في هــــــذا الملف:
ماذا فعل آباؤك المؤسسون يا نتنياهو؟
بقلم: محمود الريماوي (كاتب فلسطيني) عن العربي الجديد
رأس واحد لثلاثة أجسام فلسطينية… ومتفرّعاتها!
بقلم: عماد شقور (كاتب فلسطيني) عن القدس العربي
الفلسطينيون والهولوكست.. الانتفاضة تُفقِدْ نتنياهو صوابه
بقلم: رشيد شاهين (كاتب فلسطيني) عن رأي اليوم
انتفاضة الحرم القدسي وسؤال الجدوى
بقلم: سلام السعدي (كاتب فلسطيني سوري) عن العرب اللندنية
عيون وآذان(نتانياهو يتحدث عن التحريض وهو تحريض كافٍ)
بقلم: جهاد الخازن (كاتب لبناني) عن الحياة اللندنية
الهبَّة الشعبية إلى أين؟
بقلم: يونس السيد عن الخليج الاماراتية
هذيان السيد نتنياهو وهلوساته
بقلم: عريب الرنتاوي عن الدستور الأردنية
فرصة مهمّة لوقف تهميش القضية الفلسطينية
بقلم: صبحي غندور (كاتب لبناني) عن الراي الكويتية
هذيان رجل جبان!
بقلم: مازن حماد (كاتب فلسطيني) عن الوطن القطرية
وهم الإسرائيليين الجميل
بقلم: مالك ونوس عن السفير البيروتية
نتنياهو والفجور الصهيوني المنهجي
بقلم: علي عقلة عرسان (كاتب سوري) عن الوطن العمانية
ماذا فعل آباؤك المؤسسون يا نتنياهو؟
بقلم: محمود الريماوي (كاتب فلسطيني) عن العربي الجديد
أثارت التصريحات التافهة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حفيظة صهاينة كثيرين، إذ شعروا أنها تذهب بعيداً في المخاتلة، وتهدد سردية واقعة المحرقة النازية التي يتكئ عليها الصهاينة، لتبرير الاستيلاء على فلسطين، وخصوصاً في ما انطوى عليه خطابه الأجوف من تبرئة لهتلر.
زعم نتنياهو أمام المؤتمر الصهيوني المنعقد في القدس، الثلاثاء الماضي، أن هتلر لم يكن ينوي إحراق يهود، بل طردهم، وأن الحاج أمين الحسيني (رئيس الهيئة العربية العليا) هو من أقنعه بإحراقهم. استهول زعيم المعارضة الإسرائيلية، إسحق هرتسوغ، هذا الكذب، وقال، في نبرة تتسم بالسخرية ".. حتى ابن المؤرخ، ينبغي أن يتوخى الدقة التاريخية"، في إشارة إلى بن تسيون، والد نتنياهو، مؤرخ الصهيونية الذي أمضى شطراً كبيراً من حياته في الولايات المتحدة، وتوفي قبل ثلاث سنوات. أما كبيرة المؤرخين في مركز ياد فاشيم، دينا بورات، فقد أخذت على نتنياهو "عدم الاتسام بالدقة". وقالت "لم يكن المفتي هو من من أوحى لهتلر بإبادة اليهود، فالفكرة تسبق لقاء الحسيني بهتلر في نوفمبر/تشرين ثاني 1941 بعامين، وعبر عنها هتلر في خطاب له"، كما أن أقرب المقربين إليه، وزير الحرب، موشي يعالون، خطّأه علناً.
يعرف نتنياهو، كغيره، أن الصهيونية انتقمت من شعب مسالم على أرض فلسطين بارتكابها هولوكست وجوديا ضده، يضاهي من زاوية الاستئصال الكياني محرقة هتلر. وما زال الهولوكست الفلسطيني مستمراً. للالتفاف على ذلك، وفي فيض جديد لعنصريته، يجنح الرجل إلى تلفيق الوقائع، أملا منه بإدانة الضحايا، وهذا يماثل محاولة إدانة ضحايا المحرقة اليهود.
الآباء المؤسسون للصهيونية هم من تعهدوا إبادة الفلسطينيين، وأبناؤهم وأحفادهم من تولوا هذه العملية، حلقة بعد حلقة. هم من عملوا على "حل نهائي" للوجود الفلسطيني، ومخيمات اللجوء الفلسطيني شاهد على ذلك، فيما هو شاهد إضافي على النزعة الاستئصالية لدى الصهاينة، آباءً وأبناء، وقد جرى في هذه النزعة تقمص شخصية هتلر وحزبه النازي، وإعادة إنتاجه في لبوس صهيوني.
هذا على الرغم من صدور قرارات من الأمم المتحدة، لضمان عودتهم، وكانت الدولة الإسرائيلية لدى انضمامها إلى الأمم المتحدة قد تعهدت باحترام القرارات الدولية، علما أن قبول عضوية المنظمة مشروط بهذا الاحترام. وعلماً أن الدولة الصهيونية هي الدولة الوحيدة التي تمنع لاجئين من العودة إلى وطنهم، فكل الحروب والصراعات في التاريخ كانت تنتهي بعودة المشردين إلى ديارهم، لكن السائرين على طريق هتلر، من آباء نتنياهو ونظرائه، لا يقبلون سوى بـ "حل نهائي"، لا مكان فيه للفلسطينيين على أرضهم، تماما كما هي نظرية هتلر، أن لا مكان في أوروبا لليهود الأوروبيين.
كان هتلر الذي عمد نتنياهو لتبرئته موضع إدانة متجددة في وطنه عقب التصريحات التافهة
"عقبت الحكومة الألمانية على كلام نتنياهو الذي يبرئ هتلر من المحرقة النازية بالقول إن الألمان، وليس أحد آخر هم المسؤولون عن المحرقة"
لزعيم الليكود، فقد عقبت الحكومة الألمانية على الفور بقولها إن الألمان، وليس أحد آخر هم المسؤولون عن المحرقة، (على الرغم من أن المسؤولية المباشرة والفعلية تقع على الفوهرر وحزبه النازي). وبذلك، يعطي الألمان اليوم درساً لعنصري سفيه، حين يتحملون طواعية وزر أشخاص في الحزب النازي، ينتمون إلى هذا البلد. أما العنصري، فلا يجد شيئاً في التاريخ الأسود للصهيونية على أرض فلسطين يستحق الاعتراف به، أو الاعتذار عنه، أو تصحيحه. وهذا هو الفرق بين من ينتمون لعصرنا وقيمه الكونية التي يمثلها، على الخصوص، ميثاق الأمم المتحدة والمدعو بنيامين نتنياهو الذي ينتمي لأسوأ ما في التاريخ البشري من تبجّحات وغطرسة استعمارية، ومن استسهال لوم الضحايا والاستخفاف بعقول الآخرين.
في خطاب الأكاذيب الكبرى الذي ألقاه، قال نتنياهو إنه لم يكن في العام 1941 ما يسمى الاحتلال ولا مستوطنات. في واقع الأمر، كانت هناك مستوطنات على أرض فلسطين، وكانت هناك عصابات صهيونية منظمة، تنشط تحت أعين الانتداب البريطاني، وبالتواطؤ معه، تمهيداً للاستيلاء على فلسطين واحتلالها.
وكان النشاط الصهيوني، في جملته، يتمحور حول الاستيطان والتسلح، وما زال هذا النشاط يتسم بهاتين السمتين الرئيستين، إضافة إلى الأنشطة الأخرى التي تقوم بها كحال الدول الأخرى. ونتنياهو نفسه سليل عائلة مستوطنين، قدموا من وراء البحار (من بولندا)، بعد أن تخلوا عن بلدهم، لينتزعوا بلداً آخر من شعبه، ويستولون عليه. وقد أطلقوا على هذا الاستيلاء، بعد اكتمال أركانه صفة الاستقلال، في واحدة من أكبر عمليات التزوير السياسي في التاريخ.
وبينما حاولوا استلهام التاريخ الأميركي، في استيطان جماعات إنغلوساكسونية على أميركا الشمالية، فإن هؤلاء المستوطنين لم يجرؤوا على قذف أبناء البلاد الأصليين خارج الحدود، وإن كانوا قد استولوا على المساحات الأكبر من أراضيهم، بينما الصهيونية المشبعة بالروح العنصرية الاستئصالية فعلت ذلك بحق الفلسطينيين، وما زالت تغلق أمامهم طرق العودة، بزعم الخوف من تغيير طابع الدولة الصهيونية، وكأن واجب الفلسطينيين أن يضمنوا طابع دولة المستوطنين الغزاة، علماً أن الفلسطينيين، في حال عودتهم الواجبة، هم من سيتعرضون لواقع شائك، ولامتحان قاسٍ لهويتهم الوطنية، حين يعودون إلى أرض أقام آخرون دولة عليها، ويفرضون فيها قوانينهم.
وفي نوبة شجاعةٍ، وصف الرئيس محمود عباس اتهامات نتنياهو بأنها "طريقة دنيئة وحقيرة لتغيير تاريخ اليهود"، وكان من الأفضل والأصوب لو استكمل الرئيس الفلسطيني عبارته الساخطة والمحقة بإضافة التاريخ الفلسطيني للعبارة، التاريخ الذي يُفترض أن يكون معنياً هو به، قبل الاهتمام بتاريخ اليهود وبأكثر منه.
مع ذلك، من المفيد الالتفات إلى النزعة الهجومية التي يتحلى بها أبناء الصهاينة، مثل المدعو بيبي. فعلى الرغم من كل ما حققوه، وعلى الرغم من انتفاخ دولتهم بالتكنولوجيا والسلاح وبثمرات العلوم وفائض الصناعات المتطورة، فإنهم لم يتخلوا عن هذه النزعة التعبوية، وكأن دولتهم في خطر من الفلسطينيين العُزّل، بينما ما زال بعض قادتنا يردد مصطلح "عملية السلام"، وكأنه تعويذة ستطرد الشياطين، ما أن يتم التفوّه بها، على الرغم من أن تجربة استخدام هذا المصطلح آلاف المرات على مدى أطول من عشرين عاماً لم تؤد إلى شيء، سوى إلى مضاعفة النشاط الاستيطاني واشتداد السلوك العدواني، وازدهار العنصرية قيمة قومية لدى المجتمع الصهيوني.
رأس واحد لثلاثة أجسام فلسطينية… ومتفرّعاتها!
بقلم: عماد شقور (كاتب فلسطيني) عن القدس العربي
حتى في هذه الايام الفلسطينية العصيبة والدامية، بل في هذه الايام بالذات، ولأنها كذلك، يتوجب على القيادات الفلسطينية، وعلى الكتّاب والصحافيين، وقادة الفكر وكل من ينطبق عليهم تعبير «مشكِّلي الرأي العام»، الحرص الشديد على عدم الوقوع في خطأ الخلط بين الواجبات الوطنية، وبين الدور المطلوب ايضا، من كل واحد من الاجسام الفلسطينية الثلاثة الاساسية ومتفرعاتها. واذا كان الجسم الفلسطيني الواحد الموحَّد ظلّ قائما لغاية النكبة عام 1948، فإن هذه النكبة قد قطّعت اوصاله وجعلت منه ثلاثة اجسام، لكل واحد منها ظروفه الخاصة، المختلفة عن ظروف الآخرين.
