أقــلام وآراء إسرائيلي (550) السبـــت 8/02/2014 م
في هــــــذا الملف
محاولة فلسطينية جديدة لتزوير التاريخ!
بقلم:نداف شرغاي،عن اسرائيل اليوم
دولة عصابات
بقلم:تسفي برئيل،عن هآرتس
ضد يهودية وديمقراطية
بقلم:أسرة التحرير،عن هآرتس
قتل سوريا بـاالبراغماتية
بقلم:أنشل بابر،عن هآرتس
قراءة اسرائيلية لتراجع أمريكا في الشرق الأوسط
بقلم:الون بنكاس،عن يديعوت
محاولة فلسطينية جديدة لتزوير التاريخ!
بقلم:نداف شرغاي،عن اسرائيل اليوم
فرّق الباحث في القومية المشهور أنطوني سميث ذات مرة بين نوعين من بناء الهوية القومية: النوع الاول أمم ذات جوهر حضارة وتاريخ، والثاني أمم بلا نواة كهذه، يجب أن توجد كل شيء من جديد. والتاريخ كما بين البروفيسور اسحق رايتر ذات مرة في كتابه ‘من القدس الى مكة والعودة من هناك’ ليس دقيقا دائما بل هو اختلاق في حالات متطرفة. وإن حالة رئيس فريق التفاوض الفلسطيني صائب عريقات كما يبدو حالة تطرف من هذا القبيل.
إن عريقات الذي قذف الوزيرة تسيبي لفني هذا الاسبوع في ميونيخ بقوله إنه هو وأبناء عائلته الكنعانيين سكنوا أريحا قبل أن يأتي بنو اسرائيل الى المدينة بقيادة يوشع بن نون بثلاثة آلاف سنة، ليس هو الفلسطيني الاول الذي أوجد نفسه من جديد ومد خطا مستقيما بين الكنعانيين الذين وجدوا ذات مرة وفلسطينيي اليوم. فقد سبقه الى ذلك كثيرون في الواقع الفلسطيني. ورأى عدد منهم أنفسهم من نسل اليبوسيين ورأى آخرون أنفسهم من نسل الفلسطينيين واختار آخرون الكنعانيين كما ذكرنا آنفا.
يقوم في مركز الدعاية العربية منذ سنوات زعم أن الشعب الفلسطيني كان يسكن هذه الارض منذ آلاف السنين وسبق الشعب اليهودي الذي جاء الى هنا ‘محتلا’؛ وأن الفلسطينيين الذين هم نسل الكنعانيين القدماء أو اليبوسيين القدماء أو الفلسطينيين القدماء هم أبناء هذه الارض الأصليون التي احتلت آنذاك كما احتلت اليوم على أيدي اليهود. ويُختلق تاريخ فلسطيني جديد الى جانب محو التاريخ اليهودي وتزويره الى حد التناقض المنطقي احيانا ويصبح الكنعانيون الذين ذكروا في الكتاب المقدس عربا فجأة، ويصبح يسوع هو الفلسطيني الذي دعا الى الاسلام لا الى المسيحية، وماذا عن موسى؟ لقد كان مسلما أصلا.
إن تصفحا تاريخيا قصيرا غير استغراقي بالضرورة لما يقول الخبراء والكتب القديمة والجديدة، واقتباسات مختارة من أنحاء شبكة العرب الاسرائيليين والفلسطينيين تشهد بأن جذور عائلاتهم مغروسة بعيدا عن هنا وتدل على أن الرواية الفلسطينية التي يناضل عريقات عن كرامتها هي رواية خيالية.
خذوا على سبيل المثال السيدة سلمى فيومي من سكان كفر قاسم التي أظهرت قدرات طبخها في برنامج ‘الطاهي الاكبر’. من المؤكد أن فيومي لم تكن تقصد ادخال رأسها في الجدل’في أصل الفلسطينيين، لكنها عرضت بفخر كبير طعام ‘الكُشري’ وهو ‘طعام مصري من الأرز والعدس′ وبينت الطاهية من كفر قاسم قائلة: ‘جاءت عائلتي من مصر من الفيوم، وأنا سلمى الفيومي جئت من الفيوم’.
ولم يكن فتحي حماد ايضا وزير الداخلية في حكومة حماس الذي طلب مساعدة مصرية في اثناء عملية ‘صدى مكرر’ للجيش الاسرائيلي في قطاع غزة (آذار 2012) لم يكن يقصد أن يُفسد على عريقات وأشباهه نظريتهم الكنعانية، لكن كلامه لم يترك مكانا كبيرا للتفسير فقد بين حماد قائلا: ‘حينما ندعو الى مساعدتكم فان ذلك لمواصلة الجهاد. والحمد لله أن لنا جميعا جذورا عربية وكل فلسطيني في غزة وفي أنحاء فلسطيني قادر على أن يبرهن على جذوره العربية إما في العربية السعودية وإما في اليمن أو في أي مكان آخر. إن بيننا روابط دم.
‘إن نصف عائلتي من جهة شخصية من مصر. فأين رحمتكم؟ وإن أكثر من ثلاثين عائلة في قطاع غزة تسمى المصري. أيها الاخوة إن نصف الفلسطينيين مصريون والنصف الآخر سعوديون. من هم الفلسطينيون؟ إن عندنا عائلات مصري كثيرة اصولها مصرية جاءت من الاسكندرية والقاهرة وأسوان. نحن مصريون. ونحن عرب ونحن مسلمون’.
