مقابلة مع إسماعيل هنية
متمرد من دون دولة: ليفجيني ليبيديف يلتقي رئيس وزراء غزة إسماعيل هنية
مقابلة مع إسماعيل هنية، رئيس الحكومة المقالة – صحيفة الإندبندنت
ترجمة مركز الإعلام
رئيس وزراء غزة إسماعيل هنية هو واحد من أكثر السياسيين إثارة في العالم. يتحدث ليبيديف عن الربيع العربي والتفجيرات الانتحارية والحصار الإسرائيلي واحتمال بعيد المنال للسلام.
من القدس، خلال القيادة إلى غزة تمر بالحقول المنظمة ومحلات بيع العسل المنتجة محليا. الصنوبريات تمتد على طول الطريق من جانب واحد. تستطيع رؤية الجدار الذي يميز محيط شمال غزة، وتلامس جوانبه الأسلاك الشائكة ومراكز المراقبة.
منذ عقد من الزمان، كان الانقسام بين إسرائيل والأراضي المحتلة في غزة حاجز واحد مأهول من قبل مجموعة من الحراس. حاجز إيرز هو بحجم صالة مطار ليس أكثر. في الداخل، مفتشون زوار يرتدون قمصانا بيضاء تم استدعاهم إلى غزة في مقصورات منفصلة للاستجواب قبل إرسالهم من خلال ممر طوله نصف ميل، المغطى بسلك شائك يعبر المنطقة منزوعة السلاح.
السير في الاتجاه الآخر، العودة إلى إسرائيل أسوأ. أولا تدخل إلى غرفة حيث يوجد في منتصفها طاولة، حيث يتطلب الأمر منك فتح حقائبك ويظهر ما بداخلها من خلال عدسة كاميرا. ثم نقرة خفيفة على ضوء الباب المعدني الذي يتحول من الأحمر إلى الأخضر لتدخل في متاهة من الممرات كل منها مفصول عن بعضه البعض بواسطة أبواب مزودة بأضواء توقيف أو مرور من أجل المزيد من التفتيشات الاقتحامية.
ليس هناك بقعة طلاء. بالكاد أن يكون هناك ضوءا طبيعيا. من جهة واحدة، نقل خدمة الأحزمة وفي المقابل تقدم لك كتقسيم ممتلكاتك من أجل التفتيش بينما تدقق الشخصيات الرسمية من الطابق الثاني وتعليمات من خلال الاتصال الداخلي. والنتيجية هي عملية أقرب لتكون سجينا يُعد للإفراج عنه. هذا مناسب. الواقع في غزة هو ما يجعل الجدار المحيط: السجن الذي يتم احتجاز مليون ونصف مليون نسمة فيه.
رئيس السجناء هو إسماعيل هنية. كان يسمي رئيس وزراء غزة لمدة ست سنوات عندما فاز حزبه بالانتخابات التشريعية في الأراضي الفلسطينية في نتيجة فاجأت حماس نفسها. لكن منظمة حماس ترفض الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والأهم من ذلك أنها قامت بإرسال مهاجمين انتحاريين لتفجير أنفسهم في البلدات والمدن الإسرائيلية. لم يكن هؤلاء الذين كان يأمل الغرب باحتلالهم في صدارة الاستطلاع.
ترفض كل من أوروبا والولايات المتحدة الاعتراف بالنتيجة. (في وقت لاحق، كانت هناك مرارة في غزة وسفك الدماء مع حركة فتح التي لا زالت الشريك المهيمن في السلطة الفلسطينية). لقد تُركت غزة بدون صوت رسمي لمخاطبة العالم الخارجي. كان هذا السبب الذي دفعني لرؤية هنية. قلبت الثوابت القديمة في منطقة الشرق الأوسط فجأة بعد عام من الثورات. تبدو أكثر شرعية من أي وقت مضى، كيف رأت حماس شؤون المنطقة النامية. وافق هنية على مقابلتي لأنه كانت هناك رسالة أراد إسماعها.
التقينا في مكتب هنية في غزة. هنية رجل ضخم ذا بنية جيدة وأطول مما يبدو في التلفاز، شيب لحيته مشذبة بإحكام. كان يرتدي سترة فضفاضة ومن الواضح أنه في حالة بدنية جيدة لرجل في الـ 48 من العمر. كان لطيفا، وفي البداية ابتسم بسهولة. عُلق خلفه علم فلسطيني كبير، ألوانه استخلصت من الشاعر العربي صفي الدين من القرن الثالث عشر. "الأبيض أفعالنا، الأسود معاركنا، الأخضر حقولنا، الأحمر سيوفنا."
