النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: اقلام واراء اسرائيلي 07-11-2015

  1. #1

    اقلام واراء اسرائيلي 07-11-2015

    الشيطان في الزجاجة
    في دولة القانون لا تسعى الحكومة إلى بناء الكنس على أرض الغير

    بقلم ناحوم برنياع ،عن يديعوت

    الكنيس اييلت هشاحر هو مبنى تمت اقامته في اسفل التل إلى جانب حي كاتسا في جفعات زئيف في شمال غربي القدس. جفعات زئيف مثل معاليه ادوميم، هار أدار أو الفيه منشه: مدينة أقيمت على اراضي الضفة وعلى مسافة قصيرة من اماكن العمل داخل الخط الاخضر، يعيش فيها انواع مختلفة من السكان ـ علمانيون، محافظون، متدينون وحريديون.
    الكنيس بني على ارض فلسطينية خاصة. المحكمة أمرت بهدم المبنى، أمر الهدم صدر قبل سنوات ولم ينفذ، كان يفترض تنفيذه أمس، جهات يمينية استعدت لمواجهة عنيفة، وتمت كتابة شعارات ضد محكمة العدل العليا على جدرانها.
    وافقت المحكمة أول أمس على طلب الدولة وأجلت الهدم لاسبوعين. وقد استند الطلب إلى مبررات ضعيفة، لكن القضاة استجابوا. لا أحد متحمس لرؤية المواجهة العنيفة بين اليهود في ذروة موجة الإرهاب الفلسطينية. من المشكوك فيه أن تتغير الحال بعد اسبوعين سواء عند العرب أو عند اليهود.
    في دولة سليمة كانت السلطة ستسعى إلى بناء الكنيس على ارض قانونية، على بعد مسافة قصيرة من هناك. ومن يصلي على طرف التل يستطيع الصلاة على الطرف الثاني. لكن أين نحن من الدولة السليمة. في الواقع المخدوش الذي ولد هنا فان الواقع الجماهيري أعطي لمتقدي الرأس. وهم كهانا حي.
    حينما وصلت إلى الكنيس مساء أول أمس اعتقدت أنني سأجد فيه عدداً من المصلين الهادئين. أول من التقيت كان ايتمار بن غبير، نشيط بارز في اليمين كان محاميا. وقد جاء ليشجع المعتصمين. توجهت امرأة بالغة إلى بن غبير وقالت وهي تضع يدها عليه «باركك الله». «يجب أن يفخر بك كل من أمك وأبيك».
    «شكرا لك سيدتي»، قال بن غبير بأدب. الأدب هو الصفة الابرز عنده. «أنت اسوأ من روعي شارون من القناة 10»، قال لي بن غبير مبتسما بشكل ودي. ماذا حدث لروعي شارون؟ سألته. بن غبير لم يُجب. في ساحة الكنيس توجه لي شاب وهو يلبس المعطف. «أنت أجريت مقابلة مع والدي قبل اربعين سنة»، قال، «يجب أن أكرهك، لكني لا استطيع عندما نقف أمام بعضنا البعض».
    سألته من هو والدك فقال «شمعون رحاميم، العضو في حركة دوف». دوف هي اختصار لـ قمع الخونة. وهي حركة يمينية متطرفة نشأت في نهاية السبعينيات في القدس. شمعون رحاميم ترأس الحركة في مرحلتها الثانية ونقلها من نهج العنف إلى نهج ايديولوجي. وكانت المقابلة ملفتة. سألته أين والدك اليوم. «في كوخاف هشاحر»، قال. كوخاف هشاحر هي مستوطنة متدينة قرب شارع ألون. «روني الشيخ ايضا، القائد العام للشرطة كان يسكن في كوخاف هشاحر»، قال بفخر.
    اثناء حديثه، خرج الحاخام دوف ليئور، وهو متطرف من «يشع»، من الكنيس، ومعه حاشية. وقد جاء ليئور ليؤازر وبعد ذلك فورا نزلت إلى الساحة مجموعة من الشباب، نحو 30 شابا، وتجمعوا حولي. «إذهب من هنا لو سمحت»، قال زعيمهم. قال هذا بصوت عال لكن ببطء، حرف تلو الآخر. يبدو أن أدب بن غبير مُعدي. المجموعة أحاطتني، أحدهم لبس قميصا اصفر لكهانا حي، والآخرون لبسوا قمصان مع شعارات اليمين. كان أحدهم ملثما وعندما اقترب مني رافعاًإشارة تدل على التهديد رأيت شابا مع عيون خائفة. وعلى الهامش وقف حريديون. في كل مكان فيه اثارة يوجد حريديون على الهامش. «اذهب إلى العرب»، صرخ أحد الشباب، «سوف يقبلونك».
    عندما صعدت الدرج تطايرت باتجاهي زجاجة كوكاكولا بحجم عائلي، مليئة ومغلقة، اخطأتني بنصف متر، عندما سقطت على الارض امتلأت بالرغوة المتقدة. بعدها ألقيت اشياء اخرى لم استطع رؤيتها في الظلام. حينها فقط انتبهت أنه لا يوجد شرطي واحد في المكان. بن غبير ايضا اختفى فجأة. سافرت من هناك وتعلمت في الطريق لماذا ذكر بن غبير مراسل القناة 10: ألقيت عليهم اشياء قبل وصولي إلى هناك. في الساحة خلف محطة الوقود، على بعد مئات الامتار، توقفت خمس سيارات للشرطة. مجموعة كبيرة من حرس الحدود جلسوا للأكل من مخبر نحاما. الشرطة يحبون الأكل. قلت لهم إن الكهانيين سيطروا على الكنيس. «سنضع هذا على الشبكة»، قال أحد رجال الشرطة وذهب لأكل البوريكس.