إن الذي أراد على الخصوص أن يثبت الجدل في كنعانية الفلسطينيين هو عضو الكنيست السابق عزمي بشارة وهو عربي اسرائيلي مسيحي ومؤسس حزب التجمع الديمقراطي. وقد غادر اسرائيل كما تذكرون بعد أن اتهم بالتجسس وبمساعدة حزب الله. وقد كتب بشارة في مقدمة النسخة العبرية من كتاب ‘مجموعات متخيلة’ وهو كتاب بنديكت آندرسون يقول إن ‘القومية العربية الحديثة تتصرف وكأن حقيقة أنها نشأت في القرن التاسع عشر كسائر القوميات تغض شيئا ما من قيمتها أو من عدالتها’. ولهذا، كما بين، ‘تشعر بانها ملزمة أن تحول تاريخ الناطقين بالعربية الى القومية وأن تجعله تاريخا قوميا ممتدا الى ما قبل عصر الاسلام حتى ايامنا… إن الحركة القومية الفلسطينية…’ قال بشارة مستطرقا: ‘وعن منافسة في الماضي مع الصهيونية، ثبتت ايام بدئها عند الكنعانيين وبذلك أحرزت مصدر تميز في الماضي أقدم من الاسباط العبرية التي تزعم الصهيونية أنها استمراريتها الطبيعية…’.
إن كلاما أوضح من هذا بنفس الروح قاله وليد شعيبات الذي كان في الماضي مسلما ونشيطا في فتح ثم تنصر وأصبح متحدثا بارزا عن فضل اسرائيل والمسيحية. يزعم شعيبات الذي هاجر من الاردن الى الولايات المتحدة أن كل من عرفه في فلسطين ‘استطاع أن يتتبع جذوره الى الدولة التي جاء منها جده القديم. وقد عرفنا جيدا أن أصلنا ليس كنعانيا برغم أنهم حاولوا أن يعلمونا ذلك… وقد اعتاد جدي أن يُحدثنا عن أن قريتنا بيت ساحور في محافظة بيت لحم كانت فارغة حينما جاء أبوه الى هناك مع ست عائلات اخرى. ويوجد اليوم في القرية أكثر من 30 ألف ساكن’.
إبحثوا في القرآن
إن البروفيسور رافي يسرائيلي وهو مستشرق ومختص بالاسلام من الجامعة العبرية ومؤلف أكثر من عشرين كتابا عن العرب والاسلام يُعرف الصلة التي يصطنعها الفلسطينيون بالكنعانيين المذكورين في الكتاب المقدس بأنها ‘متناقضة منطقيا’: ‘إن أصل العرب القديم الذين جاءوا الى البلاد شبه الجزيرة العربية، فمن هناك جاء أوائلهم. وهم الآن يقفون على رؤوسهم فبدل أن يقولوا إنهم عرب هاجروا الى ارض كنعان وحولوها الى ارض مسلمة، يجعلون أنفسهم أبناء كنعان’.
ويذكر البروفيسور يسرائيلي أنه ‘توجد حتى في اسماء العائلات العربية آثار سافرة تُبين هجرتهم الى هنا. ففي أم الفحم اربع عائلات كبيرة أصلها من مصر. وكان في البلدة القديمة في القدس حي المغاربة للمسلمين الذين جاءوا من شمال افريقيا من المغرب واستوطنوا ارض اسرائيل. هذا الى أن الدولة العثمانية نقلت مجموعات من السكان من مكان الى مكان كي تحسن سيطرتها عليها. فقد جاءت الى هنا بالشركس وهم مسلمون من القوقاز وأُسكنوا في هذه البلاد.
‘ليس للفلسطينيين في الحقيقة جذور هنا وهم يعلمون ذلك جيدا ولهذا يحاولون أن يوجدوا لأنفسهم جذورا اخرى. وحينما تنتقض من جهة تاريخية أو أثرية هذه الحماقة، يدعو الدارسون في العالم من الفور الى ‘احترام الرواية’ ولا يهمهم ما هي الحقيقة التاريخية. فاذا لم ندحض ذلك فسيُقبل على أنه حقيقة لأنه اذا كُرر الكذب آلاف المرات أصبح يُرى حقيقة آخر الامر ولهذا لا يجوز السكوت’.
صدر هذا الاسبوع الكتاب التاسع للبروفيسور نسيم دانه الذي يتناول الصراع الديني بيننا وبين الفلسطينيين: ‘لمن هذه البلاد نظر في القرآن من جديد’ (اصدار مؤسسة بيالك وجامعة اريئيل). وكان دانه يرأس لسنوات طويلة قسم الطوائف الدينية غير اليهودية في وزارة الاديان وهو يعمل اليوم رئيسا للقسم المتعدد المجالات في علوم الاجتماع والآداب في جامعة اريئيل.
إن استنتاجاته قد تفاجيء غير المطلعين على الكتاب المقدس للدين الاسلامي. ‘في القرآن الذي يرى الاسلام أنه كلام الله الذي لا يوجد أقدس منه’، يقول البروفيسور دانه ‘توجد عشرة مواضع تقول إن الله أورث شعب اسرائيل هذه البلاد. وقد أُكد فيها جميعا تقريبا ذلك الحق بل الواجب المفروض على بني اسرائيل أن يرثوها. وفي مقابل ذلك لا يوجد أي ذكر في القرآن يورث المسلمين أو العرب أو الفلسطينيين البلاد أو أية أمة اخرى ليست شعب اسرائيل.
‘والى ذلك فان الزعم الحالي وهو أن الشعوب التي احتل شعب اسرائيل الارض منها وهم الكنعانيون واليبوسيون والعمالقة كانوا شعوبا عربية – لا يتساوق مع حقيقة أن بني اسرائيل بحسب الاسلام نفسه قد أمرهم الله باحتلال هذه الارض من تلك’الشعوب بعد أن دنسوها بعبادة الأوثان مثلا’.
ويستشهد دانه في كتابه بالاصل باللغة العربية ويأتي بالترجمة وبالتفسير. وهو يستعرض ايضا كتب عشرات مفسري القرآن ويقول إن اكثرهم يؤيدون الاستنتاج الذي يقوي صلة شعب اسرائيل بارض اسرائيل. ‘بل إن محمد الطبري (محمد بن جرير الطبري المفسر المشهور المترجم) الذي يعتبر بحسب المصطلحات اليهودية راشي المسلمين وأكبر مفسري القرآن’، يبين دانه، ‘يلتزم بهذا الاتجاه بل إنه يحدد حدود ارض اسرائيل ‘من الفرات الى ضفة النيل الشرقية’ ‘.
