضد السلطة، وكأنها كانت تتوقع ان تقوم بكل ممارساتها من استيطان وتهويد واقتحام للمسجد الاقصى المبارك ومصادرة الارض ورفض القبول بحدود 1967 كمرجعية للحل القائم على مبدأ الدولتين، والمطالبة بيهودية الدولة، وما الى ذلك، وان نظل نحن وتظل السلطة «سعداء» بذلك ونظل ندور في الحلقة المفرغة من المفاوضات لعشرين عاماً آخر ولا نحرك ساكناً ولا نقوم بأي رد فعل.
اليوم تتحرك الازمة التي خلقتها اسرائيل خطوة اخرى نحو التصعيد وذلك من خلال التصريحات القوية المباشرة من الرئيس ابو مازن والتي اعلنا فيها احتمال اتخاذ قرار بحل السلطة، بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات في منتهى الجدية والخطورة على كل الاصعدة الفلسطينية والاسرائىلية والاقليمية وربما الدولية ايضاً. وسيعقد المجلس المركزي الفلسطيني اجتماعاً خاصاً لاتخاذ القرار المناسب لمواجهة هذا التعنت الاسرائيلي والغطرسة بلا حدود والاستهتار بكل الحقوق والقوانين والمفاهيم الدولية وبكل أسس حل الدوليتن.
ليس من المؤكد اتخاذ قرار حل السلطة، بل ان مسؤولاً فلسطينياً نفى طرح الموضوع للنقاش اساساً بينما اكد مسؤول آخر عكس ذلك تماماً، وذلك ادراكاً لمعنى قرار كهذا، الا ان الرسالة من كل هذا قد وصلت الى اسرائيل بكل وضوح وخلاصتها ان حل السلطة احتمال وارد ان لم يكن خلال هذه الجلسة للمجلس المركزي ففي جلسة اخرى قادمة متى تطلب الامر ذلك واذا اغلقت كل الابواب امام اية حلول. وقد يكون الامر انذاراً غير مباشر للوسيط الاميركي وعلى طاولة محادثات كيري في زيارته القادمة الينا قريباً.
لقد وصلت الامور الى اخطر مراحلها السياسية، وبدون تحرك اميركي جدي وبدون تجاوب اسرائيلي مع متطلبات اي حل سياسي، فان كل الاحتمالات واردة وعلى رأسها حل السلطة، كما يحذر الرئيس ابو مازن، .... فهل يسمعون أم ان غطرسة القوة تعمي ابصارهم واوهام التوسع تلغي افكارهم...؟!
أيّ مستقبل لـ «الإسلام الحزبي»؟
بقلم: عبد الإله بلقزيز – القدس
في غمرة الشعور بالانسداد الحادّ الذي وصلته تجربة "الإسلام الحزبي"، في البلاد العربية والإسلامية، وخاصة في تجلياتها الثلاثة الغلاّبة: العنف التكفيري المسلح، الإمعان في إقحام الدين في العمل السياسي والصراع على السلطة، الفشل الذريع في إدارة سلطة الدولة من قبل التيارات "المعتدلة" في "الإسلام الحزبي"، ربما يخامر البعض سؤال عن إمكان بروز "إسلامٍ سياسي" مختلف، على مثال "الإسلام السياسي" التركي - ممثلاً ب"حزب العدالة والتنمية" - حيث درجة الصلح مع العلمانية والحداثة عالية جداً، وبما لا يقاس بعلاقة الإسلاميين الحزبيين العرب بهما..
السؤال مشروع من وجوهٍ عدة لعل الأظْهَرَ فيها وجهان: أوّلهما أن حال "الإسلام الحزبي" العربي، والإسلامي، بلغت حداً من الاستنقاع لم تعُد الناس، بإزائها، تخشى على دنياها وعلى حرياتها ومكتسباتها المدنية الحديثة، فحسب، بل باتت تخشى على دينها السّمح من تشدُّدٍ ومغالاة وتَعَصُّب، غير مسبوقة، تهدد جوهره بالتقويض! وفي مثل هذه الحال من البرم والسوداوية واليأس، تنبعث - عادة - أسئلة المُرْتَجَى من نوع هذا السؤال عن إمكان ميلاد "إسلام سياسي" جديد . وثانيهما أن التجربة الإسلامية التركية الجديدة أثبتت أنها اهتدتْ إلي قرانٍ ناجح بين الإسلام والعلمانية، بين الإسلام والحداثة، وأن تنظيماتها الحزبية ("حزب الرفاه"، "حزب الفضيلة"، "حزب العدالة والتنمية") كانت مقنعة، لقطاع واسع من الشعب التركي وقطاع واسع من الرأي العام في العالم، بأنها حاملة لمشروع سياسي واجتماعي لا يُصَادِمُ الدين بالدنيا، ولا الإسلام بالحداثة، وإنما يؤلّف بينهما من غير تلفيق .
كان يمكن مثل هذا السؤال أن يبنى على مثالٍ عريقٍ في الدمج الفذ بين مبادئ الدين وقواعد السياسة، من غير تخليط، هو مثال الأحزاب الديمقراطية المسيحية في ألمانيا وإيطاليا وبعض أوروبا، خاصة بالنظر إلى ما تحصل في تجارب الديمقراطية المسيحية من تراكم في مجال التوليف التركيبي بين الديني والسياسي فيها .
غير أن بناءه على المثال التركي ذو دلالة كبيرة لا سبيل إلى تجاهلها؛ فإلى أنه يبني على مثال من الدائرة الإسلامية تتبدد معه تنميطات غربية لإسلام "سياسي" كلاني "أفغاني أو سوداني أو إيراني . .)، ويعزز بذلك المثال الإسلامي (التركي) فرضية إمكان قيام "إسلام حزبي" عربي يحتذي المثال ذاك، فإنه يتميز نفسه - في الوقت عينه - من نموذج غربي لا تُدْرك تجربة الحزبيات الديمقراطية المسيحية فيه إلا من طريق فهم أدق لخلفياتها التاريخية وسياقاتها المعاصرة؛ التجربة التاريخية الخاصة للعلاقة بين الدولة والدين، السياسي والديني في أوروبا، العلمانية الحديثة ومكتسباتها السياسية؛ الدولة الوطنية الحديثة في الغرب وقيم الديمقراطية الحاكمة لها . . .إلخ .
السؤال مشروع، من هذه الزاوية بالذات، ومبرر تماماً إن كان معيار المشروعية (هو) حقل السؤال (المثال الغربي أو المثال الإسلامي المطلوب احتذاؤه أو بناء المقارنة عليه) . ولكن المعيار نفسه قابل لأن يُحَكَّم تحكيماً على المثال الإسلامي التركي نفسه، أي لأن يُؤخَذ مقياساً لعيار مدى إمكان التفكير في ميلاد "إسلام سياسي" عربي على المثال التركي؛ ذلك أن المشترك الديني والتاريخي بين التجربتين السياسيتين، التركية والعربية، ليس يكفي لتأسيس سؤال الإمكان عليه، إن كان يكفي لإبطال شرعية بناء السؤال (عينه) على الخبرة التاريخية الغربية للحزبيات الديمقراطية المسيحية، بما هي خبرة غير مطابقة، ولا مناسبة، للعَوْد إليها مرجعاً أو متكأ .
أما مبرر التحفظ في بناء فرضية إمكان الميلاد على المثال التركي فيكمن في أن لهذا المثال سياقات تاريخية: سياسية وثقافية، نشأ فيها وتطور وارتسمت ملامحه وقسماته في نطاق معطياتها، وأن السياقات تلك لم تكن مما شهدته التجربة العربية الحديثة والمعاصرة، ولا مما تولد منه كيان الحركات الإسلامية في الوطن العربي؛ هذه التي تخلقت أفكارها ومؤسساتها من شروط تاريخية - سياسية وثقافية - أخرى مختلفة .
إن بناء سؤال إمكان ميلاد "إسلام سياسي" عربي على المثال التركي (على مثال "حزب العدالة والتنمية")، وأياً يكن موقف المرء من هذا المثال، ومن مدى شرعية تنزيله منزلة النموذج، يصطدم بحقيقتين لا سبيل إلى تجاهلهما، أو إلى إنكار ما تعنيانه من اختلاف؛ أولاهما أن الحركة الإسلامية التركية (منذ "حزب الرفاه" حتى "حزب العدالة والتنمية") سليلة حركة إصلاحية إسلامية عرفتها تركيا العثمانية منذ القرن التاسع عشر، ولم تقطع معها بقدر ما استعادتها؛ منذ الخمسينات من القرن العشرين الماضي .
وهذا مما يختلف، جذرياً، عن تجربة "الإسلام الحزبي" العربي الذي آذن ميلاده - منذ عشرينات القرن العشرين - بقطيعة حاسمة مع منظومة أفكار الإصلاحية الإسلامية النهضوية للقرن التاسع عشر! بل وبانقلاب شامل عليها . وثانيهما أن الحركة الإسلامية التركية نَمَت في حضن الحداثة العلمانية، وتشبعت بقيمها لعشرات السنين، فيما نما "الإسلام الحزبي" العربي في كنف النظم الاستبدادية والتسلطية، وفي مناخ انحطاط الثقافة الدينية وسَرَيان قيم الحق المزعوم لتدخل المؤسسات الدينية في الحياة الخاصة والعامة (ومنها الحياة السياسية) .
وعلى ذلك فالمقارنة ليست تجوز؛ وقديماً قال الفقهاء: لا قياس مع الفارق .
الفلسطينيون أمام سيناريوهات كارثية وتحدِ وجودي!!
بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب – القدس
هل يستيقظ الفلسطينيون ويلحقون بقطار المصالحة ويعيدون لهويتهم وقضيتهم القومية اعتبارها، ام أنهم سيبقون أدوات في يد غيرهم يحركونهم كما يشاؤون ومتى يشاؤون؟ وقد ينطبق على الحالة الفلسطينية القول الشكسبيري إما أن نكون أو لا نكون ، وقول البرت أينشتاين :«لا أفهم كيف يعيد شخص نفس التصرف بنفس التفكير في نفس الظروف ثم يتوقع نتائج مختلفة».
ويبدو لي أن من يتحكمون في قرار الإنقسام والمصالحة لم يقرأوا تاريخ فلسطين جيدا ، ولم يستوعبوا التحولات الإقليمية والدولية التي تلف بالقضية الفلسطينية ، وهم يصرون على الإنقسام ، ويديرون قضيتهم بنفس الأدوات التاريخية التقليدية التي تجاوزها الزمن ، وفي الوقت ذاته يريدون تحرير الأرض وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة ، الفشل الذي نحن فيه وأحد أهم مخرجاته الإنقسام ،سببه التفكير بنفس الطريقة ، وبنفس الأسلوب، وبنفس العقلية التقليدية .وإذا إستمرت الحالة الفلسطينية على هذه الحالة فلا خيار أمامهم إلا مزيدا من الإنحدار والتراجع والتقوقع حول كينونات سياسية هشة لا تحكم نفسها. وقد تكون أشبه بمن ينتهج سياسة الأغنام أو ما يطلق عليه سياسة المأمأة ، اي الذي ينتظر ما يقدمه له الآخرون حتى يعيش في زمن لا يعرف إلا القوة.
والمفارقة فلسطينيا أن ظاهرة الإنقسام السياسي والتي كانت سمة من سمات التاريخ الفلسطيني والتي صاحبت نشوء الحركة الصهيونية كانت سببا في التراجع الفلسطيني، وفي عدم القدرة على إحتواء كل المشاريع المجهضة للمطالب الفلسطينية الوطنية ، والسبب في عدم التوصل لرؤية فلسطينية واحدة على غرار الحركة الصهيونية التي نجحت في وضع برنامج عمل صهيوني أوصلهم لقيام إسرائيل كدولة ـ وتفاديا لحالة التعدد والتفتت والتشرذم الصهيونية نجحت إسرائيل في تكوين نظام سياسي بمرجعية سياسية وأيدولوجية صهيونية تمكنت من خلاله من احتواء كل التناقضات في إطار نظام سياسي توافقي دون إلغاء دور الدين الذي وظّف لأهداف قومية وسياسية.
