اقلام محلي 465
4/8/2013
في هذا الملـــــف:
- تغريدة الصباح - مهمة الى قرغيزيا
بقلم: يحيى يخلف – الحياة
- الحكومة بين « المريشين».. و«المنتوفين»
بقلم: موفق مطر – الحياة
- ثرثرة معهودة
بقلم: محمود ابو الهيجاء – الحياة
- العنصرية وصلت حد التحريض على القتل!!
بقلم: حديث القدس – القدس
- الأحد.... وكل يوم أحد ... التطبيع... والحوار مع الاسرائيليين!
بقلم: المحامي زياد أبو زياد – القدس
- «حماس» وإيران والربيع العربي
بقلم: الدكتور أحمد يوسف – القدس
- "حماس" وإيران "عودة الابن الضّال"
بقلم: أكرم عطا الله – الايام
- مفاوضات بطعم العلقم
بقل: د.سفيان ابو زايدة – معا
- اصرار على الركض وراء السراب - نعيم الاشهب
بقلم: نعيم الاشهب – معا
تغريدة الصباح - مهمة الى قرغيزيا
بقلم: يحيى يخلف – الحياة
في شتاء عام 1992 كلفني الرئيس عرفات بمهمة سياسية في جمهورية قرغيزستان التي كانت قد استقلت حديثا عن الاتحاد السوفياتي بعد تفككه. المهمة تتعلق بالقدس اذ ان الرئس القرغيزي كان قد اعلن في زيارة له الى اسرائيل انه سينقل سفارة قرغيزيا من تل أبيب الى القدس طامعا في دعم اقتصادي اسرائيلي لبلده الذي واجه اوضاعا اقتصادية سيئة بعد انفصاله عن الاتحاد السوفياتي.
وكان يهود قرغيزيا قد رتبوا له زيارة الى اسرائيل، ورحبت اسرائيل بها لأنّ ذلك يمثل اختراقا لدولة اسلامية تنتمي الى منظمة المؤتمر الإسلامي. وهكذا احاطوا زيارة الرئيس (عسكر اكاييف) بالحفاوة والاهتمام والوعود الخادعة. ولشدة انبهاره بهذه الحفاوة ذهب بعيدا واطلق تصريحا عن نقل سفارته الى القدس، ما يعني اعترافه بضم اسرائيل للمدينة المقدسة.
سارعت منظمة التحرير الفلسطينية وتقدمت بشكوى لمنظمة المؤتمر الاسلامي (اسمها الآن منظمة التعاون الإسلامي) فما كان من المنظمة الاّ توجيه انذار لجمهورية قرغيزيا بالتراجع عن قرارها تحت طائلة عقوبات تصل الى طردها من عضويتها.
وبعد اتصالات دبلوماسية بين المنظمة الإسلامية وبين قرغيزيا، طلبت الأخيرة ارسال ممثل للرئيس عرفات الى (بيشكيك) عاصمتها لبحث الموضوع، فوقع الاختيار علي للقيام بهذه المهمة. كنت آنذاك مستشارا ثقافيا للرئيس، وكان عملي يقتصر على الموضوع الثقافي، لكنني رحبت بهذا التكليف خصوصا انّ الموضوع يتعلق بمدينة القدس.
وبدأت ابحث عن معلومات عن هذا البلد، وساعدني د.سامي مسلم الذي كان يشغل مدير عام مكتب الرئيس، كما أعدّ لي الوثائق الخاصة بالوضع القانوني للقدس حسب قرارات الأمم المتحدة. قلت انني بحثت عن معلومات، لكنني كنت اعرف شيئا عن قرغيزيا من خلال روايات الكاتب القرغيزي الكبير (جنكيز ايتماتوف) وخصوصا روايته (وداعا يا غولساري) وقد ربطتني صداقة معه عندما التقينا في اوائل الثمانينيات في طشقند في مؤتمر اتحاد كتاب آسيا وافريقيا، ثم في مكتبه في موسكو بدار مجلة الآداب الأجنبية عندما ترجموا الى الروسية روايتي (نجران تحت الصفر) وقصتي (تلك المرأة الوردة).
في رحلة شتائية صعبة غادرت تونس الى موسكو حيث مكثت ليلة بضيافة السفير آنذاك الصديق نبيل عمرو، وفي جو صقيعي تكسوه الثلوج ( قرقر، دردر، زمهرير حسب الأصمعي) غادرت موسكو الى بيشكيك، في رحلة امتدت الى ست ساعات رافقتني فيها الثلوج من شباك الطائرة الى ان وصلت المطار. استقبلني في مطار بيشكيك ممثل عن وزارة الخارجية، ومجموعة من الطلبة الفلسطينيين الذين يدرسون هناك. انتقلت الى الفندق، وفي اليوم التالي بدأت المفاوضات مع وزير الخارجية. بالطبع استعملت كل ما امتلك من بلاغة وقدرة وثقافة وخبرة، مستعينا بالقرارات الدولية (وقدمت نسخة منها الى الوزير حديث العهد بمهمته) وبدا انه ليس على دراية بالقضية الفلسطينية، ولا يعرف الكثير عنها. لكن مساعديه كان لديهم مشاعر عاطفية كمسلمين وبدوا اكثر استجابة، وبين الحين والآخر كانوا يتحدثون معه باللغة القرغيزية، بحماسة اشعرتني بأنهم يتعاطفون معنا. طال اجتماعنا، وفي النهاية ابلغني الوزير انه سينقل فحوى لقائنا الى الرئيس عسكر اكاييف. في اليوم التالي قابلت الرئيس وابلغته تحيات ابو عمار والقيادة الفلسطينية، وأوجزت له موقفنا وحرصنا على العلاقة مع دولته المسلمة (80%) من مواطنيه مسلمون. ورد علي بتهذيب وحرص ان يبدو انه على معرفة بقضية فلسطين العادلة، وان دولته ستقف الى جانب القانون الدولي ولن تنقل سفارتها من تل ابيب الى القدس. كانت مهمة اعتز بها وافتخر، وقد لمست ممن التقيت بهم من مساعدي وزير الخارجية الذين جاءوا لتوديعي في المطار تلك العاطفة الجياشة تجاه فلسطين والقدس الشريف، وقبل ان اغادر الى سلم الطائرة أخرجت من حقيبتي نسخة من القرآن الكريم واهديتها لهم، فحملوه وقبلوه واغرورقت اعينهم بالدموع (كان الإتحاد السوفيتي يمنع طباعة القرآن الكريم ونشره وتوزيعه). واقلعت بنا الطائرة وانا الوح لهم، وبينما الطائرة تقلع في مسارها نحو الشمال، وانا اتابع الثلوج التي تكسو الجبال والسهول..شاهدت بحيرة جمّد الجليد مياهها ادركت انها بحيرة (ايصك قول) التي دارت حولها أحداث قصة جنكيز ايتماتوف (الكلب الأبلق يركض نحو البحر).
الحكومة بين « المريشين».. و«المنتوفين»
بقلم: موفق مطر – الحياة
واجب على وزارة الاقتصاد منع تجار الجملة والتفصيل من سلخ جلود المواطنين الميسورين والمساكين والفقراء على حد سواء، ومنعهم من التوغل في ضرب اهم ركائز رمضان المبارك وفرحة العيد، فالتعاضد والتكافل، والمحبة والإحساس بالفقير والمعدوم، وذوي الدخل المحدود وهم الشرائح الأوسع في مجتمعنا، لا يكون بمضاعفة اسعار المواد الغذائية ومستلزمات العيد، فهذا سلوك ان قسناه بمعايير رمضان الأخلاقية وأبعاده الانسانية باعتباره شهر محبة وسلام بين الناس وعبادة وتقوى، فإننا سنخلص الى نتيجة قد لا يختلف عليها مواطنان اضطرتهما التقاليد الخاطئة في رمضان أن هذا الشهر الكريم، كان كريما على التجار الكبار والصغار الذين ابدعوا باستغلال تقاليد الاسراف في الاستهلاك وكذلك مفاهيم المجتمع لمعاني الصيام في شهر التدبر والاقتصاد ( رمضان ) والفرحة بأيام العيد.
نعتقد بإمكانية التدخل السريع للوزارات والجهات المختصة والمعنية بحماية المواطن من حمأة سياط « التجار المتريشين»، الناتفين لريش الفقراء وذوي الدخل المحدود، هذا ان بقى من زغبهم شيئا على جلودهم العارية!!
لماذا لا تفسح الوزارة المساحة للمنتوج الوطني، ولماذا لا يسعى راس المال الصناعي والزراعي الوطني الى المساهمة بعملية توسيح فسحة الأمل لدى المواطن، فضغط الاحتلال مع ارتفاع الأسعار، من زوابع اقتصادية مغبرة تعمي الأبصار تفوق قدرة المواطن على الاحتمال مهما بلغت وطنيته ودرجة تفهمه للأوضاع والظروف، فالمواطن المشبع بالانتماء يريد تلمس انتماء الآخرين، والاقتناع بأن الآخر يناضل معه ولو بتخفيف الأعباء المعيشية عنه، ليس بالمنة عليه أو الكرم عليه بمنح أو هبات أو مساعدات، وإنما بتحمل جزء من المسؤولية الوطنية ولو عن طريق تخفيض هامش الارباح لدى التجار الكبار والصغار وما بينهما الوسيط، لرفع قدرة المواطنين الغلابة، أي الشرائح الأعظم من الشعب.
لا أدري السبب الذي يدفعنا نحن كمواطنين لإنعاش السوق الاسرائيلية والأسواق الأجنبية في مناسباتنا الدينية والاجتماعية، فاستهلاكنا من منتجات المزارع والمصانع الاسرائيلية يتضاعف في شهر التدبر والاقتصاد، وتستفيد الخزينة الاسرائيلية من الضرائب المستوفاة في الموانئ على البضائع المستوردة للأسواق الفلسطينية، فيما خزائن الصناعيين الفلسطينيين الوطنيين تئن من علة شلل ان لم تصبها سكتات دماغية من هجوم المنتجات التايوانية والصينية والتركية!!