    قسم الأعمال
    في يوم الاحد سيخرج نتنياهو لزيارة في واشنطن، وفي اليوم التالي سيلتقي الرئيس اوباما في البيت الابيض. سيكون هذا لقاء ذو طابع صفقات: اوباما سينفذ الوعد الذي أعطاه للسناتورات الديمقراطيين مقابل تصويتهم مع الاتفاق النووي؛ الحديث يدور عن وسائل عسكرية متطورة، ويمكن أن تكون اموال ايضا ولا شيء غير ذلك ـ ليس دفاعا مشتركا ولا ضمانات. نتنياهو قدم نصيبه في الصفقة: لقد وعد البيت الابيض أن يكون خطابه ضد الاتفاق مع إيران في الامم التحدة هو الخطاب الاخير؛ منذ ذلك الحين لم يقل كلمة. والتهديد باستخدام الجمهوريين في الكونغرس لفرض عقوبات جديدة على إيران اختفى وكأنه لم يكن.
    نتنياهو يقتنع أن اوباما هو كارثة لأمريكا وعدو لاسرائيل؛ اوباما يقتنع أن نتنياهو كذاب وهو كارثة لاسرائيل. وأي شيء سيقولونه علنا لن يغير هذه الحال.
    في اللقاءات بين قادة الدول وبعد اخراج الكاميرات من الغرفة تتحرر عادة حميمية معينة. والمشاكل الداخلية لاغلبية السياسيين متشابهة: يمكن التحدث عنها، يمكن أن ينظروا إلى بعضهم البعض. قال الرئيس بوش ذات مرة إنه يفهم طبيعة القادة عندما ينظر في داخل عيونهم. نظر في عيون بوتين وصدقه. وليس هناك فرصة لأن يحدث هذا من قبل اوباما تجاه نتنياهو. ومع ذلك فان لهما ما يتحدثان عنه. حول الاردن مثلا. يعرف الأمريكيون الشرخ بين الملك عبد الله وبين نتنياهو وهم قلقون من نتائجه. الملك يرفض مكالمات هاتفية من نتنياهو ويقول عنه امورا صعبة، والسبب هو الاتصالات الاخيرة في موضوع الحرم. الحرم هو المكان الاخير للاردن في المناطق. والعالم الإسلامي أعطى تفويضا لملك الاردن ليكون حارس الاماكن المقدسة في الحرم. الحكومة الاردنية تدفع رواتب موظفي الاوقاف وهي تؤثر على ما يحدث هناك.
    في ذروة احداث الحرم وافق نتنياهو أن يكون الاردن مسؤولا عن الكاميرات التي ستوضع في كل زاوية في الحرم. وأعلنت الحكومة الاردنية عن الاتفاق. وكان هدف الاعلان اظهار الاردن كلاعب ناجع في كل ما يتعلق بالضفة الغربية، وبالتالي منع أي انتقاد داخلي حول السلام مع اسرائيل.
    احتجت جهات في اليمين الاسرائيلي على تنازل نتنياهو. ماذا جرى لتقلص اسرائيل سيطرتها في الحرم، هذا خضوع للإرهاب، ولماذا الاردن. نتنياهو تراجع عن ذلك.
    ظهر الملك ككذاب ومتعاون. كان الغضب كبيرا. وتحت الضغط تراجع نتنياهو عما تراجع عنه. والآن هو جاهز للمصادقة على الاتفاق، لكنه يترك التفاصيل للمفاوضات، على أمل أنه حتى انتهاء المفاوضات سيتم نسيان الامر. سيفرح إذا كان اوباما أو كيري سيبادران إلى اعادة العلاقات بينه وبين عبد الله.
    لقاء ممتاز
    يستطيع الاثنان التحدث حول الموضوع الفلسطيني، اوباما يقول إنه يؤيد حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكنه يسأل نفسه ما الذي سيحدث في اليوم التالي. هل لاسرائيل ما تقترحه. نتنياهو سيتحدث عن الإرهاب والتحريض وخطابات أبو مازن. وسيقول، رغم كل شيء أنا مستعد لاستئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة، في أي مكان، حتى لو كان هذا غدا. اوباما سيبتسم: لقد سمع هذه الخطابات كثيرا. إنه مقتنع أن المفاوضات بالنسبة لنتنياهو هدفها شيئا واحدا هو كسب الوقت.
    سيقول اوباما إن كيري أقنع أبو مازن بالانتظار حتى زيارتك في واشنطن. ماذا سيقول له كيري الآن. سيكرر نتنياهو نفس الخطاب. مفاوضات في أي مكان وغدا. لقد جمدت البناء فعليا.
    لأسفي هذا لم يعد كافيا، سيقول اوباما.
    نتنياهو سيسأل هل ستستخدم الولايات المتحدة الفيتو ضد اقتراح قرار نيوزلندي في مجلس الامن. اقتراح يتحدث عن حدود 1967 سيعقد الوضع كثيرا.
    من المشكوك فيه أن يقدم اوباما جوابا ملزما. وسيفضل أن يترك نتنياهو يغرق. اوباما سيسأل ما الذي تعتقده فيما يتعلق بوضع السلطة. لو كانت بين الاثنين علاقات ثقة لكان باستطاعة نتنياهو أن يقول إنه في داخل الاجهزة الامنية الاسرائيلية هناك من ضاقوا ذرعا من السلطة، وهم يعولون على حماس. يوجد لحماس تأييد اليوم، في الضفة وفي غزة، والسلطة تعتبر فاسدة لا تعنيها مصلحة الشعب الفلسطيني. المستقبل هو لحماس. وهي أقل فاعلية ضد اسرائيل في المؤسسات الدولية. وسيكتفي نتنياهو بالتذمر من خطابات أبو مازن. إنهما يستطيعان الحديث عن سوريا وحزب الله وداعش. سيتحدثان ولكنهما لن يقولا شيئا. لقاء جيد، سيقول المتحدث بلسان البيت الابيض للصحافيين؛ تحدثا عن جميع المواضيع. ونتنياهو سيقول إنه لقاء ممتاز.