ويقول دانه محددا ‘فيما يتعلق بالقدس جاء في القرآن في السورة الثانية من الآية 142 فما بعدها أنها كانت قبلة الصلاة من اجل استهواء اليهود وجذبهم الى الاسلام، لكن القبلة الصحيحة هي الكعبة في مكة. بل فيما يتعلق بالقصة التأسيسية وهي عروج نبي الاسلام محمد الى السماء بعد الاسراء به من مكة الى القدس وهو يركب البراق يوجد عند القرآن ما يقوله، فالقرآن يأتي بشهادة عائشة، زوجة محمد المحبوبة، التي قالت إنه مكث معها طول الليلة تلك كلها التي زُعم أنه عُرج به الى السماء فيها ولذلك فليس الحديث بحسب عائشة سوى عن حلم ورؤيا فقط لا عن رحلة حقيقية’ (لم يُذكر هذا في القرآن بل ذُكر في احاديث صحيحة من كتب السنة المترجم).
ويضيف دانه ايضا أن ‘المفسر ابن تيمية الذي توفي في 1328′يرى أن الدعوى الرائجة اليوم التي تتحدث عن علامات بقيت من زيارة محمد لجبل الهيكل، يراها كاذبة. وإن اصطبل سليمان الذي حوله المسلمون في عصرنا الى مسجد يراه واحد من عظماء الاسلام هو ابن خلدون، بصراحة جزءً من الهيكل’.
إن نظر دانه في القرآن من جديد يجعله يستنتج أنه ‘لا يوجد أساس لتعريف الفلسطينيين أنفسهم اليوم بأنهم كنعانيون. لأن أصل المسلمين الذين يعيشون هنا اليوم والذين تحول’آباء آبائهم في 622 ليصبحوا مسلمين، في شبه الجزيرة العربية. وإن زعم أنهم من نسل الكنعانيين هو من جهات كثيرة ‘هدف ذاتي’ لأن الله كما ورد في القرآن أمر بطرد الكنعانيين من البلاد بعد أن دنسوها’.
هجرة جماعية
إن الرواية الفلسطينية بحسب عريقات التي تتحدث عن اتصال الوجود الفلسطيني هنا منذ العصر الكنعاني لا تثبت لامتحان الشهادات التاريخية. يقول الدكتور شاؤول بارتال من قسم دراسات الشرق الاوسط في جامعة بار ايلان إنه في كثير من كتب التاريخ الفلسطينية كان التأكيد الرئيس لـ ‘الاحتلال العربي لفلسطين’ في القرن السابع في سنة 638 للميلاد، ‘وهو احتلال جعل فلسطين ارضا اسلامية مدة نحو من 1300 سنة’.
ويُبين الدكتور بارتال أن موجات الهجرة التي جاءت من شبه الجزيرة العربية وبعد ذلك من شرقي الاردن وسوريا ايضا هي التي أفضت الى استيطان العرب في هذه البلاد. ‘حتى في رام الله التي هي العاصمة الادارية للسلطة الفلسطينية يرجعون جذور سكانها العرب الى عائلات هاجرت الى هناك من الاردن في نهاية القرن الخامس عشر’.
يدل بحث قام به الدكتور بارتال مع الدكتورة رفكا شفاك ليسك على أن العائلات الاربع المركزية التي يتألف منها سكان أم الفحم وهي محاجنة وجبارين ومحاميد واغبارية أصلها عائلات هاجرت الى فلسطين منذ القرن السابع عشر فما بعد من السعودية واليمن وسوريا. وبعد ذلك فقط في القرن التاسع عشر انضمت اليهم عائلات كثيرة هي في الاصل من مصر وشرق الاردن.
وتشهد سلسلة من المصادر التاريخية على أن مساحات شاسعة من ارض اسرائيل كانت في القرون الماضية متروكة وشبه خالية من السكان. وقد استعرض د. بارتال ذلك إن تشارلز اليوت رئيس جامعة هارفارد وصف منطقة الجليل في سنة 1867 بأنها ‘مكان قفر وبؤس′.
‘وتحدث مارك توين في كتابه الشهير ‘رحلة لذات الى الارض المقدسة’ عن أنه لم ير نفسا حية طول الرحلة كلها، أما الراهب صموئيل منينغ فتساءل في 1874: ‘أين السكان؟’، وذكر جيمس بين القنصل البريطاني في 1857 أن ‘الارض خالية من السكان بصورة ملحوظة’، ووصفت دائرة معارف المانية صدرت في 1827 هذه البلاد بأنها ‘قفر تتجول فيه عصابات نهب عربية في كل ركن منه’.
ويقول د. بارتال بناءا على ذلك بصورة قاطعة: ‘إن الفلسطينيين ليسوا هم الفلاحين الذين كانوا يسكنون فلسطين حقبا متطاولة، بل هم في الاساس مهاجرون جاءوا الى هنا من قريب. قُبيل نهاية القرن التاسع عشر فقط بدأت هذه البلاد تزهر على إثر دخول عامل جديد هو الصهيونية، وكانت النتائج مدهشة.
في 1878 كان عدد سكان البلاد 141 ألف مسلم من السكان المستقرين عُرف 25 بالمئة منهم على الاقل بأنهم جدد جاءوا من وقت قريب، وجاءوا من مصر في الاساس′.
ويذكر بارتال أن ‘ابحاثا مختلفة قام بها على مر السنين موشيه براور وجدعون كارسل وآخرون تبين بوضوح أن اصل اكثر العائلات العربية التي سكنت قرى في السهل الساحلي والمنطقة التي اصبحت دولة اسرائيل بعد ذلك كان من السودان وليبيا ومصر والاردن. وتشهد ابحاث اخرى على موجات هجرة كبيرة من دول عربية في فترة الانتداب’.
