في هــــــــــــذا الملف:
الحلم الفلسطيني بين الوفاق والإخفاق
بقلم: عاصم عبد الخالق عن الخليج الاماراتية
في السجال حول «تهدئة» غزة و»تثوير» الضفة
بقلم: عريب الرنتاوي عن الدستور الأردنية
شراع .. راقبوا البريطاني والإسرائيلي .. وحماس أيضا
بقلم: خميس التوبي عن الوطن العمانية
الحلم الفلسطيني بين الوفاق والإخفاق
بقلم: عاصم عبد الخالق عن الخليج الاماراتية
ليس غريباً أن تحل الذكرى السنوية الأولى لتشكيل حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية وسط شائعات وتسريبات عن قرب حلها، ووسط استياء عام بشأن أدائها وفاعليتها. لم يعد بقاء هذه الحكومة أو استقالتها أو إقالتها يعني الكثير بالنسبة للرأي العام الفلسطيني بعد أن أخفقت في تحقيق أي من الآمال الكثيرة والطموحة التي انعقدت عليها، وفي مقدمتها المصالحة الوطنية.
بعد عام كامل من الإخفاق والتعثر على كل الجبهات، وفي كل الملفات التي تصدت لها، أو يفترض أن تكون قد تصدت لها، بات من الواضح أن التوقعات التي وضعها الفلسطينيون، شعباً وقيادةً، على هذه الحكومة كانت أكبر بكثير من قدرتها. كما أن الظروف الصعبة وربما غير العادية التي عملت في ظلها أسهمت بنصيب وافر في ذلك الحصاد المتواضع.
ليست هذه محاولة إلى التماس الأعذار أو البحث عن مبررات للفشل، ولكنه الواقع الذي يقول إن الحكومة لا تتحمل بمفردها مسؤولية إخفاقها. وفي ظل الأوضاع المحلية والإقليمية، والمناكفات المستمرة بين فتح وحماس، والعراقيل «الإسرائيلية» كان من المستحيل تحقيق أي قدر من النجاح. وهي نتيجة تنبه إليها وحذر منها كثيرون منذ البداية.
ربما كان رئيس الحكومة رامي الحمد الله يملك مؤهلات النجاح ، وربما كان النجاح سيحالفه لو عمل في ظل ظروف غير تلك التي أحاطت به. وهو ما يدعونا ،لأن نكرر مرة أخرى تأكيد أن الكل شارك بنصيب ودور في الوصول إلى هذه النهاية المحزنة.
تأسست حكومة الوفاق الوطني ، كما أصطلح على تسميتها بعد سبع سنوات عجاف من الانقسام بين فتح وحماس أو الصفة وغزة. ولذلك اعتبرها الطرفان اللبنة الأولى في صرح المصالحة المتعثرة. وانعقدت عليها الآمال العريضة بتحقيق أحلام الشعب الفلسطيني، إلا أن المعطيات على الأرض كانت تقود إلى طريق آخر.
تمنى الفلسطينيون المصالحة ، ولكن الواقع كان يقول إن هذا الحلم سيظل مؤجلاً ، لأن تحقيقه لا يعتمد على قدرة أو موهبة الحمد الله وحكومته، ولكنه مرهون بإرادة فتح وحماس أولا. وما لم تتوافر هذه الإرادة فليس بوسع الحكومة الحالية أو أي حكومة قادمة أن تفعل شيئاً.
وطوال العام الماضي تبين بوضوح أن الطريق إلى هذه المصالحة المستعصية ما زال طويلاً جداً. وأن الفجوة بين فتح وحماس أكبر من أن تتجاوزها بيانات عاطفية تصدر في المناسبات. أظهرت تجربة العام الماضي أنه لا وفاق دون رغبة صادقة في تقديم تنازلات متبادلة، وإعلاء الصالح العام فوق المطامع الشخصية والحزبية الضيقة.
وكان طبيعياً أن يتبادل الطرفان الاتهامات بعد أسابيع قليلة من تشكيل الحكومة.