هذا لم يحدث على الجانب الفلسطيني، حتى عندما أتيحت لنا الفرصة في بناء نظام سياسي قبل قيام الدولة فشلنا في بناء نظام سياسي توافقي يحتضن كل القوى السياسية والفصائل الفلسطينية في إطاره، وبدلا من ذلك عملنا على إنشاء نظام سياسي احادي القوة ، وأحادي الرؤية الفلسطينية، وأحادي الخيارات. وكانت النتيجة أن هذه السياسة كانت أحد أهم الأسباب لحالة الإنقسام السياسي، والسبب واضح أنه عندما نجحت «حماس» في الإنتخابات الفلسطينية عام 2006 بأغلبية تؤهلها لتشكيل حكومة كاملة منها ، وبالتالي كانت بديلا للحكومة السابقة التي سيطرت عليها فتح، إكشتفت إن النظام السياسي او السلطة التي مسؤوليتها إدارتها وتشكيلها لم تكن قد فصلت على مقاسها، وكان هذا التحدي الأول، السلطة او هيكليتها ليست لها ، فظهر التناقض والصراع بين مؤسسات السلطة على الصلاحيات ، والأخطر على المشروع السياسي، حماس جاءت ومعها مشروعها الذي أرادت تطبيقه وتنفيذه فكان التحدي والتناقض الثاني، هذه الحالة هي التي أوصلت إلى الإنقسام السياسي، فحماس رأت أنه ليس امامها إلا الإنقلاب على السلطة او على نفسها لتعيد تشكيل السلطة في غزة كما تريد، وهكذا وجدنا أنفسنا أمام كيانيين منفصلين ومنقسمين.
وهذا هو السبب حتى الآن في تعميق حالة الإنقسام السياسي وفشل كل محاولات المصالحة لأنها تتم في نفس الإطار التقليدي للسلطة الذي لم يعد صالحا في إنهاء الإنقسام. ولم تكتف حركة «حماس» أو «فتح» كل في منطقة نفوذه الجغرافية التي تتحكم فيها إسرائيل في العمل على الذهاب بالإنقسام درجة أكثر تقدما، وهي الذهاب نحو الإستقلال من خلال خلق بنية تعمل على تعميق هذا الإنقسام تمهيدا لمرحلة الإستقلال التي تتطلب إستحقاقات سياسية وإقتصادية، تتمثل في توفير الموارد الذاتية والعلاقات الإقليمية والدولية او شبكة من التحالفات الإقليمية التي تحتضن بنية الإنقسام.
والحالة الفلسطينية تعيش هذه المرحلة وهي مرحلة الإستقلال، تمهيدا للذهاب لمرحلة الإنفصال التام على غرار اي كيانين سياسيين مستقلين، وقد يبدو هذا السيناريو الكارثي بعيدا الآن ، لكنه الخيار البديل للمصالحة ، فعدم تحقيق المصالحة سوف يدفع في اتجاه هذا الإستقلال. وليس صعبا تحقيق هذا الخيار ، ففي الضفة الغربية ومن خلال صيغة تفاوضية ما وبإرتباط أردني يمكن الذهاب إلى هذا الخيار، وفي غزة ايضا الوضع ليس صعبا من خلال هدنة طويلة الامد مع إسرائيل مع رفع الحصار بدور تركي واضح في هذا المجال على اعتبار غزة نموذجا للحالة السياسية الثابتة والمتبقية من امل لإستعادة الأخوان دورهم وسلطتهم السابقة ، وهذا التعامل مع غزة ليس من منظور فلسطيني بحت، بل من منظور تنظيمي أوسع وأشمل.
وكان من الممكن تحقيق هذا الخيار لولا خسارة الأخوان الحكم في مصر. الوقائع على الأرض تؤكد هذا الخيار الكابوس الذي سيكون ثمنه بلا شك ضياع القضية الفلسطينية ، وليس فقط تراجعها ، وتذويب الكيانية الفلسطينية في كيانات أخرى.
هذا ما اردت أن احذر منه في حال فشل خيار المصالحة الفلسطينية . فالبديل هو الإستقلال وليس بالضرورة بالمعنى السياسي التقليدي، فهل نستفيق قبل فوات الأوان؟
ملاحظات عشية انعقاد المجلس المركزي لمنظمة التحرير
بقلم: يونس العموري – القدس
حيث ان الحالة الوطنية الفلسطينية وصلت الى واقع غير مسبوق من العبثية وانسداد الافاق بمختلف اشكالها والقضاء على امكانية خلق واقع مقاوم استنهاضي جراء تجفيف بؤر المقاومة والقضاء عليها واصدار الفتاوى التي قد تصل الى حد اعتبارها رجسا من افعال الشياطين ممن باتوا اليوم يعتلون منصات الامامة والخطابة ... وحيث ان الاقتتال الداخلي والانقسام والانقلاب قد احتل الجزء الاكبر من المشهد العام الذي يسيطر على فلسطينيتنا ، وحيث ان عبثية التنظير صارت حرفة لمن لا حرفة له لتسويق المشبوه وقد اضحى سيد الموقف وبما ان الرويبضة تنطق جهارا نهارا فلابد من وقفة جادة على اعتاب انعقاد المجلس المركزي والذي قد يأتي بالجديد لإيقاف المهزلة وحالة الانهيار او اعلان استمرار فصول العبثية ....
ايها السادة انه في ظل الواقع الفلسطيني الراهن، من الواضح ان ما يسمى بالحوار الوطني الفلسطيني في اطار المجلس المركزي المؤسسة التي من المفروض انها جامعة وسيدة نفسها وقادرة على صياغة منظومة القرارات المتوافقة والمنسجمة والمصالح العليا للشعب ولأهدافه وتطلعاته، قد بات ضرورة اقليمية لعدة اعتبارات لعل اهمها وابرزها انقسام المنطقة بشكل رأسي ما بين مناهج متناقضة ومختلفة تمام الاختلاف، قبل ان يرتقي لأن يشكل ضرورة وطنية شعبية، وهو الأمر الملاحظ والملموس من خلال تحركات القادة الفلسطينيين والإقليميين عرباً كانوا ام غير ذلك، وعلى مختلف توجهاتهم ومستوياتهم وهو ما تبدو عليه الأمور حتى اللحظة وما تعكسه السجالات الفلسطينية المختلفة على أكثر من عنوان وعلى اكثر من قضية والملفت للإنتباه هنا ان هذه العناوين والقضايا التي باتت محل خلاف واختلاف لا يمكن حلها من خلال جلسات الحوار الوطني ثنائية الشكل بين رأسي الانقسام على اعتبار انها قضايا ذات أبعاد استراتيجية اولا وتتطلب التوافق على الإطار العام الذي لابد من ان يراعي هكذا اختلافات وتنوعات بالفهم الأيدلوجي للمسائل وللفهم السياسي من مختلف القضايا التي يتشكل الخلاف عليها الآن مع الأخذ بعين الاعتبار ان ثمة الكثير من هذه المسائل من الممكن التوصل الى ما يمكننا ان نسميه توافق وطني عليها اذا ما تم التوافق على المعايير التي من شأنها قياس ماهية المصالح الوطنية وضروراتها بالدرجة الأولى ...
واعتقد بهذا السياق ان مسألة تحديد الأولويات الوطنية يلزمه اولا التوافق الوطني واستيعاب الأخر في حلبة التنوع الوطني الفلسطيني والتسليم بأن فلسطين لا يمكن احتكار قضيتها من هذا الفصيل او ذاك الحزب ... وهنا لابد من اعادة الأمور الى نصابها الصحيح بمعنى لابد من اعادة الإعتبار للبيت الجامع للكل الوطني الفلسطيني والمتمثل باللحظة الراهنة بمنظمة التحرير والتي وبلا ادنى شك لابد من اعادة صياغة مفاهيمها وتنشيط مؤسساتها واعادة رياديتها الى الواجهة والى ما يجب ان تكون عليه ... وهنا لابد من الاعتراف ان الواقع الفلسطيني الراهن وبصرف النظر عن التسميات والمسميات قد اختلف في ظل المتغيرات العربية والاقليمية حيث الاطروحة الامريكية الاقرب الى دفع الجانب الفلسطيني بالتسليم بما يسمى منهج التسوية السياسية وتقديم التنازلات التي من خلالها سيتم تصفية القضية الوطنية والحقوق التاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني وهو ما يجري الرهان عليه في ظل وقائع المرحلة عموما، بعد ان كان النجاح بتصفية نهج المقاومة المبرمجة من قبل الفصائل الوطنية على مختلف مشاربها وبات عنوان المرحلة اننا لا نريد منح الجانب الاسرائيلي الفرصة لجرنا الى ما يسمى دائرة العنف ....
ان الكثير من قوانين اللعبة السياسية على المستوى المحلي او الإقليمي وحتى الدولي قد صارت مختلفة تماما ما بعد المتغيرات السياسية القيادية في المنطقة وتبدل الاوجه والمناهج وحقيقة الصراعات التي تدور رحاها على اكثر من جبهة وصعيد وبالتالي فإن هذه المتغيرات قد خلقت واقعا فلسطينيا جديدا يتطلب اعادة النظر بالكثير من المفاهيم وبذات الوقت لابد من اعادة تقييم ونقد للمسار الفلسطيني برمته سواء أكان الرسمي والمتمثل بمسار قيادة منظمة التحرير او قيادة السلطة الفلسطينية والأمر ذاته فيما يخص باقي القوى والفصائل وحتى تلك التنظيمات التي تنطوي الأن في الإطار المتناقض ومنظمة التحرير . وحتى يكون النقاش او الحوار ذا معنى وبالتالي يقدم نفسه كمقدمة من مقدمات التوافق الوطني عموما اعتقد انه لابد من التسليم بالأتي:
• ان نهج التسوية قد فشل وبات عاجزا عن تقديم الحلول لأبجديات الصراع. او تقديم الاطروحات التي من شأنها معالجة واقع الاشتباك.
• ان المشهد الإقليمي والدولي يتمظهر اليوم بسلسلة من الهزائم السياسية والعسكرية والنفسية للقوى المعادية لتحرر الشعوب والتي قادت مسيرة استعباد الأمم والجماهير. إذ أثبت خيار المقاومة فعاليته وأفضى إلى تراجع المشروع الأميركي الإسرائيلي في اكثر من منطقة على الساحة الإقليمية، وبات هذا الخيار هو المعطى الاستراتيجي الذي لا مجال للتشكيك فيه.
• ان المسلسل العدواني مني بالفشل والإخفاق فالمنطقة العربية اليوم على غير ما أرادته إدارة العدوان الأميركي/ الإسرائيلي فموازين القوى تتبدّل في غير مصلحتها.
• إن المقاومة في فلسطين وفي لبنان وفي العراق المحتضنة من أهلها هزمت مشروع "الشرق الأوسط الجديد" أو "الكبير" وأحدثت تحوّلاً تاريخياً في مسار الصراع العربي/ الإسرائيلي ومواجهة المشروع الامبراطوري الأميركي.
• ان هذه المرحلة التي حقق فيها نهج الممانعة والمقاومة صمودا امام تغولات المناهج الأخرى، شهدت كذلك تواطؤ مع رأس الحربة في مواجهة الاهداف الوطنية والعربية.
• لابد من اعادة التأكيد على ان فعل مواجهة العدوان وتحرير الاراضي المحتلة يبقيان القضية المركزية التي لا يجوز التحول عنها، وخلق صراعات جانبية مفتعلة تضعف من المواجهة ذاتها.