هذا الواقع المرير، واقع تكسير وحدة الجسم الفلسطيني، الذي يناضل الفلسطينيون من اجل انهائه ودحر مسبباته، يحدد لجميع الفلسطينيين «خط النهاية» لنضالهم، وفقط خط النهاية، الذي تقود اليه مسارب وشوارع وطرقات وجادات عديدة ومختلفة، يسلك كل واحد من الاجسام الفلسطينية الثلاثة ومتفرعاتها، ما يلائمه من تلك المسارب والدروب.
والاجسام الفلسطينية الاساسية الثلاثة هي: 1- جسم «داخل الداخل»، فلسطينيو الـ 48، و2- جسم «الداخل»، فلسطينيو الـ 67، و3- جسم اللاجئين في الدول العربية وفي الشتات. ونقول متفرعات تلك الاجسام، لأن ظروف اللاجئين الفلسطينيين مثلا، ودورهم في دول الطوق، غير ما هي عليه في الدول العربية الاخرى، وهي مختلفة عن تلك في دول الشتات الاجنبية، ومختلفة عنها في الداخل، وتكاد لا تشبهها بالنسبة للاجئين في داخل الداخل.
فالفلسطيني اللاجئ من قرية كفر برعم الى حيفا او من صفورية الى الناصرة وشفاعمرو، يعيش ظروفا مختلفة عن اللاجئ من حيفا الى جنين او غزة او الاردن او لبنان. أُضيف الى ذلك مثلا آخر، هو ملاحظة ان القوانين التي خضع فلسطينيو الداخل في قطاع غزة، تختلف عن القوانين التي طبقت في الضفة الغربية، وهي اليوم في القدس مختلفة عن منظومة القوانين في بقية مناطق الضفة الغربية.
نتج عن هذا الواقع المؤلم، ان وفّر لكل واحد من هذه الاجسام الفلسطينية، اسلحة مختلفة عنها في الجسمين الآخرين، ما يعني بالضرورة اعتماد اساليب نضال، ووضع برامج وتحديد اهداف مرحلية قابلة للتحقيق، مختلفة لكل واحد من الاجسام الفلسطينية، مختلفة ولكنها غير متناقضة، بل هي تكمِّل بعضها البعض.
هذا الامر يعني منع «العزف المنفرد» لكل واحد من الاجسام الفلسطينية، واعتماد «مايسترو» يضبط الايقاع لسمفونية فلسطينية وطنية مقنعة، تكسب الاعجاب والتأييد لكل الاجسام الفلسطينية، كلٌّ في ساحته. هذا المايسترو موجود، واسمه: رئيس واعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي توافق الفلسطينيون على اعتمادها واعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
واذا كان هذا المايسترو يعاني من هذا المرض او ذاك، فان المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا، تستدعي معالجة المرض، متأكدين مسبقا بشفاء كامل وناجز، لأن جميع دروس التاريخ تعلمنا ان شعبا بحيوية الشعب الفلسطيني، هو شعب خالد لا يزول، وهو قادر على تخطي كل العقبات والعراقيل، مهما كانت قوتها، ومهما بدت في لحظات احباط ويأس وكأنها عقبات وعراقيل لا مجال لتخطيها.
نسمع هذه الايام دعوات «تستنهض» همم الفلسطينيين في داخل الداخل «للانخراط» في الهبّة الفلسطينية الراهنة. هذه الدعوات من فتية وشباب مفهومة ومبررَّة، اما عندما تصدر عن «مفكِّرين» (!) ومسؤولين وتنظيمات وفصائل وحركات وجبهات فلسطينية، فهي دعوات مشبوهة، بل انها اكثر من ذلك: انها دعوات تصبّ في طاحونة ومصلحة رئيس الحكومة الاسرائيلية نتنياهو وحكومته اليمينية العنصرية المنبوذة من غالبية شعوب ودول العالم، بما في ذلك شعوب ودول الغرب، التي كانت منذ خلق وانطلاق الحركة الصهيونية والى وقت قريب، من خالقي ومناصري الظلم الصهيوني، والمعادين لحقوق ومصالح ومستقبل الشعب الفلسطيني والامة العربية.
وللتوضيح نقول: هذه الهبّة الفلسطينية، هي رسالةٌ مفهومة عالميا بكل لغات الارض نطقها وصرخ بها فِتيةٌ فلسطينيون بدمائهم الزكية، وبأرواحهم الطاهرة، أكدت ما قاله الرئيس الفلسطيني وكل الفلسطينيين، من ان استهداف الاقصى، واغتصاب القدس العربية، واستمرار التنكّر للحقوق الفلسطينية المشروعة، وبناء المستعمرات الاسرائيلية، (ولا اقول «المستوطنات اليهودية»، في اراضي الدولة الفلسطينية، فهي ليست مجرّد مستوطنات يهودية، كما تقول اسرائيل)، وتهويش وتحريض وحماية اوباش وقطعان ووحوش هؤلاء المستعمِرين، باعتبارهم «دُوْل حِماية» (كما تقول كلمات احمد شفيق كامل، التي لحّنها محمد عبد الوهاب، وغناها عبد الحليم حافظ)، هو واقع ظالم ومجحف ومرفوض، ولا يمكن له ان يستمر.
ولقد بلغت هذه الرسالة الفصيحة مسامع كل اهل الارض، من بان كي مون وحتى اصغر طفل يهودي في تل ابيب، مرورا بأوباما ونتنياهو وحكومته العنصرية وحزبه وكل من بين جميع هؤلاء، وبدون اي استثناء. ولقد أثمرت: انكار نتنياهو السعي للاخلال بوضع المسجد الاقصى، وأثمرت: اعتراف نتنياهو وحكومته واسرائيل كلها عمليا، وإن لم يكن بشكل معلنٍ رسميا، ان القدسَ العربية هي قدسٌ عربية، تفصلها عن قدس الـ 48 حدود وحواجز اسمنتية واسلاك شائكة ونقاط تفتيش.
وللتوضيح ايضاً نقول: ان من اسميتهم «فلسطينيو داخل الداخل» يملكون سلاحاً هو بطاقة الهوية الاسرائيلية، (ولا اقول «الهوية» وانما البطاقة، حيث ان هوية جميع هؤلاء كانت وما زالت وستبقى فلسطينية عربية). هذا السلاح الفعّال، يوفّر لجميع افراد هذا الجسم الفلسطيني الاصيل، امكانية الاحتكاك والتواصل المباشر واليومي والمتواصل مع اليهود في اسرائيل.
وأُغامر هنا واقول، (ورزقي على الله)، أن الواجب الوطني والدّور الذي يجدر بكل من يملك هذا السلاح ان يلعبه، سواء كان طالبا او عاملا او تاجرا او محاميا او مهندسا او طبيبا او كاتبا، ان يبني هو وعائلته علاقات انسانية مع مقابله من اليهود في اسرائيل، طلابا وعمالا وتجارا ومحامين ومهندسين واطباء وكتّابا، يكسبهم ويقنعهم بأن نَيل الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية المشروعة، لا يعني الحاق الضرر باليهود في اسرائيل، وانما فتح آفاق تضمن مستقبل من السلام والاستقرار والازدهار للأجيال المقبلة من الشعبين.
لن أُنهي هذه المعالجة لهذا الموضوع تحديدا، دون التثبيت والتوثيق خطّياً لما قلته شفهيا مئات المرات في مناقشات مع مزاودين في «داخل الداخل»، وصار مثل شعارٍ يُنسب لي، وأعتزّ به، وهو، (بما يرمز ويشير اليه، وليس بحرفيته): عندما تُخيف ام الفحم نتانيا، فإن نابلس تدفع الثّمن، اتقوا الله!.
ماذا عن اسلحة وادوات وبرامج واهداف مرحلية للجسمين الفلسطينيين الآخرين: جسم الداخل 67، وجسم اللاجئين؟؟ لهذا حديث آخر في مقبل الايام.
لا بُدّ من رأس عاقل شجاع حكيم للاجسام الفلسطينية الثلاثة ومتفرعاتها.
الفلسطينيون والهولوكست.. الانتفاضة تُفقِدْ نتنياهو صوابه
بقلم: رشيد شاهين (كاتب فلسطيني) عن رأي اليوم
في تصريح شكل ما يشبه الصدمة ليس للفلسطينيين فقط، وانما في اوساط المستعمرين الصهاينة في فلسطين، وكذا في الكثير في الاوساط السياسية والديبلوماسية، ذلك عندما اتهم نتانياهو الحاج امين الحسني انه من أوحى بفكرة المحرقة لأدولف هتلر.
هذيان نتانياهو، ومحاولته إلصاق هذه التهمة بالحسيني كرمز من رموز الثورة الفلسطينية، ياتي ضمن كل ما يقوم به من محاولات لوصم الفلسطينيين بالارهاب.
خلال الفترة المنصرمة، وفي جل خطاباته وتصريحاته، لم يتوقف نتانياهو عن ربط المقاومة الفلسطينية بتنظيمات الارهاب العالمية، ابتداء من داعش وليس انتهاء ببوكو حرام، وذلك لادراكه حجم “الرعب” الذي تتسببه هذه التنظيمات في قلوب الغربيين ساسة وافرادا، ولمعرفته حجم الكراهية التي يكنها الغرب لهذه التنظيمات، وهو بذلك يمارس الممارسة النازية ذاتها “اكذب اكذب حتى يصدقك الاخرين”.
تصريح نتانياهو حول الحاج أمين الحسيني، سبب إرباكا واضحا في المجتمع الصهيوني، بحيث لم يتوان زعيم المعارضة في دولة الكيان، يتسحاق هيرتسوغ، عن اتهام نتانياهو بمحاولة”تزوير التاريخ”،مضيفا بأن تلك الاقوال ” تشويه تاريخي خطير يجب تصحيحه فورا”. وان على نتانياهو ان يكون “دقيقا فيما يتعلق بالتاريخ”.
كما اتهمه البعض بانه بمثل هذا التصريح، انما يوفر قاعدة وأرضية خصبة لناكري “المحرقة”، التي يقول اليهود ان هتلر قام بها وراح ضحيتها ستة ملايين يهودي.
ألمانيا وبحسب وسائل الإعلام، ردت ايضا على نتانياهو بالقول “إن المانيا، والمانيا فقط، هي المسؤولة عما جرى لليهود”، وبهذا فان المانيا تقول وبطريقة غير مباشرة، انه يمارس الكذب والتزوير من خلال اتهامه للحسيني بما اتهمه به.