إن الكتاب الاشهر هو ‘منذ الأزل’، لجون بيترز الذي وجد ‘أن الوضع ليس على الخصوص وضعا دُفع فيه أو أُبعد عن ارضه شعب عربي كثيف كان موجودا منذ الأزل بل الوضع عكس ذلك تماما تقريبا: وهو وضع شعب اليهودي اجتذب وجوده اليه مهاجرين عربا، وأن ارض اليهود التي كانت مخصصة لتكون وطنا لهم سلبت منهم مع وصول مهاجرين عرب’.
اجتذب المهاجرون العرب الى هذه البلاد لان الاستيطان اليهودي طور الامكانات الاقتصادية فيها ومستوى الصحة والطب فيها. وهكذا نشأ وضع اصبح معه عدد عرب فلسطين الانتدابية في 1948 نحوا من 1.3 مليون انسان، في حين كان عدد افراد الاستيطان اليهودي 600 ألف انسان فقط برغم امواج هجرة كثيرة جاءت الى هذه البلاد.
قال فرنكلين روزفلت رئيس الولايات المتحدة في 1939 إن هجرة العرب الى فلسطين منذ 1921 فاقت بقدر كبير هجرة اليهود في تلك الفترة. وتطرق ونستون تشرتشل ايضا الذي اصبح رئيس حكومة بريطانيا بعد ذلك الى الهجرة العربية الجماعية الى ارض اسرائيل في تلك الفترة. وذكر انه ‘برغم أن العرب لم يضطهدوا تدفقوا جموعا الى البلاد وتكاثروا فيها، حتى إن السكان العرب فاقوا كل ما كان يهود العالم يستطيعون أن يزيدوا السكان اليهود به’.
وتقول بيترز في كتاب ‘منذ الأزل’ اعتمادا على البحث الشامل الذي قامت به إنه وجد مع الشعوب التي عُدت عربية فلسطينية من ابناء هذا المكان شعوب اخرى كاليونانيين والسوريين واللاتين والمصريين والاتراك والارمن والايطاليين والفرس والاكراد والالمان والافغان والشركس والبوسنيين والسودانيين والجزائريين والتتر ايضا.
تربية كاذبة
لكن كل ذلك لا يؤثر في الفلسطينيين فالربط المتوهم بين الكنعانية والفلسطينية دليلا في ظاهر الامر على حق الفلسطينيين الذي له الاسبقية في هذه البلاد قد أُدخل حتى في المادة الدراسية في مدارس السلطة الفلسطينية. إن عيدو مزراحي مُركز مجال ‘ثقافة السلام والتحريض في السلطة الفلسطينية’ (وزارة الشؤون الاستراتيجية)، فحص فوجد أن رسالة أن الكنعانيين عرب تُدرس من الصف الثاني حتى الصف الحادي عشر.
واليكم مثالين فقط: ‘كان العرب الكنعانيون أول من سكنوا فلسطين’، جاء في كتاب تربية وطنية للصف الثاني، فقد حدد هدف الدرس وهو ‘أن يربط الطالب بين ارض فلسطين والشعب الكنعاني الذي سكنها’. وفي كتاب تربية وطنية للصف السابع جاء أن ‘الفلسطينيين الكنعانيين هم الذين أوجدوا الحروف الهجائية في العالم القديم’. ووجد مزراحي أن الكنعانية لا تحتل مكانا واسعا في مواد التدريس الفلسطينية لكن الرسائل القصيرة تتكرر والاستنتاج هناك واحد وهو أن هذه البلاد كان يسكنها العرب قبل أن يأتي اليها اليهود. وربما يكون الفحص عن الوان العلم الفلسطيني يروي الحكاية الحقيقية. يلاحظ شاؤول بارتال أن ‘العلم ليس له تميز: فاللون الابيض يرمز الى حكم بني أمية (650 750للميلاد)، واللون الاسود يمثل حكم بني العباس ، واللون الاخضر هو لون الاسلام ولون الفاطميين الشيعة، في حين أن اللون الاحمر هو لون الهاشميين عائلة النبي محمد.
‘إن لكثير من الدول العربية اعلاما متماثلة تكاد تكون متشابهة: الاردن والعراق حتى 1958، والصحراء الغربية والكويت والسودان. وينبع التشابه من أن هذا العلم يمثل القومية العربية وليس فيه شيء يربط الفلسطينيين بالكنعانية التي وردت في الكتاب المقدس′، يُبين بارتال.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
دولة عصابات
بقلم:تسفي برئيل،عن هآرتس
أخيرا تحقق وقف نار في سوريا. لا، ليس بين النظام والجيش السوري الحر ولا بين الجيش السوري الحر ومنظمة القاعدة. هذا وقف للنار بين منظمة ‘الدولة الاسلامية في العراق والشام’ التي يقودها ابو بكر البغدادي وبين ‘صقور الشام’ التي يقودها ابو عيسى الشيخ. وهاكم التعقيد: الشيخ يقف على رأس مجلس شورى ‘الجبهة الاسلامية’ التي هي اتحاد لمنظمات دينية تعمل احيانا بالتنسيق مع الجيش السوري الحر واحيانا اخرى تقرر لنفسها القواعد حسب الجبهة الخاصة التي تعمل فيها. والمفارقة هي ان الاتفاق بين ‘صقور الشام’ و بين ‘الدولة الاسلامية’ لا يلزم الجبهة الاسلامية. هذا اتفاق محلي يسمح لصقور الشام بالتحرر من الحصار الذي فرضه عليهم مقاتلو الدولة الاسلامية. وهذا ايضا شيء ما.