اعتبرت حماس أن فتح راغبة ومصرة على الاستئثار بالسلطة، واحتكار القرار، والنفوذ، والموارد. واتهمت فتح حماس بأنها تريد إدامة سيطرتها على غزة دون سند قانوني، وبأنها لم تسمح للسلطة الفلسطينية ولا موظفيها بالعمل في القطاع كجزء من الجهاز الحكومي. قائمة الاتهامات المتبادلة طويلة وتكشف عن حجم الثقة المفقودة بين الجانبين. الغريب أن الجانبين كان أمامهما فرصة جيدة للوفاق على أساس تفاهمات القاهرة التي توفر بداية عملية وواقعية معقولة لحل الخلافات بينهما، وترسي الأساس الذي يمكن البناء عليه.
ضاعف من حدة الخلافات تعرض بل خضوع الطرفين لضغوط، وتدخلات، ومحاولات استقطاب متواصلة وعنيفة سواء من «إسرائيل» أو من قوى إقليمية ودولية أخذت كل طرف من طرفي المعادلة الفلسطينية بعيداً جداً عن الآخر.
وليس سراً أن فكرة المصالحة وتشكيل حكومة وفاق بالتراضي بين فتح وحماس لم تلق أي تجاوب منذ البداية لا من جانب «إسرائيل» ولا الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية المانحة للمساعدات. ولعبت «إسرائيل» دوراً كبيراً في وضع العراقيل أمام هذه الحكومة رغم أن القيادة الفلسطينية حرصت منذ البداية على تأكيد أنها حكومة تكنوقراط لا تضم أي عضو من حماس.
هذا التدخل الدولي والإقليمي في تحديد تشكيلة الحكومة استمر بعد ذلك، وأسهم في عرقلة عملها. وبات واضحاً أن «إسرائيل» تصر على إفشالها تماما. وأنها، أي «إسرائيل»، لن تقبل من حيث المبدأ مسألة وجود حكومة يتم تشكيلها بالتوافق مع حماس حتى لو لم تشارك فيها الحركة مباشرة. وبطبيعة الحال تملك «إسرائيل» كسلطة احتلال الكثير من أوراق الضغط والعراقيل لنسف جهود أي حكومة فلسطينية. وما فعلته في هذا الشأن طوال العام المنقضي من عمر الحكومة لم يكن خافياً. وآخره عرقلة مشاريع إعادة أعمار غزة وهو هدف رئيسي آخر من الأهداف التي أسندت إلى الحكومة عند تشكيلها وأخفقت في تحقيقه أيضاً.
خلاصة ما يمكن قوله هنا إنه دون التقليل من حجم الضغوط الإقليمية والدولية التي يتعرض لها القادة الفلسطينيون في فتح وحماس على السواء، ورغم شراسة العدوان «الإسرائيلي» واستفزازاته فإن البيت الفلسطيني نفسه في حاجة إلى إعادة ترتيب من الداخل. ولا يمكن مواجهة الضغوط الخارجية والاعتداءات «الإسرائيلية» في ظل حالة الانقسام الحالية. ولا يمكن أيضاً إحراز أي نجاح في معركة السلام ما لم يكن الداخل مستقراً وموحداً.
المؤسف أن هذا ليس اكتشافاً جديداً، وكل الفرقاء الفلسطينيين يعرفونه تماماً. قد تكون المهمة صعبة ولكنها تظل غير مستحيلة إذا خلصت النيات.
في السجال حول «تهدئة» غزة و»تثوير» الضفة
بقلم: عريب الرنتاوي عن الدستور الأردنية
تفتح حملة الاعتقالات الواسعة التي شنتها أجهزة أمن السلطة الفلسطينية ضد نشطاء من حماس، تزامناً مع تصاعد وتيرة العمليات ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه، أقول تفتح هذه الحملة الباب لجدل محتدم بين الجانبين، أقله ظاهر، كرأس جبل الجليد، ومعظمه غاطس في المياه العميقة.