    في ظل غياب السلام
    بالنسبة للجيش الاسرائيلي فان موجة العنف الحالية بدأت في الاول من تشرين الاول، اليوم الذي قتل فيه نعمه وايتان هنكن بالقرب من ايتمار. ليس العملية في دوما في نهاية آب، وليست الاحداث بسبب موضوع الحرم في ايلول. هذا صحيح من ناحية احصائية: مؤشر العنف ارتفع بشكل حاد في بداية تشرين الاول. وهذا شيء مريح لأن قتل الزوجين هنكن كان العملية الإرهابية الوحيدة التي لم تأت من الاسفل بل من الاعلى. حماس في غزة بادرت. حماس في نابلس نفذت. أما الاعمال الباقية فقد كانت اعمال مزاجية عامة.
    مصدر عسكري لفت الانتباه هذا الاسبوع لحقيقة: في جميع العمليات التي حدثت في يهودا والسامرة منذ قتل الزوجين هنكن لم يكن من بين اليهود قتيل مدني واحد. جميع القتلى هم جنود أو من حرس الحدود. واستنتاجه: قوات الأمن هي الدرع الواقي للمستوطنين. الجنود يدافعون عنهم بأجسادهم. هذه هي المهمة وهم ينفذونها. يمكن تبني استنتاج آخر: خلافا للقول السائد أن المستوطنات تساهم في أمن الدولة، فهي تعتمد على الجيش الاسرائيلي وليس العكس.
    عضو الكنيست تسيبي لفني تحاول منذ اندلاع الاحداث بلورة اجابة خاصة بها على الوضع. فهي تقترح ترك سؤال إذا كانت السلطة الفلسطينية شريكة أم لا، جانبا. والسؤال هو ما هو جيد وصحيح لأمن دولة اسرائيل. البناء في المستوطنات يضر: يشجع الإرهاب الفلسطيني ويضر بعلاقات اسرائيل الخارجية. يتم النظر إلى اسرائيل على اعتبار أنها دولة كولونيالية يجب مقاطعتها ليس بسبب تواجد الجيش الاسرائيلي في المناطق بل بسبب البناء في المستوطنات. يجب الاعلان بشكل علني عن وقف البناء في المستوطنات وترك الميدان للجيش الاسرائيلي ـ هذا هو استنتاجها. بكلماتي أنا، أمن الآن وليس سلام الآن.


    إسرائيل بامكانها إنهاء العنف وإرسال رسالة لعباس إذا أرادت
    بقلم: كارولينا ليندسمان، عن هآرتس

    ابتلعت بلدية القدس ضفدع الاعلام الاسرائيلي في أن مصدر موجة العنف الاخيرة هو التحريض، وقررت الانضمام الى الحرب ضد الارهاب في احيائها من خلال خلق علاقة مباشرة مع الفلسطينيين، وليس مع قيادتهم. "حوار مع الاولاد على هذا الموضوع ("نهاية الموت"، ك. ل) يمكنه أن يمنع قرارات متهورة من الاولاد لان يمسوا بأنفسهم او بغيرهم"، كما شرحت رسالة بعثت بها البلدية الى اهالي 20 الف تلميذ في التعليم الرسمي في شرقي القدس. "الاولاد يجدون صعوبة في أن يفهموا… الرسائل التي يتعرضون لها، وللكبار دور مركزي… لمساعدتهم على الفهم… وعدم الانجرار خلف الشائعات والمعلومات المشوهة".
    اذا لم يكن الفلسطينيون بالفعل سوى قطيع تحرضه جهات ذات مصلحة، فليس ثمة خطوة أكثر حكمة من التوجه اليهم مباشرة. ارسال رسالة، التوجه المباشر الى اهالي الشباب ومحاولة توجيههم وتزويدهم بالنصائح لكيفية منع تحريض ابناءهم وجعلهم مخربين – هو حل ذكي. فمن يهمه أن اسرائيل تصر منذ سنين على أن العنف هو الطبيعة الثانية لدى الفلسطينيين، وانه ليس ثمة مع من يمكن الحديث وانهم كانوا وسيكونون دوما معنيين بابادتنا. فاذا لم يكن هناك مع من يمكن الحديث، فلماذا يبعثون اليهم بالرسالة؟
    يبدو أنهم في مديرية التعليم في بلدية القدس لم يفهموا ان فكرة التحريض ليست سوى صرفا للانتباه. فاذا كان العنف مصدره في الميدان نفسه، وأنه انفجار عفوي لشباب محبطين، فمطلوب توجيه نظرة مباشرة الى الميدان نفسه لايجاد عوامل الاحباط فيه. فمن هو معني حقا بتهدئة العنف يتعين عليه أن يعمل من أجل تغيير تلك العوامل. ولكن المشكلة، بالطبع، توجد في ان جهاز الامن يقدم تقارير مختلفة عما تريد الحكومة أن تسمع. "الشباب الذين نفذوا العمليات يشعرون بان ليس لديهم ما يخسروه"، شرح للحكومة رئيس شعبة الاستخبارات هيرتسي هليفي. وليس صدفة أن قفز الوزير زئيف الكين وابدى لهليفي ملاحظة في أنه لم يذكر التحريض. وحسب المصادر التي حضرت الجلسة، اضاف الكين بانه من أقوال رئيس شعبة الاستخبارات يؤخذ الانطباع بان اسرائيل هي المذنبة وليس التحريض.