وهاكم تعقيد آخر. ‘الدولة الاسلامية في العراق والشام’ تعتبر حتى الان جزء من القاعدة. وظاهرا كانت تفترض ان تكون تابعة لنائب بن لادن، ايمن الظواهري، ولكن الظواهري اعلن هذا الاسبوع بانه لا توجد أي صلة لدولة الاسلام بالقاعدة وان ‘جبهة النصرة’ فقط تعتبر جزء من المنظمة. والظواهري غاضب على قائد الدولة الاسلامية لانه لم يطع تعليماته بالعمل في العراق فقط والا يمس برجال جبهة النصرة في سوريا. كما ان مساعي الوسيط السعودي عبدالله المحيسني للمصالحة بين المنظمتين لم تجدي نفعا. ولكن قائد الدولة الاسلامية لا يهمه على أي حال ما يقوله عنه الظواهري لانه يقرر بشكل مستقل أين يركز جهوده، وعمليا يعمل في العراق وفي سوريا على حد سواء.
وهكذا فقد اصبحت سوريا ، ميليشيات ومنظمات، كل واحدة منها تدير بشكل مستقل او على نحو مشترك قطعة ارض، بالتوازي مع حربها ضد النظام تفتح جبهات محلية الواحدة ضد الاخرى. والنتيجة هي ان هذه السنة كان قسما هاما من الضحايا بنار من جانبين او من جوانب متعددة بين المنظمات والميليشيات. حيال هذا الواقع، من الصعب عدم التناول بشك للجهود الدولية لاحداث هدنة على الاقل بين الجيش السوري وبين المنظمات او الافتراض بان مؤتمرا آخر وبعده مؤتمر آخر وغيره سيطهر سوريا من سيطرة العصابات. من هنا فانه لا يمكن لاي طرف، لا الجيش السوري الحر ولا النظام السوري ان يضمن الا تصبح سوريا في المستقبل ايضا دولة ميليشيات.
السيناريو الذي تتطلع اليه الدول الغربية وروسيا هو التعاون بين الجيش السوري والجيش السوري الحر. غير أن مثل هذا التعاون سيستدعي اسقاط الاسد اولا او اخضاع جيش الثوار لقيادة عسكرية يقف الاسد على رأسها. في هذه المرحلة يعد الخياران مثابة هذيان ولا توجد في هذه اللحظة أي قوة، لا محلية ولا دولية منها يمكنها ان تخرج الى حيز التنفيذ أي من هذين السيناريوهين. اقل كلفة اطعام اللاجئين والتبرع للدول التي تستضيفهم من الغرق في معركة عسكرية لا يمكنها أن تضمن السيطرة على الميليشيات. بذات القدر، من الاسهل، من ناحية استراتيجية النظر الى الازمة في سوريا كحرب اهلية اخرى لا تتعلق بالعالم من فتح جبهة دولية عسكرية. في هذا الواقع لا يوجد أي معنى للقول، مثلما فعلت هذا الاسبوع الاستخبارات الامريكية ان الاسد تعزز من صفقة السلاح الكيميائي او التنبؤ بان الاسد سينجو من المعركة. فهذا القول لم يعد ذا صلة. فقد تجاوزت سوريا ميزان الربح والخسارة. وهي ‘تدار في ميدان معركة خرج عن السيطرة حيث أنه من جهة القوى العظمى ومن جهة اخرى المنظمات والعصابات التي يعمل بعضها بشكل مستقل وبعضها الاخر برعاية ذات القوى العظمى. وهي في هذه اللحظة ليست اكثر من كرة من الخرق البالية التي تنتظر واحدة من القوى العظمى أن تتنازل.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
ضد يهودية وديمقراطية
بقلم:أسرة التحرير،عن هآرتس
قبل نحو 20 سنة عُرفت اسرائيل بالقانون كـ دولة يهودية وديمقراطية، تعريف يعكس تجسيد الخطة الصهيونية لاقامة وطن سياسي لليهود في اطار ديمقراطي يمنح مساواة الحقوق لكل المواطنين، بمن فيهم من ليسوا يهودا. لا خلاف على أن هذا تعريف ناجح. فهو يشكل اساسا متينا لتطور الدولة وانخراط المواطنين غير اليهود فيها الهدف الذي اعتبرته حكومات اسرائيل حيويا. كما أن هذا التعريف مقبول من اصدقاء اسرائيل في العالم، لانه يعكس قيمتين اساسيتين هامتين لهم. غير أنه في السنوات الاخيرة تجري حملة عنيفة لتغيير تعريف اسرائيل بشكل يعزز الجانب اليهودي الذي فيها ويخضع اليه الجانب الديمقراطي. وهكذا جاءت الى العالم مبادرات تشريع مختلفة تحقق بعضها مثل قانون لجان القبول، وبعضها قيد البحث، مثل القانون الاساس: الدولة القومية للشعب اليهودي، والذي تبلور البروفيسورة روت غبيزون بشأنه ورقة موقف تنقل الى وزيرة العدل.
لشدة الاسف فان رئيس الوزراء ايضا، غير المعروف كصاحب مواقف غير ديمقراطية، قفز الى هذه العربة لمطالبته الفلسطينيين ان يعترفوا باسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي.
في اطار الحملة لتصفية تعريف يهودية وديمقراطية ستبحث اللجنة الوزارية للتشريع يوم الاحد في مشروع قانون يوجه المدارس لتعزيز الفهم الذي يرى في اسرائيل دولة القومية اليهودية. وحالة ادام فرتا بالذات تجسد بان المطلوب هو تعليم لتعزيز اسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية ولا يجب النظر الى مشروع القانون الا كدحر الجانب الديمقراطي في تعريف اسرائيل. المشروع يبرر في انه توجد محاولة للمس بالعلاقة الخاصة التي لشعب اسرائيل في بلاده، بالخصوصية، بالانتماء وبالصلة التي لشعب اسرائيل بدولة اسرائيل. واضح أنه لم تجري في أي مكان مثل هذه المحاولة. الموجود هو محاولة مقترحي القانون لتآكل الجانب الديمقراطي في تعريف اسرائيل.