حماس تقول، إنها تمارس حقها المشروع في مقاومة احتلال جاثم على صدور الفلسطينيين، ووحش استيطاني لا يَني يتوسع ويتمدد ملتهما كل ما يقع بين أنيابه الفولاذية الحادة، من أرض وحقوق و»ذاكرة» و»تاريخ» ... هي تُحمّل السلطة وفتح، المسؤولية عن «اختطاف» الضفة الغربية وتقليع أنيابها وأظفارها، خدمة للاحتلال وتبريراً لبقائها واستمراريتها، وترجمةً أمينة لأهداف التنسيق الأمني، الذي تعده الحركة مبرر وجود السلطة وسبب بقائها حتى الآن.
السلطة بقيادة فتح، ترد بقول آخر: حماس تسعى في تقويض السلطة في الضفة تحت ستار المقاومة ... هي تستهدف جنوداً ومستوطنين، لكن عينها على رام الله ... استتباب الأمن (مع ما يقتضيه من تنسيق أمني مع الاحتلال)، مصلحة فلسطينية، فيما مصلحة حماس في الضفة، تتمثل في إشاعة الفوضى، فهي وحدها طريق حماس للانقضاض على السلطة، وبأي ثمن ... السلطة تقول: كيف يمكن لمن يسعى في سبيل «التهدئة المستدامة» في القطاع أن يعمد إلى تصعيد المقاومة في الضفة، فمن باب أولى أن تقاتل حماس من حدود «القطاع المحرر».
حماس ترفض نظرية «التماهي» بين مصلحة فتح والسلطة من جهة ومصلحة الشعب الفلسطيني العليا من جهة ثانية ... هي ترى في التنسيق الأمني، كارثة على الشعب والقضية والمقاومة، لا يفيد منها سوى رجال السلطة وقادتها ومنظومة مصالحهم و»تسهيلاتهم» المنتفخة ...
حماس، وقبل «الربيع العربي» تسعى في «تثوير» الضفة الغربية، ولقد ناقشت ذلك مع رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل في دمشق ذات يوم، عارضاً أن يتم ذلك في إطار وطني، ومن خلال الوحدة الوطنية، وبالانفتاح على مختلف الأطراف والمكونات، حتى لا نُدخل «المقاومة» في لعبة الصراع على السلطة وتقاسم النفوذ و»ثنائية فتح وحماس» وديناميكيات الانقسام الداخلي.
السلطة تتحدث عن مخطط إقليمي أكبر من حماس، وهنا يأتي الجزء الغاطس من جبل الجليد، تنخرط فيه الحركة كجزء من جماعة الإخوان المسلمين، هدفه تثبيت «التهدئة» في قطاع غزة، وإبراز قدرة حماس على الوفاء بالتزاماتها، في مقابل إشعال الفوضى في الضفة الغربية، للبرهنة على عجز السلطة وفتح، عن القيام بواجباتهما، حتى يطلع من يقترح في قادمات الأيام: «تعميم تجربة حماس في غزة على الضفة الغربية» ...
في هذا السياق، تشير السلطة همساً إلى دور قطري – تركي، ويجري الحديث فلسطينياً، وبالأخص إسرائيلياً، عن دور خاص للقيادي الحمساوي المقيم في تركيا، صالح العاروري الذي تتهمه إسرائيل بالإشراف على مسلسل العمليات في الضفة، وهو شخصية مؤسسة في حماس، وبالأخص جناحها العسكري، وبه ترتبط كثير من أنشطة الحركة كما تقول التقارير الأمنية الإسرائيلية المسرّبة لوسائل إعلام عبرية.
حماس تسخر من كل ذلك، وترى فيه تناقضاً مع ما يكيله الطرف الآخر في مناسبات أخرى، من اتهامات لتركيا وقطر بالتآمر مع إسرائيل والتطبيع معها، في الوقت الذي يُتهم فيه البلدان، باحتضان «غرفة عمليات» المقاومة في الضفة الغربية ... وهي تؤكد أن هدف «تثوير» الضفة الغربية، وتسريع مَقدَم «الانتفاضة الثالثة»، هو هدف معلن للحركة، لا داعي لتجشم عناء البحث في «الزواريب» والدهاليز» للاهتداء عليه والتأكد منه.