الاستناد الى زيارات الحسيني لألمانيا واجتماعه بهتلر، كما يحاول نتانياهو الترويج، لا تخرج عن نطاق الكذب الممنهج الذي ينتهجه، حيث من المعروف ان الحسيني قام بأول زيارة لألمانيا بعد أن بدأت الحملة النازية عام 1938 ضد اليهود، وليس بعد تلك الزيارة التي حدثت عام 1941، وكانت “الزيارة” تهدف الى الطلب من هتلر توفير الحماية لمسلمي البوسنة الذين كانوا يتعرضون لحملة “إبادة” على يد الشيوعيين هناك.
محاولة نتانياهو تأجيج الحقد اليهودي خاصة لدى قطعان المستوطنين، وكذلك يهود العالم والغرب بعامة، تأتي بينما يتم ارتكاب جرائم على كل المستويات وبشتى السبل ضد أبناء الشعب الفلسطيني ترتقي الى جرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الانسانية، التي تخالف القوانين الدولية، وهي محاولة للهروب الى الامام، لتفادي الملاحقة القانونية التي لا بد ستطال مجرمي الحرب الصهاينة، عاجلا أو آجلا.
مثل هذه الأقوال، التي من المعلوم انها لا تمت للحقيقة بصلة، تأتي فيما تتواصل انتفاضة القدس، التي من الواضح انها اربكت قادة الاحتلال، ودفعت نتانياهو للخروج عن طوره في سوق الاكاذيب وتزوير التاريخ، كما يحاول تزوير الجغرافيا من خلال كل ما يقوم به وعصابة الاجرام في تل أبيب من تغيير للوقائع على الارض، وصل إلى تغيير أسماء المدن والقرى والبلدات العربية، وتهويدها وتسميتها بأسماء توارتية.
برغم ذلك، فان الانتفاضة التي أججها شباب القدس وساندهم أبناء الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، واستعرت في باقي الضفة والقطاع، ستتواصل مهما حاول قادة دولة العصابات من تزوير للتاريخ، ولن يكون غريبا ولا مستغربا ان نستمع إلى المزيد من الكذب والتزوير ومحاولات التشويه كلما اشتد عود الانتفاضة.
انتفاضة الحرم القدسي وسؤال الجدوى
بقلم: سلام السعدي (كاتب فلسطيني سوري) عن العرب اللندنية
على تخوم الحرم القدسي الشريف تتفجر معاناة الفلسطينيين في كل مرة. اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام 2000، بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون للحرم القدسي برفقة قوات الأمن الإسرائيلي، فيما تندلع اليوم ما يعتبرها البعض “الانتفاضة الثالثة” بعد الحديث عن نية إسرائيل السماح لليهود بدخول المسجد والمصليات داخل الأقصى.
على مدار أكثر من عقدين من التفاوض بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، رفضت الأخيرة أن تتخلى عن أي جزء من مدينة القدس بما في ذلك القدس الشرقية التي يطالب المفاوض الفلسطيني بأن تكون عاصمة دولته الموعودة. تشبثت إسرائيل على المستوى السياسي والدبلوماسي، فيما واصلت خلق وقائع جديدة على الأرض وذلك بضم مستوطنات تحتوي عشرات الآلاف من اليهود إلى الحدود الإدارية للقدس وتهجير الفلسطينيين من المدينة وتجريدهم من الهوية. وقد نشأت حقائق جديدة بمرور الوقت. ففي حين شكل التواجد اليهودي 2 بالمئة في القدس الشرقية عام 1948، بات يقترب اليوم من 50 بالمئة وهو ما يشكل نجاحاً لما عرف بمخططات “تهويد القدس”.
بعد احتلال إسرائيل للمزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية في حرب يونيو 1967، قررت أن “القدس الشرقية هي جزء من أرض إسرائيل، يسري فيها قانون الدولة، قضاؤها ونظامها الإداري”. وتتابعت القوانين التي تؤكد على “حق” إسرائيل في كامل مدينة القدس، وترفض التخلي عن أي جزء منها.
وإن كانت الانفجارات الشعبية تبدو بدافع الذود عن أحد أهم مقدسات المسلمين وأهم مقدسات الفلسطينيين، لكن جذورها ضاربة في معاناة الشعب الفلسطيني من الاحتلال والمستوطنين الذين يواصلون اقتطاع مساحات من أراضيهم من خلال سياسات الاستيطان والمصادرة والسطو على المنازل والإبعاد. كل ذلك يشكل الأرضية الكامنة للغضب الفلسطيني، بالتوازي مع حالة اليأس والإحباط من واقع القيادة والفصائل الفلسطينية المختلفة التي تبدو تائهة ومشوشة الرؤية أمام الطريق المسدود الذي أوصلت الفلسطينيين إليه.
أمام هذا الجبل الهائل من الاحتقان، والذي تتربع على قمته قضية “تهويد القدس”، عاد الفلسطينيون إلى المقاومة من جديد. مقاومة فردية غير منظمة تستخدم السكاكين لطعن المستوطنين الذين يشكلون رأس الحربة في مشروع تهويد القدس وطرد الفلسطينيين من أرضهم التاريخية.
لا يعبأُ منفذو عمليات الطعن بحسابات الثمن الذي يمكن أن يدفعه الدبلوماسي الفلسطيني العاجز عن تبرير طعن “المدنيين”، ولا حتى بالجدل الدائر حول إن كان المستوطن يعتبر “مدنياً” أو عسكرياً. هذا جدل دائم وقديم، يعود إلى زمن الانتفاضة الثانية حيث برز تنفيذ العلميات الاستشهادية وارتفعت معها أصوات البعض بأن الفلسطينيين يدفعون أثمانا سياسية وإستراتيجية جراء تنفيذ تلك العمليات أكثر مما تدفعه إسرائيل بكثير من أثمان بشرية. كان ذلك الادعاء ينطلق من أن العمليات الاستشهادية تشكل ذريعة لإسرائيل لمواصلة الإجراءات الاستيطانية والتهويدية في ظل صمت المجتمع الدولي الذي يعتبرها في مواجهة مع “الإرهاب”. كانت العمليات تتم بقيادة منظمات فلسطينية محددة، وكان يترتب على ذلك ثمن إضافي وذلك باستهداف إسرائيل لتلك المنظمات واغتيال قادتها بدعوى الرد على العمليات الاستشهادية.
اليوم يعود صوت “الاعتدال” ليتحدث عن الثمن الذي يتكبده الفلسطيني في انتفاضته الأخيرة، ويضيف بأن سنوات التهدئة وعدم ممارسة المقاومة المسلحة خلال العقد الماضي وسّعت التضامن العالمي مع الفلسطينيين، وزادت من قوة حملات المقاطعة للكيان الصهيوني، ذلك أن التضامن مع الضحية أسهل في حال اقتصر على كونه ضحية فقط ولم يبد أي قدر من المقاومة العنيفة. ولكن صوت الاعتدال اليوم لا يبدو مقنعاً وقوياً كما كان في السابق. من المعلوم أن المجتمع الدولي صم آذانه عن مطالب الفلسطينيين طيلة السنوات العشرة الماضية التي لم تتخللها أي انتفاضة أو عنف، كما تجاهل استمرار إسرائيل بتشييد المستوطنات. ما يعني أن الفلسطينيين دفعوا دوماً ثمناً باهظاً أياً كانت أفعالهم النضالية والأشكال التي تتخذها.
إن من ينفذ العمليات اليوم هم شبان مستقلون لا يرتبطون بتنظيمات مسلحة، ويدفعون حياتهم فحسب ثمناً لأعمال المقاومة التي يبدونها. ويشكل ذلك أزمة لإسرائيل، إذ ليس بوسعها أن ترد على تلك العلميات الفردية بعمليات اغتيال وباجتياح المدن والحصار الجماعي الذي اعتادت أن تفعله في الانتفاضة الثانية. هنالك دوماً ذريعة متاحة لهذا الكيان العنصري لكي يرد على العمليات على نطاق واسع ولكن الأمر أصعب قليلاً مما مضى.
ربما وسعت سنوات التهدئة من التضامن العالمي مع الفلسطينيين، ولكن أيضاً، في ظل الانتفاضات الفلسطينية تصاعدت حملات التضامن العربي والعالمي وتم إحياء القضية الفلسطينية من جديد في وقت كان يعيش الفلسطينيون معاناتهم بصمت. كما أنضجت كل انتفاضة مرت على الفلسطينيين مئات الشبان ورفعتهم إلى مصاف القادة وفتحت آفاقاً جديدة للعمل الشعبي. الأهم من كل ذلك أن الانتفاضة الفلسطينية كانت دوماً تعيد تقوية الروابط الواهنة بين التجمعات الفلسطينية المتباعدة، الضفة وغزة والقدس وفلسطينيي 48 وفلسطينيي الشتات.
عيون وآذان(نتانياهو يتحدث عن التحريض وهو تحريض كافٍ)
بقلم: جهاد الخازن (كاتب لبناني) عن الحياة اللندنية
الإرهابي قاتل الأطفال بنيامين نتانياهو برّأ هتلر من المحرقة وهو يقول أن الحاج أمين الحسيني أوحى لهتلر بقتل اليهود. وعندما ثار اليهود عليه قبل المسلمين لتبييضه صفحة هتلر، عاد فقال أن هتلر قرر إبادة اليهود والحاج أمين ساعده. البروفيسور ماير ليتفاك، من جامعة تل أبيب، قال أن خطاب نتانياهو أمام المؤتمر الصهيوني وما ضمّ من تهم كان «كذبة».
عرفت الحاج أمين الحسيني وزرته مرة بعد مرة في دارته المطلة على بيروت في الطريق إلى بيت مري. وأجريت له مقابلة نشرتها «الديلي ستار» التي كنت أرأس تحريرها. هو قال لي أنه ذهب إلى ألمانيا سنة 1941، وكان النازيون يتحدثون عن مقاطعة اليهود لا قتلهم. وتصرف الحاج أمين وعدد من الشخصيات العربية التي انضمت إليه بعد ذلك على أساس المَثل «عدو عدوي صديقي»، فهم كانوا يبحثون عن حليف ضد بريطانيا ووعد بالفور، ومفتي القدس أقسم لي أنه لم يزرْ أي معسكر اعتقال نازي لليهود.
حذاء الحاج أمين أشرف من سلالة نتانياهو كلها، ولم أسمع منه يوماً أي دعوة أو دعاء لقتل اليهود، وإنما اعتبرهم غزاة، وطلب تحرير بلده فلسطين منهم. أكتب ما سمعت من الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس، ولا سبب عندي إطلاقاً للشك في كلامه. ولعل البروفيسور الإسرائيلي ليتفاك حسم الجدل بالقول أن كلام نتانياهو «كذبة».