قد يكفل تشكيل خلية عمل من وزارة الاقتصاد، البلديات، وزارة الزراعة، الشرطة، معالجة تفشي وباء المنتوجات الأجنبية المهربة أو الفاسدة، أو القريبة جدا من تاريخ انتهاء الصلاحية، فنظرة سريعة على اسواقنا الشعبية تجعلنا نعتقد انها باتت « مكبا» لبضائع ومنتجات زراعية وصناعية اسرائيلية أو تايوانية باسعار، والمصيبة انها معروضة باسعار لو قورنت بمثيلتها في دول مجاورة، لاكتشفنا حجم الجريمة المرتكبة بحق المواطن المسكين.
يجب على الحكومة اشعار المواطن بمدى اهتمامها بمصالحه، والسهرعلى راحته، وتأمين متطلباته المعيشية الحياتية اليومية وخاصة في المناسبات، بالتوازي مع حملة تثقيف روحية واجتماعية واقتصادية تبدأ من الصفر، وإقناع المواطن بان ليس « كل افرنجي برنجي»، عبر تقديم البدائل الوطنية المنافسة بالسعر والجودة، وتنظيم وضبط السعار ومراقبة المواد الغذائية والمنتجات الزراعية في الاسواق الشعبية اليومية، اذا ليس معقولا ما نراه ونلمسه من مخاطر على صحة المواطن الفقير في اسواقنا الشعبية، حيث يعرض بعض ضعاف النفوس ماعف عنه الاسرائيليون، أو ما اصابه العفن في مستودعات التجار الجشعين فيضطر الفقير المسكين وذو الدخل المحدود اليها مكرها، فيما ينعم الميسورين بغلال وخضار محلية وإسرائيلية طازجة لامعة، فهل هذا عدل؟!.
ليس معقولا ولا مقبولا ترك رقبة المواطن على « قشاط رغبة» تاجر التفصيل والجملة، يحوله الى بيت النار، يشويه، يحمره، أو يرفعه الى ماكنة السلخ المسنونة، فالمواطن الذي اعطى الأرض عمره، يجب حمايته من الذي اخذ كل ما يستحق من مال وهناء وارض في عمره.. فالعدالة هي الانجاز الاستراتيجي المؤدي للحرية والاستقلال.
ثرثرة معهودة
بقلم: محمود ابو الهيجاء – الحياة
من اغرب ما قرأت من مقالة صحفية فلسطينية قبل يومين، واحدة يشير عنوانها الى « بديل « للمفاوضات العبثية غير ان البديل في مضمونها بعد القراءة، ليس غير المفاوضات ذاتها، وان كانت بالثرثرة المعهودة اياها، تضيف شيئا من ضرورة تحسين الظروف للمفاوض الفلسطيني وتجميع وتقوية اوراق الضغط التي بين يديه ومن خلال تبني استراتيجية مقاومة شاملة..! وكأن هذا الامر كله لايريده المفاوض الفلسطيني، او كانه لايعرف ضرورته، اولعله يتجاهله عامدا متعمدا، ليذهب متطوعا الى مفاوضات عبثية...! تسهل الحلول عادة في شغف الكتابة وصاحبها، بالتحليق في فضاء الشعارات، بعيدا عن الواقع ومعطياته وموازين قواه والى الحد الذي لاترى شيئا منه، فتصبح الحلول ممكنة بمنتهى البساطة، وان كانت تعود الى النقطة ذاتها في هذه المقالة التي نتحدث عنها التي لم تقدم بديلا بقدر ما اكدت خيار المفاوضات واستحالة تجاوزه، بل انها لاتريد سواه وهي تتحدث عن شروط تحسين الظرف، وتقوية الاوراق، واعتماد استراتيجية مقاومة شاملة لكي نحصد ما تزرعه هذه المقاومة في المفاوضات، وكأن هذه المقالة بهذه المقولة التي ليست جديدة البتة، تريد ان توحي لنا بسبق الفكرة واصالتها وجديتها، لتحظى بمصداقية التحليل والرؤية...!
يقولون عادة في لحظة الحكمة والتروي : قل خيرا او فلتصمت، واظن الخير في هذا الموضوع، يكمن بضرورة القراءة الموضوعية لطبيعة المرحلة الراهنة، ومعطياتها المادية بموازين قواها المؤثرة، وفي رؤية الحال الوطنية على نحو واقعي، لأن اكل « الجوز الفارغ « لا يسمن ولا يغني من جوع.
وبالامكان بالطبع نقد التفاوض او مناهضته والتصدي له بصورة مبدئية، شرط ان تكون البدائل ممكنة وواقعية، وليست مجرد اعتراض في اللغة وبلاغتها، وحتى ان لم يطرح هذه البدائل الممكنة، فيسكفي النقد والاعتراض والتصدي، الموقف الواضح دونما لف او دوران، ليسجل له كموقف شجاع يستحق الحوار والاحترام.
اخيرا، ليست الحكمة وحدها فقط هي التي تقول في اللحظة الراهنة « قل خيرا او فلتصمت، بل شجاعة الموقف الاخلاقي والوطني كذلك، أو على الاقل شجاعة الموقف الموضوعي، الذي يرى الصورة كاملة فلا يغفل شيئا منها، ولا يزاود على اي شيء.
العنصرية وصلت حد التحريض على القتل!!
بقلم: حديث القدس – القدس
مظاهر العنصرية في اسرائيل كثيرة ومتنوعة بين تصريحات شخصية لزعماء وقادة احزاب او قوانين ومشاريع قوانين في الكنيست او سياسة عامة رسمية كالدعوة الى اعتبار اسرائيل دولة يهودية ولليهود.
وابرز امثلة هذه العنصرية والتي برزت على السطح مؤخرا مقترح «برافر» الى الكنيست الذي يستهدف تهجير عشرات الآلاف من بدو النقب ومصادرة اراضيهم الشاسعة، وهو الامر الذي اثار موجة احتجاجات واسعة شملت القدس والضفة والداخل الفلسطيني من شماله الى جنوبه. الا ان ما قاله نفتالي بينيت رئيس حزب «البيت اليهودي» والشريك القوي في الائتلاف الحاكم وصل قمة الاستفزاز وذلك من خلال دعوته الى قتل الاسرى بدل الافراج عنهم في موضوع استئناف المفاوضات رغم ان رئيس الحكومة نتانياهو التزم لحزبه رسميا بالاستمرار في عمليات الاستيطان دون توقف سواء بالقدس او الضفة.
وهناك بين الاسرائيليين من حاخامات وكبار رجال الدين من يصفنا سابقا وحاليا ولاحقا على الارجح بأوصاف مقززة تنم عن عنصرية حاقدة وانعدام الاخلاق والانسانية .
وهناك زعران من المستوطنين لا يتوقفون عن تخريب الممتلكات والاعتداء على دور العبادة من مساجد وكنائس وكتابة الشعارات العنصرية على جدرانها، وكذلك هناك من يقومون باقتلاع او حرق آلاف الاشجار المثمرة في كل انحاء الضفة، وهناك حالياً نحو ٢٠٠٠ شجرة زيتون في وادي قانا بمحافظة سلفيت مهددة بالاقتلاع بالاضافة الى نحو سبع مستوطنات فوق اراضي المنطقة والتي ابتلعت مئات الدونمات من الاراضي.
والامثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى وهي يومية لا تتوقف، ويحدث هذا كله في الوقت الذي يسارعون فيه الى وصف كل من ينتقدهم بمعاداة السامية ويحرضون عليه ويحاربونه بكل الوسائل، مع ان هذه العنصرية الواضحة في اسرائيل ضد شعبنا الفلسطيني وارضه وممتلكاته لا مثيل لها بالعالم في الوقت الراهن.
وهذه العنصرية لا يجوز السكوت عليها والمرور بها مرور الكرام ولا بد من المتابعة والملاحقة كلما كان ذلك ممكناً، وهو ممكن في اغلب الاحيان، ونحن نقترح في هذا المجال ان يقوم محام فلسطيني او اكثر بالاشتراك مع اخرين من الاجانب والاسرائيليين الاصدقاء المعنيين بالحقوق الانسانية والعدالة، برفع دعوى قضائية مثلاً ضد بينيت.
هذا بتهمة التحريض على القتل بصفته رئيساً لحزب وشخصية سياسية كبيرة وليس مجرد فرد عادي لا قيمة لاقواله، وليس من الضروري ان تكون الدعوى في اسرائيل فقط، ولكن في المؤسسات والمحافل الدولية ايضاً. وقد يكون من المناسب ايضاً متابعة المحرضين الآخرين من رجال دين وشخصيات اعتبارية وغيرهم، وكذلك «المستشار القضائي» للجيش الاسرائيلي الذي برر اعتقال طفل عمره خمس سنوات من الخليل، بتهمة القاء حجر على دورية اسرائيلية وأثار مشهد اعتقاله وهو يبكي ويمسك بيدي والده معصب العينين، موجة استياء عارمة لدى الرأي العام العالمي.
فهل من يسمع وهل من يستجيب؟.
الأحد.... وكل يوم أحد ... التطبيع... والحوار مع الاسرائيليين!