• لابد من ترسيخ مفاهيم الفعل المقاوم وتثبيت أن المقاومة هي مقاومة الجماهير وليست مقاومة حزب او فئة او تيار محدد وهي مقاومة تتناقلها الاجيال في سياق حركة التحرر الوطنية.
• لابد من اعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني من خلال العودة الى ميثاقها ، وتبني خط المقاومة وتأكيد حق العودة وإعادة بنائها كحركة تحرير ومقاومة بحيث تضم قوى وفصائل المقاومة كافة، والتي اثبتت حضورها في الساحة الوطنية ومقاومتها للعدوان وسعيها لتحرير كامل ارضها، ورفضها لممارسة اي ضغوط عليها من أية جهة للتخلي عن قناعاتها ومفاهيمها الإستراتيجية.
اعتقد ان الحاجة لترميم البيت الفلسطيني وكما أسلفنا الذكر قد اضحى حاجة اقليمية لأكثر من سبب او مسبب لعل اهمها ما ورد اعلاه. ولابد من الإنتباه الى المخاطر الكبيرة والخطيرة والتي باتت تهدد القضية الفلسطينية برمتها وعلى مختلف الصعد. ومن هنا من الممكن فهم هذه الحاجات الإقليمية لتحقيق انجاز التوافق الوطني بحيث ان هذه المخاطر قد اصبحت تشكل مخاطر تهدد اركان كيانات وطنية على المستوى ا|لإقليمي ... ولابد من اعادة قراءة المشهد من جديد وتحديدا ما يتضح بالصورة الأن على المستوى الإسرائيلي والذي صار يخترع اشكالا جديدة لرؤيته المسماة سلامية كنوع من اعادة لإنتاج الرؤية السياسية الإسرائيلية لذر الرماد بالعيون من جديد.
ثورات ملونة...
بقلم: خيري منصور - القدس
لم تكن مفردة "ثورة" متداولة في تاريخنا السياسي . شأن مفردات عدة دخلت إلى القواميس بعد الحرب العالمية الثانية . وكانت كلمات مثل الفتنة والهوجة هي ما يستخدم للتعبير عن اندلاع حراكات شعبية . لهذا سُميت حركة أحمد عرابي المصرية "هوجة" وهي مشتقة من الهياج الشعبي، وحتى عندما استخدمت مفردة الثورة كانت تنحصر في نمطين من الحراك فهي إما بيضاء سلمية كما وصفت ثورة يوليو المصرية 1952 أو حمراء كما وصفت ثورات دموية، وأضافت الماركسية عبر مختلف أشكالها ومواقعها مصطلحات من طراز الثورة الدائمة والثورة المضادة .
لكن عصرنا الذي تفتنه الألوان أطلق ألوان قوس قزح كلها على حراكات شعبية بدءاً من شرقي أوروبا . وكأن التاريخ يخضع هو الآخر للتطور التكنولوجي بحيث يكون هناك تلفزيون ملون مقابل الأبيض والأسود . حتى كلمة فوضى المستقرة في كل معاجم العالم باعتبارها نقيضاً للنظام أو النّسق من أي نوع، تم التلاعب بها وأضيفت إليها صفة ليست من عالمها أو دلالاتها وهي الخلاقة .
وليس مهماً الطرف الذي يُنسب إليه هذا الاشتقاق سواء كان وزيرة خارجية أمريكية أو مستشرقاً يعمل في أحد مراكز الأبحاث المتعلقة بالشرق الأوسط . والأهم هو ما يسمى الآن استراتيجية التسمية . وهو علم لا يستخف به على الإطلاق . لأن هناك قضايا كبرى في التاريخ تتلخص أخيراً في اسم واحد، منها القضية الفلسطينية التي جعلت من الجغرافيا المقدسة حلبة صراع بين اسمين هما فلسطين أو إسرائيل.
وهناك ساسة من العرب خلطوا الكوميديا بالتراجيديا ومنهم من اقترح اسماً مركباً هو "إسراطين" .
إن توصيف الثورات بالألوان كأن تكون برتقالية أو ليمونية أو بنفسجية أو خضراء يتيح المجال لمزيد من التلاعب بتعريف الظواهر التاريخية . بحيث يبقى الباب مفتوحاً على مصراعيه للهواه ومَن يتسلون بلعبة الكلمات المتقاطعة .
وهناك على ما يبدو مَن صدقوا أن التاريخ بمعناه الكلاسيكي الذي عاش عدة ألفيات قد شاخ ودخل طور الاحتضار ثم تطوع موظف من أصل ياباني ليعلن نعيه الفوضى المدمرة ليست وصفة خاصة بالشرق الأوسط الذي وضع خلال العقدين الأخيرين على طاولة العمليات وتوغلت فيه مباضع الجراحين بدءاً بالأوسط الجديد حسب أطروحة بيريس حتى الأوسط الكبير تبعاً لوصفة كونداليزا رايس . لكن ما حدث هو أن محاولة قطّهِ بالقوة لكي يكبر فشلت لكنها قطعت الكثير منه.
أما محاولة تجديده بطبعه عبرية بمناسبة الاحتفال بمئوية سايكس-بيكو فقد اخفقت أيضاً . لأن الجغرافيا ليست كعكة رخوة، بقدر ما هي تاريخ تصلب في تضاريس .
انتخابات الجزائر....... هل هي شهادة وفاة للربيع العربي؟
بقلم: عبد الرحمن ابوعرفة – القدس
لو عدنا سنتين للوراء..
الربيع العربي في أوجه، تنتقل موجة التسونامي من دولة الى اخرى مُطيحة بالرئيس تلو الرئيس. بعد سقوط بن علي ومبارك والقذافي، كان الجميع بانتظار ان تلتف الموجة الى الغرب آخذةً في جوفها النظام الجزائري وعلى رأسه بوتفليقة.
ما الذي حدث بعد عامين فقط، وبدلا من سقوط بوتفليقه في براثن الربيع العربي. نراه يتحدى، ويفوز بالتحدي معلناً ان مريضاً يعاني من اعتلال صحته، ابن سبع وسبعون عاما، عاجز على كرسي متحرك، لم يعلن حتى عن ترشحه للرئاسة بنفسه لعجزه عن مجرد ذلك الترشيح، يعاد انتخابه لفترة رابعة بما يزيد عن 80% من اصوات الناخبين، الذين يمثلون 50% من السكان.
أهو الندم .. أم هي العبرة.. أم هو الدرس المستفاد؟ أم كل ذلك معاً.
الشعب الجزائري الثائر، يرضى اخيرا بالواقع، هل كان يعبر عن ضمير الشعوب العربية، هل قرأ الشعب الجزائري المعادلة واستخلص النتائج؟
نظرت الجزائر الى الغرب، فرأت الجارة الملاصقة تونس، فيا رئيس نزيه لكنه باهت الدور، لا يحكم ولا يرسم، ورئيس حكومة، يتربع على رأس حكومة لا تقنع حتى نفسها فما بالك بالشعب التونسي، نظر الشعب الجزائري الى ليبيا الجارة الثانية، فماذا يرى، لا رئيس ولا رئيس وزراء بل مجموعة من المتخاصمين المنتظرين ان ينقض اي منهم على الاخر، او تجزئة البلاد الى ثلاثة اقاليم يتلوها اخرى.
ينظر الشعب الجزائري الى الشرق اكثر، يرى مصر، حيث رئيس يدخل السجن بعد عام من انتخابه... وعسكري مغامر يتأهب للعب دور السياسي في بلد اصبح في عداد الدول المتسولة، اقصى ما هو منتظر منه هو اعادة مشوهة لعهد مبارك.
ينظر الشعب الجزائري الى الشرق اكثر واكثر، فماذا يرى؟ سوريا... ثلاث سنوات من الثورة التي اصبحت ثورات، لا يعرف من ضد ومن مع، شعب مدمر.. عدد الضحايا بالملايين ما بين قتيل وجريح ومهجر.. وما زالت "الثورة" كالنار تأكل بعضها بعد ان لم يعد هناك ما تأكله.
الشعب الجزائري... يعود الى واقعه وينظر، بوتفليقة وعجزه. وعمره ومرضه، ام مسقبل مجهول يحمل في طياته مظاهر من ثورات الربيع العربي. اذا لماذا لا ننتخبه، فهو يمثل الاستقرار، السلم الاجتماعي، الازدهار برصيد احتياطي يفوق 200 مليار دولار في خزائن البنك المركزي، مقابل خزائن خاوية في جميع دول الربيع العربي.
اختار الشعب الجزائري كل الماضي بسلبياته وايجابياته مقابل مستقبل مجهول مؤجل الى ما بعد رحيل بوتفليقة، مستقبل لا يحمل ايا من مظاهر وأحلام الربيع العربي، مستقبل لا يحمل من ذلك الربيع الا عملية تغيير الفصول، حتى ذلك لم يقنع الشعب الجزائري.
الهذه الدرجة وصلت تقييمات الشعوب الى الربيع العربي!!
من يفكر في احياء ثورة تلفظ انفاسها في سوريا؟ بعض الاردنيين الذين فكروا بالثورة في الايام الاولى للربيع العربي، يعضون اصابعهم ندماً لا يماثله الا الحبور نتيجة فشل تلك المحاولة، البحرانيون، يبتلعون ما قاموا به من شبه ثورة معتبرين ذلك ليس الا تحركا شعبيا ذا مظهر مؤقت لن يعاد. اليمنيون راضون لان نائب الرئيس انقذهم من براثن المصير.
عمر البشير الذي كان مرشحا خامساً لثورات الربيع العربي، وبعد ما ثبت من عقم محاولات التغيير، يستعد لفترات حكم طويلة قادمة، وهو في طريقه لأن يصبح عميد الزعماء العرب دون منازع.
الهذه الدرجة بلغ فشل الربيع العربي.. أبهذه السرعة تغيرت القناعات... ام بهذا البرود تجابه الشعوب العربية توقد الثورات التي اشعلتها قبل أقل من ثلاثة أعوام فقط.
السؤال الاستنكاري حول وفاة الربيع العربي الذي حمله عنوان هذه المقالة، يبدو انه اكثر الاسئلة طبيعية وتعبيرا عن الواقع. فمن الذي يفكر في تغيير نظام نصف الثورة في اليمن، ومن يفكر في تغيير نظام ربع الثورة في المغرب، ومن يفكر في احياء الثورة الميتة في مصر.
اعادة انتخاب بوتفليقة، ليست فقط تجديداً لحكمه، بل نكوصاً عن اهداف ثورات الربيع العربي. لان الانتخابات لم تجر في الجزائر فقط، بل هي عملياً جرت في المغرب وموريتانيا والسودان والسعودية والاردن والخليج ولبنان والصومال وجيبوتي وجزر القمر، اي في جميع الدول التي نجت من ما يسمى بالربيع العربي، مستفيدة مما جرى في دول ذلك الربيع، معطية الانظمة في هذه الدول، شهادة بأنها الافضل من اي ثورة تأتي في سياق الربيع العربي.
لقد اثبتت الشعوب العربية انها قادرة على التحرك والبطش بكل ما هو تقليدي، ولكن لمن؟ لم يوجد بعد من هو جاهز لتسلم القيادة. فالثورة ليس مجرد تغيير، بل هي قيادة التغيير، ومبادرة القيادة.
وحتى يكون هناك قيادة وفكر وبرنامج، سيدخل الربيع العربي في هدنة طويلة... طويلة. الوضع العربي بحاجة الى تقييم، لا... ليس الان، فلا احد يستطيع تقييم ما حدث... ولا احد يفهم كيف ان يحلل هذا التغيير بهذه السرعة.
نتيجة الانتخابات في الجزائر تحمل مقداراً من السخرية والاهانة الذاتية للوجدان العربي اكبر كثيرا مما يمكن استيعابه وتقييمه في هذه المرحلة.
.. إلاّ "التفليسة" ؟!
