دراسة
بقلم: ديفيد ماكوفسكي
تجاوز العتبات في عملية السلام
معهد واشنطن
بوليتيكو.كوم, 15 نيسان/أبريل 2011
في الوقت الذي تكافح فيه إدارة أوباما من أجل التعامل مع التداعيات العديدة لـ "الربيع العربي" في الشرق الأوسط، تراجعت المسألة الفلسطينية إلى الهامش.
إلا أن التاريخ يثبت لنا أن هذه القضية لا تبقى كامنة لفترة طويلة -- كما أظهر التصعيد الأخير في أعمال العنف. وقد عكست وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون هذا الأمر في خطابها عن الإصلاح الديمقراطي العربي الذي ألقته الثلاثاء، الثاني عشر من نيسان/أبريل. فقد أشارت إلى أن واشنطن سوف تعطي دفعة جديدة لعملية السلام في القريب العاجل.
وبركوب الفلسطينيين موجة "الربيع العربي"، فقد كثفوا من دعواتهم بأن تعترف الجمعية العامة للأمم المتحدة بدولة فلسطينية في أيلول/سبتمبر القادم. وقد كررت كلينتون اعتقادها بأنه لا يوجد بديل للسلام الذي يتم التوصل إليه عن طريق التفاوض بين الطرفين -- كما يقر بهذا حالياً حتى كبار المسؤولين الفلسطينيين، وإن كان ذلك بهدوء.
وعلاوة على ذلك، فهذا الأمر بعيداً من أن يكون دواءاً شافياً للفلسطينيين، نظراً إلى الضغط الذي من المرجح أن يسببه للعلاقات الفلسطينية مع واشنطن -- وربما يشمل ذلك الدعوات المستمرة من قبل الكونغرس لإلغاء التمويل.
إلا أنه في ظل الغياب الحالي للمفاوضات، فإن النهوج البديلة تملأ الفراغ القائم. فقد أظهرت وسائل التواصل الاجتماعية ارتفاعاً هائلاً في الدعوات لقيام مظاهرات فلسطينية خارج المستوطنات، وبصورة أكثر شؤماً في النداءات للقيام بانتفاضة ثالثة.
ويمكن للمرء تصور وقوع حادث في الضفة الغربية ينتشر بسرعة كبيرة على شبكة الإنترنت ويؤدي إلى إثارة احتجاجات عامة. إن المأزق الحالي يمكن أن يعجل بسهولة من التردي السريع إلى درجة يحدث فيها سيناريو أيلول/سبتمبر.
وقد بقيت المفاوضات متوقفة منذ أن أعاد الإسرائيليون والفلسطينيون فتح المحادثات لبضعة أسابيع في أيلول/سبتمبر الماضي. وتلقي إسرائيل اللائمة على السلطة الفلسطينية جراء إخفاقها في التفاوض لإحلال السلام.
وفي غضون ذلك، تصر السلطة الفلسطينية على أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يمكنه أن يقترب من الوفاء بمتطلباتها -- بالنظر إلى التكوين الحالي لحكومته الإئتلافية. لذا يدّعي الفلسطينيون أن إجراء مفاوضات هو أمر من شأنه فقط أن يضعف من موقف الرئيس محمود عباس.
ومن جانبها، فإن إدارة أوباما مشغولة بالأحداث المثيرة التي تجتاح الدول العربية في الشرق الأوسط.
يتعين على واشنطن الآن أن تعطي دفعة كبرى لجعل كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية تتجاوز عتبة تاريخية وتحولّية لتجنب الانزلاق [نحو السيناريو المحتمل في أيلول/سبتمبر]. إن الولايات المتحدة هي وحدها التي تمتلك ما يكفي من السلطة لهندسة هذه الخطوة بشكل متزامن. ونظراً لأن أياً من الجانبين لن يتجاوز عتبة تاريخية دون الآخر -- فيجب أن يتم ذلك في وقت واحد.
وهناك أسباب تدعو للعمل بشكل عاجل. أولاً، يحث الأوروبيون الولايات المتحدة بشكل متزايد على الانضمام إليهم في فرض شروط التفاوض، على الرغم من أنه من المفضل بوضوح أن يتحرك الطرفان بمبادرتهما ووفق شروطهما الخاصة.
ثانياً، أعلن رئيس مجلس النواب الأمريكي جون بوينر (جمهوري عن ولاية أوهايو) يوم الخميس أنه دعا نتنياهو لإلقاء خطاب أمام الكونغرس. ومن المرجح أن يحدث ذلك في أيار/مايو أثناء الزيارة المقررة لرئيس الوزراء الإسرائيلي إلى واشنطن.
ويتكهن عديدون الآن أن كلمة نتنياهو أمام الكونغرس ستكون ثاني خطاب سياسي رئيسي للزعيم الإسرائيلي. فأثناء خطابه الرئيسي الأول، الذي جاء بعد أن تولى منصبه بفترة وجيزة عام 2009، قال نتنياهو إنه لم يعد يعارض إقامة دولة فلسطينية. ويمكنه الآن وضع أسس حل الدولتين الذي يتصوره -- وهو ما قد يربك المشككين في الولايات المتحدة وخارجها.