بقلم: المحامي زياد أبو زياد – القدس
أثارت زيارة وفد فلسطيني غالبية أعضائه من حركة فتح إلى الكنيست الاسرائيلي الأسبوع الماضي موجة من الانتقادات وعبارات الشجب والاستنكار وصل بعضها حد استخدام الكلمات النابية أو غير المقبولة في أي نقاش أو خلاف سياسي كالعهر والتعهير وما شابه ذلك !. وهذه الكلمات تذكرنا بأسلوب الردح الاعلامي الذي يمارسه عدد من الناطقين بلسان حركتي فتح وحماس والذي أصبح هو الآخر ممجوجا ومرفوضا ً على مستوى النقاش السياسي العام ويشكل سقطة لمستوى الحوار السياسي والاختلاف في الرأي الذي لا يجب أن يفسد في الود قضية. ولا شك بأن في أسلوب الردح والشتم والتخوين ما يوغر الصدور ويوسع شقة الخلاف ويبعد عنا أية فرصة أو إمكانية لرأب الصدع وتقريب المواقف وخاصة بين فتح وحماس .
ولا شك بأننا نمر بحالة تكدر للمزاج العام أو النرفزة ، جعلت الكثيرين يتخلون عن أسلوب النقاش الموضوعي وينزلقون نحو المهاترات وتبادل الشتائم مما لا يترك مجالا ً للنقاش الموضوعي المتحضر ويترك الساحة مفتوحة أمام حفنة من الموهوبين في الردح وسلاطة اللسان ليتنافسوا فيما بينهم أيهم أكثر سلاطة أوقدرة على سلق الآخرين بألسنتهم .
إن متابعة ردود الفعل إزاء أي لقاء أو نشاط اسرائيلي فلسطيني مشترك تعكس أن هناك غياب رؤية وطنية واحدة لموضوع النشاطات المشتركة والتي توصف عادة بالتطبيع .وأكثر من ذلك ، فإن هناك موقفين متناقضين الأول يبلغ حد الاسفاف والتهافت نحو الاسرائيليين والمشاركة في فعاليات وأنشطة تلحق الضرر بل وربما الاساءة للشعب والقضية ومعظم هذه الأنشطة تتم من قبل أفراد لا رؤية سياسية لديهم ويعملون إما بأنفسهم أو ضمن نشاطات لمؤسسات إسرائيلية تسعى من خلال أنشطتها إلى إثبات أن كل شيء على ما يرام وأن ما يدور من حديث عن المقاطعة هو مجرد هذيان من قبل فئات فلسطينية هامشية ٍ متطرفة ، والموقف الثاني يبلغ حد التشنج ورفض أي نشاط مشترك وعلى كافة الأصعدة حتى لو كان في ذلك مصلحة وطنية فلسطينية.
ولإلقاء مزيد من الضوء على هذا الموضوع فإنني أقول باديء ذي بدء أننا تجمعنا بالاسرائيليين معادلة علاقة مشتركة تتمثل في حالة اشتباك أو مواجهة في إطار صراع ونزاع مستمر نتعرض خلالها إلى هجوم سافر يستهدف طمس قضيتنا بإنكار حقنا في الوجود ونهب أرضنا من خلال أشرس هجمة استيطانية سعيا ً نحو تكريس الاحتلال والضم والتضييق على الفلسطينيين لحملهم على الرحيل ، ونحتاج إلى توظيف كل الطاقات والوسائل لمواجهة هذا الهجوم.
هذه المعادلة تفرض علينا العمل في اتجاهين: الأول هو المقاومة وبكل الوسائل المشروعة وفقا لميثاق الأمم المتحدة ، والثاني هو التحالف والعمل معا مع كل القوى الرافضة للاحتلال والاستيطان والتي تعترف بحق شعبنا في الحرية والاستقلال والسيادة على ترابه الوطني بما في ذلك بعض القوى على الساحة الاسرائيلية.
ومن الواضح أن فشل كل المحاولات لايجاد حل سياسي للصراع قد خلقت حالة لدى الأغلبية الفلسطينية تتسم بالحساسية والرفض لأي اتصال أو تواصل مع المجتمع الاسرائيلي بحجة أن هذا الاتصال أو التواصل يمكن أن يفسر بأنه إعطاء صفة الطبيعي للوضع الشاذ القائم ويضلل الرأي العام الدولي والداخلي بأن كل شيء على ما يرام!
وفي رأيي أنه لا بد من إيجاد خط فاصل يميز بين الاسفاف والتهافت وبين التشنج والرفض المطلق ، ويضع الأسس والضوابط لأي نشاط اسرائيلي فلسطيني مشترك للحيلولة دون استغلال هذا النشاط من قبل طرف واحد ضد الآخر ولمنع أي سوء فهم أو تفسير لهذا النشاط من قبل جهات أو أفراد يسعون بسوء نية لاثبات أن الوضع الحالي يمكن أن يتحول إلى حالة تعايش دائم دون إحداث التغيير المطلوب لاحقاق الحق الفلسطيني المسلوب.
الاشتباك مع الاسرائيليين
إن أي صراع أو نزاع بين أي طرفين لا ينتهي إلا بالجلوس على الطاولة والتوصل إلى اتفاق لانهاء الصراع أو النزاع سواء كان ذلك الجلوس بين طرف منتصر وآخر منهزم أو طرفين لم ينهزم أي منهما وإنما أدركا بأن لا نهاية حاسمة لهذا الصراع وأن للطرفين مصلحة مشتركة في إنهائه ، دون أن يكون هناك غالب ومغلوب.
وما دمنا نحن طرف في معادلة صراع مع الجانب الاسرائيلي فإن من مصلحتنا أن نجند عناصر أو شرائح من داخل المجتمع الاسرائيلي تدرك أن لا مناص من الاعتراف بالحق الفلسطيني وتشاركنا الرأي في رفض الاحتلال والاستيطان وتقر وتعترف بحق الشعب الفلسطيني في التحرر والدولة والحرية والسيادة. ومثل هذه القوى هي حليف لنا في الصراع لا يجوز لنا أن نهمله أو لا نمد أيدينا إليه والعمل معه. ومن بينها مؤسسات إسرائيلية تعنى بالديمقراطية وحقوق الانسان وتأخذ مواقف مبدئية ضد الاستيطان وقمع الحريات وخرق المباديء الأساسية لحقوق الانسان الفلسطيني ، ولها مصداقيتها حتى على المستوى العالمي سواء منها العاملة في القدس أو الضفة الغربية ، ولا أحد يستطيع أن ينكر دور هذه المؤسسات بل إننا نلاحظ كيف تحتل تقاريرها وأنشطتها صدر الصفحات الأولى في صحفنا المحلية، فهل نتجاهلها أو نرفض العمل أو التواصل معها لمجرد أنها مؤسسات إسرائيلية ، وهي نفسها تتعرض للضغط وتخوض حربا ً ضد المؤسسات اليمينية الاسرائيلية بما في ذلك أعضاء بالكنيست للتضييق عليها ومنع مصادر التمويل الأجنبي عنها بحجة أنها تعمل ضد الصالح الوطني الاسرائيلي.
أقول هذا وأؤكد بأن تحديد هذه القوى ليس بالأمر السهل ذلك لأنه حتى في معسكر القوى الاسرائيلية التي تتحدث هذه الأيام عن السلام مع الفلسطينيين وعن حل الدولتين توجد مؤسسات وأفراد تملك مفهوما ً لحل الدولتين يختلف اختلافا ً جذريا ً عن المفهوم بالحد الأدنى لدى الفلسطيني العادي. وهنا يكمن التحدي في عدم الوقوع في شرك بعض هذه المؤسسات ذات الأجندة الخاصة من جهة ، والعمل مع القوى الأخرى لايقاظها من أوهامها ووضعها أمام الحقيقة الفلسطينية التي تستند إلى الحق والاصرار عليه ، وإفهامها الثوابت الفلسطينية والحد الأدنى المقبول فلسطينيا لتحقيق انفراج حقيقي في الأزمة.
إن أحدا لا يستطيع أن يقلل من أهمية الرأي العام في مجتمع ديمقراطي يمارس تداول السلطة من خلال صناديق الاقتراع منذ عشرات السنين كالمجتمع الاسرائيلي ، ولذا فإن مخاطبة هذا المجتمع وتغيير الرأي العام فيه تبدو أمرا ً في غاية الأهمية. وهنا لا بد من التمييز بين مخاطبة الرأي العام على مستوى الأفراد والجماعات وبين العمل من خلال مؤسسات إسرائيلية ذات وجهة نظر مسبقة بل وتعمل بشكل ممنهج لاستمرار السيطرة على الرأي العام الاسرائيلي ودفعه في الاتجاه الذي تراه. ولا شك بأن المجتمع الأسرائيلي يتعرض إلى حملة غسيل دماغ مستمرة من قبل قوى اليمين المتطرف لاخضاعه لمفهوم الخوف المستمر من الفلسطينيين والتشكيك في نواياهم ، وهي تسجل نجاحات مستمرة في هذا الاتجاه مستغلة أية زلة لسان فلسطينية هنا أو هناك يتم نفخها وتضخيمها وتصويرها على أنها تعبر عن رأي الكل الفلسطيني الذي يضمر للاسرائيليين غير ما يعلن ، ويحاول تضليلهم تأهبا ً للانقضاض عليهم وتدميرهم.
ولذا فلا بد من مخاطبة الرأي العام الاسرائيلي وتحذيره من العواقب الوخيمة التي يمكن أن تجرها عليه سياسات قادته ، وتبديد أوهامه ومحاربة مخاوفه وإقناعه بأن لا مستقبل للاستيطان والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني وأن من مصلحته التخلي عن أوهام التوسع والاستيطان وإقامة علاقته مع الشعب الفلسطيني على أساس الاحترام المتبادل والرغبة الصادقة بالتعايش وعلى أسس أخلاقية وقيم إنسانية لا تقوم ولا تستمر المجتمعات بدونها ، وضرورة وقوفه إلى جانب الشعب الفلسطيني وخوض المعركة المشتركة ضد قادة التطرف والعنصرية في مجتمعه ، لأن مصلحته على المدى البعيد هي في العيش المشترك إلى جانب الشعب الفلسطيني كما كان الحال عبر قرون من الزمن حيث كان اليهود يتعرضون للاضطهاد والملاحقة في الكثير من أقطار العالم إلا في الدول العربية حيث عاشوا عصورهم الذهبية .