هذا سبب كاف لان ترفض اللجنة الوزارية المشروع والذي بشكل أوسع ينبغي النظر اليه ايضا كجزء من حملة ضم المناطق المحتلة في ظل المس بحقوق سكانها.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
قتل سوريا بـاالبراغماتية
بقلم:أنشل بابر،عن هآرتس
تخمسة وثلاثين شهرا ومئة وسبعة وثلاثين الف قتيل في الحرب الاهلية في سوريا والاسرة الدولية غير قادرة على أن توافق على قرار مجلس الامن للامم المتحدة يدعو كل الاطراف للسماح للمنظمات الانسانية بادخال مؤن ضرورية من الغذاء والادوية. وكالمعتاد، تأتي المعارضة من ناحية روسيا. وعلى حد قول السفير الروسي الى الامم المتحدة فيتالي تشوركين، ‘من السابق لاوانه جدا. ليست فكرة جيدة البحث في القرار’. ويخشى على حد قوله من ‘التسييس′ للنزاع واوصى الغرب باتخاذ ‘نهج براغماتي’ تجاه نظام الاسد. ‘وعندما شدد المراسلون على تشوركين في أن سكان حمص المحاصرة يذوون منذ اشهر طويلة في الجوع اجاب بان ‘هذا ليس حصارا بحجم من النوع الذي رايناه على مدى التاريخ’.
حتى الان كان التدخل الخارجي الاكثر فظاظة في النزاع′ من جانب روسيا وايران اللتين واصلتا تسليح جيش الجيش في ظل القتال، وفي حالة ايران التدخل ايضا بشكل نشط في صالح النظام بارسال مستشارين عسكريين والاف المقاتلين من حزب الله، الذين في عدة معارك حرجة رجحوا الكفة في صالح النظام واغلب الظن منعوا في السنة الماضية سقوطه.
اذا كان ممكنا اتهام الغرب بشيء ما، فهو فائض البراغماتية. بشكل براغماتي امتنعت ادارة اوباما’ عن العمل باي شكل كان في الاشهر الاولى من القتال رغم أنه علم منذئذ بذبح الاف المواطنين. وفي تلك الفترة، عندما كانت قوات الثوار لا تزال في معظمها مقاتلين محليين معتدلين نسبيا كان يمكن ‘تزويدهم بسهولة نسبية بالسلاح عبر تركيا بل وتحديد منطقة انسانية محمية. وبدلا من ذلك، فضل اوباما ببراغماتية العمل بوسائل دبلوماسية، وضاعت الفرصة. واضح الان بان ارساليات السلاح التي سترسل الى سوريا ستصل، في بعضها على الاقل، الى الجماعات الجهادية التي تحولت بالتدريج الى اغلبية بين الثوار. في واشنطن يعترفون بانهم لو كانوا عملوا بشكل مختلف في 2011 يحتمل أن يكون الوضع اليوم مختلفا.
التدخل العسكري لن يكون في سوريا. كان هذا واضحا منذ بداية المواجهة. فقد وصل اوباما الى البيت الابيض وهو يحمل على كتفيه وعدا باخراج جنود الولايات المتحدة من العراق ومن افغانستان، وليس ادخالهم الى مواجهة جديدة. وحروبه ضد اجنحة القاعدة على انواعها يديرها في جهاز التحكم من بعيد، ولم يؤيد الثورة في ليبيا الا بعد ان جرته بريطانيا وفرنسا. وهناك ايضا لم يعمل اوباما قبل أن يحصل على الاذن من مجلس الامن وفقط بهجمات من الجو كمساعدة للثوار على الارض. بدون ‘احذية على الارض’.
كل العقائد الامريكية للتدخل في الشرق الاوسط انهارت. فليس للشعب الامريكي بعد القوة لـ ‘تغيير الحكم بالقوة’؛ ‘حرب الطائرات بدون طيار’ للاحباطات المركزة لن تغير الوضع هناك؛ ‘القيادة من الخلف’ مثلما في ليبيا لم تعد ذات صلة والسياسة التي انتهجت على نحو خاص تجاه سوريا عقيدة ‘الخطوط’ الحمراء’ لاوباما والتي وعدت برد قاس اذا ما استخدم الاسد سلاحا كيميائيا لفظت انفاسها عندما تبين بان الكونغرس لم يؤيد حتى هجوم عسكري محدود ردا على قتل مئات المواطنين بسلاح كيميائي. كان يمكن لاوباما ان يتجاوز الكونغرس ولكنه اختار بدلا من ذلك مخرجا براغماتيا لاتفاق بوساطة روسية لنزع السلاح الكيميائي السوري.
الحرب الاهلية في سوريا مستمرة منذ 35 شهرا. بعد 35 شهرا سيغادر اوباما البيت الابيض في ختام ولاية رئاسية ثانية. اذا استمر ببراغماتيته، فلن يكون ممكنا الامتناع عن التوقع بان يبقى الاسد في الحكم بعده ايضا.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
قراءة اسرائيلية لتراجع أمريكا في الشرق الأوسط
بقلم:الون بنكاس،عن يديعوت
ليس لدولة اسرائيل كنز سياسي امني أكبر من علاقاتها بالولايات المتحدة، وليس لاسرائيل انجاز سياسي وجودي أكبر من علاقاتها بالولايات المتحدة. وليس لاسرائيل مصلحة وجودية حيوية أكبر من تأمين هذه العلاقات وحفظها وتعزيزها. ومع كل ذلك يوجد في اسرائيل مجموعة من 38 شخصا لا تفهم هذا تماما. وهي تسمى ‘حكومة اسرائيل’. وحتى لو كان اعضاؤها يفهمون ذلك فانهم لا يسلكون بحسبه.