بقلم: حسن البطل – الايام
"سأدرك أنني قد خُدعت".. هكذا أجاب شيخ أفغاني، مسلم، متزمّت، متعبّد الدهر.. ومترهبن سؤال مستشرق أميركي: "فإن بُعثت يوم القيامة فإذا كل الناس سواسية.. لا ثواب ولا عقاب"؟
قرأت هذا في تحقيق عن "ممرّ خيبر" لمجلة "المختار ـ من ريدرز دايجست" زمن الملك محمد ظاهر شاه.
صحيح أن من الإسلام "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم" و"لا تنس نصيبك من الدنيا" لكن ذلك الصوفي الأفغاني يريد التأكد 100% أن مصيره جنّات الخلد.
هذا سجال في الآخرة، لكن في أحوال الدنيا، حصل أن اصطدم "الرايخ روفر" بصخرة صدمة قوية فتعطّلت. يقول المستشرق إن ميكانيكيا ماهرا في نيويورك قد لا يستطيع ما استطاعه ذلك الصوفي، إذ عالج الانطعاج بضربات من الحجر، ثم جبل تربة معينة بماء وأضاف إليها أعشاباً معينة.. فصارت في قوة لحام بالكهرباء.
ليس سؤال الجنة والنار، الثواب والعقاب، هو ما يشغلني، بل هذا السؤال: هل أن مسيرة الفدائيين، والثورة، والمنظمة والسلطة، نحو الكينونة الوطنية ستنتهي إلى خدعة و"تفليسة" للمشروع؟
كنت منذ سنوات ما قبل أوسلو قد رأيت أن "الحل هو الانحلال": إما تنحلّ فلسطين في إسرائيل؛ أو تنحلّ إسرائيل في فلسطين. ستقولون هذا ماء وهذا زيت وأن هذا وذاك سيوصلنا إلى الدولة الواحدة ذات الشعبين.
أرى أن "حل الدولتين" هو المرحلة الثانية من المشروع الكياني الفلسطيني، وأن حل الدولة المشتركة هو المرحلة الثالثة من المشروع. لماذا؟
في كل شركة تتعهّد مشروعاً، هناك من يقدم الأرض أو المال أو الخبرة؛ وإسرائيل تريد الفلسطينيين شركاء غير متساوين يساعدون في إقامة المشروع اليهودي ـ الإسرائيلي ـ الصهيوني كأيدٍ عاملة يقيمون في ما تبقى من أرض وطنية لا تنفكّ عن التلاشي.
الحال، أن مشروع الكيانية الوطنية يعني نهوض فلسطين دولة من النسيان، وأن تقرير المصير الوطني يفرض على إسرائيل مساراً جديداً لهويتها. الآن، هل أن الحق في تقرير المصير صار خياراً انتحارياً سياسياً لـ "حل السلطة" وتسليم المقاليد والمفاتيح لإسرائيل؟ أو أن تقرير المصير يكون بخيار آخر هو الشرعية الدولية للدولانية الفلسطينية، أو أن إنهاء الانقسام عامل مساعد في تقرير المصير؟
يقولون: أن يكون لديك خياران خير من خيار واحد، وللفلسطينيين أربعة خيارات: استمرار التفاوض، و"حل السلطة" و"الدولة المشتركة" وأيضاً "الوصاية الدولية" برعاية الأمم المتحدة وإشراف أميركي على سير الوصاية نحو الاستقلال الوطني والدولة (مثال: ناميبيا ـ جنوب غرب أفريقيا) ولإسرائيل؟ هناك "خيار غزة" بالتحكم دون الحكم المباشر، وهناك خيار الضفة بمزيج من الاحتلال والتحكم والحكم الذاتي.. ودولة مؤقتة الحدود.
سيناقش الفلسطينيون خياراتهم في ضوء ما يستجد بعد 29 الشهر الجاري. تمديد المفاوضات مثل الاسبرين أو الأكامول، لكن "المعجزة" هي الاتفاق على خطوات عملية لإنهاء الانقسام، تعزيزاً لخيار اكتساب الشرعية الدولية الكاملة للدولانية الفلسطينية.
دار نقاش بين بن ـ غوريون ورفاقه حول إعلان دولة إسرائيل، إمّا من حيث المبدأ، أو من حيث التوقيت، أو قبول مشروع التقسيم الدولي لعام 1948.
دار نقاش ويدور بين الفلسطينيين قريب من هذا: دولتان. دولة واحدة. حلّ السلطة. وصاية دولية تقود للاستقلال.. وحتى بين رئيس السلطة وابنه الأصغر يدور هذا النقاش.
لا أعرف أي خليفة قال: "والله .. لو كانوا يؤدون لرسول الله فضلة بعير لقاتلتهم عليها". الدولة الفلسطينية ليست فضلة بعير لكنها انعطاف في مسار الصراع العربي ـ الصهيوني؛ والفلسطيني ـ الإسرائيلي ـ ومستقبل الشرق الأوسط، ومسار جديد لدولة إسرائيل.
.. ومن ثم، فإن خيار "حل السلطة" هو "تفليسة" للمشروع الوطني الفلسطيني.. وكل الخيارات الأخرى .. إلاّ هذه "التفليسة"، وأراها أشبه بعودة الطفل الرضيع إلى رحم أمه جنيناً، أو إلى "بطن الأفعى" إسرائيل؟!
دافعت عن مشروع النقاط العشر ـ برنامج السلطة الوطنية مدة 40 سنة، لأرى الحق يتجسّد في حقيقة غير مكتملة، والعلم الفلسطيني يعود ليرتفع في أرض البلاد.
الفلسطينيون ليسوا شعباً فاشلاً، ولا نضالهم كان عبثاً، لكن بعض الخيارات الارتدادية مثل "تسليم المفاتيح" تبدو خيارات انتحارية ستؤدي إلى هبوط المعنوية الوطنية فترة، ثم إلى زيادة الاحتكاك بالاحتلال الجديد، وجولة عنف جديدة.
إما أن تكون حرّاً أو لا تكون.. والفلسطينيون تنفّسوا قليلاً من هواء الحرية. قال جنرال في جيش الانتداب البريطاني: أعطِ العربي رائحة انتصار.. وحاول أن توقفه؟!
حلُّ السّلطةِ أم مقاربةٌ جديدةٌ؟
بقلم: هاني المصري – الايام
هناك معلومات تشير إلى أنّ المجلس المركزي الذي سيعقِد اجتماعًا بعد غياب طويل سيقوم "بتجديد الشرعيات الفلسطينية"، كما أنّ بعض القيادات وعلى رأسها الرئيس أعلن أنّ المجلس سيقرر "تسليم مفاتيح السلطة"، وكأنّها "بوابة أو شركة"، لأصغر ضابط يمثل الاحتلال، أو للأمم المتحدة، وكأنّ إسرائيل ستستلم السلطة ولن تتركها إلى قيادات محلية وإلى مجموعات مسلحة مختلفة، بحيث تنشب الفوضى وتأكل ما تبقى من قضية ووحدة فلسطينية.
هذا في نفس الوقت الذي يستعد فيه وفد قيادي لزيارة قطاع غزة للاجتماع بإسماعيل هنية والبحث في تطبيق اتفاق القاهرة، وتحديدًا تشكيل حكومة وفاق وطني، وتحديد موعد للانتخابات التشريعية والرئاسية، أو ترك الأمر للرئيس ليقرر به متى يشاء. أما انتخابات المجلس الوطني وإعادة بناء وإصلاح مؤسسات منظمة التحرير، فقد سقطت سهوًا على قارعة الطريق.
توجد تسريبات أن قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية قد أبلغوا نظراءهم الإسرائيليين أنهم وضعوا خطة لتفكيك الأجهزة الأمنية تمهيدًا لتسليم مفاتيح السلطة. هذا في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس أنه سيحافظ على التنسيق الأمني مع الاحتلال. كما أن هناك تسريبات بأن دائرة المفاوضات باشرت دراسة حل السلطة!
تمديد المفاوضات أو حل السلطة. تشكيل حكومة وفاق وإجراء الانتخابات أو انتخابات بمن حضر. استكمال التوجه نحو الأمم المتحدة أو بقاء الأمور على ما هي عليه بانتظار "غودو" الذي لن يأتي.
لا ينفع وضع الشتاء والصيف على سطح واحد ونيل الجنة والنار معًا، فإما استمرار الرهان على ما يسمى "عملية السلام" وعلى الإدارة الأميركية بحجة أنها وحدها تملك مفاتيح الضغط على إسرائيل، أو اعتماد إستراتيجيات جديدة تهدف أساسًا لتغيير موازين القوى المختلة بشكل كبير لصالح إسرائيل، بحيث تسمح بتحقيق الحقوق الفلسطينية.
لا ينفع تقديس الوضع الراهن البائس واستخدام كل شيء، بما في ذلك التهديد بالوحدة الوطنية أو بالتوجه إلى الأمم المتحدة أو المقاطعة والمقاومة الشعبية، أو التهديد بحل السلطة وتسليم مفاتيحها كتكتيك للضغط من أجل استئناف المفاوضات وتحسين شروطها، فطريق المفاوضات الثنائية برعاية أميركية ثبت بالدليل القاطع أنه طريق جهنم. طريق أدى إلى تآكل القضية والحقوق والأرض والوحدة الوطنية، ونقطة البداية تكمن في إغلاقه نهائيًا وعدم العودة إليه على الإطلاق.
في ظل غياب الرؤية والإرادة والإحباط والتخبط والحيرة بين المتناقضات يصبح كل شيء ممكنًا ومستحيلًا في الوقت نفسه، ولا يكفي عدم القبول بالعرض الأميركي الإسرائيلي على أهميته، لأن التهديد المتكرر بحل السلطة قد يتحول من مناورة للضغط إلى ضربة يأس لا تحمل أملًا ولا طريق نجاة.
إن الأنظار كلها متوجهة صوب مسألتين:
الأولى والحاسمة، على الجهود الأميركية، وخصوصًا نتائج جولة جون كيري الجديدة، وفيما إذا ستنجح أو ستفشل في التوصل إلى صيغة لتمديد المفاوضات، وستكون في أحسن الأحوال تكرارًا للصيغة التي استؤنفت على أساسها المفاوضات في نهاية تموز الماضي، أي مفاوضات مقابل إطلاق سراح دفعات جديدة من الأسرى، من ضمنهم قادة، إضافة طبعًا لإطلاق سراح الدفعة الرابعة من أسرى ما قبل أوسلو.
الثانية والثانوية، نجاح أو فشل وفد المصالحة للاتفاق على تشكيل حكومة، وتحديد موعد إجراء الانتخابات.
إذا لم ينجح كيري لا يعني ذلك بالضرورة إغلاق الباب نهائيًا على خيار "المفاوضات حياة وإلى الأبد"، وإنما قد يعني قفزة نحو تعميق الانقسام بالدعوة إلى إجراء انتخابات بمن حضر من دون قطاع غزة، لا يترشح فيها الرئيس أو يترشح مع نائب له حتى يرحل وقتما يشاء من دون مضاعفات كبيرة لرحيله.
ذلك رغم الادعاء أن قطاع غزة سيشارك تمثيلًا وليس تصويتًا، أو سيشارك في مرحلة استكمالية عندما تسمح الظروف بإجرائها. وربما تجرى الانتخابات من دون القدس، إذا جاء إجراؤها في ظل وقف المفاوضات وتجمع نذر المجابهة، وفي ظل الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفًا وعنصرية منذ تأسيس إسرائيل، وبالتالي لن تسمح بإجراء الانتخابات في القدس إلا إذا جاءت ضمن عملية سياسية تستفيد منها إسرائيل، من خلال تكريس الانقسام الفلسطيني وتمديد المفاوضات والتوصل إلى اتفاق إطار أو اتفاق انتقالي أو نهائي.