اللقاء الذي تم بالكنيست
وأقول بأن أي نشاط على مستوى المؤسسات يجب أن يتم في المكان والزمان المناسبين لكي لا يتم استغلاله في غير موضعه. فقد جاءت زيارة الكنيست مثلا في نفس الوقت الذي كانت تجرى لقاءات بواشنطن للاتفاق حول جدول أعمال المفاوضات وسط شكوك كبيرة حول جدوى هذه المفاوضات وإمكانية تحقيق انفراج فيها بسبب استمرار حكومة نتنياهو في سياساتها التي تنسف فرص السلام ، ودون أن تكون هناك أية مؤشرات على حدوث أي تقدم في هذه اللقاءات. وبدلا ً من الاستمرار في البحث عن الوسائل الممكنة للضغط الدولي على إسرائيل وتطوير الموقف الأوروبي الأخير بشأن مقاطعة المستوطنات لحمل إسرائيل على التعامل بجدية مع العملية السياسية ، جاءت هذه اللقاءات وكأنها تبشر بأن هناك تأييدا واسعا بالكنيست الاسرائيلي لحل الدولتين ، وأن هناك تغييرا طرأ على موقف نتننياهو نفسه بقبوله مبدأ حل الدولتين. وبالتالي فإن من الممكن القول بأن هذا اللقاء الذي ضم عضوا من اللجنة المركزية لفتح وعضوا في المجلس الثوري والتشريعي ووزير سابق كان مفيدا لو تم في غير هذا التوقيت والمكان.
فصحيح أن هناك لجنة في الكنيست تسمى لجنة ترويج حل الدولتين برئاسة عضو الكنيست الشاب حيليك بار من حزب العمل ولكن مفهوم هذه اللجنة لحل الدولتين يختلف تماما عن مفهوم غالبية الشعب الفلسطيني وكان الأجدر إجراء حوارات مع أعضائها لتوضيح وجهة النظر الفلسطينية وإحداث تغيير في مواقفهم ولكن ليس بالكنيست وبدون طقوس وأجواء احتفالية تسهم في تضليل الرأي العام أو استفزازه.
فالمطلوب هو البحث عن القواسم المشتركة بين حل الدولتين الذي يمكن أن يقبل به الشعب الفلسطيني وحل الدولتين الذي يتحدث عنه الاسرئيليون ويروجون بأن أكثر من 65% منهم يقبلون به. لأن الدولة الفلسطينية في ذهن غالبية هؤلاء الاسرائيليين هي دولة مسخ غريبة لا تسمن ولا تغني من جوع. وعلينا حين نبحث عن شركاء اسرائيليين يناضلون إلى جانبنا من أجل حل الدولتين أن نقيم هذا البحث على أساس الحل الذي يضمن قيام الدولة على خطوط الرابع من حزيران في قطاع غزة والضفة الغربية بما في ذلك القدس وأن نجعل من ذلك قاعدة الانطلاق المشتركة للطرفين .
التطبيع
ولا بد من التنويه هنا إلى موضوع التطبيع. فالتطبيع في رأيي هو إعطاء صفة الأمر الطبيعي المسلم به لأية حالة لم تكن طبيعية في الأصل. ويقنا ً أن النقاش والجدل مع الاسرائيليين بغية تطوير مواقفهم وحملهم على التأثير في موقف الدولة التي تنطق باسمهم لا يمكن تسميته تطبيعا بأي حال من الأحوال. ولكن التطبيع هو المشاركة في الأنشطة والاحتفالات من قبيل المجاملة ، والترويج للمؤسسات الاسرائيلية التي تستهدف أسرلة القدس وتتخذ لنفسها مسميات مزدوجة عربية تخفي وراءها الأسماء الحقيقية العبرية ، والتطبيع الاقتصادي من خلال فتح الأبواب على مصراعيها أمام المنتجات الاسرائيلية والسماح بالترويج والدعاية التجارية لهذه المنتجات وعلى أوسع نطاق.
إن من يدخل أي متجر في الضفة الغربية ليجد البضائع الاسرائيلية وعلى رأسها الكماليات من المواد الزراعية او المصنعة تتصدر رفوف المتجر وتملأ سلال وعربات الشراء التي يحملها أو يجرها وراءه المشتري الفلسطيني دون أن يكلف نفسه عناء التفكير في مصدر هذه المنتجات وما إذا كان يستطيع العيش بدونها ، فالمؤسف أن هناك طبقة استهلاكية مترفة لا يهمها المصدر بقدر ما تهمها المتعة في الحياة ، وعلى مناوئي التطبيع أن يفحصوا قوائم مشترياتهم اليومية حين يتوجهون إلى الأسواق قبل أن يعلنوا مواقفهم.
وفي المحصلة النهائية فإننا بحاجة ماسة إلى حوار وطني مسؤول ، بدون أية مزاودة أو تشنج ، للتوصل إلى رؤية واحدة وموحدة لمفهوم التطبيع ، والتوقف عن خوض المعارك «الدونكيشوتية» بينما نغفل أو نغض النظر عن أمور في في جوهر التطبيع والأسرلة. ونحن بحاجة ماسة ٍ أيضا إلى وضع ميثاق شرف للغة الخلاف والحوار لكي لا تظل فئة قليلة معروفة معدودة ً على الأصابع تبهرنا كل يوم في إبداعاتها الكلامية وموهبتها في الردح والشتم دون وازع أو رادع.
«حماس» وإيران والربيع العربي
بقلم: الدكتور أحمد يوسف – القدس
عندما بدأت ثورات الربيع العربي كان اهتمام السياسة الإيرانية يتركز حول ما يحدث في البحرين، وحاولت - من حين لآخر - ربطه بباقي أشكال الحراك القائمة في المنطقة؛ باعتبار أن ما يجري هناك هو تعبير عن تحركات احتجاجية ضد سياسات الظلم والاستبداد وهدر الحريات والكرامة الإنسانية, وربما أكثر من ذلك كون البحرين تقطنها أغلبية شيعية وحظوظها في الحكومة والبرلمان لا تعكس نسبة تعدادها السكاني الذي يتجاوز الـ60%, كما أن ثروات البلاد تتحكم بها الأسرة الحاكمة, والتي يعتبرها البعض أنها مجرد تابعية للمملكة العربية السعودية.
قد تكون إيران أصابها بعض الارتياح لما كان يقع في تونس وليبيا ومصر واليمن, كونها جمهوريات لها مواقف سلبية تجاه إيران, وهي تقع في دائرة الولاء والتبعية للغرب, وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية, وبالتالي فإن سقوط تلك الأنظمة وظهور أنظمة كان فيها للإسلاميين حضوراً فاعلاً ربما يفتح المجال لعلاقات جديدة تُسهل من مهمة دخول إيران الدولة على خط السياسة العربية، وبناء تحالفات قوية تضعف من مكانة الملكيات القائمة في دول الخليج، والتي تمثل المحور المعادي للسياسة الإيرانية، والمحرض الأول لدول المنطقة لاتخاذ مواقف تقطع الطريق أمام إيران من التوغل داخل الخريطة العربية وإقامة علاقات أو تحالفات استراتيجية مع دولها.
وفجأة جاء الدور على سوريا..!!
لم يدر بخلد الإيرانيين أن أهم معقل لهم بمنطقة الشرق الاوسط على مستوى الدولة سوف تصل إليها رياح الحراك الشعبي ومطالب الإصلاح والتغيير والديمقراطية, ويصبح فجأة - وبدون مقدمات - في دائرة الاستهداف, وتنشط بعض دول الخليج عبر فضائياتها العملاقة بتوجيه شاشاتها إليه.
هنا أدرك الإيرانيون الخطر, وشعروا بأن المؤامرة أكبر من سوريا، وإن كانت جذوة الأحداث ومسرح العمليات تقع داخل أراضيها.
لا شك أن إيران كانت تتعرض لهجمات عدائية عاتية من قبل الغرب تستهدف استقرارها واقتصادها وأمنها الداخلي، حيث التهديدات الإسرائيلية بضرب منشاءاتها النووية لم تتوقف, والتحركات الأوربية للإطاحة باقتصاداتها النفطية مستمرة, كما أن الاتهامات الأمريكية والأوروبية لها بدعم الإرهاب هي بهدف شيطنتها وتوفير الذرائع للتشهير بها وتشويه مكانتها المتميزة بالمنطقة, إضافة لعملها الدؤوب لكسر تحالفاتها مع قوى الممانعة، والتي كانت سوريا هي أحد أهم أركانها، وكذلك حزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي.
لقد تحسست إيران حجم الخطر الذي يتهددها، والمحاولة المستميتة لعزلها من خلال العمل لقصقصة أجنحة حلفائها في المنطقة.. لذلك، لم تتأخر في حسم موقفها تجاه دعم النظام السوري, بالرغم من وجود قناعة بأن بشار الأسد لم يلتزم الوفاء بوعوده الإصلاحية، وأن السياسة في سوريا تتحكم بها أجهزته الأمنية، وأن فضاء الحريات داخل سوريا محدود, وأن الطائفة العلوية تحظى بامتيازات ومكانة خاصة جعلتهم يتحكمون بمفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية، ويتواجدون في كل أماكن الحكم وسلطة القرار، وبشكل مثير ومستفز لباقي الطوائف والمستويات السياسية داخل حزب البعث؛ التنظيم المهيمن على معظم أشكال الحياة السياسية والمعيشية في سوريا.