    يوسع نتنياهو وحكومته ويقلصان السياق السببي للاشتعال بناء على احتياجاتهما السياسية. فعندما يكون مريحا لهما، يكون الفلسطينيون اجراميين منذ الولادة، وعندما يكون مناسبا لهما فان الفلسطينيين هم قطيع محرض من جهات ذات مصلحة؛ عندما يكون مجديا الحديث معهم لاسباب أمنية – يكون هناك مع من يمكن الحديث، وعندما لا يكون هذا مجديا، لاسباب سياسية – فليس ثمة مع من يمكن الحديث. إذ أنه حتى عندما يدور الحديث عن "تحريض" بمعنى بطريقة غير رسمية لاصدار الامر، ينبغي السؤال من يحرض ولماذا. فاذا كان التحريض معزو لجهات من خارج المناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون، يفهم من ذلك ان الشعب الفلسطيني اسير سياسي في ايدي مصالح اقليمية، وبالتالي كان يجدر بان تعمل اسرائيل على تعزيز استقلاله، كي يتمكن من الصمود في وجه الجهات الاجنبية. اما اذا كان التحريض منسوبا لممثلي الفلسطينيين، فيفهم من ذلك انهم يمثلون المزاج الفلسطيني، أي ذاك الاحباط اياه الذي ينتج العنف والذي تسعى اسرائيل الى انكاره.
    لقد حان الوقت لان تستمع حكومة اسرائيل لجهاز الامن الذي يحذرها مرارا وتكرارا من المخاطر الكامنة في الجمود السياسي. فأي مستقبل يتوقعه اليمين لدولة اسرائيل؟ إذ لا حاجة لشهادة في علم النفس كي يعرف المرء بانه ينبغي معالجة اسباب الاحباط وليس أعراضه. يمكن لاسرائيل أن تبعث برسالة ايضا لام ابو مازن اذا كانت تريد ذلك، ولكن الى أن تتصدى لاسباب احباطه، أي احباط الشعب الفلسطيني، وتجد السبيل – أي سبيل – لتخفيضه، فانها ستواصل المعاناة من العنف الذي سيبقى يتعزز.
    رغم تراجع موجة الارهاب.. تكفي عملية كبيرة أو عملية تخرج عن السيطرة لاشعال الحريق من جديد
    بقلم: يوآف ليمور، عن اسرائيل اليوم

    الشخصيات الامنية البارزة لم تتحدث كثيرا في الاسابيع الاخيرة. القائم باعمال قائد الشرطة أجرى مقابلات قصيرة في عدد من الحالات ورئيس هيئة الاركان قال عدة جمل، لكن التقديرات الكاملة والمفصلة احتفظ بها كل من الجيش و”الشباك” والشرطة للنقاشات المغلقة. يمكن أن يكون هذا بسبب الانضباط التنظيمي وطبيعة من يلبس البزة الرسمية، ويمكن أن يكون هذا نابعا من رغبتهم عدم تبييض وجوه السياسيين؛ لكن بناء على فرضية أنه لم تسيطر جماعة غريبة على الاجهزة الامنية في بداية تشرين الاول، فمن الجدير سماع ما لديهم ليقولونه.
    باختصار الحديث هو كالتالي: موجة الارهاب الحالية في تراجع ليس فوريا، لكن الكبح واضح حتى لو استمر فترة من الوقت. هذا ينبع من حجم القوات وطريقة تشغيلها، ومن منع العمل السياسي حول الحرم، والنجاح في ابقاء اغلبية السكان الفلسطينيين خارج دائرة العنف، وايضا جهد واضح للسلطة الفلسطينية واجهزتها الامنية. هذا لا يعني أنه تم ايجاد الجواب لكل منفذ عملية وحيد – الواقع يشير الى العكس تماما – لكن اغراق الميدان بالقوات يضمن أنه في اغلبية الحالات فان الشرطة والجنود هم الذين يتلقون العمليات، لأنهم يتوسطون بين المخربين والمدنيين.
    الجانب السلبي هو أن كل هذا معقد. حتى لو تم كبح الموجة الحالية قريبا فان الوضع لن يعود بالكامل كما كان في الاول من تشرين الاول (العملية التي قتل فيها الزوجين هنكن، التي هي الموعد الرسمي لبداية هذه الجولة من التصعيد). لقد حدث شرخ في الثقة بين الاسرائيليين والفلسطينيين، ليس فقط على مستوى الشارع بل ايضا على المستويات التنفيذية. صحيح أن التنسيق الامني مستمر لكن الشك عال؛ ومن الصعب الافتراض أنه يكفي ليمتص الطاقة السلبية الموجودة في الميدان.
    الاسوأ من ذلك هو حقيقة أن العوامل الاساسية لم تتغير. لا تلك التي أدت الى اندلاع موجة الارهاب الحالية – التحريض بخصوص الحرم، مقتل عائلة دوابشة في دوما – ولا تلك الاكثر اساسية، التي أهمها الجمود السياسي والتدفق العميق في المجتمع الفلسطيني في الضفة والقدس الشرقية حيث الفقر والبطالة واليأس (الى جانب الكراهية الدائمة لاسرائيل). في الجهاز الامني مقتنعون أن تغيير التوجه هو مصلحة اسرائيلية واضحة: اعطاء الفلسطينيين العمل والاحترام والأمل. لذلك لم يتم فرض الحصار على الضفة الغربية، والبضائع تستمر في الدخول الى غزة.