كان الكثير من المنازعات والاحتكاكات في نطاق ‘العلاقات المميزة’ بين اسرائيل والولايات المتحدة منذ 1948، وكانت مواجهات حقيقية وشخصية ووهمية خدمت قضية محددة أو هدفا لحظيا، وكانت احتكاكات على الجوهر والمضمون ومشاجرات صغيرة على صورة واسلوب وكراهية شخصية بين اشخاص.
وانصرف الكثير من العداوة الى وزراء خارجية الولايات المتحدة. فقد باع وليام روجرز اسرائيل بخطة روجرز في بداية سبعينيات القرن الماضي. وكان هنري كيسنجر يهوديا غارقا في كراهية الذات. واعترف جورج شولتس بمنظمة التحرير الفلسطينية. وكان جيمس بيكر من أكبر كارهي اسرائيل في التاريخ. وعرض وورن كريستوفر أمن اسرائيل للخطر. وكان لهيلاري كلينتون حساب شخصي مع نتنياهو (أشد من مجرد عداء لاسرائيل). وجون كيري، جون فوربس كيري من مضطهدي اليهود.
يتحدثون في احيان متقاربة جدا عن ازمة ‘لم يسبق لها مثيل’ وقطيعة ‘لم نر مثلها’، ويكون التقدير في اكثر الحالات مبالغا فيه ويكون العنوان الصحفي مفرط المبالغة. لكن فيما يتعلق بالهجوم الشخصي على وزير الخارجية الامريكي، لم يحدث مثل هذا الشيء من قبل في الحقيقة لا في ايقاعه ولا قوته ولا فظاظته ولا سفوره ولا بشعوره بالمرارة والحقد، ولا في سعة الهجوم وعدم المنطق وعدم الاساس فيه في الأصل. إن دولة اسرائيل تُصادم علنا ووجها لوجه وزير خارجية الولايات المتحدة لا بتسريبات أنباء ولا بأحاديث مستورة ولا باهانة صغيرة أو انتقاد جوهري. وكل شيء شخصي: فكيري يعمل في غير مصلحة اسرائيل ويبحث عن الشر لها ويعرضها للخطر ويهددها بالقطيعة والانتفاضة والعزلة وغير ذلك.
إنكار للجميل وغباء
يجب أن تُقال الحقيقة لكيري، لكن الكلام الذي قيل فيه في الاسابيع الاخيرة على ألسنة وزراء ونواب وزراء في حكومة اسرائيل لم يقله قط بشار الاسد أو نصر الله. قد يكون لذلك صلة بالعناوين الصحفية وربما يعتقدون حقا أن كيري خطير. فالحديث بعد كل شيء عن اشخاص فصيحين جدا وذوي حساسية بالدقائق السياسية. وإن مقياس معاداة السامية الموجود في اجسامهم لاحظ هجوم كيري الذي كان سناتورا مدة ثلاثين سنة وكانت اقتراحاته على شؤون اسرائيلية بلا عيب ولا خلل دائما لكن يبدو أن حكومة اسرائيل عرفت فيه عدوا حقيقيا. إن كيري مثل اوباما معاد لنتنياهو ومؤيد لاسرائيل بيد أن الفرق بين اسرائيل ونتنياهو طُمس تماما.
كان يجب اذا أن يوقف المنحرف كيري في مكانه، فقلنا له بفخر وعزة بصورة صادقة في وجهه.
إن وزير دفاع دولة اسرائيل بوغي يعلون نعت كيري بأنه مسيحاني وموسوس من المراد أن يحصل على جائزة نوبل كي يدعنا وشأننا. وهاجم وزير الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية يوفال شتاينيتس كيري الذي يُلصق مسدسا بصدغ اسرائيل. وقال وزير الشؤون الاقتصادية نفتالي بينيت مقولة تاريخية وهي أنه لم يتخل قط شعب عن مصالحه الحيوية لاسباب اقتصادية. وانتقد رئيس الوزراء كيري لاسلوبه. واتهمه بعضهم بلغة معادية للسامية بعد أن تحدث في مؤتمر الامن في ميونيخ عن خطر القطيعة، والعقوبات وعزلة اسرائيل.
إن المنطق واضح وهو أنه اذا لم تقبل اسرائيل المخطط السياسي الذي يوشك كيري أن يعرضه فانها ستُقصى. ومن هنا يهدد كيري اليهود بالمس بجيوبهم ويوقع ألحانا معادية للسامية معروفة وهو بذلك يعرض اسرائيل للخطر لأنه يحرض العالم على أن يعمل عليها ويوصيه بالفعل مُبينا كيف يسلك اذا ما فشلت المسيرة السياسية.
إن الهجمات على كيري نادرة لا لفظاظتها فقط. إنها نادرة لأنها ترمز الى التحلل من عبء والى عدم انضباط، والى قماءة، والى عدم اسلوب والى انكار للجميل والى غباء وقصر نظر في الاساس. وهي لا معنى لها لأنه ليس لها هدف سياسي يُحرز سوى الاهانة. فهل يعتقد أحد ما حقا أن جون كيري لا ينام في الليل أو أن السياسة الخارجية الامريكية سيجري عليها تغيير بسبب يوفال شتاينيتس؟.
إن دم كيري أهدره رئيس الوزراء نتنياهو الذي كان منذ خمس سنوات يشاجر رئيس الولايات المتحدة براك اوباما دون حاجة وفي كل شأن. وفي اللحظة التي أرخى فيها نتنياهو الزمام أصبح وزراء يبيحون لأنفسهم الحديث بصورة سافرة وبفظاظة وشتم الولايات المتحدة وسبها. ويبدو نتنياهو معتدلا اذا ما قيس بوزرائه ونواب وزرائه لكنه هو الذي سن نهج معاداة امريكا في واقع الامر. وهو الذي حاضر اوباما في تاريخ الشعب اليهودي وهو الذي اتهم اوباما بأنه ‘يرمي باسرائيل تحت اطارات الحافلة’، وهو الذي أيد بفهم وادراك رفيعين ميت رومني للرئاسة قبل الانتخابات في تشرين الثاني 2012 بثلاثة اسابيع. إن طرح المسؤولية على بوغي يعلون سهل لكنهم يعلمون في واشنطن وهذا يشمل ساكن المدينة جون كيري يعلمون أن نتنياهو هو الأصل.