لقد تمنيت أن يكون ما أراد أن يقوله هو دعوة للمصالحة ويرى أن الثورات في الأشهر الـ 12 السابقة فرصة لبدء صفحة بيضاء في العلاقات مع الإسرائيليين. كانت هناك دلائل على أن الحل الوسط كان معلقا بالهواء. لقد توقف أخيرا استخدام حماس للتفجيرات الانتحارية والاعتراف الجزئي بالغضب الذي تسببت فيها هذه التفجيرات. بدأت المفاوضات بين حماس ومنافسها السياسي فتح لتسوية خلافاتهما. كانت هناك إشاعات بأن حماس من الممكن أن تتخلى عن كفاحها المسلح.
لكن ما رأيته ليس بالرجل الذي يبحث عن الوصول إلى غصن الزيتون. إنه رجل ينظر للكيفية التي يُعاد فيها تشكيل الشرق الأوسط وهو يعتقد الآن – أو هكذا قال- أن روايته عن مصير الفلسطينيين قد تكون الآن على وشك أن تتحقق.
قال لي، "القضية الفلسطينية هي الفائزة". "بوجود جماعة الإخوان المسلمين كجزء في الحكومة في مصر، المصريون لن يحاصروا غزة. لن يعتقلوا الفلسطينيين. لن يمنحوا إسرائيل غطاء لشن الحرب. لقد كانت غزة السبب الرئيسي في الربيع العربي. كان سبب غضب الشعوب على الأنظمة التي تعاونت مع إسرائيل والتي لم تعترف بالحكومة هنا.
"تشعر إسرائيل بالإنزعاج من ذلك. إنها تعرف البيئة الإستراتيجية المتغيرة. إيران هي عدو. والعلاقات تتدهور مع تركيا. أما بالنسبة لمصر فالأجواء باردة. إسرائيل في وضع أمني لم يكن له مثيل من قبل. الفلسطينيون فازوا أكثر من أي طرف بسبب ما يحدث في الربيع العربي. وهذا سيتضح في المستقبل."
لم يتصنع هنية بكلماته، ألقى اللوم على الغرب خاصة الولايات المتحدة لمحاولتهم إبقاء الشعب في غزة محاصرا حتى عندما سعوا للعب بالقواعد التي وضعها المجتمع الدولي. لقد طلبوا منا تنظيم الانتخابات وقالوا بأنهم سيحترمون نتيجة الانتخابات. وقمنا بإجراء الانتخابات. لقد فعلنا ما طُلب منا. أي شخص يسأل عن الديمقراطية ينبغي أن يحترم نتائج الديمقراطية."
هل سيحترم هنية نتائج الانتخابات المقبلة في غزة إذا كانت ضد حماس؟ أصر قائلا، "بالطبع، نحن نحترم الانتقال السلمي للسلطة. لن نقوم بالأخطاء ذاتها التي فعلها الآخرون في عدم الاعتراف بنتيجة الانتخابات في عام 2006."
الإسرائيليون يعتقدون أنهم "خدعوا" الغرب بدفعه للاعتقاد بأنهم سيفعلون أي شيء عن طيب خاطر للشعب الفلسطيني. كانت 20 عاما من المفاوضات التي أدت إلى "لا شيء" كما أن "الإسرئيليين لا يريدون للشعب الفلسطيني أن يحصل على أي مكان. "عندما تحدث هنية عن الإسرائيليين اختفت ابتسامته وضاقت عيناه وسكن الهواء من حوله، في البداية كان مطمئنا أكثر، وبدا رهيبا فجأة.
كان هنية غاضبا خصوصا عندما تحدث عن الحصار المفروض على السلع التي تسير باتجاه غزة والتي تخرج منها. لقد صدر هذا الأمر في عام 2007، بعد أن فازت حماس بالحرب القصيرة، لكنها حرب أهلية شرسة ضد حركة فتح، حيث شهدت القتال من شارع لشارع. على الرغم أن بعض السلع الاستهلاكية ومواد الخام سُمح لها بالدخول، لا تزال غزة "كيانا معاديا" من منظور إسرائيلي، وبالتالي منبوذة اقتصاديا.