لقد كانت وجهة نظر الإيرانيين أن المطلوب عمله - الآن - هو حماية النظام واستمرار بقائه, ويمكن لمطالب الإصلاح والتغيير والتجديد أن تتأخر وتأتي لاحقاً، لأن ما يجرى هو في الحقيقة "مؤامرة غربية" هدفها إخراج سوريا من معادلة الصراع مع إسرائيل, وتحطيم قدرات جيشها من خلال إشغاله بمقاتل جانبية، حتى لا تبقي لسوريا الدولة إلا الأطلال ليبكي عليها من يشاء.
من هنا, حاولت إيران ومخططو السياسة فيها التحرك بقوة للحفاظ على الدولة السورية من الانهيار، وعملت في كل اتجاه لتعبئة وحشد جميع حلفائها للوقوف معها في الدفاع عن بشار الأسد, ونجحت في إقناع الرئيس بوتين وأركان دولته من السياسيين والعسكريين بموقفها في أهمية حماية النظام في سوريا؛ باعتبار أنه آخر حليف قوي لروسيا في المنطقة العربية.
كما هيأت الأجواء من خلال الماكينة الإعلامية الموالية لها لشنِّ حملة مضادة تواجه بها الفضائيات الممولة خليجياً، مثل: الجزيرة والعربية ويورونيوز.. لذلك, وجدنا فضائيات مثل العالم والمنار والميادين تقدم هي الأخرى تغطيات منحازة لجهة الموقف الإيراني، الذي يرى أن الصراع في سوريا إنما هو مؤامرة غربية هدفها الإطاحة بجبهة الممانعة لصالح إسرائيل, واستنزاف قدرات الجيش العربي السوري, وكذلك جرُّ حزب الله إلى أتون ذلك الصراع وإرباك حركة أولوياته وحرف مساراتها من مهمة الإعداد والاستعداد لأية حروب قادمة مع إسرائيل إلى التورط في المعارك الطاحنة على الأراضي السورية.
«حماس»... بيضة القبان وحجر الرحى
في بداية الأحداث والتظاهرات السلمية التي وقعت في سوريا عام 2011م، حاولت حماس التدخل لمنع استشراء الحراك الشعبي وتطوره في اتجاه الثورة الشعبية, ولذلك قامت باللقاء مع الرئيس بشار الأسد وبالعديد من قيادات الأمن السوري لتقديم الرأي والمشورة واسداء النصيحة, ولكن بعدما تأكدت الحركة ممثلة برئيس مكتبها السياسي الأخ خالد مشعل بأن كل خيارات النظام هي مع الحل الأمني, قررت الرحيل بهدوء عن سوريا، لأن استمرار بقاء مكتبها السياسي في دمشق سيشكل لها عبئاً أخلاقياً وقد يحرجها كثيراً أمام أنصارها وحلفائها وبين شعوب أمتها العربية والإسلامية، خاصة مع تعاظم القتل ومجازر الدم.. من هنا، قررت مغادرة سوريا والبحث عن مواطن استقرار أمنة لقياداتها.. لذلك، بدأت بالابتعاد عن دمشق, وحطت رحالها في أكثر من عاصمة عربية وإسلامية, ووجد قادتها بعض الساحات التي فتحت لهم المجال الآمن للإقامة الهادئة، وبشرط العمل بسرّية وبدون ضجيج إعلامي.
إن هذا الموقف الذي اتخذته حركة «حماس» لم يعجب – بالطبع - الإخوة في إيران, وحاولوا في البداية إقناع حماس بأن ما يجري هو مؤامرة مخطط لها ضد جبهة الممانعة، وأن هدفها هو رأس المقاومة ممثلة بحزب الله وحركة حماس.
كانت لحركة حماس رؤية أخرى لتفسير كل ما يجري وهي أن القضية لا تخرج عن سياق ما يدور داخل المنطقة من تحركات شعبية وتعبيرات احتجاجية لا تخرج عن تطلعات الشعوب ورغباتها في الإصلاح والتغيير والديمقراطية؛ أي أنها كلها ثورات تبحث فيها الشعوب عن الحرية المسلوبة والكرامة الإنسانية الضائعة في متاهات الأنظمة الدكتاتورية أو الملكيات الدائرة بتبعية مذلة في فلك الغرب.
لم يلق هذا الموقف الذي اتخذته حماس ممثلة في مكتبها السياسي – آنذاك - تفهماً إيرانياً, وتوترت العلاقة بينهما، بعدما لجأ الإخوة في إيران إلى اعتماد سياسة الضغط و"ليِّ الذراع"، وذلك من خلال تقليص الدعم المالي لحماس (الحركة والحكومة) أو التوقف عن تقديمه, حيث إن إيران تعلم أنها هي الممول الأهم للحركة، وأن باقي أشكال الدعم الذي يصل لحماس لا يمكن أن يقارن أو يغطي غياب دعم إيران البالغ السخاء، قياساً بالدعم الذي تجود به - أحياناً - بعض الدول العربية والإسلامية أو حتى الحركات الإسلامية ومؤسساتها المنتشرة حول العالم.
ظلت حماس على موقفها الأخلاقي الثابت بتغليب المبادئ على المصالح, وكانت أحياناً تقوم بتوجيه النقد للنظام السوري؛ بسبب المجازر الفظيعة وحمامات الدم التي يرتكبها النظام وأجهزته الأمنية تجاه القرى والبلدات التي تحتضن الثورة والثوار.
حرب حجارة السجيل
كان صمود قطاع غزة في وجه العدوان الإسرائيلي, والضربات التي وجهتها المقاومة الفلسطينية للعمق الإسرائيلي في سابقة لم تحدث في تاريخ هذا الصراع, إيذاناً بإعادة إيران لحساباتها ومواقفها تجاه حركة حماس.. صحيحٌ أن لإيران الكثير من الفضل في دعم إمكانيات حركة حماس العسكرية وتطوير قدرات كوادرها الأمنية, وتوفير التكنولوجيا التي سمحت لكتائب القسام بتصنيع صواريخها التي طالت مدن تل أبيب والقدس الغربية, وشكلت تهديداً استراتيجياً لهذا الكيان الإسرائيلي الغاصب.
لقد وجدت إيران في هذا التطور النوعي على مستوى الصمود والتحدي والجسارة في المواجهة العسكرية مع إسرائيل لحركة حماس شيئاً يتطلب منها إعادة تصحيح مسار علاقاتها مع الحركة, فعاودت تقديم الدعم المالي من جديد, وإن كان لها بعض العتب على رئيس المكتب السياسي الأخ أبو الوليد الذي حاول في أحاديثه الصحفية اختصار أو تجاهل دور إيران فيما تحقق للمقاومة من صمود وانتصار.
شركاء في المغنم والمغرم
مع حجم الدمار الذي لحق بسوريا، والنكبة التي حلت بالفلسطينيين المقيمين فيها, وعجز المجتمع الدولي عن القيام بأي دور يؤدي إلى وقف شلالات الدم والخراب الذي طال كل الأماكن في سوريا، وأحال هذا البلد العزيز على قلوبنا جميعاً إلى كارثة إنسانية يندى لها جبين الأمتين العربية والإسلامية، لبشاعة ما لحق بالأهل في سوريا من قسوة ودمار، أدى لأوسع حركة تهجير ولجوء لدول الجوار في تركيا والأردن ولبنان، وأيضاً لجمهورية مصر العربية.. إن هذه الوقائع المأساوية والأحداث الدامية التي تجري داخل ساحة الصراع في سوريا تعتبر هي الأفظع والأشد همجية في تاريخنا المعاصر.
وفي ظل وضعية الضعف والتآكل الذي أوهى عظام أمتنا, والهوان الذي لحق بها, أدركت حركة حماس والإخوة في إيران ضرورة القيام بعمل شيء ولو حتى خارج نطاق خلافهما السياسي حول الملف السوري, حيث إن هناك مصالح مشتركة بين الطرفين يمكن التفاهم حولها والعمل باتفاق من أجلها؛ أي على قاعدة: "نعمل فيما اتفقنا عليه, ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلافنا فيه".
وفي سياق ما جرى داخل منطقتنا العربية وعلى ساحتنا الفلسطينية, فإن المراجعة للوقائع والأحداث تطرح أمام كل ذي عينين مشهداً يدفعنا إلى إعادة النظر في كل ما سبق من حسابات كانت حينها مفرطة في التفاؤل حول الربيع العربي، وأن المسألة ربما - في بعض مساراتها – قد تحقق معها شيئاً من الطموح والأمل وأصابت بعض الخير, ولكن المحصلة النهائية - حتى اللحظة - هي أن إسرائيل والغرب يبدو أنهما هما الطرفان الأكثر استفادة من جني ما تحقق من كسب وتغيير جراء الربيع العربي.
لقد نجح الغرب وإسرائيل وبعض حلفائهم العرب في المنطقة من تحويل حلم الأمة إلى كابوس مزعج، أصاب – بلا شك - هيبة وسمعة وموقع قوى الإصلاح والتغيير الحيَّة في الأمة؛ ألا وهم الإسلاميون, وهذا ربما يدفع بأصحاب الوسطية الإسلامية الى الانكماش والتراجع والكمون للوراء لسنوات أخرى قادمة، لحساب تيارات أكثر تطرفاً واندفاعاً نحو التشدد وسفك الدماء, باعتبار ما سوف يراه البعض أنه مسيرة فاشلة لأصحاب النموذج الإسلامي في الحكم، واتهامهم بأنهم لم يكونوا على مستوى تطلعات الجماهير أو الوعود التي قدموها لها، وأنها قد أصيبت بانتكاسة بعد أن منحتهم أصواتها وقدمت التضحيات الكبيرة من أجل نجاحهم في الوصول إلى سدَّة الحكم.