نتانياهو يكذب كما يتنفس، وهو قال للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن الرئيس محمود عباس انضم إلى «داعش» و «حماس» في التحريض. هل يحتاج الفلسطيني تحت الاحتلال إلى مَنْ يحرّضه؟ المستوطنون في بيته، وهم يهددون الحرم الشريف، وحَمْل سكين أو حجر واجب دفاعاً عما بقي من فلسطين. أما الإرهاب فهو حكومة إسرائيل وجيش الاحتلال والمستوطنون وخرافاتهم الدينية التي لا توجد آثار على الأرض إطلاقاً لتثبتها.
وهامش سريع على ما سبق فاللورد غريد، وهو يهودي بريطاني ورئيس سابق لهيئة الإذاعة البريطانية، اتهم «بي بي سي» بالانحياز إلى الفلسطينيين في تغطيتها أحداث الأيام الأخيرة. حتماً لا انحياز، وإنما نقل حقيقة بسيطة هي أن الفلسطيني طالب حرية، بيده حجر أو سكين، وأن الإسرائيلي إرهابي محتل يستعمل الرصاص، لذلك قتِل حتى الآن ستة إسرائيليين وأكثر من 40 فلسطينياً، ونسبة واحد إلى سبعة هي نسبة نازية بامتياز.
مواقع ليكود أميركا فقدت أعصابها وهي تكيل التهم في كل اتجاه، وقرأت لهم أن موظفين في أونروا يشاركون في الانتفاضة الجديدة. طبعاً يشاركون لأنهم فلسطينيون. عصابة الحرب والشر أكملت بخبر يقول أن الفساد طلع من جديد في الأمم المتحدة وتحت العنوان صورة للأمين العام الذي حاول وقف العنف (وتبعه للسبب نفسه وزير الخارجية الأميركي جون كيري).
يهددون بان كي مون وهو أشرف من كل عضو في حكومة إسرائيل ومن أعضائها مجتمعين، فهو لا يقتل أو يدمر أو يحتل، وإنما يحاول أن يجد مخرجاً من الأزمة المستمرة.
أسخف ما قرأت تعليقاً على انتفاضة الأقصى كان في «واشنطن بوست» التي باعها يهود أميركيون ليهود أميركيين، فتحت العنوان: ماذا يدفع الفلسطيني لمهاجمة اليهود بسكاكين مطبخ؟ جوابي الاحتلال والاستيطان وسرقة فلسطين من أهلها. غير أن الكاتبين وليام بوث وروث أغلاش قررا أن الأسباب إما سياسية أو دينية أو شخصية. أقول أن السبب هو الاحتلال.
عصابة الحرب والشر تحدثت عبر موقع إلكتروني يهودي عن الإسراء والمعراج. لن أكرمهم بردّ أو شرح، وإنما أقول أنني أتحداهم جميعاً إلى مناظرة تلفزيونية بالعربية أو الإنكليزية نقارن فيها بين القرآن الكريم والتوراة لنرى أي دين هو دين السلام. هم إلى جهنم وبئس المهاد.
الهبَّة الشعبية إلى أين؟
بقلم: يونس السيد عن الخليج الاماراتية
ربما يكون أهم ما يميز الهبة الشعبية الفلسطينية الراهنة أنها جاءت عفوية وبلا مرجعيات ولا عناوين محددة يمكن الضغط عليها لوقفها أو حرفها عن مسارها، وهي وإن حملت فعالياتها وسلوكها وأدواتها طابعاً فردياً أكثر منه جماعياً، وطرحت أهدافاً محددة بوقف جرائم الاحتلال ومستوطنيه وانتهاكاتهم المتكررة للمسجد الأقصى، إلا أنها انتشرت وتمكنت بسرعة قياسية من توحيد الفلسطينيين في كل الوطن المحتل، واستطاعت، في ذات الوقت، أن تبث الرعب في صفوف الاحتلال ومستوطنيه، وأن تستنفر أجهزته الأمنية وأدواته القمعية من النهر إلى البحر.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو إلى أين ستمضي هذه الهبة الجماهيرية، وهل ستتحول إلى انتفاضة شاملة، وما هي الأهداف التي تسعى لتحقيقها؟
لن نذهب بعيداً في تحليل أسبابها ومنطلقاتها، لكننا نكتفي بالقول إن وجود الاحتلال بحد ذاته، وعربدة جنوده ومستوطنيه وإجرامهم الوحشي، من إحراق الفلسطينيين وهم أحياء إلى الاقتحامات اليومية وتدنيس المسجد الأقصى ومحاولات تقسيمه زمانياً ومكانياً، كانت الشرارة المباشرة التي فجرت الغضب الفلسطيني المتراكم للرد على تلك الجرائم. ثمة أسباب أخرى كثيرة بالطبع أسهمت في إخراج المارد من القمقم، في مقدمتها نشوء جيل جديد من الشباب الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو، يرفض هذا الاتفاق، بل يعتبره سبباً أساسياً في مضاعفة الاستيطان وازدياد الانتهاكات والاعتداءات والجرائم الصهيونية، من دون أي رادع.. مع وجود هذا الجيل من الشباب الذي «كفر» بالحديث عن التسوية ومفاوضاتها، ويرفض العيش في كنف الاحتلال ويؤمن بقوة بعدالة قضيته وحقه في أرضه ووطنه وحريته واستقلاله، فقد توفرت لديه كل الأسباب لانتزاع حقه بيده. وهذه واحدة من مفاجآت هذه الهبة الشعبية، إذ خلافاً للاعتقاد السائد بأن هذا الجيل من الشباب قد تم تدجينه، وحتى تسميته بجيل «الفيس بوك» بفعل حالة الرخاء أو الاسترخاء التي حاولت السلطة الفلسطينية تعميمها بعد اتفاق أوسلو، فإذا بهذا الجيل نفسه يشعل غضباً فلسطينياً يصعب احتواؤه، سلاحه اللحم الحي وما امتلكت يداه من أدوات بسيطة كالسكاكين وحجارة الأرض، وإبداعات لا تنضب من عمليات دهس وطعن وحتى عمليات استشهادية، وقبل ذلك شجاعة غير مسبوقة في انتزاع سلاح العدو ومقاتلته به، وكان سلاحه الأكثر فتكاً ورابطه الجامع هو مواقع التواصل الاجتماعي.
واللافت هنا هو مشاركة الفلسطينيات بكثافة في هذه الهبة مع رفضهن الصريح للانخراط تحت لافتة أي من الفصائل الفلسطينية. والواقع أن الهبة الشعبية بمجملها آثرت الابتعاد عن التنظيمات والفصائل، وربما يكون هذا الابتعاد أحد أسباب استمراريتها وليس العكس، فالفصائل الفلسطينية، خصوصاً حركتي «فتح» و«حماس»، محكومتان بحساباتهما الخاصة، فواحدة مكبلة باتفاق أوسلو وملحقاته، وأخرى بالتهدئة مع الاحتلال، الأمر الذي يحرر الهبة الشعبية من أي قيود أو التزامات تبقيها معرضة للضغوط. وهذا ما نجحت فيه بالفعل. فعلاوة على الفشل الاستخباراتي والأمني للاحتلال بكل بطشه وجبروته وآلته القمعية، لا تملك السلطة ولا الفصائل إمكانية وقفها، سواء جاءت هذه الضغوط من عواصم الغرب أو الأمم المتحدة أو غيرهما، ومن الواضح أنها تتطور وتمضي بثبات نحو الانتفاضة الشاملة، ولكن عندها لكل حادث حديث.
هذيان السيد نتنياهو وهلوساته
بقلم: عريب الرنتاوي عن الدستور الأردنية
مشاعر الكراهية للفلسطينيين التي يختزنها بينيامين نتنياهو بين أحشائه، لا تقتصر على الأحياء منهم أو الذي سيولدون من بعد فحسب، بل وعلى الأموات منهم كذلك... الهلوسات التي باح بها قبل أيام بخصوص الحاج أمين الحسيني، وتحميله مسؤولية «الهولوكوست»، تفضح بأبشع العبارات، ما يضمره الرجل من مشاعر الحقد والكراهية للفلسطينيين، الأحياء منهم والأموات والذي سيولدون... هو ذاته، الرجل الذي وصف الرئيس محمود عباس بـ «السفاح»، الرئيس الذي لم يعرف عنه في تاريخه، أن «ذبح فرخة» أو حتى أمر بذبحها.
الفلسطينيون إما نازيون، تفتقت أذهان قادتهم عن «أفران الغاز» وإما قتلة وإرهابيين وسفاحين... لا فلسطيني جيد على الإطلاق من وجهة نظر رئيس الحكومة الإسرائيلية، ولهذا ربما، استحق أطفال الفلسطينيين قبل شيوخهم، ونساؤهم قبل رجالهم، قرارات الإعدام في الشوارع من دون محاكمة، وأوامر تهديم البيوت والاعتقالات التعسفية والعقوبات الجماعية والحصار والتجويع، وأكثر حروب القرن الحديث، بربرية.
نتنياهو يهذي، وفي نوبات الهذيان العنصري التي تجتاحه، يُخرج كل ما في جوفه من سموم وأحقاد، ويقذف كل ما بداخله من نوايا سوداء... مع أن الرجل «في السياق الإسرائيلي الخاص»، لا يبدو واقفاً على أقصى يمين الخريطة السياسية والحزبية، بل في وسطها، ولنا أن نتخيل ما الذي يعتمل في صدور من هم على يمينه من قوى وأحزاب ورأي عام.... ولا أدري بوجود هذه القاعدة العريضة، لـ «الداعشية اليهودية»، كيف يمكن التفكير باتفاق سياسي أو حل وسط مع هؤلاء.
الغريب في أمر نتنياهو وأركان حكومته، أنهم الأكثر تهويلاً وصخباً عند الحديث عن «التحريض الفلسطيني على العنف وثقافة الكراهية»، مع أنهم يتفوقون على جوبلز نفسه، حين يتصل الأمر بتعبيراتهم العنصرية ومواقفهم العدائية من الفلسطينيين، الأحياء منهم والأموات، وأولئك الذين لم يولدوا بعد... فكيف يمكن التفكير بتسويات وحلول وسط، يمكن إبرامها مع كارهين ومحرضين على هذا المستوى من اللؤم.
الرئيس عباس، يحذر صبح مساء من مخاطر الانزلاق إلى حرب دينية أو صراع ديني... نحن في قلب هذه الحرب، نحن في معترك هذا الصراع... «الداعشية اليهودية» ستنتج شبيهها ونقيضها على الضفة الأخرى من معادلة الصراع أو خنادق الحرب والقتال... وساعتئذ، لن يكون الفلسطينيون وحدهم هم ضحايا «المحرقة الجديدة»... وسيسجل التاريخ، «المحرقة الثانية» تسبب فيها «ضحايا المحرقة الأولى»، وكانوا أول من أشعل شراراتها.