"المكتوب يقرأ من عنوانه"، ويقرأ من خلال استمرار التركيز على الجهود لتمديد المفاوضات، بدليل أن المفاوضات من أجل إنقاذ المفاوضات وتمديدها التي شهدناها في الأسابيع الأخيرة أكثر عددًا وزخمًا من المفاوضات التي شهدناها إبان فترة ما قبل الأزمة الأخيرة، لأن هناك مصلحة لإسرائيل والولايات المتحدة ولجماعات المصالح والنفوذ الفلسطينية لاستمرار خدعة ما يسمى "عملية السلام"، لأن سحبها من التداول سيؤدي إلى بروز خيارات وبدائل وأطراف أخرى، وإلى عزلة إسرائيل ومقاطعتها وصولًا إلى فرض العقوبات عليها.
واذا توقفت المفاوضات ليس بالضرورة أن تنهار "عملية السلام"، بل ستبقى الجهود مستمرة لإنقاذها وإبقائها على قيد الحياة، ولو في غرفة العناية المشددة عبر أنابيب الأكسجين والسيروم. تمامًا مثلما كان الأمر في الأعوام الأخيرة التي سبقت المفاوضات الأخيرة، حيث لم تكن هناك مفاوضات علنية ورسمية، بل كانت هناك مفاوضات سرية أكثر عددًا وزخمًا من العلنية، ولكن كل شيء تقريبًا بقي على حاله، خصوصًا لجهة الالتزام الفلسطيني بالاتفاقيات المبرمة من جانب واحد رغم تخلي الحكومات الإسرائيلية عنها منذ فترة طويلة، ومضيها في تعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان وتقطيع الأوصال والحصار.
طبعًا، من الصعب بقاء الوضع على حاله بعد أن اتضح للقاصي والداني أن المفاوضات الجارية لا يمكن أن تقود إلى حل عادل أو متوازن أو حتى إلى تسوية عرجاء؛ بسبب إصرار إسرائيل على فرض شروطها وإملاءاتها وحلها، وبشكل واضح جدًا رفض قيام دولة فلسطينية ذات سيادة عاصمتها القدس.
إن قيام هذه الدولة أصبح أبعد، ويحتاج إلى إستراتيجيات جديدة وإلى كفاح طويل يجعل الاحتلال مكلفًا جدًا لإسرائيل ، وهذا أمر لا يبدو أن القيادة الفلسطينية والفصائل القائمة يملكون القناعة والقدرة على توفير متطلباته.
كان لا بد أن يسبق اجتماع المجلس المركزي دعوة الإطار القيادي المؤقت الذي يضم الجميع للانعقاد، مع إضافة عناصر جديدة إليه تمثل الشباب والمرأة والشتات، ليبحث أساسًا في كيفية مواجهة التحديات والمخاطر التي تهدد القضية الفلسطينية في عصر الثورات والمستجدات والمتغيرات التي تشهدها المنطقة والعالم كله، وفي ظل حصول الدولة الفلسطينية ولو بصفة "مراقب" على الاعتراف الأممي بعد تصويت 138 دولة لصالحها.
لا يعقل أن تتصرف القيادة الفلسطينية بعد حصولها على هذا القرار مثلما كانت تتصرف قبله، وبالتالي تحوّل القرار إلى قرار لا قيمة له على الإطلاق. والتفكير بالقفر دائمًا بأن الحل يكمن في إجراء الانتخابات التي لا يمكن أن تكون حرة ونزيهة تحت الاحتلال وتكرارها يعطي شرعية له، ويذكي التنافس الداخلي في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى تعزيز وتطوير القواسم المشتركة من أجل خوض مجابهة ناجحة مع الاستعمار الاستيطاني الاحتلالي العنصري.
بعد هذا القرار استمرت السلطة كما هي من دون سلطة ملتزمة بالالتزامات السياسية والأمنية والاقتصادية. في حين وفّر الاعتراف الدولي فرصة لاعتماد مقاربة جديدة مختلفة كليًا تقوم على:
أولًا، تشكيل حكومة دولة فلسطين يشارك فيها الجميع وفق نسب تتناسب مع معايير يتفق عليها، وتشكيل مجلس تأسيسي مؤقت يمكن أن يضم أعضاء المجلسين المركزي والتشريعي وعناصر جديدة تمثل الفصائل والقطاعات غير الممثلة، إلى حين إجراء انتخابات لبرلمان الدولة.
ثانيًا، الإعلان عن وقف العمل بالالتزامات المترتبة على اتفاق أوسلو، وتغيير شكل السلطة ووظائفها لكي تستجيب للمصلحة الوطنية، والدعوة إلى إجراء مفاوضات في إطار دولي مستمر وعلى أساس مرجعية القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة لتجسيد الدولة التي اعتُرف بها وبحدودها وبعاصمتها في القرار الدولي الذي اعترف بدولة فلسطين، بحيث لا يمكن التفاوض على هذه الحدود، بل من أجل تأمين الانسحاب الإسرائيلي منها، من دون ربط ذلك بأي شيء، خصوصًا بإنهاء الصراع والكف عن المطالب وبتصفية قضية اللاجئين عن طريق إفراغ حق العودة من مضمونه.
آخر العلاج الكي: تسليم مفاتيح السلطة
بقلم: رجب أبو سرية – الايام
في الوقت الذي كان فيه الأخ موسى أبو مرزوق، القيادي في حركة حماس يصل لقطاع غزة، عبر معبر رفح الحدودي، كانت الطائرات الإسرائيلية تشن سلسلة غارات على القطاع، بما لا يدع مجالا للشك، بعدم تسليم الجانب الإسرائيلي لما يلاحظه من تقدم فلسطيني فيما يخص ملف المصالحة الداخلية، ومحاولة قطع الطريق عليه، او عرقلته أو حتى إعاقته، كذلك تشير الإجراءات الإسرائيلية المتلازمة، إن كان فيما يخص التصعيد ضد قطاع غزة، او تصعيد الحملة على المسجد الأقصى، بأن إسرائيل تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تحقق انفجاراً ما هنا أو هناك على الجانب الفلسطيني، يجعل من الاستحقاق المتعلق بالمفاوضات، والذي وصل محطته الأخيرة، حيث ينتظره أسبوع حاسم، في الدرجة الثانية من الاهتمام، او على أقل تقدير يعفي الجانبين من ضرورة البت فيه حتى يوم التاسع والعشرين من الجاري.
وكما أشرنا في مقال سابق، فلأن هناك علاقة وثيقة بين ملفي التفاوض والمصالحة، فما ان يتراجع الاهتمام بأحدهما حتى يتقدم الاهتمام بالآخر، وهكذا، وحيث ان القيادة الفلسطينية، بل وربما كل القوى والفصائل، باتت مقتنعة تماما، بما لا يدع مجالا للشك او التردد، بأن صفحة التفاوض في طريقها للطي، وأن صفحة جديدة من المواجهة متعددة الأشكال والوجوه بين الفلسطينيين والإسرائيليين تلوح في الأفق القريب، ولأسباب أُخرى أيضا، بات الجميع يستشعر ضرورة رص الصفوف ومواجهة الفصل القادم من المواجهة مع إسرائيل بشكل موحد.
خلال الأيام القليلة القادمة سيتضح كل شيء، أولاً سنعرف إن كان الوفد الرئاسي سيصل غزة لملاقاة الأخوين إسماعيل هنية وموسى أبو مرزوق لإعلان موعد الانتخابات وتشكيل حكومة التوافق الوطني، أم لا، كذلك سيتضح من قرارات المجلس المركزي، الذي سينعقد يومي السبت والأحد القادمين، ما إذا كانت القيادة الفلسطينية ستتخذ واحداً من أهم القرارات التي اتخذتها خلال العشرين سنة الأخيرة، ونقصد بذلك قرار "حل السلطة" والذي سبق واعتبره كثير من المراقبين والمتابعين والمحللين "حلاً" لعبثية المفاوضات، واداة لمواجهة التعنت الإسرائيلي، والآن تتحدث به قيادة السلطة وتضعه كأحد الخيارات لمواجهة المرحلة القادمة.
في هذه المناسبة لا بد من القول، إن توقيع اتفاقات أوسلو قبل اكثر من عشرين سنة، ترافق مع إعلان تلك الاتفاقيات كاتفاق مرحلي، نص على إطلاق مفاوضات حول الحل النهائي مع تشكل سلطة الحكم الذاتي المؤقت، سقفها الأعلى خمس سنوات، تنتهي في أيار 1999، والجميع يتذكر أن عدم التوصل لذلك الحل النهائي قبل ذلك الوقت، ترافق أولا مع اقتراحات عديدة، منها إعلان بسط السيادة الفلسطينية على الأرض المحتلة، ومنها حل سلطة الحكم الذاتي.
كذلك لا بد من التذكير بأن توقيع الاتفاقيات في ذلك الوقت لم يكن يعني أن الصراع انتهى أو انه تم وضع حد للمواجهة بين الجانبين، بل ان المواجهة انتقلت من الميدان الى طاولات التفاوض، وان المفاوضات إنما هي معركة بحد ذاتها، وحيث إن عشرين سنة من التفاوض، تحولت الى غاية بحد ذاتها، فإنه لا بد من وضع حد لها الآن.
ربما كان الخطأ أصلا قد تمثل في أمرين : الأول، هو التقدير الخاطئ بأن الجانب الإسرائيلي يحترم كما هي عادة الدولة الاتفاقيات التي يوقع عليها، والثاني هو عدم إرفاق التفاوض بالضغط الميداني، فالجانب الفلسطيني لم ير في حقيقة الأمر، أن متابعة المفاوضات فترات إضافية، أمرا كارثيا شرط ان يتوقف الاستيطان، الذي يعتبر من الزاوية الفلسطينية أسوأ فعل احتلالي على الإطلاق.
وحيث ان الجانب الفلسطيني رأى في المؤقت مشروعاً أو مقدمة للدائم، أي نظر للسلطة باعتبارها مشروعا للدولة، لذا فقد هيأ نفسه لاحتمال خمس سنوات احتلالية إضافية، دون سيادة كاملة، لكن الإسرائيليين من جانبهم خاضوا المعركة من اجل تحويل المؤقت الى دائم، حتى يحين الوقت لاستحالة تحقيق الحلم والهدف الفلسطيني المتمثل بإقامة الدولة المستقلة على حدود 67.
خلال عشرين سنة يمكن القول، بأن إسرائيل حققت الفوز بالنقاط، حيث أضافت لعمر الاحتلال عشرين سنة، ووفرت ظروفا أفضل لمواصلة الجهد الاستيطاني، كما أن الفلسطينيين حققوا مكاسب ما، منها إخراج قطاع غزة من دائرة الاحتلال الكامل، وكذلك وضع فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة على طاولة التداول السياسي وفي الثقافة الدولية، من خلال السفارات ومنظمات الأمم المتحدة، ومن خلال القرار باعتبار دولة فلسطين عضوا مراقبا في المنظمة الدولية، لكن كان يمكن لو ان التفاوض ترافق مع ضغط شعبي ميداني، كما تفعل إسرائيل بإرفاق التفاوض مع الإجراءات الاستيطانية، وخلال عشرين سنة، اختفت خلالها الحرب الباردة ان يتحول الانحياز الأميركي لإسرائيل لأمر مستحيل، لو أن الفلسطينيين ساروا على طريق شعب جنوب إفريقيا في مقارعة آخر احتلال على وجه الأرض.
ولأن آخر العلاج الكي، فإن آخر علاج للدائرة التفاوضية المغلقة هي إعلان حل السلطة، وهناك ما هو أفضل من تسليم المفاتيح لإسرائيل، هناك الأمم المتحدة، وهناك الجامعة العربية، وهناك الشعب الفلسطيني، حيث يمكن أن يعلن إدارة أموره بنفسه دون تنسيق امني ودون اتفاقيات مع إسرائيل، أي إعلان دولة فلسطين على حدود 67، والدخول في حرب تحرير تلك الدولة مع الاحتلال.