اليوم, يظهر جلياً في طرفي معادلة الصراع حجم التآمر الذي تمَّ لإجهاض هذه الثورات من ناحية, والجهد الذي بذلته بعض التيارات العلمانية لإخراج الإسلاميين من الحكم، وإظهارهم كطرف خاسر لا يمكن المراهنة عليه من ناحية أخرى.
لقد تمكن المتآمرون في الدوائر الغربية على ثورات الربيع العربي، والمتواطئون معهم من أبناء جلدتنا، من تحطيم ما لدى الأمة من قدرات, وتوسيع شُقة الخلاف والتباين ما بين الإسلاميين والعلمانيين, وتعميق جذور العداء والكراهية بينهما من جديد, بعدما اعتقدنا - نحن الإسلاميين - أننا ومن خلال الشراكة السياسية يمكننا خلق فضاءات مريحة للتعايش السياسي، وتكييف علاقة إدارة شئون الحكم بالشكل الذي يضمن حماية مستقبل أوطاننا وقدرات أمتنا.
هل كان الإيرانيون على حق.؟
يقولون إن العبرة بالخواتيم، وأن كل المؤشرات الحالية لا تبشر بالخير، بالرغم أن المطلوب منا أن نكون متفائلين دائماً.. كانت إيران تحذر بأن ليس كل ما يجري يبعث على الاطمئنان، فهي تشتم رائحة مؤامرة تحاك هدفها ضرب رأس المشروع الإسلامي وشل قدرات الفعل المقاوم وركائزه العسكرية الداعمة في المنطقة، وأن الذي تتعرض له سوريا تحت ستار الحراك الشعبي إنما يخفي معه أهدافاً أخرى ذات أبعاد خطيرة وقاتلة.
كانت إيران ترى وتحاول إقناع حلفائها الاستراتيجيين في المنطقة بأن دوافع حركات الاحتجاج الشعبي ربما تقف وراءها نوايا طيبة، ولكن هناك من يرقب ويتربص لاقتناص اللحظة التي يخلط بها الأوراق وتحويل المسار من حراك سلمي مطالب بالإصلاح والتغيير - لا يختلف عليه اثنان - إلى مواجهات عنفيّة تسمح بالاختراق واشعال فتيل الانفجار.
كان الإيرانيون يقولون إن الاجهاز على المقاومة، حماس وحزب الله والجهاد الإسلامي هو الهدف، وتحطيم سوريا الدولة هو هدف آخر، حيث ستخلو الساحة لإسرائيل للهيمنة عسكرياً على المنطقة، ولإعادة ترسيم جغرافيا الحدود والانتماءات السياسية والأيدولوجية بالشكل الذي يحفظ للغرب مصالحه الحيوية وامتيازاته في مجال النفط والغاز.
ربما الشيء الذي لم يقله راسم السياسة في طهران هو أن تحقيق مثل هذه الأهداف معناه تحويل إيران الدولة إلى جسد بدون أطراف، وساحة مفتوحة للاستهداف.. لذلك، ومن خلال مخرجات مشهد الربيع العربي وتزامن الحراك الشعبي المصاحب له يمكننا فهم هذه العودة الراشدة للتواصل بين حماس وإيران، والتي تمثل صوت الحكمة والعقل لإنقاذ ما يمكن انقاذه، وإعادة ترتيب الأولويات على ضوء ما نشاهده من نتائج، فالذي لا يحسن قراءة حاضرة لن يتمكن من صناعة مستقبله.. وفي السياسة – كما تعلمنا - ليس من الضروري أن نتفق في كل شيء، ولكن يجب ان نتوافق على كل شيء.
"حماس" وإيران "عودة الابن الضّال"
بقلم: أكرم عطا الله – الايام
لم نكد ننتهي من قراءة تداعيات مغادرة "حماس" للمحور الإيراني حتى فاجأتنا الحركة بعودتها إلى المائدة الإيرانية بعدما بدا أنه طلاق هادئ أكدته جملة من تصريحات مسؤوليها بانحسار الدعم الإيراني، وذلك حين تبدي أن حركة حماس حسمت أمرها ضد النظام السوري "قلب ذلك المحور بعد إعلانه كعدو من قبل حركة الإخوان المسلمين، وتزامن ذلك مع اتهامات سورية لحماس بالمشاركة مع المعارضة والتدخل في الشأن السوري وكان سبق ذلك موقف هو الأكثر وضوحا وأعلنه نائب رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية من الأزهر يعلن وعمه "للثورة السورية".
شهد الأسبوع الماضي جملة من اللقاءات بين مسؤولين من "حماس" ومسؤولين من حزب الله وإيران بعضها سري وبعضها علني خلال وليمتي إفطار؛ الأولى دعا إليها الحزب اللبناني والأخرى تمت في بيت السفير الإيراني في بيروت كانت هذه اللقاءات تمهد لعودة الحركة الفلسطينية إلى ذلك المحور بعد بيان الطلاق الذي أعلنت خلاله موقفا حاداً حين اندفعت خلف حركة الاخوان المسلمين لتطالب حزب الله سحب قواته من سورية في حزيران الماضي.
بقى تيار في حركة حماس لم يكن متوافقا مع انتقالها السياسي، لكنه تيار ضعيف بالكاد تمكن من تعليق لافتات في غزة بعد العدوان الأخير يعبر فيها عن شكره لإيران فيما كانت قطر تفتح أذرعتها لاحتضان الحركة فقد كانت الدوحة تقوم بعملية إزاحة وإحلال لطهران من قطاع غزة ومن حسابات المكتب السياسي للحركة الذي كان يغير تحالفاته بسرعة كبيرة صحيح أن التغيير في المنطقة كان هائلا لكن انتقال تحالفات الحركة من طهران للدوحة كان سريعا فالتغيير لم يكن ينتظر التبرير وكأن قطارا جديدا على وشك أن يقلع في المنطقة ولم يبق سوى مقعد واحد في مقصورته الأخيرة وهنا كانت حركة حماس مع هذه التغييرات تدخل لعبة المحاور الإقليمية ومربعاتها الخطرة وما بين طهران والدوحة كثير من الاختلاف، ومن الأسئلة التي كانت بحاجة لتفسير أكثر ومع الزمن ولعبة المحاور وتبدلات الإقليم تجد حماس نفسها أمام حالة من الارتباك وخصوصا بعد القاهرة مشتتة بين خصومات تنهال عليها من العواصم.
دخلت حماس بقدمها اليسرى إلى ملعب السياسة معتقدة أنها تحترف اللعب دون تدريب فبدأت تجري في الملعب وسط اندهاش المراقبين وجمهور المتفرجين والمحللين لأن الكرة هي من كانت تتلاعب بحركة حماس وليس العكس لتجد نفسها على خصومة مع كل الإقليم وعليها أن تجري مصالحات مع نصفه حتى تعود لطبيعتها الأولى مع حزب الله، مع سورية، مع إيران ومع حركة فتح ومع الجيش والدولة المصرية فيما كان خصمها الفلسطيني أكثر هدوءا في حركته السياسية لم يقطع مع الإخوان داعمي منافسه عندما وصلوا للحكم وعاد يكسب النظام السوري الذي قدر حياده تجاه أزمته فيما كانت حماس تكتشف أن دمشق محتلة ويجب تحريرها من سيطرة الأسد.
حماس دعمت ثورة "لتحرير" سورية من الجيش السوري، والآن تريد تحرير مصر من الجيش المصري وهذا خارج منطق الأشياء والمصالح الفلسطينية وخارج الرصانة الأيدلوجية التي ميزت حماس حين كانت بعيدة عن حسابات السياسة عندما تفردت دون غيرها في الساحة الفلسطينية بالحياد الإيجابي أثناء قيام صدام حسين باحتلال الكويت فيما اندفع آخرون بتأييده ليدفع الشعب الفلسطيني فاتورة ذلك الانحياز وقد كانت كبيرة .. وكبيرة جدا.
يفترض أن الخماسية التي كان على حماس أن تجري معها مصالحات بدءا من حزب الله ومرورا بالدولة المصرية وأبو مازن عناصر قوة حركة حماس وحلفاءها الوطنيين والقوميين والإقليميين من أجل استكمال مشروع تحرير فلسطين وليسوا خصومها فكيف تحول كل هؤلاء مضافا إليهم دمشق وطهران إلى خصوم؟ وأليس هذا مدعاة للتساؤل حول صناعة السياسة لدى حركة حماس وخصوصا في السنوات الأخيرة هل يتم صياغتها ارتباطا بمصالح الشعب الفلسطيني أم بمصالح حركة الأخوان المسلمين والتي بدا أن تبدلات المواقف لدى حركة حماس تمت بعد تغييرات الإقليم وتصدر حركة الأخوان للمشهد في المنطقة العربية وأهمها القاهرة وخصوصا في الملف السوري عندما أعلنت حركة الأخوان المسلمين عن تشكيلها قوات "للجهاد" في سورية كانت حركة حماس بعدها مباشرة تطالب قوات حزب الله بالانسحاب من سورية والآن يتكرر الأمر في القاهرة وإن كان في كلا الموقفين ما يعرض الفلسطيني للملاحقة ورفع الغطاء عنه في عاصمتين اعتبرتا الأكثر دعما للقضية الفلسطينية وترجمت هذا الدعم بأعز ما تملك من شبابها وبجيشين وقعا بالدم على عريضة دعم فلسطين وكان التاريخ شاهدها الأبرز والميادين والشوارع لكن مصالح حركة الإخوان تعارضت في هذه اللحظة حد العظم مع هذه الجيوش.