الجدل الحمساوي – الفتحاوي، لم تعد الضفة الغربية ساحته الوحيدة، بل ولم يعد مقتصراً على الفصيلين الفلسطينيين ... ثمة أطراف عربية وإقليمية ترقب هذا الجدل بالرغم من انشغالاتها الضاغطة بملفات أخرى وأزمات أشد خطورة ... الأردن ينظر بعين القلق لـ «مشروع تثوير الضفة» وتسليحها الذي تحدثت عنه حماس، وتحدث عنه حزب الله وإيران إبان الحرب الأخيرة على غزة، وهو يخشى مقدماته وتداعياته، فالتسليح سيمر حتماً بالأردن (تخزيناً وتهريباً)، و»التثوير» ستكون له ارتداداته الأمنية والديموغرافية والسياسية غير الخافية على أحد.
تركيا بين نارين: فهي من جهة لا تخفي انحيازها لمشروع الإخوان المسلمين الأكبر في الإقليم، ومن ضمنه حماس ... لكنها وهي المتهمة بدعم «داعش» وتسهيل إمدادها بـ «المجاهدين» والسلاح والإتجار معها بالنفط وكل السلع الممكنة ، تدرك أن اللعب بـ «نظرية الأمن الإسرائيلية» مكلف للغاية، وهي عموماً بصدد المضي في خطابها المزدوج حيال إسرائيل: انتقادات حادة في الخطابات والحملات الانتخابية لاستجرار الأصوات والمصوتين، وتجارة نشطة وتطبيع علاقات واتصالات رفيعة المستوى تحت الطاولة (لقاء روما بين دوري غولد ونظيره التركي فريدون سينيرلي)
قطر، الشريك الإقليمي الثاني، المتهم بتبني حماس، من ضمن المشروع الإخواني الأكبر، تعرف أن لها حدوداً لن تجرؤ على تخطيها، فهي قد تكون شريكاً في مشروع «التهدئة» في القطاع، لكن من المستبعد أن تكون شريكاً في مشروع «التثوير» في الضفة الغربية.
مصر، المعنية قلباً وقالباً بخطط «التهدئة المستدامة» في القطاع، والتي تتجه لتحسين علاقاتها مع حماس، تدرك تمام الإدراك، أن مخطط «تثوير» الضفة، سينعكس على القطاع، وقد يودي بمشروع «التهدئة» قبل أن يرى النور ... في ظني أن حماس تدرك هذا بدورها، ما يطرح سؤالاً أو أسئلة، حول المدى الذي يمكن أن يبلغه مشروعا «التهدئة» و»التثوير»، وأين يمكن لحماس أن تصل بكل منهما، سيما وأنهما باتا خاضعين لديناميكيات الانقسام الفلسطيني الداخلي، أكثر من خضوعهما لموجبات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
شراع .. راقبوا البريطاني والإسرائيلي .. وحماس أيضا
بقلم: خميس التوبي عن الوطن العمانية
دائمًا ما تتموضع السياسة الصهيو ـ غربية وتتكيف وفق ما يستجد من معطيات وتطورات، إلا أنها لم تكن قادرة على التموضع السهل والانتقال السريع مثلما هو حالها الآن الذي أتاحه لها “الحريق العربي” وما ركِّب فيه من إرهاب وفوضى، وراهنت عليه في تمهيد الأرضيات المناسبة لتنفيذ مشاريعها الاستعمارية والتخريبية والتدميرية والتفتيتية.