والمؤكد أن نظرة نتنياهو وعصابته وقطعان الداعمين له والمصوتين له، للعرب في الأردن ولبنان وسوريا ومصر وغيرها، لا تختلف أبداً عن نظرتهم للفلسطينيين... لكن «عربان» هذه الأيام، منصرفون إلى مشاغلهم وحروبهم الجانبية، لم تأخذهم بعد الحميّة القومية أو الدينية، بل ولا «حميّة الجاهلية»... لكنهم سيستيقظون ذات يوم، على وقع انفجارات العنصرية وانبعاثاتها من تحت سطح الكراهية والعداء للآخر، التي تتخمر داخل المجتمع الإسرائيلي، إلى حد التعفن والتقيّح.
كيف يمكن الاطمئنان والحالة كهذه، إلى ما يمكن أن تفيض به مهمة كيري أو أن تجود به قريحته، من أفكار وتسويات لمشكلة القدس والأقصى والمقدسات... مع مَنْ مِنَ الإسرائيليين يمكن إبرام تسويات كهذه، ومن يضمن التزامهم بها، وما السبيل للتأكد من أنها ليست سوى «هدنة» مؤقتة بين زحفين استيطانيين؟... بوجود أشخاص من طراز نتنياهو وبينيت وليبرمان وغيرهم، ما حاجتنا للخوض من جديد، في تجريب المجرب؟.
وإزاء انكشاف «الطابق» وافتضاح «المستور»، فإن أكثر ما يدهشنا، هو ذاك المنسوب المرتفع من «العقلانية» التي تغلف مواقف بعض المسؤولين العرب وأتباعهم والناطقين باسمهم و»حملة المباخر»، الذين يستكثرون على الشعب الفلسطيني، هبّته وامتشاقه لسلاح الحجر و»سكين المطبخ».... فتراهم يدعون للهدوء والعقلنة والسكينة، لكأن الشيء الطبيعي أن يتأبد الاحتلال المريح والمربح، وألا يحاول الفلسطينيون الذود عن كرامتهم وعزة أنفسهم وما تبقى من أرضهم وحقوقهم ومقدساتهم...أو لكأن الفلسطينيين اقترفوا جرماً عظيماً إذ يحاولون جاهدين، رفع كلفة الاحتلال ولو قليلاً... فهل هي «العقلانية» فعلاً، أم أنها «العجز» المُجلل بانهزامية مُذلة؟
فيا «غضب الضفة لا تهدأ» حتى تدرك إسرائيل أن استمرار الحال من المُحال... وحتى يخرج السادرون في غيبوبتهم من العرب العاربة والعربان، من سباتهم العميق، فيعود لفلسطين ألقها وبريقها ومركزيتها... وتقرر البشرية وضح حد نهائي لآخر احتلال إحلالي عنصري على وجه الكرة الأرضية.
فرصة مهمّة لوقف تهميش القضية الفلسطينية
بقلم: صبحي غندور (كاتب لبناني) عن الراي الكويتية
ما تحتاجه القضية الفلسطينية الآن هو أكثر من حراك بطولي شبابي فردي في القدس والضفة الغربية، فهي تحتاج إلى انتفاضة شعبية فلسطينية شاملة تضع حدّاً لما حصل في العقدين الماضيين من تحريفٍ لمسار النضال الفلسطيني، ومن تقزيمٍ لهذه القضية التي كانت رمزاً لصراع عربي/صهيوني على مدار قرنٍ من الزمن، فجرى مسخها لتكون مسألة خاضعة للتفاوض بين «سلطة فلسطينية» في الضفة الغربية وبين «الدولة الإسرائيلية» التي رفضت الاعتراف حتّى بأنّها دولة محتلّة، كما رفضت وترفض إعلان حدودها النهائية.
وكما كان من الخطأ تصغير حجم القضية الفلسطينية في مجال العمل السياسي والمفاوضات، سيكون كذلك من الخطأ الآن تحجيم عمل المقاومة الفلسطينية ضدّ الاحتلال بحصره على جبهة القدس والمسجد الأقصى فقط. فالمطلوب فعلاً الآن هو وحدة القيادة الفلسطينية ووحدة برنامج العمل على مستوى كلّ المنظمّات الفلسطينية الفاعلة داخل الأراضي المحتلة وخارجها، ففي ذلك يمكن أن يتكامل أسلوب العمل السياسي ومسار التفاوض، مع أسلوب المقاومة الشعبية الشاملة في كل المناطق الفلسطينية، ومع أسلوب المقاومة المسلّحة حينما يضطرّ الأمر إلى ذلك.
إنّ المشكلة الأساسية تكمن الآن في الانقسام الفلسطيني الذي ازداد حدّةً بعد توقيع اتفاقيات «أوسلو» والتي ثبت، بعد أكثر من عشرين عاماً، عجزها عن تأمين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وتستفيد إسرائيل طبعاً من تداعيات الحروب الأهلية العربية، ومن الموقف الأميركي الذي يساهم الآن في تهميش القضية الفلسطينية بعدما تراجعت إدارة الرئيس أوباما عن مطلب تجميد الاستيطان، وامتنعت عن ممارسة أي ضغط فعلي على حكومة نتنياهو طيلة السنوات الماضية من عمر العهد الأوبامي.
فتصريحات «البيت الأبيض» والخارجية الأميركية وأعضاء في الكونغرس في شأن الملف الفلسطيني، كلّها تكرّر ما يقوم به معظم الإعلام الأميركي من تشويه لحقائق الصراع العربي والفلسطيني مع إسرائيل، ومن تصوير للمشكلة الآن في القدس والضفّة وكأنّها أزمة بين طرفين متساويين يمارسان العنف ضدّ بعضهما البعض! أو كأنّ ما تفعله إسرائيل هو مشابه لما تقوم به أميركا وحلف الناتو في أفغانستان وفي أماكن أخرى من ملاحقة وقتل لجماعات «إرهابية»!. فموضوع «الاحتلال الإسرائيلي» مغيَّب عن المواقف الرسمية الأميركية ومهمَّش كثيراً في الإعلام الأميركي، كما هو الظلم أيضاً في مساواة مسألة «الإرهاب» بالمقاومة ضدّ الاحتلال.
لكن المصيبة ليست في الموقف الأميركي فقط أو في بعض المواقف الدولية الأخرى، فالأوضاع العربية مسؤولة أيضاً عن حجم المأساة التي عاشها ويعيشها الشعب الفلسطيني. فعناصر المواجهة العربية والفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي ما زالت حتّى الآن غائبة، ووحدة الشعب الفلسطيني ومنظماته وقياداته هي العنصر الأهم المفقود حالياً، وكذلك الحدّ الأدنى من التضامن الرسمي العربي المطلوب مع الشعب الفلسطيني. كلّ ذلك هو الواقع الآن، إضافةً إلى استمرار حروبٍ أهلية عربية بأشكال مختلفة، وتزايد عوامل التفكّك لا التوحّد في المجتمعات العربية. فكيف لا تستفيد حكومة نتنياهو من هذا الواقع العربي المزري، وكيف يأمل البعض بتغيير المواقف الأميركية والدولية لمصلحة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني؟!
ربّما أهمية ما يحدث الآن في القدس والضفة هي إعادة الحيوية لقضية فلسطين، التي جرى تهميشها عمداً في السنوات الماضية، وبالتالي تصحيح «البوصلة» العربية، بعدما تسبّبت «معارك التغيير الداخلي» بفقدان معيار معرفة الصديق من العدوّ!
لقد أوقفت السلطة الفلسطينية التفاوض مع إسرائيل، لكن ما البديل الذي طرحته؟، وهل أعلنت مثلاً التخلّي عن نهج التفاوض لمصلحة أسلوب المقاومة المشروعة ضدَّ الاحتلال؟، هل تّمت إعادة بناء «منظمة التحرير الفلسطينية» لكي تكون «جبهة تحرّر وطني» شاملة توحِّد الطاقات والمنظمّات الفلسطينية المبعثرة؟ ثمَّ ماذا لو استجابت حكومة إسرائيل لمطلب «تجميد الاستيطان» لبضعة أشهر، فهل يعني ذلك برداً وسلاماً في عموم المنطقة؟، وكيف لبضعة أشهر أن تصنع التحوّل في حكومة إسرائيلية قامت على التطرّف ورفض الاتفاقات مع الفلسطينيين، بحيث تقبل هذه الحكومة بدولة فلسطينية مستقلّة عاصمتها القدس، وبإنهاء المستوطنات وإعطاء اللاجئيين الفلسطينيين حقوقهم المشروعة؟!
المراهنة فقط على أسلوب التفاوض مع إسرائيل هو مراهنة على سراب، وهو أضغاث أحلام لا جدوى فلسطينياً وعربياً منها. فما هو قائمٌ على أرض الواقع هو وحده المعيار في أيِّ مفاوضات أو عدمها. وتغيير الواقع الفلسطيني والعربي هو الكفيل حصراً بتغيير المعادلات وصنع التحوّلات المنشودة في الموقفين الإسرائيلي والدولي.
إنّ مسألة المستوطنات هي رمزٌ لمدى العجز العربي والضعف الأميركي من جهة، والاستهتار الإسرائيلي من جهةٍ أخرى بمن يمدّ إسرائيل بالسلاح والمال والدعم السياسي لعقود طويلة. فإذا كانت الإدارة الأميركية (ومعها كل أطراف اللجنة الرباعية) غير قادرة على إجبار إسرائيل على وقف بناء المستوطنات، فكيف ستجبرها إذاً على إخلاء الأراضي الفلسطينية المحتلّة وتسهيل بناء الدولة الفلسطينية المستقلّة؟!
إنَّ الظروف الآن مناسبة جداً لفرض أجندة إسرائيلية على المنطقة يكون الهدف الأساسي فيها هو التشجيع على الصراعات الطائفية والإثنية، وتكثيف الاستيطان، وإخضاع الفلسطينيين لمشيئة المحتلّ الإسرائيلي، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى إدارة مدنية ترعى شؤون الخدمات وتشكّل امتداداً أمنياً لإسرائيل وسط المناطق الفلسطينية، مع توطين الفلسطينيين خارج الأراضي المحتلة.
وإذا كانت الأوضاع السائدة في المنطقة حالياً واضحة جداً في كيفيّة خدمة المشروع الإسرائيلي، فإنَّ مقارنة حال الوضع الإسرائيلي مع الوضع العربي والفلسطيني تجعل الرؤية أيضاً واضحة لكيفيّة الخروج من المأزق الذي هي عليه الآن السلطة الفلسطينية.
فلِمَ لا تحسم السلطة الفلسطينية أمرها بإعلان أنّها أمام خيارين: إمّا التحوّل إلى إدارة مدنية تخدم إسرائيل وأمنها واحتلالها، أو الانتقال الفعلي إلى صيغة «جبهة تحرّر وطني» تجمع وسطها كل التيارات والقوى التي تنسجم مع إستراتيجيةٍ واحدة، تطالب بالحدّ الأدنى من حيث الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة عام 67 بما فيها القدس الشريف، وبناء دولة فلسطينية مستقلة على هذه الأراضي (وعاصمتها القدس)، ثمّ تفاوض هذه الدولة حين قيامها على مصير اللاجئين الفلسطينيين دون التخلّي عن حقوقهم المشروعة التي نصّت عليها القرارات الدولية.