هل يمكن لمن يجد نفسه في خصومة مع كل هؤلاء دفعة واحدة أن يكون صانع سياسة فلسطينيا؟ وهل يمكن لمن يتسبب في فتح هذه النيران على نفسه أن يتقدم باتجاه مشروعه ؟على الأقل إيران وحزب الله احتفظا بالموقف الصامت إلى ما قبل مصالحة إفطار الثلاثاء الماضي في منزل السفير الإيراني في بيروت والذي لم يتمكن من إنجاح مصافحة بين السفير السوري وعلى بركة ممثل حركة حماس الذي كانت تتجه إليه كل الأنظار والتي بدت كما وصفتها جريدة السياسة "مركبا من الإيحاءات التي تعكس ضمنا شماتة بالحركة يوصفها الابن الضال الذي يسعى للعودة للمحور الإيراني".
لا يمكن التقليل من حجم الاهتزاز الذي تعرضت له حركة حماس إثر سقوط تجربة الإخوان المسلمين إلى الحد الذي يمكن أن يفقدها توازنها في لحظة ما فيزيد على أخطاء السياسة الخارجية على مستوى الإقليم أخطاء أخرى على مستوى الإدارة كأنما النجاح يمهد للنجاح كما يقولون، والخطأ يجر أخطاء أخرى. هكذا تبدو الأمور على الأقل للمراقب لسياسة حماس هذا الأسبوع في قطاع غزة من إغلاق مكاتب وكالة معا الإخبارية وقناة العربية وكذلك احتجاز صحافيين ومنع تظاهرة للمرة الثانية كانت هدفها الاحتجاج على قانون برافر الإسرائيلي وتضامن مع الفلسطينيين في النقب.
حركة حماس بحاجة لمراجعة شاملة لسياستها وبحاجة إلى الإجابة عن سؤال الهوية والانتماء هل للوطنية الفلسطينية أم للإخوان المسلمين؟ فأربعة من خمسة ممن خسرتهم حماس بسبب مصالح الإخوان وليس بسبب المصلحة الفلسطينية وهذا سؤال كبير وإذ كان الأمر كذلك يصبح من الضروري توطين حركة حماس وليس أخونة فلسطين فالإخوان جزء من لعبة المحاور لكن فلسطين يجب أن تكون باستمرار حالة اجماع فهي بحاجة لكل العواصم والمحاور.
مفاوضات بطعم العلقم
بقل: د.سفيان ابو زايدة – معا
بعد ثلاث سنوات من القطيعة التفاوضية بين الفلسطينيين و الاسرائيليين و افق الرئيس عباس على العودة الى طاولة المفاوضات التي بدأت من الناحية العملية في واشنطن قبل يومين. القرار لم يكن سهلا في ظل التنازل الفلسطيني عن اهم سبب في تعطيل هذه المفاوضات طوال الفترة السابقة و هو الاستيطان، اضافة الى عدم قبول نتنياهو بأن تكون المفاوضات على اساس حدود 67 و الافراج المسبق عن كافة الاسرى القدامى.
عاد الفلسطينون الى طاولة المفاوضات مجبرين في ظل عدم قناعه من كافة الفصائل تقريبا و في ظل تشكيك يصل الى حد اليقين انها لن تفضي الى اتفاق يحقق الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية. عاد الفلسطينيون الى المفاوضات في ظل انقسام طولي و عرضي يذبح بلا رحمه في الجسد الفلسطيني النازف منذ سنوات.
التشاؤم في الجانب الفلسطيني غير مسبوق، ليس فقط مقصورا على اولئك الذين يرفضون المفاوضات من حيث المبداء او اولئك الذين يعترضون على الشروط المجحفه التي على اساسها تم استئناف هذه المفاوضات، التشاؤم يشمل ايضا حتى الذين يدعمون قرار العودة لطاولة المفاوضات بما في ذلك المفاوضين انفسهم. لم اسمع فلسطيني واحد مقتنع بأنه في نهاية التسعة الشهور سيكون هناك اتفاق يقود الى دولة على حدود 67 و عاصمتها القدس الشرقية و حل عادل لقضية اللاجئين وفقا لقرارات الشرعية الدولية.
ليس هناك فلسطيني واحد مقتنع ان نتنياهو سيعرض على الرئيس عباس اكثر مما عرضه باراك على الرئيس الرمز ياسر عرفات في واشنطن عام 2000، الموقف الاسرائيلي ابعد بكثير من هذه النقطة. ليس هناك قناعة ايضا بأن يعرض نتنياهو على الرئيس عباس ما عرضة اولمرت عام 2008، نتنياهو ابعد من ذلك بكثير. ليس فقط نتنياهو و حكومته اليمينية بعيدين جدا عن هذه النقطة بل ايضا الوضع الفلسطيني اسوء بكثير مما كان عليه اثناء مفاوضات كامب ديفيد او مفاوضات انابولس.
السؤال الذي يطرح نفسه، اذا كانت الادارة الامريكية غير متفائلة و تتحدث عن مفاوضات صعبه و ان الاسرائيليين في غالبيتهم العظمى سواء كان على صعيد القيادات السياسية او الرأي العام لا يثقون و لا يتوقعون ان تحقق هذه المفاوضات اتفاق سلام مع الفلسطينيين، و اذا كان الغالبية العظمى من الفلسطينيين سواء على صعيد الفصائل او القيادات او الرأي العام غير مقتنعين و لا يثقون في اسرائيل بأنها ستقدم اي شيئ في هذه المفاوضات يكون كافي لكي يقبل به الفلسطيني كحد ادنى من حقوقه المشروعه، ماهي مصلحة كل طرف في العودة الى طاولة المفاوضات؟
اولا: المصلحة الاسرائيلية
بلا ادنى شك فأن اسرائيل هي الطرف الاكثر استفادة من العودة الى طاولة المفاوضات ، ليس لانهم تواقون الى السلام او جاهزون لتقديم تنازلات للفلسطينيين ، بل لان اسرائيل عانت في السنوات الاخيرة من توقف العملية السياسية التي كانت تشكل لها غطاء لممارساتها الاستيطانية. خلال السنوات الماضية تم توجيه الكثير من الانتقادات لسياسة الحكومة الاسرائيلية و ممارساتها على الارض ، خاصة في مدينة القدس التي تتعرض الى عملية تهويد متواصله. العودة للفاوضات، حتى و ان كانت شكلية، يريح الاسرائيليين من الضغط الدولي، خاصة الاوروبي، سيما ان اوروبا اتخذت الكثير من الخطوات التي اوجعت الاسرائيليين و التي كان آخرها حرمان منتوجات المستوطنات المصدرة لاوروبا من الاعفاءات الضريبية و في نفس الوقت الزام اسرائيل بوضع علامة تحدد فيها ان هذه المنتوجات قادمة من المستوطنات .
اسرائيل من اكثر المستفيدين من استئناف المفاوضات، خاصة نتنياهو الذي اتهمه خصومه دوما بأنه ومن خلال مواقفه المتشددة يضر بمصلحة اسرائيل، العودة الى طاولة المفاوضات دون ان تستجيب اسرائيل لكل الضغوطات الدولية ، و على رأسها وقف الاستيطان في المناطق المحتله عام 67 يعتبر انتصار لخط نتنياهو المتشدد.
التنازل الجزئي الوحيد الذي قدمه نتنياهو هو الافراج عن الاسرى الفلسطينيين القدامى على اربعة مراحل.
ثانيا: المصلحة الفلسطينية
الجانب الفلسطيني وافق مكرها على العودة الى طاولة المفاوضات لثلاثة اسباب رئيسية، الاول، بسبب الضغوطات الامركية و الدولية التي مورست و التي لم تمارس بنفس القدر على نتنياهو الذي لم يتزحزح تقريبا عن موقفه. و السبب الثاني ان الرئيس عباس لا يملك اي خيار آخر في هذه المرحلة في حال رفضه هذه المفاوضات. رفض العودة الى طاولة المفاوضات سيكون له استحقاقات سياسية و اقتصادية قد تؤدي الى تقويض السلطة وربما انهيارها.
اما السبب الثالث فهو ان الرئيس عباس يدرك ان نتنياهو لا يملك شيئ و انه لن يحصل على اي شئ حقيقي من هذه المفاوضات و لكنه لا يريد ان يكون السبب او يكون الفلسطينيون هم السبب في تعطيل هذه المسيرة. هذا الامر لو حصل سيريح نتنياهو و سيعفيه من اي مسؤولية و سيقع اللوم كله على الجانب الفلسطيني في تعطيل عملية السلام.
ثالثا: المصلحة الامريكية
الادارة الامريكية التي كلفت وزير خارجيتها جون كيري بأدارة هذا الملف تعتبر ان استئناف المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني و الاسرائيلي هو مصلحة امريكية من الدرجة العليا. مجرد استئناف المفاوضات حتى بدون ان يكون هناك تقدير على انها ستقود الى اي شيئ حقيقي هو خطوة مهمة لعدم ترك فراغ في المنطقة.
ليس هناك ادنى شك بأن الادارة الامريكية قلصت كثيرا من تفاعلها مع ما يجرى من احداث و تطورات في الساحة الشرق اوسطية بالمقارنه مع السنوات الماضية و ان التركيز اكثر هو على الوضع الداخلي، لكن ما زالت تتحمل الكثير من المسؤوليات ، خاصة عندما يتعلق الامر باسرائيل.
اهمية العودة الى طاولة المفاوضات بالنسبة للامريكان هو اولا لملئ الفراغ السياسي الذي يسود هذا المسار منذ اكثر من ثلاث سنوات، و الامر الاخر هو للتأكيد على ان امريكا ما زالت هي القوى الاعظم المسؤولة عن ادارة النزاعات الاقليمية و الدولية. و الامر الثالث وهو التأكيد للراي العام الامريكي، و على رأسهم اللوبي الصهيوني ان ادارة اوباما نجحت في جلب الفلسطينيين الى طاولة المفاوضات دون ان تضغط على اسرائيل في القضايا الجوهرية، خاصة قضية الاستيطان.