لقد أمضى هنية معظم حياته في قطاع غزة، نشأ وترعرع في مخيم الشاطئ في قلب قطاع غزة حيث وصل والداه كلاجئين خلال الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1948. بدأ من هناك خطواته الأولى في السياسة في عام 1980. وفي نهاية المطاف سجن في عام 1989 لمشاركته في الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل في الإنتفاضة الأولى. بعد الإفراج عنه، ازدهرت حياته السياسية بعد نفيه لمدة قصيرة في لبنان، أصبح لاحقا مساعدا لزعيم حماس الروحي أحمد ياسين. ومع ذلك بقي مخيم الشاطئ منزله.
يمكن أن يساعد هذا على التوضيح بشكل أقوى عن مشاعر قائد حماس فيما يتعلق بما يطلق عليه الفلسطينيون :الحصار". وصف بأن الحصار كان شديدا جدا نتج عنه نقص في الوقود لدرجة كبيرة، حيث اضطرت السيارات إلى اللجوء إلى العمل باستخدام زيت الطبخ. كان هناك انقطاع في التيار الكهربائي على نطاق واسع ونقص في الدواء. أدى أيضا إلى انهيار شبه كامل في الأعمال المحلية بسبب القيود المفروضة على الصادرات. مع وجود الغضب في عينيه وصوته، انحنى هنية إلى الأمام و- يبدو بأنه تناسى ما يتعلق بمحرقة اليهود- وأعلن بأن الحصار كان "أكبر جريمة شهدها التاريخ المعاصر على الإطلاق". وأصر بأن غزة تريد بكل بساطة أن تتم معاملتها بإنصاف. "نريد أن نعيش مثل باقي العالم. بأن يكون لنا حقوق. بأن تكون لنا دولة".
بصياغتها بهذه الطريقة، يبدو أنه طموح معقول. لكن ماذا عن استخدام حماس للتفجيرات الانتحارية في الماضي؟ لو كان اللجوء إلى مثل هذا التكتيك لم يفقد المنظمة المصداقية لأن تكون جزءً من أية سياسة تسوية طويلة الأمد من خلال العمل المشترك مع الإسرائيليين، والفلسطينيين، والحفاظ عليها؟
كان جوابه فظا. قال بأن تلك العمليات لم تكن "عمليات انتحارية" بل "عمليات استشهادية". لقد فعلنا هذا لأنه كان هناك سفكا للدماء على يد الإسرائيليين. إنها ردة فعل على قذائف أف16 التي تقتل الناس والنساء والأطفال. لقد استمروا في استهداف المدنينين الفلسطينيين وهذا ما دفع المقاتلين الفلسطينيين للقيام بهذا النوع من العمليات".
إلا أنه أعلن (في إلقائه الضوء على معضلة حماس التي ترى بأنها تواجهها فيما يتعلق بالمدى الذي تمضي فيه في الحد من الصراع المسلح): "لقد قال الأوروبيون والأمريكيون بأن العمليات الإرهابية كانت السبب في وضع حماس على قائمة الإرهاب. لكن هذه العمليات اختفت الآن. إذن، هل أزالوا حماس من قائمة المنظمات الإرهابية؟"
ختم قوله قائلا، "نحن لا نشن الحروب. نحن شعب يقاوم الاحتلال".
ومن ثم توقف. "تعال- دع الناس يخبرونك بأنفسهم".
أغلق الحراس الذين يرتدون الأسود الطريق أمام حركة المرور عندما غادرت سياراتنا ذات الدفع الرباعي وذات الشبايبك الملونة لمدة خمس دقائق، حتى قطعنا من مكتبه إلى مخيم الشاطئ، الذي ما زال هنية يسكن فيه. عندما صعدنا إلى المدرج، التفوا لإنشاء كتيبة وقائية. كان وجودهم دليلا على تأكيد حماس على الأمن. كان الإنجاز الأكبر بالنسبة للحركة في الحكومة هو جعل الشوارع آمنة بالنسبة لمعظم السكان، فعلوا الكثير من أجل إنهاء ثقافة السلاح التي جعلت القبائل وكذلك الساسة المتناحرين يتبادلون إطلاق النار في الشوارع.