يجب على الولايات المتحدة أن تتأكد من عدم إضاعة فرصة خطاب نتنياهو. وسيكون النهج الأفضل هو قيام عباس بإصدار بيان علني يكون على نفس القدر من القوة.
ويجب أن يكون الهدف هو أن يتجاوز كل جانب عتبة عامة ذات مغزى للسكان المنهكين على الجانب الآخر. ويتعين على كلا الرجلين مواجهة الخوف المتعمق لدى الطرف الآخر من أجل إنشاء قوة دافعة حقيقية باتجاه السلام. وتظهر استطلاعات الرأي أن الغالبية على كل جانب يقولون إنهم يريدون حل الدولتين -- لكنهم لا يزالون متأكدين من أن الجانب الآخر غير راغب فيه.
إن العتبة التاريخية التي يريد الإسرائيليون من عباس تجاوزها هي قبوله بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، يحظى جميع مواطنيها بحقوق متساوية. ومن جانبهم، ليس لدى الإسرائيليين أي مشكلة في الاعتراف بفلسطين كدولة للفلسطينيين، يحظى جميع مواطنيها أيضاً بحقوق متساوية.
ومن شأن هذه الخطوة أن تعالج التخوف الرئيسي لدى إسرائيل -- وهو أن الفلسطينيين لن يقبلوا أبداً بشرعية دولة يهودية في الشرق الأوسط، بغض النظر عن مدى التنازلات الإقليمية الإسرائيلية. وتزداد هذه المخاوف عندما يقوم الإعلام التابع للحكومة الفلسطينية بإطلاق ادعاءات جامحة تنزع عن الإسرائيليين صفة الإنسانية؛ أو عندما يقوم وزير شؤون الأسرى الفلسطيني، كما حدث مؤخراً، بمنح لوحة تذكارية إلى عائلة إرهابي قتل 30 إسرائيلياً خلال عيد الفصح عام 2002.
ومن المهم أن لا يخشى الإسرائيليون من أن تؤدي التنازلات الإقليمية إلى جعل إسرائيل أكثر ضعفاً وليست أكثر أمناً. ويمكن للاعتراف المتبادل أن يكون فقط جزءاً موثوقاً من اتفاق سلام إذا التزم كلا الطرفين بحملة توعية حول السلام تكون قوية وعلنية -- مع توضيح حقيقة أن كلاً منهما له ارتباط تاريخي بالأرض، وأن الأرض يجب مشاركتها.
إن العتبة التاريخية الكبرى التي يريد الفلسطينيون من نتنياهو تجاوزها تتعلق بالأرض -- حيث يكمن خوفهم الرئيسي في أن تحتفظ إسرائيل بالضفة الغربية. ويدرك الفلسطينيون أن إسرائيل لن تعود إلى حدود ما قبل 1967 بشكل دقيق. ولكنهم يريدون ضمانات بأن يكون خط عام 1967 هو الأساس للحسابات في تشكيل الحدود النهائية.
ويقول الفلسطينيون إن أي تكتلات استيطانية بجوار الحدود القديمة والتي تقوم إسرائيل بضمها يجب التعويض عنها، عن طريق تبادل للأراضي من داخل إسرائيل نفسها. ويقول الفلسطينيون إن هذا يتماشى مع العروض الإسرائيلية لكل دولة عربية أخرى على حدودها.
ومن شأن هذا النهج أن يتيح لإسرائيل الاحتفاظ بما يصل إلى 80 بالمائة من المستوطنين الذين يعيشون على أقل من 5 بالمائة من الأراضي [التي سيطرت عليها إسرائيل] بعد عام 1967، في أماكن متاخمة بدرجة كبيرة للحدود القديمة. ومن ثم لا يمكن حينها اعتبار المستوطنات بأنها تأتي على حسابهم -- بسبب المبادلة.
ومن غير المرجح أن يؤديا البيانين إلى حل كافة المشاكل، حيث لا تزال هناك مسائل أخرى قائمة -- بما في ذلك النقطة الحاسمة بشأن ترتيبات أمن الحدود. إلا أن البيانات التي تؤكد هذه النوايا بشأن الأراضي والاعتراف بالآخر يمكن أن تبرهن على حدوث انفراجة. ويمكن أن تحوّل بشكل هائل المشهد السياسي العقيم حالياً.
وإذا لم يتم تجاوز تلك العتبات التاريخية، فمن المرجح أن تتراجع آفاق السلام إلى الوراء بقدر ما يحاول الشرق الأوسط الاندفاع بسرعة إلى الأمام.
ديفيد ماكوفسكي هو زميل زيغلر المميز ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن.


رد مع اقتباس