وحينما تتحوّل السلطة الفلسطينية إلى «جبهة تحرّر وطني»، فسيكون من واجبها - كما هو من حقّها- تحديد أساليب المقاومة وأمكنتها والجهات التي تقوم بها لكي لا يحدث أي خلل سياسي وأمني في الساحة الفلسطينية، ولمنع إسرائيل من استغلال أي عملياتٍ فردية قد تسيء إلى معركة التحرّر الوطني الفلسطيني..
واقع الحال الآن أنَّ السلطة الفلسطينية تتصرّف وكأنّها دولة مستقلة ذات سيادة بينما هي مؤسسات مستباحة يومياً تحت الاحتلال الإسرائيلي، والأجدر بها (أي السلطة) أنْ تتصرّف وكأنّها جبهة وطنية لمقاومة الاحتلال حتّى لا تصل إلى مستوى الإدارة المدنية للاحتلال. عند ذلك، ستعود الحيويّة إلى الشارعين العربي والفلسطيني، وسيجد الإنسان العربي أملاً في جهةٍ ما تسير على طريقٍ سليم يجمع بين وضوحٍ في الرؤية، وبين أسلوبٍ سليم في التعامل مع مسألتيْ المقاومة والتفاوض.
هذيان رجل جبان!
بقلم: مازن حماد (كاتب فلسطيني) عن الوطن القطرية
لا نظن أن هتلر كان بحاجة إلى أفكار مفتي القدس المناضل الراحل الحاج أمين الحسيني، حول قتل يهود أوروبا. لكن نتانياهو يزعم أن الحسيني طار إلى برلين بقصد تحريض هتلر على تصفية «العرق اليهودي». وبعد أن رد عليه الزعيم النازي بأنه ينوي طرد اليهود لا قتلهم، قال المفتي حسب مزاعم رئيس الحكومة الإسرائيلية، إن «ترحيلهم يعني قدومهم عندنا.. فالأفضل أن تتخلص منهم هنا.. في أوروبا».
وحسب هذيان نتانياهو المسجل على شريط فيديو، فقد استجاب هتلر لطلب الحسيني وفتح النار على اليهود. هذا الكلام ليس سخيفا فحسب، بل يدل على سطحية فاضحة، ذلك أنه افترض أن يؤخذ كلامه على محمل الجد، حتى يمكنه «تلبيس» مسؤولية اضطهاد وقتل اليهود، للشعب الفلسطيني الذي يَعْبر هذه الأيام انتفاضته الثالثة، مضيقاً الخناق على الرواية الإسرائيلية البائسة التي تجيز لأي إسرائيلي أن يقتل كل فلسطيني، سواء حمل سكينا أم لم يحمل، وأن يعتقل الناس ويحرقهم ويجرف مزارعهم.
يريد نتانياهو من وراء تشهيره بالمفتي أن يعبئ الإسرائيليين بمزيد من الكراهية ضد الفلسطينيين الذين نجحت مقاومتهم الفذة والمتجددة في إنهاك وإحراج مؤسسة الاحتلال بعسكرها ورجال أمنها، وبالعقل الجمعي لليهود، حتى بات الواحد منهم لا ينام إلا والرشاش المعبأ بالرصاص تحت السرير.
هذا الرعب الذي يسكن الإسرائيليين وخاصة المستوطنين، دفع نتانياهو إلى اتهام زعيم فلسطيني بالمسؤولية الأولى عن المحرقة. وإذْ ينتقد المعلق «بن كاسبيت» كلام نتانياهو ويدحضه، فإنه يضيف بأن رئيس الحكومة قال ما قاله حول فكرة إبادة اليهود، عن قصد وتعمد. ولا يستبعد كاسبيت أن يكون نتانياهو مقتنعا بهذه الفكرة، مستندا في افترائه على مفتي القدس، على أقوال نازي صغير تم دحض كلامه فيما بعد حيث تبين عدم ثبوته في كل الأحوال.
ويكون نتانياهو بهذا التصرف الصبياني قد تجاهل شهادات عشرات من الأساتذة والمؤرخين والخبراء بشأن المحرقة، وفضلا عن ذلك فقد بدأ هتلر بقتل اليهود قبل لقائه المفتي في برلين.
خلاصة القول إن ما نطق به نتانياهو من «درر الكلام»، يخدم أجندته الحالية الرامية إلى التشهير بكل ما هو فلسطيني، حتى لو كان المعني شريكه قليل الحظ والإمكانات محمود عباس. غير أن تصريحه غير الموزون أساء إلى سمعته السيئة أصلا، ورُفض بالإجماع حتى من قبل مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل الذي قال مكتبها في بيان: نحن المسؤولون عن المحرقة، وليس المفتي الفلسطيني.
وهم الإسرائيليين الجميل
بقلم: مالك ونوس عن السفير البيروتية
نام الكثير من قادة الكيان الصهيوني منذ توقيعهم «اتفاق أوسلو» بينهم وبين الجانب الفلسطيني معتقدين أنهم سيستيقظون بعد أعوام، كما الجميلة النائمة، ليجدوا الآخرين، مَن تبقى من أبناء الشعب الذي هجرته قواتهم، وقد اختفى بفعل قمع جيشهم وجدار كيانهم الفاصل، فينعمون بطيب عيش لا يكدّر لهم صفوه مقاوم أو حتى ناشط سلمي. ونام المتشائمون منهم بتلك الطريقة على أمل أن يستيقظوا يوماً ما، ويجدوا أن ذلك الاتفاق قد جعل مَن تبقى مِن الفلسطينيين ينسى حقوقه وأرضاً مغتصبة عاش فيها أجداده قبل قدوم اليهود إلى فلسطين.
الصدمة التي وقع تحت تأثيرها قادة الاحتلال الإسرائيلي وكثير من المحتلين وإعلامهم، جاءت بعد عمليات الطعن والدهس ورشق الحجارة التي ينفذها الشبان الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبعد ما ظهر أمام أعينهم سؤال هو: كيف حَدَث هذا؟ كيف استطاع الفلسطينيون معاودة فعل ذلك مرة أخرى، برغم كل ما ألحقناه بهم من عزل ويأس وقتل وحرق للأطفال؟ فقد ظنّ الإسرائيليون أن الفلسطينيين قد ناموا أيضاً، وظنوا أنهم لدى استيقاظهم سيكونون قد نسوا كل تاريخ الاضطهاد والاحتلال الإسرائيلي، وكل الحقوق. وظنوا أن حراس «أوسلوا» الفلسطينيين الذين سهروا على نومهم، قادرين على تغذية ذلك النسيان.
لقد استيقظ الفلسطينيون ليجدوا أنهم قد أصبحوا يعيشون ضمن دولة فصل عنصري، غير قادرين على التنقل بين منازلهم ومنازل جيرانهم أو التوجّه إلى أعمالهم وحقولهم بسبب الجدار العازل. استيقظوا على واقع أنهم هم أصحاب الأرض قد أصبحوا غرباء فيها، لا يحق لهم العمل أو العيش عليها. ومن سيكبر منهم، سيصبح في أحسن الأحوال بنَّاءً لمنازل المستوطنين على أرضه، أو غاسل صحون في مطاعمهم. لقد استيقظوا ليجدوا أن أعواماً وعقوداً من المفاوضات والاتفاقيات التي وقّعوها مع المحتل لم تقدّم لهم شيئاً سوى تصغير المساحات التي يقبعون عليها يوماً بعد يوم، وفصلها عن بعضها لتصبح «غيتوات» معزولة عن العالم. ورأوا أن قدسهم ستخرج من يدهم وتتهوّد ثم تتهدم لإقامة الهيكل مكانها.
بدأ المسؤولون الإسرائيليون بتوزيع اللوم والمسؤوليات عن تصاعد عمليات المقاومة ضد المحتلين والمستوطنين. فمن اليمين مَن أرجع سبب انطلاق هذه العمليات من جديد وتصاعدها إلى واقع وجود تيارات دينية متطرفة في بعض البلدان العربية، تغذّي نزعة العنف لدى أبناء الشعب الفلسطيني. ومن اليسار مَن أرجع سببها إلى انهيار عملية السلام، ولا سبيل لتوقفها سوى بالعودة إلى المفاوضات. ومنهم من أعاد السبب إلى أن مسؤولي كيانه لم يتعاملوا بقسوة مع الفلسطينيين، فالعرب على حد زعم بعضهم قد ولدوا من أجل القيام بعمليات قتل، منكِرين أن سبب كل هذا الصراع هو وجود كيانهم على أراضي العرب.
لقد أظهرت عمليات المقاومة الأخيرة أن الجيل الذي أُريد له أن ينسى كل الحقوق، هو حامل همّ تغيير الواقع الفلسطيني وربما العبور نحو إنجاز الاستقلال. كما أظهرت أن الإسرائيليين الذين حلموا بتجهيل هذا الجيل ومسح ذاكرته بكل الطرق التي اتبعوها، قد وقعوا فريسة مفاجأة هي آخر ما توقعوا حدوثها لهم بعد كل ما زرعوه. مفاجأة سيبقون أسرى لها لمدة طويلة، مثلما كانوا من قبل أسرى وهم استمرار استتباب الأمر لهم كما كان لسنوات.
نتنياهو والفجور الصهيوني المنهجي
بقلم: علي عقلة عرسان (كاتب سوري) عن الوطن العمانية
أثارتني كذبة نتنياهو الفاجرة، حيث قال: “إن مفتي القدس، الشيخ أمين الحسيني مسؤول عن الهولوكوست النازي”؟! ثم عدل فطيَّنها، حيث فقال “إن المفتي مسؤول عن زرع الفكرة في رأس هتلر”؟! فهل رأى أحدٌ أو سمع بأوقح من هذا الشخص، الذي يراكم خداعه، وإرهابه، ونواقصه، يومًا بعد يوم، ويضاعف صفحات سجله الوسخ الذي يغص بالاحتيال، والافتراء، والإجرام، إلى الحد الذي يشمئز أي مكان من احتوائه. تلك الكذبة الوقحة أطلقها رئيس حكومة كيان الإرهاب يوم الأربعاء ٢١،/١٠/٢٠١٥ مقتحمًا متحف “أنبياء الكذب والإجرام” الصهيوني، بدرعٍ قانية، ترشح منها الدماء.
أثارني ذلك، وتساءلت: عما إذا كان هناك أمل في أن يصبح الصهيوني شخصًا طبيعيًّا، بلا عنصرية، ولا افتراء، ولا كراهية مقيتة للآخرين، لا سيما للعرب الذين يصيح بهم، في وطنهم “الموت للعرب”؟! ومرت على لحظة، حملت شريطًا كثيفًا من الوقائع والأحداث والممارسات، جعلتني أتيقن من أن ذلك لن يحدث، حتى لو تحققت معجزة المعجزات، ودخل الجَمل من سم الخياط، “أي من ثقب الإبرة”؟! وأخذت أردد، بأسى: إن ذلك من رابع المستحيلات..