    من المشكوك فيه أن تقنع هذه الامور الجمهور الاسرائيلي. وحتى بعض الوزراء واعضاء الكنيست، الذين يطلعون على المعلومات، مقتنعون أن الموقف الاسرائيلي مهزوم وضعيف ويشجع على هجمات اخرى. الاجهزة الامنية رفيعة المستوى تمتنع عن الصدام العلني، لكن من الصعب عدم ملاحظة تحفظهم. “ليس الحديث هنا عن جماعة تخاف من استخدام القوة”، قال مصدر رفيع هذا الاسبوع، “قيادة الجيش و”الشباك” والشرطة هم الذين حطموا قبل عقد الانتفاضة الثانية. نحن نعرف العمل جيدا، لكن لا يجب التشويش: مهمتنا ليست قتل العرب من اجل التصفيق لنا بل فرض الهدوء كي يستطيع المستوى السياسي اتخاذ القرارات بدون ضغط”.
    هذه الاقوال مقبولة على جميع الجهات الامنية ومنها وزير الدفاع، وفي اغلبيتها على رئيس الحكومة (اضافة الى الجهد للتهدئة ومنع استخدام القوة الزائدة بلا حاجة). وبشكل عام يعتقدون في الاجهزة الامنية أن المنتقدين من اليمين يعرفون المعطيات، وهم ينتقدون ليس لاسباب جوهرية بل لاسباب سياسية. مثلا المطالبة بقتل جميع المخربين – الامر الذي يناقض اوامر الجيش الاسرائيلي والشرطة التي تقضي بتحييد الخطر، وعندما يتم تحييد المخرب فان الحاق الضرر به محظور حسب القانون والاخلاق – ايضا المطالبة بالقيام بعملية السور الواقي 2، رغم أنه لا يوجد ما يعيق نشاط الجيش الاسرائيلي في الضفة (الدليل: في تشرين الاول اعتقل في الضفة 480 فلسطيني، مقارنة مع 170 في ايلول).
    تلخيص مرحلي
    خمسة اسابيع منذ بدء موجة الارهاب هي وقت كاف للاستنتاجات وفحص الاتجاهات. حتى مساء يوم الاربعاء الماضي حدثت 72 عملية، قتل فيها 10 اسرائيليين (اضافة الى مواطن اريتيري تم تنفيذ الفتك بحقه بعد الاشتباه فيه بأنه مخرب من بئر السبع) و71 فلسطيني (معظمهم مخربون نفذوا العمليات). متوسط اعمار المخربين هو 20.5 سنة، 94 بالمئة منهم رجال، ومعظمهم لم يكونوا متدينين أو منتمين لتنظيم معين.
    34 بالمئة من المخربين جاءوا من منطقة يهودا (الخليل)؛ 22 بالمئة من شرقي القدس؛ 16 بالمئة جاءوا من غوش عصيون (بيت لحم)؛ 12 بالمئة من منطقة بنيامين (رام الله)؛ 6 بالمئة من السامرة (نابلس) ومنشه (جنين)؛ 4 بالمئة من المخربين كانوا من سكان اسرائيل. هذه المعطيات تشير الى ما يمكن لمسه في الميدان: اذا تميز الاسبوعان الاولان بارهاب سكان شرقي القدس، فان الاسبوعين الاخيرين يشيران الى انتقال العمليات الى الضفة وخصوصا في الخليل، حيث أن العاصمة هادئة نسبيا بفضل النشاط الامني الكبير في شرقي المدينة.
    من تحليل المعطيات يظهر أن معظم المخربين عملوا بشكل فردي بدون تنسيق أو شراكة، وأن لدى بعضهم كانت مشاكل شخصية ساعدتهم على اتخاذ القرار للقيام بالعملية. لدى معظمهم كانت تبرز مسألة التقليد: ساروا في اعقاب شيء أو شخص شاهدوه أو سمعوا عنه في الاخبار. معظم المخربين من الخليل عملوا على الخط الذي يؤدي الى كريات اربع، ومعظم المخربين من قباطية – على حاجز الجلمة. لذلك تم اغلاق الحاجز في هذا الاسبوع ليومين: الأمل هو أنه بعد عدة ايام من الهدوء بدون احداث يمكن تقليدها، فان هذا يقلل من الاستعدادية لدى جزء من المخربين لعمل شيء.
    خلافا لزيادة عدد المخربين الذين خرجوا من يهودا والسامرة، فقد سجل تراجع في عدد الاحداث التخريبية الشعبية. اذا كانت في الاسبوع الاول لموجة الارهاب 144 حادثة رشق حجارة، فقد سجل في الاسبوع الثاني تراجع الى 111 حادثة، والاسبوع الثالث 69 والاسبوع الرابع 65 – هذا لا يختلف كثيرا عن معطيات ايلول الذي سبق هذه الموجة.
    الاخلال بالنظام من قبل الفلسطينيين تراجع بشكل واضح. في الاسبوع الاول كانت 286 حادثة اخلال بالنظام وفي الاسبوع الثاني 207 وفي الاسبوع الثالث 177 وفي الاسبوع الرابع 121. تفسير ذلك يكمن ليس فقط في اعمال الجيش الاسرائيلي والاجهزة الامنية للسلطة الفلسطينية (بشكل منفصل أو من خلال التنسيق)، بل بسبب حقيقة أنه رغم مستوى العنف المرتفع لم يسجل الكثير من القتلى في عدد من الاحداث – نتيجة للاستخدام الحكيم للقوة من الجيش الاسرائيلي، الامر الذي منع الجنازات الجماعية وتأجيج المشاعر أكثر فأكثر.
    مع ذلك، هذه المعطيات مضللة. عملية واحدة كبيرة أو حدث يخرج عن السيطرة لاشعال الميدان. لذلك ستستمر الشرطة في التواجد بشكل مكثف في القدس والجيش في الضفة بما في ذلك مناطق مخترقة في الخط الاخضر. السؤال هو ماذا سيحدث بعد بضعة اسابيع اذا اخطأت هذه التقديرات والعنف لم يتراجع: ستضطر الشرطة الى تحديث صفوفها، وسيضطر الجيش الى عدم تدريب الوحدات. وهذا يستوجب تغيير خطط العمل وتجنيد الاحتياط مع تكاليف باهظة.