فرق جوهري بين تسليم مفاتيح السلطة وبين تغيير أدوارها ووظائفها!
بقلم:مهند عبد الحميد – الايام
التناقض المحتدم بين شعب واحتلال وصل إلى مفترق لا يمكن معه أن تبقى الأمور على حالها، فهذا النوع من الاحتقان السياسي غير قابل للتسكين على الطريقة الأميركية، إذن لا مناص من مخرج، والمخرج الذي كانت دولة الاحتلال تقود إليه هو تكريس الاحتلال والاستيطان بغطاء فلسطيني فاضح لا تستطيع أية قيادة فلسطينية توفيره من غير أن تنفصل عن شعبها انفصالا كاملا، لذا فإن فكرة الانسحاب من العملية السياسية وحل السلطة هو رد فلسطيني منطقي على سياسة إدامة الاحتلال، وعندما يكون الثابت هو الاحتلال والاستيطان والإخضاع، فإن الشعب الفلسطيني لا يخسر غير الفتات، وإذا ما خير الشعب بين احتلال بغطاء فلسطيني اسمه (العملية السياسية) واحتلال عار وصريح فإنه سيرفض الاثنين، ويرفض أكثر استخدام غطاء فلسطيني للاحتلال، فثمة مزايا كثيرة لإزالة الغطاء الفلسطيني.
ميزة التحرر من اكبر عملية خداع سياسي حول "السلام الأميركي" المزعوم، وبفعل ذلك سيصبح العالم في مواجهة سياسية وأخلاقية مع دولة احتلال تدوس على القانون الدولي والشرعيات على اختلاف أنواعها وتمارس التمييز العنصري بحق شعب كامل، وستكون جميع دول العالم معنية باتخاذ مواقف صريحة من دولة الاحتلال - مع أو ضد -، وبحسبة بسيطة فإن أكثرية الدول ستكون ضد دولة الاحتلال وستضطر الدول التي طَبَّعَت معها بذريعة وجود اتفاقيات فلسطينية إسرائيلية لاحتمال التراجع، وستدخل الدول المؤيدة والداعمة لدولة الاحتلال في تناقض مع شعوبها ومع النخب الثقافية والأكاديمية والحركات الاجتماعية والنقابية.
ميزة دخول فلسطين إلى 62 مؤسسة واتفاقية ومعاهدة دولية بمعزل عن الابتزاز الإسرائيلي الأميركي، وطرح قضايا الاستيطان والجدار وسرقة الأرض وتغيير المعالم الحضارية والثقافية على بساط البحث ورفع دعاوى ضد دولة الاحتلال، وطرح ملف جرائم الحرب والمطالبة بمحاكمة المتهمين بارتكابها.
ميزة استعادة الوحدة بين كل مكونات الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، ضمن إطار منظمة التحرير ومؤسساتها التي من المفترض إعادة بنائها على أسس ديمقراطية جديدة، تأخذ بالاعتبار تمثيل الكتل الأساسية واعتماد مبدأ الكفاءة والمسؤولية والثقة كبديل لنظام الكوتا.
استعادة وحدة الشعب وتجديد العقد الوطني الاجتماعي سيكون البديل عن حالة التفكك والتجزيء والعجز والبيروقراطية والفساد.
ميزة الخلاص من تشوهات السلطة وأجهزة أمنها وعجز مؤسساتها البيروقراطية وأطقمها شبه العاطلة عن العمل ومنظومة قيم الواسطة والمحسوبية والزبائنية والعشائرية والفئوية والجهوية، والعودة إلى حركة تحرر ونواة دولة معترف بها كعضو مراقب تملك مؤسسات تضم أفضل الكفاءات داخل وخارج الوطن، مؤسسات تقدس قيم العمل وخدمة الشعب، وتخضع للمساءلة والمحاسبة والتجديد، ولا تكون تحت رحمة سلطات الاحتلال وتدخلاتها.
ميزة الانتقال إلى إستراتيجية نضال وطني تستند للإمكانات القائمة والمحتملة، وتعتمد المقاومة الشعبية السلمية المنظمة ضد الاحتلال والاستيطان، وتسعى إلى حشد أصدقاء الشعب الفلسطيني لمشاركته النضال ولدعمه وبخاصة في مجال استخدام وتفعيل سلاح مقاطعة دولة الاحتلال وكل الشركات والمؤسسات الدولية التي تعمل في أراضي محتلة.
تلك المزايا تظل افتراضية ما لم يصار إلى ترجمتها عمليا، مع الأخذ بالاعتبار أن البنية السياسية والإدارية غير مؤهلة لاتباع هذا الخيار ما لم تحظ بدعم وتدخل القاعدة التنظيمية والنخب الملتزمة وكل القوى الحية داخل التجمعات الفلسطينية في الداخل والخارج.
إن الأخذ بالمزايا السابقة والنجاح في تحويلها إلى فعل مؤثر، وذي مردود سياسي سيدفع دولة الاحتلال لاتخاذ قرار بحل السلطة بدعوى مخالفتها لسياسة نقيضة لاتفاق أوسلو، وهذا لا يستدعي مبادرة القيادة الفلسطينية لاتخاذ قرار حل السلطة، بل تغيير وظائفها ودورها، ولا يستدعي من القيادة تسليم مفاتيح السلطة لدولة الاحتلال مسبقا ودون الخوض في معترك سياسي تصاعدي.
ثمة فرق جوهري بين تسليم المفاتيح وبين تغيير أدوار ووظائف السلطة التي ستؤدي في الأغلب إلى اتخاذ إسرائيل قرار يقضي باعتبارها سلطة خارج القانون، في هذه الحالة سيتعزز الاستقطاب الفلسطيني والعربي والدولي ضد إسرائيل.
مقابل ذلك فثمة احتمالات سلبية ستترتب على ذلك الخيار، فقد تلجأ سلطات الاحتلال إلى إجراءات وردود، والإجراء الأخطر هو اعتماد سلطة بديلة من داخل وخارج السلطة، ترفض قرار الحل، أو التوجهات البديلة، واعتمادها من قبل سلطة الاحتلال كسلطة بديلة، ويحتمل أن يدخل الوضع الفلسطيني جراء ذلك في صراع داخلي توظفه دولة الاحتلال لقطع الطريق على المزايا والاستراتيجية الفلسطينية البديلة للمفاوضات، يبقى هذا الاحتمال ضعيفا في ظل حالة الزخم الجماهيري الرافض للاحتلال وسياساته العدمية.
ثمة فرق بين تحويل السلطة وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية ضمن أنظمة وقوانين بما في ذلك تقديم العون للمتضررين وبين سياسة حل السلطة بمعزل عن تبعات هذه العملية واستحقاقاتها، وبمعزل عن الحفاظ على جهازي التعليم والصحة في كل الأحوال.
وهناك فرق بين توقف الدعم الخارجي الذي يغطي النفقات المطلوبة من الاحتلال والذي أخذ شكل تقسيم عمل قل نظيره، فذلك الدعم المالي الخارجي يجعل الاحتلال غير مكلف ودائما ويبقي الشعب الفلسطيني تابعا له، بدلا من دعم مالي لإنهاء الاحتلال وحلول السلطة المستقلة مكانه،
كيف يمكن وقف كل دعم يسند الاحتلال ويجعله رابحا، والحفاظ على كل أشكال الدعم التي تدعم عملية الخلاص من الاحتلال والانفصال عنه؟.
على أبواب اجتماع المجلس المركزي للمنظمة، أصبحت كل القوى السياسية على المحك. فمن يعطل عملية إنهاء الانقسام في هذه المرة سيضعف الموقف الفلسطيني أمام الضغوط والتحديات، سيخدم شاء أم أبى دولة الاحتلال.
إن تشكيل حكومة انتقالية تحضر للانتخابات الرئاسية والتشريعية، وإعادة بناء مؤسسات المنظمة وتشكيلها خطوات مهمة تجعل الموقف الفلسطيني أكثر قوة وتماسكا في مواجهة التحديات السياسية الكبرى، خطوات تجعل مهمة تحويل أدوار السلطة اكثر يسرا، وتجعل الصمود أمام العقوبات بما في ذلك رفع الغطاء الإسرائيلي عن السلطة وأمام الحصار المتوقع ممكنا. الوحدة الوطنية تقوي شرعية قبول فلسطين في المؤسسات والمعاهدات والاتفاقيات الدولية فضلا عن قبولها كدولة بعضوية مراقب في الأمم المتحدة.
لا يمكن خوض معارك سياسية بهذا الوزن في ظل حالة الانقسام، وفي ظل ضعف الحوار السياسي والمبادرات، وبمعزل عن خطاب سياسي يتوجه إلى الشعب كشريك في هذه المعركة السياسية المصيرية.
حريري المكسور
بقلم: زياد خداش – الايام
أنا صديق حميم لشجرتيّ رمانٍ وتين، نسكن ثلاثتنا في نفس المكان، أنا داخل البيت وهما داخلي، كل صباحٍ أخرج مني وألمسهما، أؤمن أن شجرة الرمان هي (ديونسيوس) حياتي، أما شجرة التين فهي (أبولو) عمقي الهادئ المتشح برزانة القرار وحكمة الشعور.
تأخذني رمّانتي إلى ماء ضلالي بينما تعيدني تينتي إلى بيتي (فيما لو تأخرت عنه)، مقيد القلب، مخفور الحس، تطعمني الشجرتان ثمارهما كل عامٍ بسخاء، وأطعمهما أنا حكاياتي وحزني وغنائي ورائحتي كل ليلة، أحب هذه الحياة الموزعة بين طيش الرمان ورزانة التين، أحب حياتي مع كائنين مخلصين يرتاحان داخلي مثل سرّين مخمليين، مرفهين وأرتاح داخلهما مثل قطٍ هرم.
الخبر المزعج هو أن الثلجة الأخيرة خلعت السرّين من الأرض وألقتهما حطاماً أمام بيتي، صرت الآن بلا أبولو بلا ديونسيوس، بلا اتجاه، بلا تناقض، بلا مدنٍ قلقةٍ وأخرى مطمئنة، لمن سأطعم حكاياتي بعد اليوم ؟ وأي كائنٍ يستحق أن أهديه كل هذا الحرير (حتى لو كان مكسوراً) الذي يفيض من شبابيكي؟. ابن الأشجار المكسورة أنا.
تغريدة الصباح - هذا المثقف لهذه المناسبة..
بقلم: أحمد دحبور – الحياة
ما إن تلقيت نبأ رحيل الكاتب العالمي غارسيا ماركيز، حتى قفز إلى ذهني اسم صديقي العزيز جدا صالح العلماني. فنحن من أبناء مخيم واحد جمع طفولتنا معا، ذلكم هو مخيم الثكنة الخاص باللاجئين الفلسطينيين في حمص، وكان صالح قد عاد الى المخيم غير محبط من اسبانيا، مع أنه حاول أن يدرس فيها طب العيون، الا ان مزاجه الأدبي أوقف ذلك المشروع، والطريف أن أهله البسطاء الطيبين لم يلوموه على تركه الدراسة، وتركوا الأمور تمشي في مقاديرها متكلين على الله، ولم يكونوا يعلمون أنه جلب من اسبانيا ما هو أهم بكثير من شهادة الطب، اذ لم تمر بضع سنوات حتى أصبح أشهر مثقف عربي من المتعاملين مع اللغة الاسبانية.