هناك في الحياة، وقائع متالية، رسخت ما يشبه معطيات تشبه قاعدة ثابتة، يبنى عليها، أو يُستنتج منها.. فلتطرف مثلًا أسباب قد تكون في البيئة والظروف المحيطة بالمتطرِّف، أو في الظلم، والقهر، والبؤس، أو في تكوين غير سليم بصورة ما، أو من جراء تكوين شخصي شاذ، أو نتيجة توجيه أيديولوجي، حزبي، ديني، ثقافي.. إلخ، قابل للتغير، وغالبًا ما يتركز أو ينحصر في أشخاص أو شرائح اجتماعية.. مما يدفع إلى تمرد، يتطور إلى تطرف، وربما إلى إرهاب..؟! أما العنصرية المتجذِّرة المزمنة المتوارثة، فتكوين تربوي، روحي، ديني، ثقافي، متأصل في الشخص، يجري منه مجرى الدم، ويسيطر على العقل، ويمنع المنطق، ويسد أفق النفس، ويعمي القلب.. وقد تشمل العنصرية شعبًا، أو شرائح واسعة جدًّا من شعب. ويتم توارثها من جهة، وتغذيتها من جهة أخرى، بتعاليم، وتقاليد، وسياسات وممارسات، وفتاوى، وتربية، وتثقيف، واجترار تاريخ من الممارسات العنصرية المعزولة نهائيًّا عن الأبعاد الإنسانية، وتُكوّن الذاكرة الفردية والجمعية في العمق، لمجتمع أو شعب أو كيان منغلق، قد يحوِّل بلدًا واسعًا إلى “غيتو” كبير، وبؤرة للعدوان والفجور والشرور.. وذلك حال يتجسد حصريًّا في حال اليهود، لا سيما في فلسطين المحتلة، ويشابهه مع غير جمود وثبات مطلقين، حال العنصريين الأميركيين الأوائل ومن تابعهم، أولئك الذين أبادوا عشرات الملايين من الهنود الحمر والأفارقة السود، ومارسوا التمييز العنصري بسادية ودموية، واستنزفوا دماء العبيد، وعذبوهم، وقتلوهم.. أو شأن الأوروبيين “البِيض” في جنوب إفريقيا، الذين شكلوا دولة “أبرتهايد” أنموذجية، وحكموا جنوب إفريقيا بالحديد والنار، قبل أن يتحرر السود منهم، عبر نضال طويل.
إن العنصرية اليهودية ـ الصهيونية، قديمة، وعريقة، وفريدة في بابها، وقد أصبحت الفرادة ذاتها في التاريخ العنصري، عندما اعتمدت العقيدة الصهيونية مضافة إلى التلمودية، وكوّنت عصابات، مارست الإرهاب بكل أنواعه وألوانه وأشكاله، وقامت بالمذابح الفظيعة للفلسطينيين، والأسرى في الحروب، وأسست بالدم، والإرهاب، والقتل، والفساد والإفساد، والتواطؤ مع الاستعمار الغربي، كيانًا عنصريًّا.. ومن ثم انتقلت إلى ممارسة “إرهاب الدولة”، منذ عام ١٩٤٨، معتمدة على الدعم المطلق لها من راعي الإرهاب الأول في العالم “الولايات المتحدة الأميركية”. وبذلك أصبحت “دولة الإرهاب، إسرائيل”، الحالة الشاذة بين ١٩٢ دولة عضو في الأمم المتحدة، من حيث كونها الدولة الوحيدة في العالم التي تقوم على التمييز العنصري بتعاليم دينية، وقوانين وضعية، انطلاقًا من عقيدة راسخة، ومفاهيم خيالية، تستند إلى أسطورة “شعب الله المختار؟!”.. ولتكون وتبقى: الكيان الاستعماري الوحيد الباقي في العالم، بعد عقود من تصفية الاستعمار، و”الدولة” التي تحتل أرض شعب، وتشتته، وتلاحقه في لقمة عيشه، وبسياسة الاقتلاع، وبرنامج الإبادة المنهجي، إبادة “مادية ـ جسدية، ومعنوية، للإرادة والثقافة والحضارة”، وفق استراتيجية دموية، مستمرة منذ سبعة عقود من الزمن على الأقل.. وتستبيح، في سبيل ذلك، كل المحرمات حين تتعامل مع الفلسطينيين، حيث تستهين بالحياة البشرية، وبكل الحقوق، “فتقتل، وتعذيب، وتسجن، وتقوم بما يسمى الاعتقال الإداري بلا محاكمة، وبكل ما يعزز إجرامها من افتراء، وكذب، وتضليل، وتشويه للحقائق والوقائع، وتزوير للتاريخ.. إلخ.. وتستمر في ذلك من دون مساءلة، وبحماية من الدول والتحالفات الكبرى. وبتعمَد مكشوف، ولا تتردد في سبيل تجويد أدائها الإجرامي ـ العنصري، بالقيام بمراجعات، تهدف إلى إتقان فن الخداع، والتضليل، وتسويغ القتل، وكل الممارسات القذرة التي تقوم بها.. وهي تفعل ذلك كلما وجدت أن ذرائعها أصبحت مُحرجة لداعميها، وغير محتملة من قبل من يحمونها ويتواطؤون معها، وبعض الرأي العام الحر.
وهكذا يقوم العنصري الصهيوني المجرم، بتطوير، وتحديث وابتكار، ليتقن تمويه ما يقوم به، أو ليحسِّن أساليب أدائه الإرهابي، وليضفي على وجوده مسحة شرعية، مدعيًا الأخلاق، بوقاحة لا مثيل لها في التاريخ. وتراه كلما أوغل في عالم الجريمة، ولاح له انكشاف فاضح لأمره، يعمَد إلى مزيد من الخداع والمكر والكذب والتضليل. إنه لا يرتدع ولا يُردَع، بل يساهم من يكتشفون عوراته والثغرات الفاضحة في أدائه، إلى مساعدته على الابتكار، لسد تلك الثغرات، وتحسين أساليب الأداء العنصري؟! وعندما يعجز في ستر أو تبرير واقعة ما، يزعق بوجه العالم، بأنه مظلوم، ومضطهَد، ومهدد بوجوده، و.. ؟! وهكذا يقفز فوق الجرائم والممارسات الفظيعة، ويدمر كل ما/ومن، يكشف تزويره وعنصريته، ويقف ضد ممارساته.
إنها عنصرية عريقة بمعنى الكلمة، فكل من سموهم “أنبياء” بني إسرائيل، بعد النبي موسى عليه السلام وأخيه هارون، وكل من وصفوهم بـ”قادة تاريخيين”، من يوشع بن نون إلى نتنياهو الكذاب، وكل زعماء كيان الإرهاب “إسرائيل” ورؤسائه، ومن هم في أساس تكوينه واستمراره: كذبوا، وافتروا، ومارسوا الإرهاب، والقتل، والتعذيب.. وقاموا بالتزوير، وبتشويه التاريخ، واستباحوا كل شيء بلا استثناء.. وادعوا العفة والأخلاق والتمسك بالقيم؟! فعلوا ذلك بغطرسة نادرة، نابعة من تكوين عنصري عقائدي متخلّف ومنغلق، يدور في دوامة كراهية ومقت. وتاريخ هؤلاء يمتد طويلًا بين كذبتين تاريخيتين كبيرتين، ترتج لهولهما الأرض والأنفس، كذبة: “شعب الله المختار”؟! وكذبة: فلسطين “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”؟! الفِرية الأولى دحضها الله سبحانه الذي خلق فسوى، وقدَّر فهدى، وكرَّم بني آدم، وجعله في أحسن تكوين، وساوى بين بني البشر في الحقوق والواجبات، ووعد كلّ من عمل عملًا صالحًا، من ذكر وأنثى، بالثواب وحسن المآب، وكل من عمل عملًا طالحًا بالعقاب وسوء المصير. أما الفِرية الثانية فدحضها، وما زال يدحضها، شعبُ فلسطين البطل، الشعب العملاق، الذي يكتب بدمه، ونضاله، وصموده، وتمسكه بفلسطين “وطنه التاريخي”، قائلًا للصهيوني المحتل وللعالم المنافق: نحن هنا، نحن شعب فلسطين، ورثة كنعان، أصحاب الحضارة والأرض، وأنتم تكذبون وتنافقون.. نحن هنا أيها الصهاينة، نحن باقون، وأنتم على أرضنا عابرون.
وهناك غير هاتين الكذبتين “الأسطورتين”، توجد أسطورة ثالثة، مبالَغ في حجمها وشمولها وسردها، هي “الهولوكوست = الشواة” التي ذكرها الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي، بين أساطير سياسية للدولة العنصرية “إسرائيل”، في كتابه “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية”.. تلك دجاجة صهيونية تبِيض “لإسرائيل” ذهبًا، وتحكم قادة في الغرب، ورجال ثقافة وكهنوت، وحتى بعض البابوات، حيث يرتجف من مقاربتها: “ساسة، وبرلمانيون، وباحثون، ومؤرخون، ومثقفون، وإعلاميون.. إلخ، ويعطونها ظهورهم في البحث والتمحيص والمقاربة، خوفًا وهلعًا من الحركة الصهيونية وأدواتها.. أو تراهم يطأطئون لها رؤوسهم طمعًا في عطاياها، وتحاشيًا للوقوع ضمن ضحاياها.. يفعلون ذلك مهما كان موقعهم، ومهما كانت مكانتهم.. حتى لا يحصل لهم ما حصل لكثيرين، منهم: السناتور الأميركي بول فندلي، صاحب كتاب: “من يجرؤ على الكلام”، والأب بيير الروح الفرنسي الطيب، وروجيه جارودي، الفيلسوف الفرنسي المعروف، والكاتب السويسري رينيه لويس بيركلاز، والكاتب البلجيكي سيجفريد فيربيكيه، بسبب تشكيكه بمذكرات آني فرانك عن الهولوكوست، إذ قال “إن هذه المذكرات ملفقة”، والمؤرخ البريطاني ديفيد ايرفينج، والكاتب الألماني ارنست ذوندل، لأن أولئك شككوا بالمحرقة أو “الشواة” كما يسميها اليهود. أما عالم الكيمياء الألماني غيرمان رودولف، فقد لوحق واضطهد “بسبب ورقة علمية كتبها عام 1995، أثبت فيها أن بقايا الغاز (zyklon) الذي يفترض أنه استخدم ضد اليهود في معسكر (أوشفيتز) غير موجودة أبدًا”. وغير أولئك كثير، حيث يتعرض للملاحقة والاتهام والمحاكمة والعقوبة كل من يحاول أن يصحح ذلك التاريخ الذي شوهه اليهود، أو يقارب وقائع الهولوكوست، بمنهجية علمية.. وتتم الملاحقات والمحاكمات، في بلدان “الحقوق والحريات، لا سيما حرية التعبير”، بموجب قوانين فرضتها الصهيونية، في الولايات المتحدة الأميركية، وكثير من الدول الأوروبية.. لأن “الدجاجة التي تبيض ذهبًا لكيان الإرهاب، يجب أن تبقى بأمان، ومقدسة؟!”، على الرغم من التشدق بحرية البحث العلمي، والتفكير، والتعبير.. حتى حين تتحول حرية التعبير إلى تشهير دنيء، كما في الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول محمد “صلى الله عليه وسلم”، في شارل إيبدو وغيرها؟!