وحين أخرجت الاستخبارات الأميركية والبريطانية وثالثها الموساد الصهيوني من جعبتها فكرة إنتاج “داعش” الإرهابي والضغط على بدو وأعراب لإنجاح الفكرة وتولي تمويلها بالمال والفتاوى والتكفيريين والمرتزقة، كانت قد وصلت إلى قناعة أن التدافع السياسي الناعم لن يؤتي أكله ولن يقيم مشروعًا استعماريًّا متكاملًا ولو جزءًا منه في الوقت الذي تتغير فيه خريطة الصراعات والمواجهات، وتعلن فيه عن اكتشافات جديدة وهائلة عن مصادر الطاقة، كما لن يكون كيان الاحتلال الصهيوني (رأس حربة الاستعمار الغربي) في مأمن في ظل التحول الكبير على مستوى الفكر والثقافة ووسائل المواجهة والذي بدأت إرساءه المقاومة للاحتلال الصهيو ـ غربي، حيث أخذت تتعزز ثقافة المقاومة لدى السواد الأعظم من الشعوب العربية خاصة بعد نجاح المقاومة اللبنانية في تحقيق أول انتصار تهديه للأمتين العربية والإسلامية في العام 2001م، وكذلك المقاومة العراقية للاستعمار الأنجلو ـ أميركي، ثم المقاومة اللبنانية 2006م والمقاومة الفلسطينية وصمودها أمام أعتى آلة حرب صهيونية، ما شكل انعطافة حقيقية لدى الشعوب العربية والإسلامية وحتى لدى بعض شعوب العالم الحرة التي بدأت تقاسم الشعوب العربية نظرتها وتساندها في فضح جرائم الحرب الإسرائيلية المدعومة غربيًّا.
اليوم وعلى وقع التحول المعاكس والمضاد الذي جاء به “الحريق العربي”، غدت المنطقة كطريدة بين أنياب المستعمر الصهيو ـ غربي تمكن من اصطيادها بسواطير إرهاب “داعش” الذي يعد من أفخر ما وصل إليه الفكر الاستخباري الصهيو ـ غربي، حيث يتناوب كل مستعمر على الطريدة ليأخذ نصيبه منها بعد أن يطلب من صنيعته “داعش” ليقتطع له منها ما يريد.
وإزاء هذا اليقين، نلحظ من بعيد وقريب الإشارات التي أومأ بها البريطاني والصهيوني الخبيثان إلى “داعش” ليحجز لهما مكانًا يمكنهما من أخذ نصيبهما من الطريدة، ويتبدى ذلك من خلال:
أولًا: تحرك حكومة ديفيد كاميرون لأخذ موافقة البرلمان على شن هجمات في سوريا بذريعة ضرب “داعش” انتقامًا على جريمته التي ارتكبها بحق الرعايا البريطانيين في مدينة سوسة السياحية التونسية، وأن “داعش” لا يعترف بحدود، حيث وجَّه وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون الذي دعا نواب مجلس العموم الخميس الماضي إلى التوافق على السماح بشن غارات جوية على تنظيم “داعش” في سوريا. وكان النواب البريطانيون سمحوا الخريف الماضي بغارات في العراق، والانضمام إلى التحالف الدولي الذي يقاتل التنظيم الإرهابي في هذه المنطقة، لكن ليس في سوريا.
وزعم فالون أن “رئيس الوزراء يأخذ في الاعتبار تحفظات بعض النواب ولن يطرح أي اقتراح في هذا المعنى إذا لم يتوفر التوافق”. لكن لاحظ الخبث أين يكمن، فقد أشار الوزير نفسه إلى أن الحكومة لن تستشير البرلمان قبل أن تشن غارات، في حال “تعرض المصالح الوطنية البريطانية العليا للتهديد أو لتدارك كارثة إنسانية”.