أيها المجانين دعوه وشأنه
إن المواجهة الحالية بادي الرأي قد تصل بمخطط كيري وهو ورقة مباديء سياسية لا تختلف عن مخطط كلينتون الذي نشر في كانون الثاني 2001 على إثر مؤتمر كامب ديفيد في تموز 2000، أو التفاوض الذي جرى بين اهود اولمرت وأبو مازن في 2008. والمواجهة في واقع الامر هي بسبب شيء أكبر، فقد أخذ تنشأ بين اسرائيل والولايات المتحدة تغاير مصالح في الشرق الاوسط يعبر عنه في جزء منه انسحاب امريكي تدريجي من المنطقة، وهو انسحاب تعبر اسرائيل في مواجهته عن خشية من الهجران. تنسحب الولايات المتحدة عن الشرق الاوسط لثلاثة اسباب واتجاهات:
الاول، استقلال الطاقة. فلن تحتاج الولايات المتحدة في 2016 2017 ولن تستهلك نفطا مصدره الشرق الاوسط. فهي ستصبح أكبر منتجة للنفط في العالم، أكبر من روسيا والسعودية. وهي أكبر مستهلكة للنفط في العالم لكن كل نقص أو زيادة في الطلب ستلبيهما كندا والمكسيك. أو بعبارة اخرى إن المقولة القديمة التي تقول إن الولايات المتحدة لها مصلحة في أن تزود بالنفط من الشرق الاوسط بصورة منتظمة لم يعد لها صلة بالواقع.
والسبب الثاني أن الولايات المتحدة مجرحة ونازفة بسبب تدخلات في الشرق الاوسط: في العراق وافغانستان واسرائيل الفلسطينيين ومصر. وقد ضاقت الولايات المتحدة ذرعا بذلك وهي متعبة ولا ترى مصالح حيوية تُمتحن أو على خطر أو ينبغي احرازها في المنطقة. هذا الى أن النظر في الشرق الاوسط في 2014 يُبين أن القوى الثلاث القوية المهيمنة من جهة القوة في المنطقة ليست عربية، وهي اسرائيل وتركيا وايران. ولهذا حدثت صحوة من الاشتغال بالعالم العربي. ولوحظ هذا التوجه جيدا في السياسة الامريكية الموجهة نحو مصر وليبيا وسوريا، فالذي يرى في اسرائيل والسعودية ترددا وعدم زعامة كان في واقع الامر انعكاسا لسياسة خارجية جديدة.
والسبب الثالث هو أن مركز الانتباه والمصالح الامريكية نُقل الى الشرق الاقصى. فقد أصبحت الصين وشبه الجزيرة الكوري، وتايوان وجنوب شرق آسيا هي العقد التالي للسياسة الخارجية الامريكية. ولهذا لم تعد الحليفة التالية للولايات المتحدة هي اسرائيل بل ولا بريطانيا بل استراليا، واليابان بقدر ما.
ونحن نستطيع أن نتحدث عن الايباك وعن أعضاء مجلس النواب ليفي أو كوهين أو سميث أو براون، وعن ‘لقاء رئيس الوزراء’ وعن الحوار الاستراتيجي السابع عشر. لكن الحقيقة السياسية هي أننا لسنا مهمين.
ليس هذا مسارا سريعا ولا يلاحظ التغيير في مدة قصيرة. فالمشايعة الامريكية لاسرائيل واسعة عميقة لكن تجري عليها تغييرات لأن امريكا تجري عليها تغييرات سكانية وثقافية وتصورية. وفيها زعزعات وفيها صدوع. فالحكمة السياسية والتاريخية تكون بالاعتراف بوجود المسار ومحاولة تبطئته بقدر المستطاع. بيد أن نتنياهو ويعلون وشتاينيتس وشركاءهم يفعلون عكس ذلك تماما، فهم يُسرعون المسار. حينما قال يعلون في ميونيخ ‘اذا لم توجد تسوية فسنسوي امورنا’ لا يعبر فقط عن عدم إحكام، وعن مقولة لا بأس لا تقلقوا، باللغة الاسرائيلية. بل يقول للامريكيين: لا تجهدوا أنفسكم، فلا حاجة لذلك لأنكم تشوشون علينا. وحينما تقول اسرائيل ‘لن نُمكن ايران من أن تصبح دولة ذرية’ تعفي الولايات المتحدة من التزامها ألا تُمكن من ذلك. وحينما يتهم وزراء كيري بسياسة تخالف المصلحة الاسرائيلية فانهم يجعلون مصالح الدولتين تتضارب ويُسوغون للولايات المتحدة في واقع الامر ألا تتدخل.
كان النقاش العام الذي تناول مخطط كيري فرصة لا لتعليل ‘لماذا لا’، وما هو السيء جدا وأن نشكو ما لا نريده وما لسنا مستعدين له، بل كان فرصة لصوغ وطلب وتفسير ما نريده. كان فرصة لعرض رؤيا مصالح اسرائيل من وجهة نظر الحكومة وكما يراها رئيس الوزراء. لكن اسرائيل اختارت بدل ذلك أن تهاجم وزير خارجية الولايات المتحدة وتُشهر به وهو الشخص الذي يوصي مجلس النواب بالمساعدة الخارجية وبالهبة العسكرية لاسرائيل، وهو الشخص الذي استعمل هو وأسلافه حق النقض لاقتراحات قرارات معادية لاسرائيل في مجلس الامن 51 مرة. فيا أيها المجانين أتركوا جون كيري وشأنه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ


رد مع اقتباس