ولعلنا نذكر معا، أنا وصالح، تلك المصادفة الطيبة التي فتحت له هذا الباب، فقد كنت في احدى زياراتي إلى موسكو يوم تعرفت على شاعر شاب - يومذاك - من تشيلي، اسمه عمر لارا، وقد جند السوفييت ثقلا اعلاميا للتركيز على هذا الشاعر، فكان من نصيبي نسخة باللغة الاسبانية من احدى مجموعاته الشعرية، فحملت النسخة الى صديقي وابن مخيمي صالح، سائلا أن يعطيني ولو فكرة عن هذا الشاعر الذي صرصعونا به في موسكو. وكانت المفاجأة المذهلة أنه بعد ثمان وأربعين ساعة فقط، أتاني صالح بمجموعة عمر لارا وقد نقلها إلى العربية بمستوى متميز من نصاعة اللغة وتلقائية الصياغة، ولم أكن كسولا، فقد أخذت ما ترجمه صالح وأرسلته إلى شاعرنا الكبير محمود الذي كان يحرر مجلة «شؤون فلسطينية».
ذهل محمود درويش بالمفاجأة، فرد علي برسالة مقتضبة يقول فيها: من صالح علماني هذا؟ أرجو أن تسارع إلى تأميمه!! واطلب منه أن يبعث إلي بشيء مما ينقله عن الاسبانية.
وأن يأتي تشجيع بهذا الحجم من شاعر مثل محمود درويش، كان أمرا مثيرا للغبطة والفرح لدى صالح الذي سرعان ما نقل إلى العربية مجموعة شعرية للاسباني الكبير رافائيل ألبرتي الذي أعطاني السوفييت، بوصفي أحد الضيوف، نسخة من كتابه فأعطيتها بدوري لصديقي صالح، فقام بدوره بترجمتها فورا إلى العربية، وأصبح في المكتبة العربية اسم كاتب جديد يترجم عن الاسبانية، اسمه صالح عمر العلماني..
غني عن القول ان ترجمات أبي عمر، قد لفتت أنظار عدد من الناشرين العرب، وتدفقت عليه الطلبات حتى أصبح الاسم الأبرز لدى العرب في مجال تعريب الأدب الاسباني..
ولا أزال أذكر ذهول الكاتب الكبير المرحوم سعيد حورانية، وأنا أطلعه على نص نقله صالح من أدب لوركا، وكان بعنوان «شؤم الفراشة» حتى أنه أشار إلى ذلك في محاضرة له ألقاها على منبر المركز الثقافي العربي في دمشق، مع أن أي قريب من عالم المرحوم سعيد حورانية، يعرف كم كان هذا الكاتب المتطلب ضنينا في الاشادة بالأسماء الجديدة..
وكما هو متوقع مني، أنا المتباهي بمعرفة صالح وصداقته، رحت ألح عليه أن يترجم رائعة ماركيز «مئة عام من العزلة»، الا أن صالحا تحفظ قائلا إن القارئ العربي لا يزال يذكر ويشكر ترجمة د. سامي الجندي لتلك الرواية مع أنه عربها نقلا عن الفرنسية لا الاسبانية، ولكن صالحا يأمل أن يعيد تعريبها ذات يوم، ولو بعد بضع سنين.
وها هو ذا صالح يحقق أملي قبل أمله، فأفاجأ، منذ أيام، بصدور «مئة عام من العزلة» وقد نقلها صالح، بلغته الرشيقة البهية، إلى اللغة العربية.. يا الله، كأن حظي مع صديق العمر صالح علماني، ان نواصل الحوار حتى بعد المسافة الجغرافية التي تفصل ما بيننا هذه الأيام، ودعوني أعترف بأن شيئا من النرجسية قد هيأ لي أن هذه الترجمة، انما تمت - بمعنى ما - من أجلي أنا، ولكن ليس لهذا السبب أشكر صديقي أبا عمر، بل أشكره لأنه هو: الصديق الصدوق أبو عمر، فأحييه وأحيي لهذه المناسبة رفيقة عمره أم عمر، نادية وأغبطها على وقوفها إلى جانب سفير اللغة الاسبانية لدى العرب، أخي الحبيب، صالح علماني واسمه للمناسبة: علماني بفتح العين واللام لا كما يغيظني بعض الأصدقاء الذي ينطقونه بكسر العين وتسكين اللام، حتى أنه استسلم لهذا الالحاح وأصبح يرضى باسمه حسب ذلك النطق. وفي كل خير.
ويبقى، بعد كل شيء، ان نطلب الرحمة لأديب كولومبيا والعالم غابريل غارسيا ماركيز الذي كان رحيله المباغت مناسبة لكتابة هذه الخاطرة.
هل اقتربنا من خراب مالطا؟
بقلم: د. صبري صيدم – الحياة
كثيراً ما استدل الناس في مجتمعنا وفي حديثهم عن دمارٍ شامل باستعمال مصطلح شعبي يشير إلى خراب مالطا. وخراب مالطا هذا يعود لحقبة تاريخية عاشها العالم العربي في العصر الروماني كان فيها خراب الجزيرة الأوسطية أمراً مستحيلاً يتعدى حدود الخيال.
واليوم يعود المصطلح للظهور في ظلٍ حديثٍ جدي عن حل السلطة الوطنية أمام استعصاء عملية السلام وإصرار الاحتلال الصهيوني على وأدها.
فليس من المستغرب أن يقرر المجلس المركزي في اجتماعه المقبل أن يصوت لصالح قرارٍ شرطي بحل السلطة خلال أجلٍ محدد.
لكن الفارق ما بين مراتٍ كثيرة جرى فيها الحديث عن حل السلطة مقارنة بهذه المرة أن الموضوع لم يعد تكتيكاً ولا حتى مناورة تفاوضية بل خطوة حتمية أستوجب حدوثها في حال استمرار إسرائيل في إجهاض مساعي السلام واغتيال الأرض العربية بمستوطناتها وتعطيل حق الشعب الفلسطيني في الحرية والدولة.
إسرائيل التي امتهنت المراوغة والوعيد ومعها كل من آزرها وكل اللذين حرروا رسائل ضماناتٍ لا قيمة لها سيجدون أنفسهم أمام مطلبٍ فلسطينيٍ شعبي بالدولة الواحدة ثنائية القومية. فلا معادلة الوطن البديل ستنجح ولا حتى معادلة إرغام الجوار على إدارة ما تبقى من المناطق الفلسطينية. فلا مصر ولا الأردن ولأسبابهما وظروفهما سيقبلون بهذا الحال ولا حتى الفلسطينيين الذين لن يرضخوا لحلٍ تصديري من هذا النوع.
لقد قبل الفلسطينيون ذات يومٍ وبتردد كبير فكرة إنشاء سلطة تحت احتلال على أمل أن تكون تلك السابقة القانونية جسراً انتقالياً نحو الدولة وليس قدراً إجبارياً دائماً. كما أنهم تعايشوا مع عملية سلامٍ مضنية وعقيمة على أمل التحرر والخلاص لا أن تتحول تلك السلطة وحسب الكثيرين إلى مؤسسة للخدمات البلدية واليومية على حساب مشروع الدولة.
لذا فإن خراب مالطا يقترب شيئاً فشيئاً مع استمرار إسرائيل بمراوغاتها اليومية وحرب الاستهبال التي تمارسها والتي تحولت للمزاودة السياسية بين هواة الحكومة فيها والمتصارعين حزبياً والممتهنين لسياسة تسجيل النقاط على حساب الفلسطينيين.
لكن حل السلطة لن يكون بحد ذاته "خراباً لمالطا" وإنما كارثة فقدان التوازن التي ستعيشها المنطقة بعد كوارث ما يسمى الربيع العربي ودمار السلطة الفلسطينية سيكونان مجتمعين خراباً مستداماً لمالطا. فاضطراب العواصم لا يعني أن عاصمة الاحتلال ستبقى محمية من نيران الإقليم بل ستكتوي لا محالة بنيران اليائسين الذين لن يبقى أمامهم ما يخسرونه.
لذلك فليستمر أطفال السياسة في إسرائيل من بينيت إلى ليبرمان في تهديدهم ووعيدهم وسنرى أي منقلبٍ سينقلبون عندما لن يفصل ما بين اليائسين وما بين أبراج المحتل العاجية سوى خطوة واحدة.
فليصفق العالم اليوم لإسرائيل في نهبها للأرض العربية وإدارتها الظهر للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ولنرى أي منقلبٍ سينقلبون عندما يحين خراب مالطا.. فمن يضحك آخراً سيضحك أبداً..
احذروا السقوط في شرك «التلموديين» !
بقلم: موفق مطر – الحياة
نسي الذين هاجموا وزير الأوقاف الدكتور محمود الهباش في اليومين الماضيين، ان دولة فلسطين قد اصبحت متعاقدا ساميا في اتفاقية جنيف، وان انضمامها لخمس عشرة معاهدة دولية يعني التزامها بالمبادئ الأساسية الكافلة لحقوق الانسان وقيمته وكرامته، وبمكافحة التمييز بين انسان وآخر، فكيف يصفقون ويؤيدون توجهات القيادة على مسار القانون الدولي وتعزيز مكانة فلسطين كدولة تنطبق عليها الاتفاقيات والمعاهدات الحامية لمصالح وحقوق شعبنا، وبنفس الوقت يطلبون من وزير في حكومة السلطة الوطنية الاتجاه بمنحى تمييزي، لا يمكن تفسيره الا باعتباره توجهات عنصرية لأصحاب القرار في السلطة الفلسطينية، خاصة ان سلطات الاحتلال تتصيد هفوات بعضنا المدفوعة بمفاهيم خاطئة تم توريثها عن قصد او يتم ترويجها بعناية بقصد الاساءة الى الصورة الحضارية المدنية للشعب الفلسطيني.
ما قاله الدكتور محمود الهباش انتصار لدم وكرامة الانسان عموما، وللفلسطيني خصوصا، فالرجل قال حرفيا: «نرفض كل اعمال العنف سواء كانت موجهة لفلسطينيين أو اسرائيليين» ثم اردف موجها كلامه للاسرائيليين يذكرهم بمبدأ المساواة والعدالة بين افراد امة الانسان من حيث القيمة والكرامة فقال: «الدم الفلسطيني مثل الدم الاسرائيلي هو دم انساني غال، ولا احد يريد لأحد ان يقتل» .. ونعتقد أن الحاصلين على علامة متوسط في اللغة العربية يعرفون ان الضمير (هو) يعود على (الدم الفلسطيني) أي ان الدم الفلسطيني دم انساني غال، وليس الدم الاسرائيلي وحده كما يعتبره غلاة المتطرفين الاسرائيليين، فالوزير خاطب الجمهور الاسرائيلي عبر وسائل اعلام اسرائيلية، فأين المشكلة في تأكيد مسؤول فلسطيني على قيمة الدم الانساني الفلسطيني (الغالي)، وبعث رسالة واضحة للمسؤولين والجمهور في اسرائيل، بعدم جواز اعلاء قيمة الدم الاسرائيلي على دم الفلسطيني، فهذا منهج تمييز عنصري، فقيمة الدم الانساني واحدة من حيث المبدأ بغض النظر عن العرق واللون والدين والجنس.
يجب الحذر من السقوط في مربع التمييز، او الاستعلاء بما يتناقض مع مكارم الأخلاق الانسانية، ومبادئ نضالنا الوطني، فنحن أكثر الشعوب تضررا من منهجية التمييز والاستعلاء، ولا يجوز الانجرار وراء أغراض ونزعات شخصية، او عناوين صحفية مثيرة، فندفع ثمن انفعالات لا محسوبة، فالعناوين التي ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي او ببعض وسائل الاعلام (المغرضة) وبعضها الموجهة بدافع الثأر الشخصي من الدكتور الهباش، حفلت بعناوين يمكن ان تشكل كنزا لا ينضب للعرائض التي ترفعها سلطات حكومة دولة الاحتلال للمنظمات الدولية تحت عناوين التحريض والتمييز والكراهية والعدائية...رغم قناعتنا بالدافع الوطني للبعض الآخر الذي اكتفى بقراءة العناوين، ولم يقرأ كلام الوزير بعمق.