أما الحدث الأكبر، ذو التأثير الروحي، المعنوي المستمر، فهو ذاك الذي قام به اليهود، صهاينة وغير صهاينة، بأساليب ووسائل وأدوات غريبة عجيبة ومريبة، وفيه من التضليل ما فيه، ولم يبتلعه بعض العالم المسيحي، على حين طوبه وقدسه معظمه، على الرغم من وقائع التاريخ.. فهو حدث من شقين:
- تبرئة اليهود من دم السيد المسيح. مع أن الحدث ثابت في النصوص، ويدخل في المقدس المسيحي “الصلب”.
- واعتبار التوراة “العهد العتيق”، كتابًا مقدسًا عند المسيحيين، يقترن بالإنجيل وله مكانته، ويطبع معه في طبعة واحدة؟! مع أن التوراة كتاب اليهود الذي تجاوز تعاليم موسى عليه السلام، من جهة، لأنه سجل تاريخ اليهود بعد نبوة موسى عليه السلام ووفاته، بمئات السنين، فسجلها، ليكرس وقائع وحوادث من صنع اليهود، وتاريخًا لهم، وأنبياء، طوبوهم.. وأصبح في القسم الأعظم من الكتاب مقدسًا، وفُرِض تقديسه على المسيحيين؟! مع أن رسالة السيد المسيح جاءت بتعاليم قاومها اليهود، ورفضوا دعوته، وما زالوا يعادونه ويرفضون تعاليمه.. إلا تملقًا في أحوال؟؟ ومع أن المسيح عليه السلام طرد اليهود من الهيكل، وتجاوز دعوتهم، وفضح ادعاءاتهم، وقاومهم، وخرج على كل ما كانوا يمارسونه، وكرست دعوته العامة في الإنجيل.. ودفع حياته ثمنًا لتطرف اليهود، وعنصريتهم، وإرهابهم.. حيث طالبوا بقتله، وقالوا “دمه في رقابنا ورقاب أبنائنا من بعدنا”؟!
فأي تزوير، وأي خداع، وأي خبث.. وأية وسائل وأساليب وقدرات جهنمية.. تقلب الحقائق رأسًا على عقب، وتشوه التاريخ، وتُلغِّم العقائد الدينية بألغامها؟!
لقد حرض نتنياهو على الفلسطيني، وأراد أن يحملهم مسؤولية الهولوكوست، من خلال اتهامه للحسيني.. وتلك وقاحة تندرج في سجل الوقاحة الصهيونية. يا سيد نتنياهو لم يكن مفتي القدس، الحاج محمد أمين الحسيني نازيًّا، ولا عنصريًّا، ولا إرهابيًّا، ولا متطرفًا، ولا مخربًا، يا نتنياهو.. ولم يزرع في رأس هتلر فكرة “الهولوكوست = الشواة”، فذاك كان من عمله وعملكم، من تكوينه وممارساتكم، من تحالفكم مع الحلفاء لتدمير هتلر اقتصاديًّا، في الحرب العالمية الثانية، وهي حرب معلنة خاضتها أطراف ضد أطراف، ولم يسلم منها العالم.. وذاك أمر جعل الفوهرر يغضب عليكم، ويعلن ذلك في الرايخشتاغ عام ١٩٣٩، كما قالت مؤرختكم دينا بورات لم يكن المفتي هو الذي أوحى لهتلر بإبادتهم “اليهود”، فالفكرة تسبق لقاء الحسيني بهتلر في تشرين الثاني/نوفمبر 1941، وتعود إلى كلمة كان قد ألقاها الزعيم النازي أمام الرايخشتاغ في الثلاثين من كانون الثاني/يناير 1939 دعا فيه إلى إبادة الجنس اليهودي”.. هذا حسب تعبيركم أنتم. وعلى هذا فأنت رئيس حكومة المزوِّرين، والمعادين للفلسطينيين، وللعرب والمسلمين. إنك مخاتل، ومنافق كبير يا نتنياهو، حينما أوحيت بأنك عدلت رأيك الذي قلته، قبيل سفرك إلى ألمانيا.. فأنت، بعد أن أعلن ستيفين سيبرت، الناطق باسم المستشارة أنجيلا ميركل: “.. كل الألمان يعرفون تاريخ هوس النازيين الإجرامي بالأجناس الذي أدى في نهاية المطاف إلى المحرقة التي مثلت انفصالًا كاملًا عن الإنسانية.. وأنا لا أرى سببًا لتغيير نظرتنا للتاريخ بأي شكل، فنحن نعلم أن المسؤولية عن هذه الجريمة ضد الإنسانية هي مسؤوليتنا نحن الألمان”.. بعد ذلك قلت: “لم أسعَ أبدًا إلى تبرئة هتلر من المسؤولية التي يتحملها، بل كنت أريد أن أشير إلى أن “والد” الشعب الفلسطيني، المفتي كان قد مارس حتى آنذاك التحريض الممنهج على إبادة اليهود”؟! ببساطة شديدة يا نتنياهو أنت لم راوغت، لأنك كذاب، وقاتل، ومحرض على قتل الشعب الفلسطيني، وعنصري من درجة بالغة الانحطاط.
لقد بطش هتلر بمن بطش به من اليهود لأسباب، وعوامل، ومواصفات عنصرية، ونازية مدانة، ليس هنا مجال مناقشتها، ولكنك تثبت في القرن الواحد والعشرين أنك من تلاميذ هتلر والنازية في تحريضك على الفلسطينيين، وفي تشويهك المتعمَّد للتاريخ… أما محمد أمين الحسيني، مفتي القدس “1315هـ = 1897م – 1394هـ = 1974م”، فقد كان لاجئًا في ألمانيا، هرب إليها من أحكام الإنجليز عليه وملاحقتهم له، لأنه قاوم مشروعكم = مشروعهم، أي سرقة وطنه فلسطين وإعطائه لكم.. وكان المحتلون البريطانيون ينفذون وعد بلفور، بتكليف من عصبة الأمم، لتكون بلاده، فلسطين، “وطنًا قوميًّا لليهود؟” أتذكر ذلك.. أتذكرون ذلك؟! حينما أعطى من لا يملك، لمن لا يستحق، وطن شعب آخر بالخديعة، والقوة، والتآمر، والاحتلال، والإرهاب.. إلخ؟؟”، أتذكر.. أتذكرون!؟ نحن نذكر جيدًا، ولن نغفر، ولن ننسى.
لقد كان محمد أمين الحسيني من العرب المسلمين الذين حموا اليهود، إلى كانت ثورة القسام ١٩٣٦ وما أصابها، وتبين أن الصهاينة بعنصريتهم المقيتة، وعصاباتهم القذرة، ومذابحهم الفظيعة، ونواياهم الاستعمارية، وممارساتهم الإرهابية.. يشكلون خطرًا ماحقًا على فلسطين، وشعبها، ومقدساتها.. على تاريخها، وهويتها، وأمتها.. على وجودها كوطن تاريخي للفلسطينيين العرب، ورثة الكنعانيين العرب، ذاك الوطن الذي ليس لهم من وطن سواه. عند ذاك دافع الحسيني بشرف عن نفسه، وعن وطنه، وعن شعبه، وعن دينه، وعن عروبته.. ضد ظلم، وطغيان، وغزو، واحتلال، وإرهاب، وعنصرية صهيونية ذات شرور بلا ضفاف. وإذا كان، في أثناء لجوئه إلى ألمانيا، قد أيد هتلر، فلأنه كان هناك تحالف دولي، في عالم الحرب العالمية الثانية، يستهدف وطنه وشعبه، وكان من الطبيعي أن يلجأ إلى التحالف المضاد.. ورغم ذلك لم يكن مقبولًا، فحين عرض على هتلر تشكيل قوة من المتطوعين العرب والمسلمين، تحارب إلى جانب المحور في شمال إفريقية وشرق المتوسط، كما كنتم أيها الصهاينة تحاربون إلى جانب الحلفاء.. رفض هتلر عرض الحسيني ذاك، وقال له: “إنني لا أخشى الشيوعية الدولية، ولا أخشى الإمبريالية الأميركية البريطانية الصهيونية، ولكن أخشى أكثر من ذلك كله هذا الإسلام السياسي الدولي”؟! هذا من جهة، ومن جهة أخرى: ألم يكن زعماء صهاينة منكم، يتواطؤون مع هتلر، بوقائع ثابتة، بهدف التضييق على اليهود وبث الرعب فيهم، لكي يرحّلوا إلى فلسطين، ليُقام فيها الكيان العنصري، الغريب العجيب الرهيب، كيان الإرهاب الصهيوني، تنفيذًا “لوعد بلفور، ولاتفاق سايكس – بيكو”، بين الدول الاستعمارية الكبرى في القرن العشرين؟! لقد كنتم تؤيدون الحلفاء، وتوالونهم وتحاربون إلى جانبهم، ويتواطأ بعضكم سرًّا مع هتلر، في مشروع الصهيونية العدواني، الذي ما زلنا ندفع ثمنه حتى اليوم. وإذا كان لكم من مشكلة، وعذاب، وآلام، ومحرقة، ومعاناة.. وضحايا فيما سُمّيَ الحل النهائي.. إلخ، فذاك كله مع هتلر وليس مع الحسيني.. إنه مع النازية، وليس مع الفلسطينيين والعرب والمسلمين.. وإنه مع أنفسكم، وأفعالكم، ومؤامراتكم، وعنصريتكم التي جعلت أوربا تتخلص منكم، وتلقيكم نفايات ودوامات شر على منطقتنا.. مشكلتكم هناك وفي ذواتكم، وليست مع الذين تستهدفونهم، وتحتلون وطنهم، وتقتلونهم، وتشوهون نضالهم، وهويتهم، وتاريخهم.. وتدنسون مقدساتهم، وتهاجمون دينهم، ونبيهم، وتعملون على إبادتهم، وإنهاء وجودهم الحضاري العريق.
لن تنجحوا أبدًا يا ظلام العالم، وشر الأنفس، وسوف تنتصر فلسطين، وينتصر شعبها، ويغمر نورها البهي كل الأرض المقدسة.. أما أنتم، فمن نفاية مكان يقذفها إلى مكان، إلى نهاية في كل مكان وزمان.. وإن غدًا لناظره لقريب.


رد مع اقتباس