    وسائل الاعلام في هذا الاسبوع أضاعت الدراما حول ميزانية الدفاع: اللجنة المشتركة للاموال والخارجية والامن رفضت في يوم الثلاثاء الموافقة على طلب وزارة المالية تحديد اطار الميزانية بمبلغ 56.1 مليار شيكل. باستثناء عضو الكنيست اورن حزان، فان جميع اعضاء الكنيست صوتوا مع الامن وضد الميزانية. هذا حدث غير مسبوق يرمز الى التالي؛ اذا لم يحدث تغيير في الميزانية المقترحة فان الكثيرين منهم لن يصوتوا بعد اسبوعين على ميزانية الدولة.
    قبل هذا القرار الاستثنائي كانت مجموعة من النقاشات (12 جلسة استمرت بمجملها عشر ساعات)، تم فيها التوضيح أنه بهذه الميزانية لا يستطيع الجيش العمل ليوم واحد لأنه سيبقى لديه 25 مليار شيكل – هذا ما هو مطلوب للبقاء بشكل اعتيادي – وهناك حاجة للتدريب والتسلح واستخدام الاحتياط، وهذا يتطلب على الاقل 31 مليار شيكل في السنة (الفجوة بين ميزانية الجيش وميزانية الدفاع مرصودة لعدة اشياء، من التقاعد حتى التأهيل، ومعظمها غير قابل للتغيير).قيل لاعضاء الكنيست إن “طريقة الشكشوكة” القائمة ليست سيئة للجيش – في نهاية المطاف يحصل في كل سنة على الزيادة التي تغطي احتياجاته – وهي لا تُمكنه من تخطيط التسلح على المدى البعيد. وقد أعلن رئيس الاركان أنه يفضل اموال أقل، لكن يجب اعطاء ضمانات لسنوات كثيرة. بكلمات اخرى: ميزانية لاكثر من سنة متفق عليها، وهذا الامر فقده الجيش منذ فترة طويلة.
    المالية ايضا مستعدة لاتفاق كهذا لكن بشرط أن يكون جزء من صفقة شاملة تشمل ايضا تقليص الخدمة وتغيير صيغة التقاعد للدائمين في الجيش، وحسب الصيغة التي حددتها لجنة لوكر. في الجيش يعارضون ذلك ويطلبون بداية تنفيذ الخطة متعددة السنوات “جدعون” التي بادر اليها آيزنكوت، والتي ستشمل تغييرات بعيدة المدى تتبلور بشكل نهائي في محاضرة تستمر يومين في هيئة الاركان في بداية الاسبوع القادم في قاعدة سلاح الجو في الجنوب.
    لا توجد بعد نهاية لهذا الصراع، لكنه سيحسم قبل التصويت على الميزانية. وستضطر المالية الى اعطاء اكثر مما خططت له، والجيش سيحصل على أقل مما أراد (62 مليار شيكل)، والمبلغ الذي سيتحدد سيكون قريبا مم اقترحه لوكر (59 مليار). وبعد اغلاق المبالغ سنبقى مع الوجبة الاساسية: الخطة متعددة السنوات. يبدو أن جدعون يتغلب على لوكر، لكن من الافضل للجيش أن يتبنى التقرير ويحاول أن يضع جوهره في خطط العمل.
    كم يساوي هذا بالدولارات؟
    قبل الموافقة على الميزانية سيصل رئيس الحكومة الى واشنطن للقاء الرئيس اوباما. وعلى جدول الاعمال: ايران، سوريا، الفلسطينيون. والى جانب ذلك – المساعدة الامنية لاسرائيل. خلافا لما ظهر في وسائل الاعلام، فان المساعدة لن تعوض فقط على الاتفاق النووي مع ايران بل سيحدث نقاش موسع حول اغلبية المساعدة الامنية.اليوم تبلغ المساعدة الامنية الامريكية 30 مليار دولار للسنوات العشر التي ستنتهي في 2018. والنقاش الآن حول العقد الذي سيبدأ في 2019: حول مجموع الاموال وحول المضمون (ما الذي ستشتريه اسرائيل). التعويض عن ايران هو بتقديم النقاش واتخاذ قرارات تُمكن اسرائيل من تخطيط شراء لعدة سنوات وزيادة حقيقية في مبلغ المساعدة، وتوفير امكانية التسلح بوسائل قتالية، رفض الامريكيون في السابق بيعها لاسرائيل، وايضا قروض فورية على حساب المساعدة المستقبلية الامر الذي سيُمكن تسريع التسلح ببعض الاسلحة.
    لقاء نتنياهو – اوباما سيعتمد على جولتين لطواقم العمل الاسرائيلية والامريكية ومجموعة من اللقاءات التي اجراها وزير الدفاع يعلون في الاسبوع الماضي في واشنطن والتي اعطيت فيها ليس فقط تعهدات امريكية واضحة بالحفاظ على التفوق النوعي الاسرائيلي في المنطقة، بل ايضا تم الاتفاق على التعاون في الكثير من القضايا ومنها موضوع السايبر وايجاد الحلول لموضوع الانفاق. اضافة الى ذلك ستطلب اسرائيل التسلح بوسائل حربية من ثلاثة انواع: جوية بما في ذلك ليس فقط طائرات اف 35 اضافية بل ايضا طائرات اف 15 متقدمة وفي 22، التسلح مع التأكيد على قنابل دقيقة، وزيادة الاستثمار في الدفاع الجوي (حيتس، شربيط، كساميم والقبة الحديدية).إلا أن هذه المساعدة الامريكية السخية لها طرف آخر: تستوجب استثمارات بأموال كثيرة لصالح البنى التحتية والتشغيل والتدريبات. ونقص الاموال أدى في السنة الماضية الى عدم شراء “في 22″، وفي ظل غياب خطة متعددة السنوات للجيش فان الامر سيصعب على تنفيذ الخطط الآن. ستكون مهمة نتنياهو ليس فقط الحصول على الاموال من الامريكيين وانما تقديم الضمانات بأنها لن تستخدم لشراء النقانق والاطارات للشاحنات – التي هي أرخص كثيرا في الولايات المتحدة – بل فقط لشراء السلاح. هذا مهم ليس فقط للحفاظ على نوعية الجيش الاسرائيلي بل ايضا للعلاقات مع الامريكيين الذين يدفعون الدولارات من اجل أمننا، ومن حقهم رؤية شواقل تلائم استثماراتهم.