لكن كان هناك ادعاءات- من قبل منظمة العفو الدولية، بالإضافة إلى غيرها- عن قمع المعارضين السياسيين، الاعتقال والضرب الذي تعرضوا له من دون حتى وجود محاكمة. تم توجيه اتهامات مشابهة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. لا أستطيع أن أشهد على صحة هذه الاتهامات، ما شهدته في غزة، على كل حال، كان شيئا من أجواء الخوف والترقب التي يتوقعها المرء في مثل هذه البيئة. ذات مساء، تناولت العشاء مع مجموعة من الفنانين المحليين والموسيقين ومواطنين أخرين. بعد أن انتهينا من تناول الطعام، ظهر شخص في سترة فضفاضة من الجلد الأسود، وأخذ مجموعة منهم إلى جانب للمطالبة بأسمائهم وتفاصيل حول سبب اجتماعنا.
لم يشر أحد من الذين التقينا بهم في مخيم الشاطئ إلى هذه المشاكل. بدلا من ذلك، أخذني هنية من كوعي إلى الشاطئ ووصف لي كيف طور مهارات كرة القدم التي جعلته يصبح، في السبعينيات، نجم الهجوم في خط الوسط في فريق مجتمع غزة الإسلامي- من خلال اللعب على الرمال هنا وهو طفل. الآن أصبح الشاطئ مهجورا، بسبب 800.000 لتر من مياه الصرف الصحي يتم صرفها يوميا في المياه المحيطة.
يعتبر المخيم نفسه متاهة بحجم نصف كيلو متر مربع من المنازل بدائية الصنع من الخرسانة مفصولة بواسطة ممرات ملتوية ضيقة يتكدس فيها 87.000 شخص. وأثناء سيرنا، يخرج الأشخاص من المنازل أو ينحنون من النوافذ. ثم تبعنا مسئول في حماس. كان في يدنا مجموعة من فئات المئة دولار والتي مررها إلى كف رئيس الوزراء، مثل مافيا كابو في فيلم العراب، أي أحد من الذين تكلموا معنا.
يعلم الإسرائيليون ما الذي يواجههم في غزة. مكن الممكن أن التفجيرات الانتحارية توقفت، ولكن ليس العنف. هناك دليل على أن حماس حاولت كبح جماح الهجمات الصاروخية ولكن ما يزال يتم إطلاقها على إسرائيل. فقط بعد وصولي بأيام قليلة، تحطم واحد منها في أرض مكشوفة قرب أشكول.
توافق إسرائيل على أن الربيع العربي الآن يعني بأنها تعاني من أوقات صعبة، مع وجود أنظمة عدائية محتملة بالقرب منها. وهذا يفسر سبب شعور العديد من شخصيات الحكومة الرئيسية باليأس عند ما رؤوا حلفائهم في الغرب يرحبون بالأحداث القائمة في الشرق الأوسط العام الماضي، ولماذا حذر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في خطاب حديث له بأن الثورات العربية شكلت "موجة إسلامية وغير ديمقراطية، معادية للغرب ومعادية لليبرالية ومعادية لإسرائيل ".
أخبرني وزير بارز في الحكومة الإسرائيلية بأنه "لا يعتقد بأنه يوجد أي مكان في العالم لن يسيطر عليه الإسلاميون، "كما أن "أطفال غوغل" (الثوار الذين حصلوا على أهمية لدى الجمهور في الغرب من خلال استخدامهم لمواقع الشبكات الاجتماعية)
كانوا ذو أغلبية صغيرة. تكمن المشكلة في مجتمع مختل وظيفيا لم يعمل بشكل أساسي في القرن العشرين وترك القرن الواحد والعشرين.
"أدى هذا إلى وجود مرحلة إسلامية، وهذا من الممكن أن يستمر أكثر مما يعتقد الناس. لقد مررنا خلال ثلاثة عقود من السلام، لكن ما نواجهه هو وقت صعب".
النقطة الأخيرة- اقتراب الأوقات العصيبة- من الممكن أن تكون حادثة نادرة عندما تتفق حماس مع الإسرائيليين. خلال رحلتي إلى غزة، دعتي المنظمة إلى ثلاثة منازل، اثنين ما زالا قائمين وواحد لم يعد كذلك. روى كل منهم قصته عن البدائل المحتملة للسلام بعيد المنال. لم يكن أي منهم جيدا.
يعود أحد النازل إلى حسين ذيب حموده، الذي خسر اثنين من أبنائه الخمسة في القتال مع إسرائيل. من المثير للدهشة أن أحد أبنائه كان ينتمي إلى حركة حماس والآخر إلى حركة فتح، هذا يظهر كيف يمكن للخصمين السياسيين التعايش بسعادة في عائلة واحدة.