نعتقد بعقلانية وحكمة الفلسطيني الوطني، ونعتقد أن واحدا منا لا يريد وضع نفسه بمرتبة أعلى من القيمة المشتركة للانسان في العالم، فنحن نعيب على المتطرفين الاسرائيليين التلموديين، الاحتلاليين الاستيطانيين العنصريين، أخذهم منطق الحياة بغطرسة وتمييز، حتى اجازوا قتل وسلب ونهب ارض الأغيار، فهل يقبل فلسطيني وطني على نفسه السقوط في شرك التلموديين.
الاسلام والغرب ضرورة تدوير الزوايا (3)
بقلم: هاني فحص – الحياة
ان الاسلام او المسلمين، وتحت ضغط الظروف الداخلية والخارجية، وبسبب الانسدادات المتعددة والمتراكمة على صعيد الدولة والمجتمع، يعرضون انفسهم او يتعرضون لما يمكن دعوته تظهيراً للخلاف او دفعاً للاختلاف الى مستوى الخلاف القابل لأن يتحول الى صراع فتاك بين الجماعات المذهبية وداخل المذهب الواحد، بحيث اصبح الجسم الاسلامي في حالة تموضع مخيف لتنوعاته التي كان من المفترض ان تنتظم على حال من وحدة المتعدد، ما يدعو اهل الاعتدال والرؤية والتقوى والمعرفة، الى استدراك المخاطر واعادة التعدد الطبيعي الى سياق الوحدة.
قد تمكننا هذه النظرة من تحقيق رغبة مشروعة في رؤية او جعل العلاقة بين الاسلام والغرب اقرب الى المنهجية، او بعيدة عن المعرفة الناقصة والفرضيات الذهنية الصرف، والتي تغري بالقطيعة التامة، وهي مستحيلة كما هو التماهي مستحيل، ولا بد من مسلك وسطي يحدد احتمالات ومواقع الاتصال والانفصال معاً، على ان لا نقع ثانية في التعميم والاطلاق. فالاتصال والانفصال نسبيان وتاريخيان، بمعنى ان هناك مواقع انفصال قد تصبح قابلة للاتصال وكذا العكس، وهذا يلزمنا ويلزم الغرب بتجديد معرفة كل منا بالآخر، والا وقعنا في اهمال المتغيرات، ما يشكل اعتداء على الثوابت، بينما التحدي المعرفي والعملي الحقيقي، هو الحفاظ على الوصلة المتحركة سعة وضيقا بين الثابت والمتغير حفظاً لكل منهما بالآخر.
اننا لا نستطيع ان ننكر ان هناك تداخلات عميقة، شكلت مفاصل حضارية مشتركة بيننا وبين الغرب، بصرف النظر عن ظروفها بداية ونهاية، ولعل تجربتنا في الاندلس احدى تجلياتها العظمى، وقد كانت تكفيرا حضاريا حقيقيا عن خطيئة الفتح الذي لم يكن يشكل ضرورة اسلامية بقدر ما كان استجابة لرغبات سلطوية والذي لا يقع في سياق الرؤية النبوية والحضارية للدعوة الاسلامية بل أملته مطامع وطموحات كان من الصعب على العلماء المسلمين الموضوعيين والذين لا يفكرون بناء على طلب السلطات فقط قبولها أو الرضا بنتائجها المدمرة للاسلام والمسلمين والآخرين ، وقد كانت هذه التجربة الرائدة ثمرة اختيار المسلمين للايمان الكبير والتوحيد الابراهيمي جامعاً، في ورشة علمية واجتماعية وعمرانية معروفة، ولم نعدم التنعم المحدود بمثل هذه الثمرة على مرارتها في الحروب الصليبية التي مهدت من خلال تأثيرات المسلمين على الغربيين، لعصر الانوار في أوروبا، وانفجار اشكاليات الكنيسة والمجتمع والدولة... وحتى العهود الاستعمارية المباشرة خصوصا منذ اواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وغير المباشرة في اعقاب الاستقلالات التي كانت بحاجة الى استكمال، ورغم السلبيات العظمى والفادحة، لم تخل من بعض التأثيرات الايجابية لفكرة بناء الدولة والمؤسسات والقانون وفصل السلطات. ومن المؤسف ان قلة منا توفرت على قراءة هذه المشاهد والوقائع قراءة هادئة وهادفة، بينما تكررت قراءتها الصحيحة والسقيمة في الغرب، بغاية الافادة منها في اتجاهين متعاكسين، اتجاه اعتبرها دالة على امكانية بناء علاقة شراكة عادلة ولو نسبياً، وعلى اساس حقوق الانسان، واتجاه اعتبرها دالة على ضرورة القطيعة تمهيداً للاستحواذ والهيمنة علينا، وقد يعني ذلك كله اننا مضطرون الى الميل الى الشراكة الثقافية او الحضارية، بشروط منصفة اهمها شرط التأهل الذاتي لدينا، على ان هذه الشراكة الممكنة او الواجبة يمكن ان تكون من اهم الشروط والمؤهلات التي تساعدنا على الخلاص من سلبيات التغريب او التغرب، بالمعنى الالتحاقي او الاستلحاقي، اي الاستعماري المتجدد علينا وعلى قابلية فينا ورغبة من المستعمر. فهل في امكاننا ان نتوقع ونعمل لنشهد حالة من التفاعل والتواصل بين العالم الاسلامي والغرب مع ان الظروف الراهنة لا تشير بوضوح الى ذلك على الرغم من الخطاب اليومي الذي نسمعه في تأييد حركات الشعوب ضد أنظمتها الاستبدادية التي بقيت وتبقى مقبولة ومحمية من الغرب الى أن يبلغ ضعفها وجورها وتخلفها مداه وتنهض الشعوب ضدها ولا يبقى بامكان أحد أن يحافظ على استمراريتها.. فتتجه الأنظار الى القوى الشعبية العفوية المصرة على الربط المنهجي بين الخبز والحرية وربما كانت هذه الأنظار تتأمل عميقاً في المعطيات التي تمكن الغرب ثانية من تنشيط حركة انتاج الاستبداد على قاعدة الديموقراطية ومن داخلها كما حدث خلال العملية الاستعمارية التي لم تنس المصطلحات الديموقراطية أثناء تأسيسها للاستبداد تحت ظلها الديمقراطي والمركزي.
دولة الجمال
بقلم: رياض مصاروة – الحياة
قد تبدو فكرة "دولة الجمال" مثالية ويوتوبية، تتناقض مع كل الفكر الما بعد حداثي، في هذا العصر الذي مازال في فكره ميتافيزيقيا، ولا يتعامل مع الوجود الانساني، بل نسي سؤال الوجود كما يقول هايديجر، ويتعامل فقط مع الموجود، دون أن يسأل عن معنى الوجود، ويتعامل مع الأشياء نفعيا ولا يأبه لكينونة الانسان.
ولا شك أن هذا العالم الما بعد حداثي ينتج مفكرين ومثقفين، يروجون له بوعي مصلحي، أو بوعي توصل الى استسلام يقول ان هذا العالم مصيره العدمية، دون أن يطرحوا حتى البدائل اليوتوبية كحلم. والمدافعون عن هذا العالم بوعي من هؤلاء المفكرين أضحوا موظفين تقنيين، يجترون ما توصل اليه عالم الحداثة منذ ديكارت وكانط وهيجل، ويتجاوزونه أحيانا بمفاهيم ما بعد حداثية، ويسخرون مفهوم العقل المطلق الهيجلي بتشكيلات شتى وبمصطلحات لغوية لا تمت الى الوجود بأي صلة، وهؤلاء يجولون في العالم العربي من شرقه الى مغربه، ومن شماله الى جنوبه، يثرثرون على شاشات الفضائيات، ويعودون الى فيلاتهم هادئين البال والجيوب، وفي الوقت نفسه قلقين حتى الاكتئاب من الكذب على النفس أولا، ومن الكذب على قطاعات كبيرة من هذه الأمة التي تسأل: الى أين تتجه هذه الأمة؟
وأنا، المثقف الفقير، رياض مصاروة، قررت أن أحلم فكريا، وأن أمارس لعبة الخيال والتخييل، دون اللجوء الى عظماء الفلاسفة من أفلاطون وأرسطو حتى نيتشه الذي أغلق دائرة الميتافيزيقا وأعلن عن موت الله. والحلم بطبيعته، أي حلم اليقظة، يرخي العنان للتخييل الى أقصى الحدود، وهو حق غير مراقب، سمته الأساسية الحرية المطلقة، أي قررت أن أكون مفكرا للحظات فقط في الحلم، لا أخدم أي سلطة، ولا أخدم أي فكر يحاول أن يضع نفسه في الصفوف الأمامية السائرة نحو العدمية. ولكنني في الوقت نفسه وعلي أن أعترف، أنني رميت بروحي في المتاهات الهيديجرية ،نسبة الى المفكر الألماني مارتين هايديجر، الذي أشغل العالم، واشغل مفكري العالم في الشرق والغرب بسؤال الوجود، وبالسؤال عن معنى الوجود، الذي لم يجد الجواب النهائي لاشكالية معناه...
وما يعنيني، أنا الفلسطيني، الذي اختار "الفلسطينية"، هوية له، واختارها أيضا وجودا، هو محاولة التوصل الى معنى الوجود الفلسطيني، ومنذ البداية لن أحاول أن ألبس هذا المعنى رداء فلسفيا، ورداء عقليا حسابيا، وانما سأحاول أن أنطلق من "فكرة حلمية" تعطي للوجود الفلسطيني معنى ليس ميتافيزيقيا، وانما معنى وجوديا، يؤسس لتاريخ وجودي جديد يقذف به الى الزمن المتوقع، الى المستقبلي،حلمي هو: "دولة فلسطين، دولة الجمال". لن أسميها دولة حدودية من النهر الى الخط الأخضر، ولن أسميها دولة على حدود ال67، ولن أسميها دولة على كل التراب الفلسطيني، أترك هذه التسميات للقادة السياسيين.
أعطوني تلة من تلال فلسطين لأؤسس عليها دولة الجمال، أسكن فيها مع أقراني الفنانين والمثقفين والمفكرين، الذين سيحاولون الانصات لنداء الوجود، بل سندعها تسكن فينا، لنتكلم الى العالم فقط بلغة الوجود الانساني، وسنعلم العالم ما معنى الانصات لنداء الوجود، اليها يحج كل من يريد أن يتعلم الانصات، وهذه الدولة ستكون دولة توسعية، وستحتل مستقبلا كل شبر يحدها، سلاحها الوحيد هو انتاج الجمال والجمالية،دستورها جمالي، وقوانينها جمالية مستمدة من التراث الجمالي الفلسطيني، ورموزها شعراء ومثقفون فلسطينيون أنصتوا لنداء الوجود...انها دولة الانارة التي تدعو الى الانفتاح على الحقيقة الانسانية وماهيتها...في هذه الدولة سننادي الفرح، وسننادي الألم، الفرح الانساني كله والألم الانساني كله، هناك يسكن أيضا الجمال، وهناك تسكن لغته، بل نحن الذين نريد أن نسكن هذه اللغة.
دولة الجمال هذه ستنصت أيضا الى أسرار هذه الأرض،سنزرعها ونفلحها، والفلاح الفلسطيني الذي يوقظ الأرض بخطاه سيكون معلمنا وقائدنا الى أسرار هذه الأرض...وستستضيف المؤتمرات الجمالية لاحياء كل التراث الجمالي الانساني...
مهمة هذه الدولة أن تنقل عدوى الجمال الى الفلسطيني أولا، ومن ثم الى كل العالم، مهمتها أن تعيد الى هذه الأرض مضمونها الأولي، وتعيد الى الأرض رائحتها الأولية.
هذه هي فلسطين التي أحلم بها، ولن أستيقظ من هذا الحلم الا اذا أصبح واقعا، عندها سيبدأ حلم جديد لا أعرف ماهيته حتى الآن...