وطبعًا ما أسهل في العمل الاستخباري اصطناع ذريعة يتم بها تجاوز البرلمان. وهذا ما يؤكد ما كنت ذكرته في المقال السابق أن هجوم تونس أُعد له بعناية واختير له ضحاياه بعناية. فإذا كانت الولايات المتحدة تريد الضغط على حكومة الباجي قائد السبسي لتسريع إنهاء الإجراءات الفنية لإقامة قاعدة أميركية تكون منصة متقدمة لحلف شمال الأطلسي لإدارة عمليات التجسس والتدخل والمراقبة والإرهاب والانقلابات في شمال إفريقيا والجزائر وليبيا ومصر وغيرها، فإن بريطانيا تسعى لاتخاذ هجوم تونس ذريعة لمد عملياتها العسكرية لتشمل سوريا، وهذا من المؤكد له دلالاته بالنظر إلى التكاليف الكبيرة للطلعات الجوية وقصف الأهداف.
وفي التقدير، إن الاستعمار البريطاني يشعر بنوع من الغيظ والحقد وهو يرى نظيره الفرنسي تنهال عليه مليارات البترودولار في صورة صفقات تسلح لطائرات رافال ومشاريع اقتصادية واستثمارية تبلغ عشرات المليارات من الدولارات، ولذلك يريد البريطانيون الدخول على خط المنافسة والابتزاز والتسويق لأدوار جديدة لأخذ غنائمهم مثلما غنم الفرنسيون، ما يعني أن قصعة المنطقة مُقْدِمة على تكالب ساخن من أكلتها.
ثانيًا: محاولة كيان الاحتلال الإسرائيلي توظيف الهجمات الإرهابية التي شنها تنظيم “داعش” الإرهابي في سيناء مستهدفًا القوات الأمنية المصرية هناك، لصالح مشاريعه التآمرية والاستعمارية وضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من مدخلين: الأول اتهام حركة حماس بالضلوع في هجمات سيناء. والثاني الزعم بأن صاروخين أطلقهما داعش من سيناء باتجاه مستعمرة أشكول جنوب الكيان المحتل.
وهذان المدخلان لهما أهداف كثيرة يريد كيان الاحتلال الصهيوني تحقيقها من خلالهما، من ناحية المباشرة الفعلية لوضع الذرائع والمبررات القوية في استكمال المخطط الذي يستهدف عموم المنطقة، وذلك باستخدام الإرهاب الداعشي المدعوم صهيو ـ غربيًّا وإقليميًّا ومن بعض العرب؛ إما لصب المزيد من الاستعداء بين مصر وحماس، واستدراج الجيش المصري في حرب استنزاف مع حماس و”داعش” معًا، وإما لإنجاح ما نادى به المحتلون الإسرائيليون من تحالف مع الأردن ومصر ودول الخليج “المعتدلة” لمواجهة إرهاب داعش و”حماس”.
وفي حال عدم تحقق ذلك، فإن الوصفة الذرائعية جاهزة وهي إدخال تنظيم “داعش” إلى قطاع غزة ودعم إرهابه ضد فصائل المقاومة في القطاع بهدف استنزافها من ناحية، واتخاذه ذريعة لشن عدوان على قطاع غزة بحجة محاربة الإرهاب، وتسويق المزاعم الإسرائيلية بأن هناك أكثر من إرهاب اجتمع في القطاع (داعش وحماس وبقية فصائل المقاومة).
والمقطع الذي بثه تنظيم “داعش” وظهر فيه ملثم يتوعد فيه حماس وقطعها من جذورها واصفًا قياداتها بالطواغيت، ما هو إلا مقدمة لحفلة جنونية دموية ضد المقاومة الفلسطينية، فما يفعله “داعش” الإرهابي في الدول العربية هو لخدمة الصهيونية العالمية واستعمارها الفكري والثقافي والإنساني، ولخدمة الاستعمار الغربي قديمه وجديده.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل أدركت حماس فداحة خطئها بتنكرها لداعميها وحاضنيها ونعني بهم سوريا والمقاومة اللبنانية؟ وهل ستعترف أن ما يستهدف سوريا ولبنان والعراق وليبيا وغيرها هو مؤامرة وأن المقاومة فلسطينية كانت أو غير فلسطينية هي في صميم الاستهداف؟


رد مع اقتباس