    الاسد وداعش.. السبب للكارثة التي تحل بسوريا
    بقلم: شلومو أفنري، هآرتس

    الصور الكارثية تمزيق نياط القلب: جموع من الناس يهربون من وادي القتل السوري ويشقون طريقهم في الحقول نحو حدود تكون احيانا مغلقة في وجوههم. يكتظون في قوارب متهالكة يفترض بها أن تنقلهم الى شاطيء الامان، يتجمعون في محطات القطار. اوروبا التي على مدى سنوات تعاطت مع الحرب الاهلية في سوريا كأمر يجري في الجانب المظلم من القمر، تكتشف بان الاجراس تقرع لها ايضا: قصور الصمت لديها يهدد بتقويض انغلاقها على نفسها. فانعدام الوسيلة يميز سياسة الخارجية للرئيس الامريكي براك اوباما، الذي رسم بهرائه خطوطا حمراء اذا ما استخدم الرئيس السوري بشار الاسد السلاح الكيميائي، وبعد ذلك تراجع وشكك بذلك بمصداقية الولايات المتحدة كقوة عظمى. ونصب هذا الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في مكانة المخرج والمدخل في موضوع الحل المحتمل في سوريا.
    ولكن هذه الجوانب الانسانية والسياسية لا تتعلق بأسس المأساة الجارية في الدولة التي حتى وقت اخير مضى كانت من أبرز الدول في الشرق الاوسط والان هي تتفكك الى عناصرها الدينية والعرقية. سكانها يتمزقون بين نظام الاسد الدموي والوحشي والقمعي وبين حركة دينية متزمتة تستخدم تكنولوجيا حديثة كي تنقل للعالم رسائل مخيفة تذكر بالقرون الوسطى.
    هذه هي النكبة السورية.
    ستكون لهذه النكبة آثار بعيدة المدى على صورة الشرق الاوسط، وليس كلها ممكنة التوقع مسبقا. صحيح أن مصر، أقوى واكبر الدول العربية، هي التي كانت الدولة المركزية في العالم العربي، ولكن سوريا كانت دوما عاملا مثيرا ومتصدرا في الحركة القومية العربية. في سوريا وفي لبنان، اخيها غير الشقيق، برزت شرارات الحركة القومية العربية في اواخر القرن التاسع عشر. في اعقاب الثورة العربية في الحرب العالمية الاولى، كان يخيل للحظة ان مملكة عموم عربية بقيادة فيصل، ابن الشريف حسين من مكة، ستقوم في دمشق وتؤدي الى تكتل قومي لعموم العرب.
    ميشيل عفلق، رجل دمشق ومؤسس حزب البعث، سعى الى منح القومية العربية العامة، التي تتغلب على فوارق الدين والطائفة، اساسا ايديولوجيا يدمج القومية والاشتراكية وترافقت معه احيانا ايضا اصداء شبه فاشية؛ ونظاما البعث في دمشق وفي بغداد، رغم العداء الذي نشأ بينهما على مدى السنين، كانا يريان في نفسيهما نواة الوحدة العربية.
    مفكرون سوريون، متأثرون بالحركات القومية في اوروبا، رأوا في سوريا الشمالية بروسيا وسبويا الشماليتين هما ايضا، واللتان كانتا اساس وحدة المانيا وايطاليا. من هنا وحتى اعتبار الاسد الاب في نظر مؤيديه كبسمارك العرب، كانت المسافة قصيرة. حقيقة أن دمشق كانت عاصمة خلافة الامويين منحتها هالة تاريخية محوطة بالاساطير والرموز، ورغم طابعه العلماني، استمد نظام البعث الشرعية من الذاكرة الاسلامية.
    الى أين اختفى كل هذا؟ من ينظر الى اللاجئين السوريين الذين يتدفقون الان نحو اوروبا يلاحظ أن معظمهم شباب من الطبقة الوسطى، كما يشهد لباسهم وحقيقة ان بوسعهم ان يدفعوا الاف الدولارات للمهربين الذين جاءوا بهم الى اوروبا. ويتجه الاهتمام الاعلامي بشكل طبيعي اليهم، ولكن معظم اللاجئين السوريين هم معدومون كل شيء وليس في وسعهم أن يجندوا المبالغ الطائلة اللازمة لتمويل رحلة العذاب الى اوروبا.
    أما الفقراء والمساكين حقا فيكتظون في مخيمات اللاجئين في تركيا (مليوني نسمة)، في لبنان (1.5 مليون حسب تقديرات غير رسمية) وفي الاردن (نحو 700 الف). وحسب معطيات وكالة الامم المتحدة للاجئين (UNHCR)، فان نحو 5 مليون سوري نزحوا من منازلهم وهم لاجئون في بلادهم. نحو ربع مليون سوري، معظمهم مدنيون، قتلوا في الحرب. هذه المعطيات قاسية، ولكنها بعيدة عن الاهتمام الدولي لان هؤلاء اللاجئين اقل قدرة على الوصول الى كاميرات التلفزيون.