لكن خسارته لم تدفعه إلى نسيان الحرب. بدلا من ذلك، تم تحويل الواجهة الأمامية من غرفته إلى نصب تذكاري لتضحياتهم. لافتتان ضخمتان لصورأبنائه محاطة بصفوف من الصواريخ وصور من الدم يقطر أسفل الجانبين من زوايا المعاكس. يملئ كل طاولة وجدار تذكارات وصورلهم تصورهم كجنود مجاهديين يجب تبجيلهم.
كنت أتساءل كيف أثر هذا النصب التذكاري لإحياء ذكرى الموتى على أبناءه الآخرين، وسئل إذ لم يكن قلق من هذه الصور التي قد تشجع أبناءه على ارتكاب الشيء ذاته لتنضم صورهم لصور أخويهما اللذين توفيا. أجاب الأب البالغ من العمر 59 "أنا أتوقع ذلك". "لكني لست خائفا من هذه اللحظة".
لماذا؟ "لأن هذه هي الطريقة التي نعيش بها. فنحن نتوقع الموت في كل لحظة من حياتنا. أنا فخور من كون أبنائي شهداء. فهذه هي أرضنا وهذه هي الطريقة التي نعيش بها. حيث أومأ مسئولون متجمعون من حركة حماس موافقتهم على ما قاله".
كان المنزل الثاني منزل لمولود حديث الولادة، ومن الملفت للأنظار كيف كان العديد من الأطفال الذين التقيت بهم في غزة، فسائقي كان عنده تسعة أطفال ومترجمي الخاص كان له سبعة، حتى هنية نفسه كان عنده 13 طفل. فقد كانت الآثار الديمغرافية واضحة.
ولد الطفل الأخير لجيران هنية، الذين يقطنون تحتهم بثلاثة طوابق، عندما قمنا بزيارتهم، أخذ الطفل وقَبله منتظرا المصورين. لكن ما لفت انتباهي هي الصورة الملصقة على خزانة في المنزل، والتي كانت بين صورة ميني ماوس وملصقات للاعبي برشلونة لكرة القدم. كان هذا لتسليط الضوء لوضع جدول زمني للاعتداءات ضد الشعب الفلسطيني، وصولا للقرن الثامن – حيث يعد هذا درسا للشباب الذين كان لهم تاريخ طويل من الخيانة.
بدأ هنية الحديث عن أمه. "كنت معها عندما توفيت". وهذا عندما سمعت عن مجزرة قانا عام 1996 (عندما ضربت قذائف إسرائيلية مجمعا للأمم المتحدة في لبنان مما أسفر عن مقتل 106 شخصا، بمن فيهم لاجئين). كنا نشاهد هذا على التلفاز وأصابتها نوبة قلبية. حاولت إحيائها لكنها كانت في غيبوبة في الوقت الذي وصلنا فيه للمستشفى، بقيت في غيبوبة لعدة أيام وبعدها توفيت. فأنا اعتبرها شهيدة.
جعلني هذا أغادر المنزل إلى أرض خربة يملؤها الركام وعوارض ملتوية وأكوام من القمامة. "كان هذا المبنى الذي قصفه الإسرائيليون في عام 2009". حيث تم إجلاء الناس من منازلهم وعندما أعادوا بناءه كلفهم هذا كل ما جمعوه من مال طوال حياتهم. لذلك، عندما تدمر منازلهم هذا يعني أنك دمرت جميع ما يملكونه.
"يجب على الإسرائيليين أن يعترفوا بنا كشعب فلسطيني". فعليهم أن يحرروا الأسرى، ويزيلوا جميع المستوطنات في الضفة الغربية وعدم إبقاء أي جندي إسرائيلي في الأراضي الفلسطينية – الدولة الفلسطينية على أساس حدود 1967 مع القدس الشريف عاصمة لها. فنحن الضحايا، وهم المجرمون.
ثم وقف قبالة في مجموعة واقية من حراسه. هناك واحد، مع ذلك، لم يتبعهم. بدلا من ذلك، كان يحدق من فوقنا. حدق لفترة طويلة وبعدها انحنى للتحدث عبر الميكروفون الذي تعلق بقميصه.
أوضح أحد زملائه أنه "كان يرى طائرة إسرائيلية من دون طيار". نظرت لأعلى، لم أر سوى السماء الصافية، ابتسمت لمن حولي. سيكون هنا، فهم دائما هناك. فهم يراقبوننا لرؤية ما يمكننا القيام به.
إضغط هنا لتحميل الملف المرفق كاملاً


رد مع اقتباس