على اية حال، القاسم المشترك بين الاطراف الثلاثة هو ان الجميع يريد ان يكسب الوقت و يملئ الفراغ، كل طرف يريد ان يملئ الفراغ بما يعتقد انه يخدم مصلحته. اسرائيل تريد المفاوضات لملئ الفراغ السياسي و تخفيف الضغط جراء ممارساتها الاستيطانية، و السلطة و الرئيس عباس يريد ان يكسب المزيد من الوقت في ظل غياب الخيارات البديلة لديه و الامريكان ايضا يريدون ان يكسبوا الوقت الى ان تتضح اكثر معالم الامور في المنطقة.
الفرصة في ان ينتج عن هذه الماوضات سواء بعد عام او اكثر اتفاق مقبول على الطرفين هو احتمال متدني جدا، لسبب بسيط ان الفارق بين ما تستطيع اسرائيل تقديمه للفلسطينيين و بين ما يمكن ان يقبل به الفلسطينيين ما زال كبيرا جدا. في احسن الاحوال قد يتمخض عن هذه المفاوضات اتفاق مرحلي آخر تسبقة العديد من المحفزات الاقتصادية للسلطة لكي تستمر بالبقاء على قيد الحياة.
اصرار على الركض وراء السراب - نعيم الاشهب
بقلم: نعيم الاشهب – معا
على فرض أن ادارة أوباما جادة هذه المرة في تسوية النزاع الفلسطيني - الاسرائيلي ، باعتبار ذلك قد غدا شرطا ومقدمة لا غنى عنها لبناء استراتيجية تستهدف تشكيل تحالف سني – اسرائيلي ضد محور ايران – سورية – حزب الله ، فما هي طبيعة هذه التسوية وما هو مقدار ما تحققه من الحد الأدنى لمطالب الشعب الفلسطيني الوطنية ، في الظروف الجارية فلسطينيا واقليميا ، وبالاشراف الأميركي المنفرد ؟.
فلسطينيا ، لم يحدث منذ وقوع الاحتلال الاسرائيلي لبقية الأرض الفلسطينية ، في حزيران 1967 ، أن كان الوضع الفلسطيني بهذا المستوى من التردي والسلبية ، حيث حالة الانقسام ووجود سلطتين متنافستين في كل من رام الله وغزة تترسخ كحالة دائمة ، وحيث تتشكل في كل من حماس وفتح الحاكمتين دوائر معنية باستمرار هذا الانقسام ، بينما تتفاقم مظاهر عجز التنظيمات الأخرى في الساحة الفلسطينية
واذا كان الوضع العربي واعدا على المدى المتوسط والبعيد ، بدعم نوعي للقضية الفلسطينية ، فان تركيزالحراك الجماهيري الهائل ، اليوم ، منصبا على الوصول الى سلطة تعكس طموحات الملايين التي تنزل الى الشوارع طلبا للعمل والعدالة الجتماعية والحرية .
أما فيما يتعلق بالولايات المتحدة ، الوصي الأوحد والمزمن على عملية التسوية ، فهي اليوم أكثر تحيزا لاسرائيل من أي وقت مضى للسببين التاليين : الأول – تضعضع قدراتها في المنطقة كنتيجة للانهاك الذي أصابها بسبب حربي أفغانستان والعراق ؛ والثاني – أن الحراك الشعبي المستمر في العالم العربي منذ أكثر من عامين وتداعياته ، حتى الآن ، أقنع واشنطن بأنه لم يعد في المنطقة من نظام يمكن الرهان عليه لحماية مصالحها في المنطقة ، عدا اسرائيل ، ولا سيما بعد انهيار رهانها على حركة الاخوان المسلمين التي لم تحتمل أكثر من عام واحد ؛ وبالتالي تزداد حاجة واشنطن لخدمات اسرائيل أكثر من أي وقت مضى . وهذا ما يدركه حكام اسرائيل جيدا ، وبناء عليه يرفعون سقف مطالبهم من واشنطن ، ولا سيما على حساب القضية الفلسطينية. ولعله لا يخلو من مغزى ومؤشر، في هذا الصدد، تعيين مارتن ايندك ، مشرفا على عملية التفاوض الجديدة . لقد تساءل داعية السلام الاسرائيلي ، أوري أفنيري بخصوص هذا التعيين : ألا يوجد بين الثلاث مئة مليون أميركي لتعيينه لهذه المهمة غير ايندك اليهودي؟ ولم يقل الصهيوني لا أقل من نتنياهو!.
واذا كانت اسرائيل ليس فقط ترحب بهذه الوصاية الأميركية المنفردة على العملية التفاوضية هذه ، بل وتشترطها ، فان قبول الطرف الفلسطيني بها ، بدلا من مؤتمر دولي أو حتى المشاركة الفعلية لأطراف اللجنة الرباعية الآخرين ، ليس له من تفسير الاّ الرضوخ المؤسف للضغوط الأميركية – الاسرائيلية ، وبالتالي الاستعداد للتراجع عن الثوابت الوطنية التي تمثل اجماعا وطنيا ملزما بما في ذلك لحركة فتح .
واذا كانت الشروط والظروف التي تتم في ظلها عملية التفاوض هذه ، تمثل حالة مثالية للطرف الاسرائيلي، وهو ما يفسر قبول أكثر حكومة يمينية في تاريخ اسرائيل بهذه المفاوضات ، فهذا يعني أن نتائجها محصورة سلفا بأحد احتمالين لا ثالث لهما:اما فرض المشروع الاسرائيلي للتسوية ، أو تكرار نتائج جولات المفاوضات السابقة ، والتي جنى ويجني منها المحتل المزيد من الوقت لمواصلة تغيير المعالم على الأرض.
ومن المفارقات أن القيادة الفلسطينية اذ تقبل بالعودة الى عملية التفاوض هذه ، وتتراجع عن شروط الاجماع الوطني المدعومة بالشرعية الدولية ، وفي مقدمتها الاعتراف بحدود 1967 كأساس لعملية التفاوض وايقاف عملية الاستيطان الكولونيالي المدان دوليا في الأراضي الفلسطينية فانها ، في الوقت ذاته ، ترضخ لتجميد أي توجه الى الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة .
أكثر من ذلك ، فالقيادة الفلسطينية تقبل بالعودة الى مصيدة المفاوضات العبثية دون شروط أو ضمانات دولية يمكن الثقة بها ، في وقت راح يتشكل بديل مضمون ، بعد أن فتح اعتراف الجمعية العمومية للأمم المتحدة بفلسطين كدولة مراقبة الطريق للانضمام الى بقية مؤسسات الأمم المتحدة ، بما فيها محكمة الجنايات الدولية ، وما يترتب على ذلك من امكانية جلب المحتلين أمام هذه المحكمة لتقديم الحساب على احتلالهم وجرائمهم ضد شعبنا ، وهذا ما لا يخفون فزعهم منه ؛هذا من جانب ، ومن الجانب الآخر ما تحقق من انجازات مرموقة في ميدان مقاطعة اسرائيل وعزلها على النطاق العالمي ، وكان قرار الاتحاد الأوروبي الأخير بمقاطعة منتجات المستوطنات الاسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة مؤشرا واضحا على المدى الواعد الذي بلغته هذه العملية وآفاقها.
ولعل أخطر القضايا التي من المتوقع أن يركز التحالف الاسرائيلي - الأميركي عليها هي المطالبة بالاعتراف ب " يهودية" دولة اسرائيل ، وهو من ابتكارات نتنياهو ويحظى بالدعم الأميركي، رغم أنه لم يطرح حتى في اتفاقات أوسلو التي تضمنت الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير ودولة اسرائيل . فهذا المطلب الاستفزازي يعني أولا: التخلي مسبقا عن الحق التاريخي للاجئين الفلسطينيين بالعودة وفقا لقرار الأمم المتحدة رقم 194 ، وثانيا: يحمل أخطارا جدية بترحيل فلسينيي 1948 ، اذا لاحت فرصة مواتية ، أو تبادل اقسام منهم مع المستوطنين ، في اطار تبادل الأراضي الذي قبلت به القيادة الفلسطينية سلفا. وجدير بالملاحظة، في هذا الصدد، أن المسؤولين الأميركيين ، بمن فيهم أوباما ، راحوا يرددون ، مؤخرا ، بشكل ملفت للنظراصطلاح "يهودية" دولة اسرائيل . ويبدو أن هذا تعبير عن قناعة لديهم بأن اسرائيل دون ان تكون يهودية ، بل وصهيونية ، لن تستطيع الوفاء بالخدمات المطلوبة أميركيا.
وفيما يتعلق بذلك الجزء الأصيل من الشعب الفلسطيني الذي بقي داخل اسرائيل ومصيره ، ينبغي التذكير والتنبيه بأنه جرى منذ فصله قصرا عن بقية شعبه لدى وقوع النكبة، نشوء قيادة تاريخية له ، تمثله وتنطق بلسانه ، وتحظى بثقته ، لدفاعها دون هوادة عن حقوقه وفي المقدمة منها صموده في أرض وطنه.
أما التنظيمات الفلسطينية المعارضة لهذه المفاوضات الخطيرة على القضية الفلسطينية ، فلا يمكن الاعتقاد بأنه يكفي منها ، الآن، اصدار البيانات ، أو القيام بفعاليات متواضعة ومنفردة، تحت راية العصبية الحزبية الضيقة ، بل المطلوب ودون تردد أو ابطاء التخلي عن هذه الراية الأنانية والعمل الموحد تحت راية الوطنية الفلسطينية ، لتعبئة الشعب المعارض والقلق على مصير قضيته المهددة أكثر من أي وقت مضى.


رد مع اقتباس