    ان اللاجئين الشباب الذين يتدفقون الى اوروبا هم المفتاح للتدهور الفظيع في سوريا نفسها. فسكان سوريا قبل الحرب الاهلية كان يبلغ عددهم اكثر من 17 مليون نسمة، ومن الصعب الا نتساءل كيف حصل أنه في دولة مع هذا العد الكبير من السكان، لا يوجد سوى جهتين قويتين: قوات الاسد من جهة، وقوات داعش من جهة اخرى. كيف لم ينشأ بين سكان من 17 مليون نسمة قوى معارضة فاعلة، سواء للنظام القمعي أم لداعش، ولماذا لم تنجح قوى المعارضة المعتدلة (ويوجد كهذه) في تجنيد عشرات الاف المقاتلين الذين يتمكنون من ايجاد بديل لهاتين الجهتين؟
    مخزون القوى هذا، كان يمكنه لو انه تحقق، ان يعرض بديلا للخيارين الاجراميين اللذين يقاتلان الواحد الاخر في سوريا. هذا لم يتحقق لان الاسس الاجتماعية التي كانت قادرة على ان تشارك فيه قررت أن تهرب، اذا كان مممكنا الى اوروبا. هذا هو السبب الحقيقي للنكبة السورية.
    لا يحق لاحد أن يحكم على الناس الشباب، وبعضهم ذوو عائلات، ممن قرروا الا يقاتلوا في سبيل اولادهم بل أن يسعوا الى ملجأ آمن، بعيدا عن وطنهم النازف. ولكن النتيجة هي أنه لم يتبقَ في الدولة المخزون البشري الذي كان يمكنه أن يشكل اساسا لسوريا ديمقراطية، ليبرالية ومتسامحة نسبيا.
    ان الرؤيا الايديولوجية للهوية السورية في أنها جزء لا يتجزأ من العالم العربي، تفككت. واولئك الذين كانوا مستعدين لان يقاتلوا، فعلوا ذلك في اطار الميليشيات القبلية، الدينية والعرقية. وبضغط الاحداث يتبين أن الهوية السورية لم تعد قائمة. يوجد سنة وعلويون، مسيحيون واكراد، شيعة ويزيديين، وكل يده تطال غيره. واستعارة للغة السياسية العربية، فان “الشعب السوري الاصيل لم يعد ببساطة قائما، وليس هناك من هو مستعد لان يكافح في سبيله. وحتى الاسد اضطر لان يعتمد على مقاتلي حزب الله من لبنان وعلى الحرس الثوري الايراني، وداعش يجند مؤمنين سُنة من كل العالم. سوريا، عرش القومية العربية، تآكلت بين هذه القوى.
    يمكن أن نجد تشبيهات واضحة بين البعد الاجتماعي للنكبة السورية وما حصل للفلسطينيين في 1948 مثلما أظهر د. ايتمار رداي في كتابه “بين مدينتين – يافا والقدس في 1947/1948″. عندما تدهور الوضع الامني في البلاد في اواخر عهد الانتداب، هربت البرجوازية الفلسطينية الميسورة والمثقفة في يافا والقدس (وحيفا ايضا) في معظمها الى مصر ولبنان. اما معظم القتال فخاضه متطوعون (ومرتزقة) من الدول المجاورة، ممن لم يكن دافعهم للتضحية كبيرا على نحو خاص. وعندما لا يكون العمود الفقري للمجتمع – الطبقة الوسطى، المثقفة والميسورة – مستعدة لان تقاتل في سبيل وجوده (“الدفاع عن الوطن”)، فانه لا يكون قادرا على البقاء.
    في “فلسفة التاريخ” تساءل هيغل عن جذور افول هبوليس اليونانية الكلاسيكية. برأيه حصل هذا عندما لم يعد المواطنون مستعدين للقتال في سبيل مدينتهم، وفضلوا الاعتماد على المرتزقة وفداء أنفسهم بفدية من الخدمة العسكرية، التي كانت تاريخيا رمز المشاركة المدنية. ودون الحكم على اولئك الشباب السوريين الذين يفضلون ظروف دول الرفاه في اوروبا على الاستعداد للقتال في سبيل بديل للاسد وداعش، فان النتيجة هي تفكك الدولة السورية.
    يحتمل أن يكون في اعقاب التدخل العسكري الروسي سينشأ تحالف دولي ينقذ نظام الاسد ويضمن استمرار وجود سوريا كدولة، وان كان ربما في حدود ضيقة وبدون الاسس الاجتماعية الاهم لوجودها وادائها. يحتمل أن بدلا من سوريا التي تأسست في أعقاب اتفاق سايكس بيكو تقوم سوريا جديدة لاتفاق بوتين – روحاني، تحظى بدعم اوباما ايضا (مع صك على الاسنان). ماذا يعني هذا بالنسبة للبنى التحتية، الحصانة والمستقبل للقومية العربية بشكل عام والسورية بشكل خاص؟ هذا سيبقى لكُتّاب الأزمنة.

    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

المواضيع المتشابهه

  1. اقلام واراء اسرائيلي 12-09-2015
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وأراء اسرائيلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2015-11-29, 10:24 AM
  2. اقلام واراء اسرائيلي 11/02/2015
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وأراء اسرائيلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2015-03-03, 11:41 AM
  3. اقلام واراء اسرائيلي 10/02/2015
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وأراء اسرائيلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2015-03-03, 11:40 AM
  4. اقلام واراء اسرائيلي 09/02/2015
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وأراء اسرائيلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2015-03-03, 11:40 AM
  5. اقلام واراء اسرائيلي 07/02/2015
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وأراء اسرائيلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2015-02-15, 01:12 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •