النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: اقلام واراء محلي 634

مشاهدة المواضيع

  1. #1

    اقلام واراء محلي 634

    اقلام محلي 634
    26/2/2014

    في هذا الملـــــف:
    الحقوق الفلسطينية الثابتة أولاً وقبل خطة الإطار
    بقلم: حديث القدس – القدس
    لماذا منطقة الاغوار بهذه الاهمية لنا؟
    بقلم: الدكتور عقل أبو قرع – القدس
    عن «الخطر الإسلامي»..
    بقلم: عبد الإله بلقزيز – القدس
    الأقصى عقيدةٌ.. فمن يذودُ عنه؟!
    بقلم: عزيز العصا – القدس
    أبو مازن المحيِّر؟ شريك ـ لا شريك؛ وسيط ـ لاعب !
    بقلم: حسن البطل – الايام
    القدس: إسرائيل تلعب بالنار
    بقلم: أشرف العجرمي – الايام
    عن الرئيس وآخرين
    بقلم: محمد نجيب الشرافي – الايام
    القدس: حق فلسطيني وذاكرة عربية
    بقلم: هاني فحص – الحياة
    الــــمقـــاطـــعـــة
    بقلم: هاني المصري- معا













    الحقوق الفلسطينية الثابتة أولاً وقبل خطة الإطار
    بقلم: حديث القدس – القدس
    يشهد الأسبوع القادم في البيت الأبيض بواشنطن، وفقا لتقارير وكالات الأنباء، لقاء بين الرئيس محمود عباس والرئيس الأميركي باراك اوباما ستكون خطة الإطار التي أعدها وزير الخارجية الأميركي جون كيري والتي ستتمحور حولها التسوية النهائية للصراع الفلسطيني- الاسرائيلي. وهي خطة يتفق المراقبون على أنها تتعارض، كليا أو جزئيا، مع الحقوق الوطنية الفلسطينية الثابتة التي ناضل من أجلها شعبنا خلال الستة والأربعين عاما الماضية.
    وفي الأسبوع ذاته، يلتقي اوباما رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يرفض عمليا أي خطة ترمي لوقف الاستيطان وانسحاب الجيش الاسرائيلي من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧. وموقف نتنياهو يستند إلى المناورات السياسية ومحاولة إخفاء معارضته الفعلية، حتى للبنود القليلة في خطة الإطار الداعية لإقامة الدولة الفلسطينية بمواصفات متواضعة للغاية. وهو يراهن على ضغوط اللوبي اليهودي اليميني في الولايات المتحدة لتجاوز خطة الإطار، وإطلاق يده في التوسع الاستيطاني وتكريس الاحتلال.
    ولم تكن فكرة يهودية اسرائيل إلا نوعا من الشروط التعجيزية التي يُقصد بها إحراج الفلسطينيين، لأن رئيس الوزراء الاسرائيلي يدرك جيدا أن هذه الفكرة لم تطرح على كل من مصر والأردن كشرط للتوقيع على معاهدة السلام بين اسرائيل وهاتين الدولتين. وطرح هذه الفكرة على الفلسطينيين وحدهم يعني، ببساطة، أن نتنياهو لا يريد تحقيق السلام مع الجانب الفلسطيني، وإنما يضع العقبات الكبرى في طريق التسوية السلمية، ما يجعل التوصل إليها في خانة المستحيل.
    وقد أوضح الرئيس عباس أكثر من مرة أن الفلسطينيين يرفضون الاعتراف بيهودية اسرائيل، لأنه ليس من شأنهم تحديد هويتها، وليسوا هم الذين يملكون إمكانية المصادقة على أي وصف يتم إطلاقه عليها. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى، فإن الاعتراف بهذا التوصيف من شأنه شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، واعتبار فلسطينيي الداخل غير ذوي صلة بالدولة التي يعيشون فيها، وعاشوا على أرض وطنهم قبل قيام اسرائيل وبعد قيامها. وليس لأحد أن يقطع صلة انتمائهم لهذه الأرض، مهما كان الاسم والصفة اللتان تطلق على، أو توصف بها، الدولة المقامة على هذه الأرض.
    والتجاهل الذي توليه خطة الإطار لقضية عودة اللاجئين سيكون بمثابة القنبلة الموقوتة التي ستنسف أي اتفاق سلام يخلو من حل قضيتهم وفقا لقرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها القرار ١٩٤. والسؤال هو : أي تسوية سلمية ستصمد في وجود ستة ملايين من اللاجئين الفلسطينيين في حالة تشرد وحرمان من الحقوق المدنية والسياسية والإنسانية؟.
    إن شطب قضية اللاجئين سيعيد القضية الفلسطينية إلى المربع الأول، ولما كانت عليه عقب نكبة ١٩٤٨ مباشرة. والفترة بين عام النكبة هذا وعام النكسة التي وقعت بعد تسعة عشر عاما كانت حافلة بالحروب والعنف، ورفض التفاوض مع اسرائيل. فهل تريد الولايات المتحدة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ستة وستين عاما؟. ولماذا تضيع اسرائيل، بتصلبها ورفضها الاعتراف بالحقوق الفلسطينية الثابتة، فرصة نادرة لإنهاء الصراع وتحقيق السلام؟.
    الحقوق الوطنية الفلسطينية هي ركائز السلام، وتجاهلها لن يوصل المنطقة إلى أي مكان. ومن المفروض أن تشملها خطة الإطار وإلا فلن تكون خطة إطار للتسوية، وإنما مدخلا لمرحلة جديدة من التوتر والغموض، والرجوع إلى نقطة انطلاق الصراع من جديد.

    لماذا منطقة الاغوار بهذه الاهمية لنا؟
    بقلم: الدكتور عقل أبو قرع – القدس
    خلال الايام القليلة الماضية، قام اليمين الاسرائيلي، بحملة واسعة تهدف الى الضغط امن اجل التشبث بالاحتفاظ بمنطقة الاغوار الفلسطينية وعدم تركها في حال التوصل الى اي اتفاق سلام فلسطيني اسرائيلي شامل او دائم او حتى الى اتفاق اطار، ولاعجب ان من قام ويقوم بهذه الحملة هم من احزاب او تكتلات سياسية مختلفة، ومن ضمنهم وزراء ونواب وزراء ورؤساء كتل واعضاء في الكنيست، وكل ذلك من اجل التشبث بمناطق بالاغوار وعدم التفكير في الانسحاب منها اوحتى تجميد البناء فيها او التوسع في المستوطنات المعزولة المتواجدة هناك.
    ولا عجب بأن يتم المنادة من قبل هذه الاحزاب بأن تبقى منطقة الاغوار جزءاً من ارض او من دولة اسرائيل، الان وللاجيال القادمة كما ترفع حملة اليمين الاسرائيلي هذا الشعار، وهذا كله يؤكد كم هي مهمة او حيوية منطقة الاغوار، ليس للجانب الاسرائيلي، ولكن للمواطن الفلسطيني او للدولة الفلسطينية القادمة في المستقبل، من نواحي عديدة متنوعة، منها المياه والزراعة والسياحة والصناعة والثروات المعدنية والتواصل مع الداخل والاهم البعد النفسي والسياسي من خلال التواصل مع الخارج وما يعنية ذلك من معابر وحدود وسيادة واستقلالية، والتنقل بحرية او بسهولة او بكرامة، بعيدا عن التفتيش والتأخير والانتطار والاهانة.
    ومعروف ان منطقة الاغوار تشكل حوالي 30% من مساحة الضفة الغربية، وحسب تصنيف المناطق الى ا، وب، وج، فأنها تشكل نسبة كبيرة من المناطق المصنفة ج، اي المناطق المهمة والاستراتيجية، او المناطق التي بقيت وما زالت وحسب اتفاقية اوسلو تحت السيطرة الاسرائيلية الكاملة، اي التي وبشكل عام لا يستطيع الجانب الفلسطيني استغلالها او التحكم بها استراتيجيا وما لذلك من خسائر فادحة على الاقتصاد الفلسطيني.
    وهذا ما اكده تقرير صدر قبل فترة عن البنك الدولي، الذي اشار الى منطقة الاغوار كمناطق لا يمكن للجانب الفلسطيني ان يستخدمها، ومن ضمن ما اشار اليه التقرير هو اهمية الاغوار للاقتصاد الفلسطيني، الذي تمتاز تربته بالخصوبة العالية ، القادرة على انتاج محاصيل متنوعة، للاستهلاك المحلي وللتصدير، والذي يحوي ثلث احتياطات الضفة من المياه الجوفية، وتأكيدا لاهمية مناطق الاغوار للفلسطينيين، فقد اشار تقرير البنك الدولي الى ان انتاج المستوطنات الاسرائيلية في الاغوار فقط في الوقت الحالي، يصل الى حوالي 500 مليون شيكل سنويا، وبأن حوالي 70% من انتاج الاردن من الخضار والفواكه يأتي من الجانب الاردني من مناطق الاغوار، الذي يماثل الجانب الفلسطيني.
    وبالتالي فلا عجب من اهمية منطقة الاغوار الزراعية لنا، حيث يمكن ان تكون مناطق الاغوار السلة الزراعية الاساسية للفلسطينيين، اسوة او مقارنة مثلا بمنطقة البنجاب الهندية، التي تعتبر السلة الغذائية لدولة ضخمة مثل الهند، خاصة واننا بحاجة الى توفر المحاصيل الزراعية بالكمية والنوعية وبالسعر المناسب وفي الوقت اللازم، اي اننا بحاجة الى توفر نوعا ما من الامن الغذائي، واننا كذلك بحاجة الى انتاج محاصيل بنوعية متميزة وفي اوقات ملائمة للتصدير، ومنطقة الاغوار هي القادرة على تحقيق ذلك، الان وفي المستقبل.
    ومناطق الاغوار تحوي الارض المستوية، اي الاراضي السهلة المتواصلة، اي التي يمكن الاستثمار فيها او اقامة مشاريع استراتيجية كبيرة وبأنواعها، والتي تحتاجها الدولة الفلسطينية القادمة من اجل الانتاج، والاهم من اجل التشغيل او التخفيف من شبح او من غول البطالة الذي بات يشكل هاجسا تقريبا لكل شاب فلسطيني، وبالاخص لكل خريج فلسطيني، ومن هذه المشاريع الضخمة، المطارات والمصانع بأنواعها وشركات التكنولوجيا والخدمات والتصنيع الزراعي وصناعة السياحة.
    وفي وضع مثل اوضاعنا من الحاجة المتزايدة للمياه، اي المياه الصالحة، وفي ظل عدم وجود مصادر اساسية للمياه السطحية في بلادنا، وفي ظل انقطاع مياه الامطار واحتمال تواصل هذا الانقطاع، فإن خزانات المياه الجوفية التي تحويها مناطق الاغوار هي الحل، للحياة وللزراعة وللاقتصاد وللنشاط البشري، وكيف للدولة الفلسطينية القادمة بأن تحيا وتتقدم وتزدهر بدون مياه، اي بدون مياه الابار الجوفية التي تتواجد في مناطق الاغوار، وكذلك بدون ذلك الجزء البسيط من المياه السطحية للفلسطينيين اي تلك الحصة من نهر الاردن.
    ومعروف ان من مقومات او من مكونات الناتج القومي الاجمالي الفلسطيني التي لم تستغل كفاية هي السياحة، واستغلال السياحة ليس فقط للحفاظ على الوضع الحالي ولكن لتحقيق النمو و الزيادة في هذا الناتج القومي، اي الزيادة في الانتاج وتشغيل الاعداد المتزايدة من حملة الشهادات وبأنواعها، ولكي تنشط السياحة وتحقق الحصة المنشودة في الاقتصاد الفلسطيني فهي بحاجة الى
    منطقة الاغوار، التي تشمل اقدم موقع في التاريخ، وتحوي اخفض نقطة في العالم، والتي تحوي كذلك مدينة اريحا ومناخها الشتوي المميز وتحوي قصر هشام وتحوي البحر الميت وما يضمة من ثروات واملاح وموقع ومناخ وكل ذلك عوامل جذب للسياح وبأنواعهم، ومن مختلف الاديان والاجناس والاعمار والدول.
    وهناك كذلك الصناعة التي يمكن ان تقوم بالاعتماد على السياحة كما يمكن ان تقوم على الزراعة، اي الصناعة التي يمكن ان تقوم باستغلال الثروات المعدنية بأنواعها من البحر الميت، وهناك الصناعة التي يمكن ان تستغل المناخ الفريد والتربة المتنوعة التي تحويها الاغوار، من زراعة للنخيل ومن ثم انتاج التمور، او من زراعة الموز او الازهار او النباتات الطبية، او محاصيل او انواع محددة من المحاصيل التي يمكن زراعتها ومن ثم استغلالها صناعيا في الاغوار فقط.
    وللدولة الفلسطينية، تعتبر مناطق الاغوار هي الحدود الاهم لها مع الجانب الاردني ومن ثم مع العالم، والاهم للتواصل مع الخارج، والاهم من حيث المعابر والتصدير والاستيراد، والاهم من حيث السفر والتنقل للفلسطينيين، ولا اعتقد ان اي شخص منا قد سافر عبر الاغوار في الوقت الحالي ولم يقسم بأنه لن يعاود السفر بسبب ما يتلقاه من التأخير والاحباط والانتظار وخسارة الوقت والتعب.
    ولذا، وبالاضافة الى اهميتها الاقتصادية، فإن الاغوار مهمة سياسيا ونفسيا للمواطن الفلسطيني، الذي تمنى وما زال يتمنى بأن يكون اسوة او مماثلاً للناس وللمواطنين في بلدان العالم المختلفة، من حيث السفر والتنقل والاحترام وعدم مشاهدة او التعامل مع قوة اخرى او جهة غريبة، تحكمت و تريد ان تواصل التحكم في مجرى حياته، وللتخلص من هذا الوضع او من هذه العقدة، يمكن تصور اهمية منطقة الاغوار للمواطن الفلسطيني، وللاقتصاد الفلسطيني، وللمستقبل الفلسطيني وللدولة الفلسطينية، وبالتالي فانه ومن المفترض، وكلما ازدادت حملات اليمين الاسرائيلي حدة من اجل مواصلة التمسك بمناطق الاغوار، فإن على الجانب الفلسطيني ان يزداد اصرارا وثباتا بعدم التنازل او التفريط بمناطق الاغوار او بجزء منها، ولو كان ذلك تحت اية مسميات او صيغ او معادلات او مناورات او ترتيبات غير واضحة او غير مقنعة للمواطن الفلسطيني؟.


    عن «الخطر الإسلامي»..
    بقلم: عبد الإله بلقزيز – القدس
    منذ انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره "الاشتراكي" وزوال ما سمَّتْه الدعاية الغربية طويلاً باسم "الخطر الشيوعي"، انصرف كثير من الباحثين الأمريكيين والأوروبيين، في الجامعات ومراكز الدراسات والأبحاث، ونظيرهم من الصحفيين والإعلاميين في كبرى الصحف وقنوات البث التلفزي الفضائي، إلى التحذير - ابتداءً- من صعود خطرٍ جديد هو "الخطر الأصولي" الإسلامي، وصولاً إلى التهويل منه، وتعزيز ذلك التهويل بانتقاء أحداث عنفٍ بعينها - معزولة عن سياقها ومجمل أسبابها وعواملها - لإقامة الدليل بها شواهد قوية ناطقة بذلك "الخطر" .
    ولقد استمرأ إسلاميون عديدون التوصيف الغربي لهم بوصفهم ورثة شرعيين للشيوعيين، فأعادوا تسويق الرواية الأمريكية في أوساطهم ولدى جمهورهم، متباهين بها، متفوقين على أنفسهم في تصديقها، بل ما تردد قسمٌ منهم في تعميم العِلْمِ بها لدى سائر الخليقة في العالم، وخاصة خارج "دار الإسلام"، أعني: في مجتمعات أوروبا وأمريكا الشمالية، متجاهلاً أن ذلك التعميم هو بمثابة الضبط بالجُرم في "حالةِ تلبُّس"، وبمثابة الطعم المسموم الملقى به إليه على سبيل الاستدراج والإيقاع في الشراك، وهذا عينُ ما بلغته الأزعومة الغربية - الأمريكية واستحصلته من غير كبيرِ مشقة وعناء .
    في غمرة تلك الحماسة الإسلامية النافرة لتأكيد صك الاتهام الأمريكي للإسلام بالتنزل منزلة "الخطر" الجديد على مصالح الغرب، بعد زوال الخطر الشيوعي، نسي راديكاليو "الإسلام الحزبي" أن يتساءلوا عن دواعي وخلفيات هذا "التشريف" الأمريكي - الغربي لهم بتهمة الضلوع في النهوض بما نهض به الشيوعيون قبلاً، كانوا في عجلة من أمرهم لاحتطاب نتائج رواية زائفة لم يتبينوا فيها ما ينبههم إلى أن الذي احتطبوه ليس أكثر من كومة أعواد يابسة لا تصلح إلا للإلقاء بها في مواقد السياسة الأمريكية المعدة، بإحكام، لمجتمعات العالم الإسلامي .
    ولقد دفعت المجتمعات الإسلامية المعاصرة ثمن تينك الحماسة والخفة غالياً وعلى أكثر من صعيد: كان حصار العراق وأفغانستان والسودان وليبيا، وإشعال فتيل الاقتتال الأهلي في بعض تلك البلاد من ثمار ذلك، وكان الاستنزاف الدموي اليومي في الجزائر لوحدة البلاد، واستقرارها السياسي، وسِلْمِها الأهلي، ودورها الإقليمي، طوال سنوات التسعينات، مثلما كان نقل مسرح العمليات الإرهابية إلى المملكة العربية السعودية والمغرب والعراق ولبنان وسوريا، من الشواهد الكبرى على ذلك.
    وعلى المنوال نفسه جرت الأمور في مصر، ومنذ النصف الثاني من الثمانينات، وخاصة منذ ازاحة محمد مرسي من السلطة، فلقد أُهْرِق دم غزير من دماء المصريين وضيوفهم بغير حساب، وتعرضت فيه الدولة والاقتصاد والسياحة والأمن لاستنزاف لم يقو على بلوغه حتى الجانب الاسرائيلي من خارج، وما انحصر أمر هذا العقاب على المسلمين في ديارهم فقط، بل طالهم في بلاد المهجر أيضاً، خاصة في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية، ويكفي أنهم حوصروا - في بعض دول أوروبا وفي أمريكا - بترسانة من القوانين الجديدة تحد من حقوقهم وحرياتهم، وتضع القيود على مؤسساتهم، ثم تقفل باب الرزق على غيرهم من طالبي الهجرة إلى ديارها، وأكثر تلك القوانين قسوة ما صدر منها بعد هجمات الحادي عشر من أيلول 2001 في نيويورك وواشنطن وبنسيلفانيا، وبعد الهجمات التي طالت محطات القطار في إسبانيا، ومحطة الميترو في لندن .
    لم تكن دول الغرب هي من فتحت على المسلمين دائماً جحيم الموت والمهانة، فعل ذلك معها نشطاء عديدون من الحركات الإسلامية الراديكالية، من خلال حروب "الجهاد" التي فتحوها على دولهم وأجهزة أمنها، بل على شعوبهم، ومثقفيهم، وصحفييهم، ممّن أفتوا بسفك دمائهم كما حصل - ويحصل - في الجزائر ومصر، مثلما فعلوا ذلك من خلال نقلهم ساحة عملياتهم المسلحة إلى أوروبا وأمريكا، بل إلى قلب إفريقيا، كما حصل في نيروبي، ودار السلام . . الخ ولقد أتقنت دول الغرب استغلال سوابق العنف هذه لتُرتِّب عليها حُكماً يقضي بوجود تلازمٍ بين الإسلام والإرهاب، بل ولترتب عليها سياسات عقابية أو إقصائية تجاه قسم كبير من المجتمعات الإسلامية، مثلما وجدت ألسنة لها تسوغ سياسات العدوان تلك (برنارد لويس وتلامذته من المثقفين والإعلاميين) .
    ما نسيه الإسلاميون الراديكاليون، في تصديقهم الرواية الغربية بأنهم الخطر الجديد - بعد الشيوعيين - على الغرب، وفي اندفاعاتهم الهوجاء لإقامتهم الدليل المادي على أنهم كذلك، ما نسيه هؤلاء هو أن الغرب استدرجهم، بذكاءٍ واحتيال، إلى ارتكاب مثل تلك الحماقات كي يتخذها ذريعة لشرعنة سياساته العدوانية تجاه العالم الإسلامي، وهي سياساتٌ تتغيّا، في المقام الأول، التضييق على هذا العالم، والسيطرة عليه مباشرة أو وضعه تحت مجهر المراقبة الدقيقة لأسباب تتعلق بشعور قديم لدى دول الغرب بأن هذا العالم الإسلامي بات زاخراً بالإمكانات والطاقات والموارد الهائلة - الطبيعية والبشرية - التي تؤهله للتحوّل إلى قوّة كبرى في العالم المعاصر قد تلعب أدواراً حاسمة في المنافسة الكونية، مع القوى الكبرى الدولية، خلال العقود المقبلة من هذا القرن الجديد، سواء في المجالين الاقتصادي والتجاري أو في المجال العسكري .
    لا نتزيَّد فيما نقوله، بل نعرف - على وجه اليقين - أن الغرب يحسب ألف حساب لعالمٍ إسلامي سيشكل - بعد أقل من عقدين - رُبُع ساكنة الأرض، وستدخل خمسٌ من دوله نادي القوى النووية خلال ذينك العقدين، وسيصل فيه عدد الدارسين في الجامعات عدد سكان الولايات المتحدة في منتصف هذا القرن الجديد، وسيظل فيه النفط مصدر الطاقة الرئيسي للصناعة في العالم خلال ثلاثة عقود على الأقل .
    إسلاميونا الراديكاليون لا يفكرون إلا في "منافع" هذه اللحظة، أما أعداؤهم فيخططون لعقودٍ مقبلة، لذلك، فالأذكياء يراهنون دائماً على حماقات الأغبياء ليصلوا من طريقها، إلى مبتغاهم .

    الأقصى عقيدةٌ.. فمن يذودُ عنه؟!
    بقلم: عزيز العصا – القدس
    في ظل الظروف المأساوية التي تحياها الأمة، هذه الأثناء، من الطبيعي أن ينتشر "البغاة" في الأرض التي تخلو من حماتها. وأما معنى "البغاة" ووصفهم وسماتهم فقد ورد في المعجم الوسيط: (بغى) فلانٌ بغياً: تجاوز الحدَّ واعتدى، وتسلَّط وظلم، وسعى خارجاً على القانون. ولعل التعريف الأبرز لمعنى البغاة هنا "الجرح: وَرِمَ وأَمَدَّ".
    إن ما يقول به نتانياهو وأركان حكومته، ويصرحون به على الملأ، خير دليلٍ على الواقع الموصوف أعلاه. فقد ورد على موقع "المصدر، بتاريخ: 17/2/2014" أن زعيم حزب "البيت اليهودي" ووزير الاقتصاد في حكومة نتنياهو "نفتالي بينيت"، يقول: “اليهود في يهودا والسامرة لن يغادروا لأي مكان، وحينما نشاهد دولا عربية من حولنا تنهار، لا أرى فائدة في التخلي عن المزيد من الأراضي لنعرف ماذا سيجري حين تقام دولة فلسطينية على بعد 10 دقائق من القدس”.
    يطل علينا "بينيت" بأقواله تلك، في نفس الوقت الذي تدعو “ربانيم”؛ وهي مرجعيات دينية يهودية، للمشاركة في صلوات يهودية جماعية في المسجد الأقصى بهدف “إنجاح النقاش في الكنيست” بخصوص نقل ”السيادة والولاية” على المسجد الأقصى للجانب الاسرائيلي بدلا من المملكة الأردنية عن: موقع مؤسسة الأقصى للوقف والتراث، بتاريخ: 17/2/2014).
    لا شك في أن ما ورد أعلاه، من بيانات وتحذيرات، مثال صارخ على حجم الصراع الذي تدور رحاه على أرض فلسطين بشكل عام، والقدس والأقصى بشكل خاص. ففي أقوال وزير الاقتصاد الاسرائيلي تحدٍ واضح للأمة بأن "فلسطينهم"، بما فيها من تاريخ وجغرافيا وديمغرافيا، هي قيد "التهويد" الذي لا رجعة عنه. وفي دعوة “ربانيم” استعجال لهدم الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم، كما أن الكنيست الحالية بمشاريعها المذكورة "تقلب ظهر المجن" للأردن الذي عقدت معه اتفاقية سلام، والذي يأخذ دوره الديني والقومي في الإشراف على الأوقاف في القدس منذ عشرات السنين؛ بناءً على اتفاقيات واضحة، ولكن يبقى القرآن الكريم هو الفيصل في وصفه للمؤسسات الاحتلالية وسلوكياتها، بقوله تعالى: "أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم"البقرة: 100.
    من جانبٍ آخر يمكننا قراءة المشهد من النواحي التالية:
    1) هناك حالة "تناغم" وتبادل أدوار بين أركان المؤسسة الاحتلالية في تعاملها مع الشأن المقدسي، لا سيما فيما يتعلق بالمسجد الأقصى بالذات؛ فالكنيسيت تشرّع القوانين، والحكومة تنفذها، والأجهزة الأمنية توجه ضباطها وعناصرها، وحتى موظفي الدولة الرسميين، لمرافقة المستوطنين وحمايتهم ومؤازرتهم أثناء عمليات الاقتحام المتكررة للمسجد الأقصى.
    2) تهدف الاقتحامات، بشكلها الحالي، إلى "جس النبض" وترويض الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي، تدريجياً، للوصول إلى اليوم الموعود؛ الذي يتم فيه "اجتياح" المسجد الأقصى وفعل فعلتهم الموعودة في إقامة الهيكل المزعوم.
    3) إن في إلغاء "السيادة الأردنية" عن المسجد الأقصى خطوة "استراتيجية" للانفراد به من أجل تقسيمه؛ زمانياً ومكانياً، لتحويل الاقتحامات إلى حالات استقرار في المسجد الأقصى ووضع قدمهم، بثبات، فيه.
    يحدث هذا في المسجد الأقصى إلى جانب عواصف هوجاء تجتاح القدس، فوق الأرض وتحت الأرض، ومن كل الاتجاهات، بما لا يستثني مسجداً ولا ديراً ولا كنيسة ولا منشأة (دينية أو مدنية)، بهدف التهويد وانتزاعها من الجسد الفلسطيني، إلى غير رجعة.
    هنا؛ يبقى السؤال الاستراتيجي: من الذي يكابد في مواجهة الإجراءات و/أو يعيق تنفيذها؟
    قبل الإجابة على هذا السؤال لا بد من الإقرار بأن الأمة (العربية والإسلامية) أصبحت خارج معادلة الصراع على هذه الأرض؛ بما تعيشه أقطارها من حروب أهلية وخلافات واختلافات بين أركانها السياسية والعسكرية، وبما تعيشه من الهوان والتشتت والرضوخ لإرادة القوى العظمى المسيطرة على تفاصيل شئونها الداخلية والخارجية.
    حينئذٍ؛ تأتي الإجابة المشبعة بالألم؛ وهي أن هناك من يحتضن القدس، ويذود عنها كما تذود الأم عن وليدها.. إنهم الأحرار والماجدات "العزل"؛ الرابضين خلف جدار الفصل من المقدسيين وفلسطينيي الداخل المرابطون الذين يمضون النهار وقوفاً، ويقضون الليل سهراً، ويصلون الليل بالنهار؛ دفاعاً عن قدس "الأمة"؛ بأقصاها وقيامتها وكل حبة من ترابها الطهور.
    نقول هذا ونحن نرنو إلى الخيرين من أبناء الأمة وننتظرهم أن يهبوا بالمساعدة والإسناد، وأن يتقوا الله في أنفسهم، فالتاريخ لن يرحم متقاعساً عن الذود عن وطنه ومقدسات عندما يصبح الجرح وقد "وَرِمَ وأَمَدَّ". نقول هذا، ونحن نردد قول الشاعر الفلسطيني ماجد الدجاني في قصيدته "ولا عزاء يا قدس":
    أنا يوسف الملقى هنا في جبهم والكل ينعى في الدروب مماتي .... قالوا معا اذهب وربك قاتلا إنا هنا نحميك بالدعوات

    أبو مازن المحيِّر؟ شريك ـ لا شريك؛ وسيط ـ لاعب !
    بقلم: حسن البطل – الايام
    هيك في المثل العامي اللبناني: "اللّي ما عندو كبير يستأجر له كبير". كان كبير الفلسطينيين عرفات كبيراً حقاً. في عز حصار بيروت 1982 سألني جاري الماروني إيليا مهنّا: "لو ما طلع أبو عمار بسلام.. شو راح يصير فيكم"؟
    قلت ما قاله الشاعر: "شعبنا ليس بعاقر".. عبس العم إيليا وقال مثلاً آخر: شوف..! بطن الأمة مثل بطن الأم ما بيخلّف اثنين كبار وراء بعض.
    كان الكبير أبو عمار، بلسانه هو: مصري الهوى من حيث التنشئة، وخَلَفه أبو مازن، الذي يقولون إنه سوري التنشئة، ولكنهما برهنا أن "بطن الأمة" الفلسطينية قادر على إنجاب كبيرين متعاقبين!
    أبو عمار تدخّل في سورية (ولو رداً على تدخّل سورية في منظمته وتدخلها في لبنان) واقترف غلطة دعم التمرد في حماة، ودافع بضراوة سياسية وبالكواليس عن "القرار المستقل" لكنه بعد خروج بيروت 1982 ثم خروج طرابلس ـ لبنان مال إلى التوازن في سياسة الخلافات العربية، مع مرارة سياسية ـ شخصية لأن سورية حالت دون حضوره مؤتمر قمة بيروت العربية، حيث طرحت السعودية "مبادرة السلام العربية".
    لأبو مازن سياسة عربية أخرى، وربما سياسة فلسطينية أخرى، لأن الظرف العربي والفلسطيني تغير، وربما لأنه يفهم سورية خلاف ما فهمها عرفات، بحكم اللجوء والتنشئة في سورية.
    سياسة أبو مازن العربية هي: عدم التدخل في الشؤون العربية وخلافاتها ومعسكراتها، لكن دون إهمال سياسة الوساطة ودبلوماسيتها العلنية والسرية، وإبعاد جاليات اللجوء والعمل الفلسطينية عن الصراعات العربية والإقليمية، التي تأكل من صحن الاهتمام العربي والإقليمي والدولي بالقضية الفلسطينية.
    الأزمة السورية شارفت حدود نكبة سورية وعربية .. وفلسطينية، حيث "غابت القضية الفلسطينية عن الإعلام العربي والعالمي لتحل مكانها أخبار الغوطة ودرعا.." يقول أبو مازن!
    بينما الدول العربية والإقليمية المجاورة لسورية تتدخّل وتؤجّج أزمتها، فقد اختار الكبير أبو مازن دور "ساعي خير غير منحاز".
    كشفت صحيفة "الأخبار" اللبنانية المقربة من حزب الله دوراً كبيراً و"سرياً" لعبه الكبير الفلسطيني أبو مازن بين المعارضة ـ المتعارضة لتوحيدها، وبين المعارضة والنظام للوصول إلى حل تفاوضي، وبين النظام والمعارضة والقوى الكبرى الدولية اللاعبة (روسيا ـ أميركا) في الأزمة السورية.
    ذروة الوساطة كانت في آذار قبل عام، عندما اهتم الرئيس بوتين بالأفكار الفلسطينية خلال لقائهما في موسكو، وبعد أيام طرح أبو مازن هذه الأفكار على الرئيس أوباما خلال زيارته لرام الله، وأقنعه بتجاوز الشروط المسبقة على ترشيح الأسد لدورة رئاسية جديدة، وصلاحيات الأسد في حكومة انتقالية ذات صلاحيات.
    قوة الدفع لدور الوساطة الفلسطينية جاءت بعد نجاحها في إطلاق "مخطوفي اعزاز" اللبنانيين، ثم إلى جانب فكرة حوار سوري ـ سوري، سعى أبو مازن لربط خيوط اتصال بين القيادة السورية وكل من المشير عبد الفتاح السيسي والرئيس أوباما.
    لم تكن الوساطة الفلسطينية بعيدة عن حل لمسألة الترسانة الكيميائية السورية، ولا عن عقد جلسة مؤتمر جنيف ـ 2، ولكن مع ترك الإعلان عنهما إلى موسكو.
    لم ينجح مؤتمر جنيف ـ 2 لكن لدى أبو مازن خطة أخرى قد تنجح أو لا تنجح، والمهم أن تقدير القيادة السورية لوساطة أبو مازن يفسر "حلحلة" جزئية لأزمة مخيم اليرموك، المسؤول عنها النظام والمعارضة والفصائل الفلسطينية معاً !
    الإسرائيليون مختلفون حول أبو مازن "الشريك" أو "اللاشريك" والفلسطينيون مختلفون حول التفاوض والانتفاضة، والطرفان حول دور كيري في الوساطة بينهما.
    لكن، وخلافاً للتدخل العربي والإقليمي والدولي لتأجيج الأزمة السورية، فإن أبو مازن يلعب دوراً أفضل من أدوار تهدف لتدمير سورية.
    غادرت السلطة سياسة الانخراط والانحياز في الصراعات العربية، ووجهت كل جهودها نحو صراعها مع إسرائيل ودور الوساطة الأميركية المنحازة لإسرائيل.
    "صفر مشاكل" مع الدول العربية، لمواجهة "كل المشاكل" في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
    في تاريخ الزعامة الفلسطينية أنها ليست "رخوة" لا في القتال، ولا في السياسة، ولا في التفاوض.
    كان الكبير أبو عمار يقول: "ما كل طير يؤكل لحمه".
    القدس: إسرائيل تلعب بالنار
    بقلم: أشرف العجرمي – الايام
    بالأمس طرح موضوع فرض السيادة الإسرائيلية على الحرم القدسي بناء على اقتراح عضو الكنيست من "الليكود موشيه فيغلين اليميني المتطرف الذي كان طوال الوقت يدعو اليهود للذهاب إلى الحرم القدسي بالآلاف لتثبيت سيادة اليهود في الحرم، والذي طالب اليهود الإسرائيليين بالتضحية من أجل هذا المكان المقدس، حتى كتابة هذه السطور ليس واضحاً ما هي نتيجة هذا النقاش، ولكن مجرد الفكرة والموافقة على بحث الموضوع يشكلان استفزازاً كبيراً لكل فلسطيني وعربي ومسلم. خصوصاً وأن المتقدم بالاقتراح هو من الحزب الحاكم حزب بنيامين نتنياهو.
    ولا شك هذا البحث يشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية لا تتجه إطلاقاً نحو ليس فقط التوصل إلى اتفاق سلام بل إن اتفاق إطار أصبح مستبعداً تماماً.
    السياسة الإسرائيلية المتعلقة بالقدس مبنية على قاعدة القرار الذي اتخذ في الكنيست مباشرة بعد احتلال القدس الشرقية في حزيران العام 1967 بضمها إلى القدس الغربية، والتي أصبحت موحدة عاصمة إسرائيل الأبدية عندما اقر قانون القدس في العام 1980، ومنذ اللحظة الأولى للاحتلال كان التفكير الإسرائيلي بتوسيع القدس وضم عدد كبير من المستوطنات إليها في مشروع القدس الكبرى وتهويد القسم الشرقي منها داخل البلدة القديمة وخارجها بما في ذلك الأحياء العربية التي تقع في المدينة وحولها.
    وكان الهدف الإسرائيلي اخلاء المواطنين العرب من هذه الأحياء والاستيلاء على الأرض والبناء لليهود فيها، وهذا يشمل السيطرة على البيوت الفلسطينية بالشراء أو التحايل أو المصادرة ووضع اليد.
    ولكن إسرائيل فشلت في السيطرة بشكل كامل على البلدة القديمة على الرغم من محاولات شراء البيوت هناك ودفع مبالغ أسطورية للمواطنين الفلسطينيين لترك بيوتهم.
    والنجاح هنا جزئي فقط شمل بعض ذوي النفوس الضعيفة أو عمليات السمسرة والاحتيال. ولكن بقيت غالبية فلسطينية واضحة في البلدة القديمة. كما أن الفشل الإسرائيلي كان كبيراً في موضوع السيطرة على الحرم القدسي وكل المحاولات التي شملت حتى إحراق المسجد الأقصى لم تنجح في فرض سيطرة وإدارة إسرائيلية كاملة على الحرم.
    وإذا كانت السلطات الإسرائيلية بين الحين والآخر تسمح لليهود المتطرفين بزيارة الحرم وأداء طقوس دينية فيه.
    وبقي هذا الموضوع بمثابة غصة في حلق كل المتطرفين الذين يدعون أن الاقصى بني مكان الهيكل اليهودي، مع أن كل الحفريات التي أجرتها سلطة الآثار الإسرائيلية والبعثات الدولية لم تجد دليلاً واحداً ولو صغيراً يؤكد الادعاءات الإسرائيلية بشأن مكان الهيكل أو يربط اليهود إلى نفس البقعة. بل إن بعض علماء الآثار الإسرائيليين تجرؤوا على الإعلان صراحة بأن التوراة التي يستند لها اليهود كمرجعية تاريخية لا تصلح للتأريخ، وهي لا تعدو كونها أساطير أو قصصا دينية لا علاقة لها بالواقع أو بجغرافية المنطقة.
    وما يدعو أشخاصاً مثل فيغلين وجماعة حزب البيت اليهودي يصعدون في تحركاتهم وتصريحاتهم بخصوص موضوع القدس والذي وصل ذروته بدعوة وزير الإسكان أوري أريئيل لهدم الأقصى وبناء الهيكل اليهودي مكانه، هو طرح مسألة القدس في المفاوضات والموقف الفلسطيني بأنه لا يمكن التوصل إلى سلام دون إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، والموقف الدولي الذي يرى في القدس الشرقية أرضا محتلة كباقي الأراضي التي احتلت العام 1967 و يرفض الاعتراف بالضم الإسرائيلي لها.
    ولعل الموقف الأوروبي الذي فرض على إسرائيل إخراج القدس والمستوطنات من مشروع دعم البيئة المسمى هوريزون 2020 كشرط لحصول إسرائيل على التمويل، وقبل ذلك الموقف الأوروبي من مقاطعة بضائع المستوطنات التي تشمل القدس والجولان، ورفض الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل والإصرار على بقاء السفارات في تل أبيب، هو التعبير الأكثر وضوحاً على الرفض الدولي لسياسة التهويد والضم التي تتبعها الحكومات الإسرائيلية جميعها. لهذا يشعر اليمين الإسرائيلي أنه في سباق مع الزمن لفرض أمر واقع يحاول أن يثبته محلياً ودولياً.
    ربما لا يدرك هؤلاء أن موضوع القدس هو من أكثر القضايا حساسية لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين وللمسيحيين، كما هو لليهود ويمكنه أن يفجر الوضع في المنطقة بأسرها إذا فرضت إسرائيل واقعاً لا يقبله الفلسطينيون أو عطلت حل الدولتين الذي يشمل القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين، والعبث بهذه المسألة هو ببساطة لعب بالنار التي قد تحرق كل شيء وأي موقف إسرائيلي رسمي في الكنيست أو الحكومة قد يؤدي إلى تدمير العملية السياسية بصورة تامة ويعيدنا إلى مربع المواجهة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى.
    وستكون ساحة الأمم المتحدة الساحة المركزية للصراع بيننا وبين إسرائيل، وفي هذا الملعب إسرائيل ستكون خاسرة بالتأكيد.
    يكفي الإسرائيليين ما يقوله مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في الاراضي الفلسطينية ريتشارد فولك الذي اعتبر في تقريره عن حالة حقوق الإنسان الفلسطيني أن السياسة الإسرائيلية تصل إلى مستوى التمييز العنصري تجاه الشعب الفلسطيني.
    ووصف ما يتعرض له الفلسطينون في القدس تحديداً بـ
    "التطهير العرقي"، وأن إسرائيل تقسم السكان في الأراضي المحتلة على "أساس عنصري".
    ومع موقف دولي واضح كهذا نحو كل سياسات الاحتلال الإسرائيلي ومع الاعتراف الدولي بفلسطين على حدود العام 1967 والتي تشمل القدس الشرقية لن يكون بمقدور إسرائيل أن تعيش خاصة إذا ما ترتب على ذلك مواقف دولية تصل إلى المقاطعة وفرض العقوبات.
    وقبل ان نصل إلى ذلك من المفروض أن يكون هناك موقف أميركي صارم إذا كانت واشنطن حريصة على العملية السياسية ومعنية بنجاحها.
    ومن المهم أن يكون تجميد ووقف الاستيطان مطروحاً كشرط لا بد منه إذا ما تم طرح خطة إطار للتسوية وإذا ما جرى الحديث عن تمديد المفاوضات.
    عن الرئيس وآخرين
    بقلم: محمد نجيب الشرافي – الايام
    يتعرض الرئيس محمود عباس لانتقادات واسعة وعنيفة إسرائيليا ودوليا ومحليا، كلٌ لديه أسبابه التي يراها وجيهة. هذه الأطراف متصادمة أصلاً لكنها تلتقي عند التعرض للرئيس تارة بالانتقاد وطوراً بالتخوين والتكفير وحتى التحريض بالقتل. رجل يقاتل على عدة جبهات، هجوم بعض أطرافها مبرر لأنهم أصلاً أعداؤه وهو في حالة اشتباك دائم معهم بالطرق السياسية والدبلوماسية، وآخرون يظهرون حيادهم ونزاهتهم، يصفون أنفسهم بالوسطاء، فيما هم لا يستطيعون معاداة أعدائه، وثالث لا يملك إلا النقد والتجريح، لا يتورع أحيانا عن استخدام أقسى مفردات اللغة في التعامل مع الرئيس.
    لا يتوقف الرئيس أمام ما يقوله الطرف الأول وان كان يقرأ في مواقفهم ما يفكرون، وهو معنيٌ إلى حد كبير فيما يطرحه الطرف الثاني. يحاول أن يوصل حجم المظالم التي يتعرض لها شعبه عله يكسب تعاطفهم وقرارتهم السياسية والاقتصادية.
    أما الطرف الثالث فيبدو موقفه محيراً يبعث على الحسرة حيناً والإشفاق أحيانا. ليس لهم مطلب سوى وقف المفاوضات وعندها يرون – إذا كانوا يرون شيئا – أن كل القضايا قد حُلت: الانقسام وقد انتهى وتحققت المصالحة والوحدة الوطنية.. الحصار وقد زال وتحقق الرغد والعيش والازدهار لغزة، المقاومة وقد انطلقت من جديد دون أن يكبلها أحد، المعارضة وقد أُذن لها أن تقول ما تشاء بلا رقيب، والمظاهرات السلمية تجوب الشوارع دون قمع أو إرهاب ودون اعتقال أو لعلعة رصاص وتلويح هراوات.. المعابر وقد فتحت على مصراعيها.. وشيخنا القرضاوي وقد غبرّ حذاءه بتراب القدس وغزة بعدما يطلق فتاوى النصر والتمكين، الانتخابات التشريعية تجري في موعدها ولا يتم التجديد تلقائيا لأعضائها فيما حكومة شطري الوطن تمارس مهامها بحرية.
    لماذا يا سيادة الرئيس أوقفت كل هذه الانجازات وأوقفت حياتنا.!؟ أنت متهم.
    نفس التهم، والأشخاص ذاتهم رفعوا عقيرتهم بالصراخ عندما قررت خوض المعركة الدبلوماسية لنيل عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، لدرجة أن أحداً ما لم يجد ما يقوله فأعلن تحفظه على الذهاب إلى الأمم المتحدة لأنها تقع في أمريكا وأن الأخيرة تسيطر عليها.!. وثمة من قال وأضاف واستطرد وتمرد، ولما أُعلنت نتيجة التصويت عدلوا موقفهم بخجل.
    الرئيس يخوض معركة مصيرية ينتظر بعض الناس نجاحا ليقولوا إنّا كنا معكم، وينتظر آخرون فشلا ليقولوا إنما نحن مستهزئون وقد حذرنا من قبل !. كيف يمكن أن نشرح للعالم موقفنا ونحن مختلفون إلى هذه الدرجة؟ في رأيي، أن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل أحد أكثر الرجال حنكة وبصيرة عندما أعطى الرئيس فرصة أخرى لتجريب المفاوضات، علها تأتي بما يستعصي على المقاومة المسلحة، وإلا لماذا هو صامت، فيما حزبه لا ينام دون تفتيش في قواميس اللغة عن مفردة جديدة لم يطلقها على الرئيس؟ أهي عملية توزيع أدوار، أم أن الرجل يمتلك بصيرة يفتقدها الآخرون؟
    أيا ما كان الأمر، فان المفاوضات يمكن أن تكون سرية أو علنية، غير أن النتائج لا يمكن أن تكون سرية، وتطبيقها يحتاج إلى إجماعٍ شعبي علني، دونه السراب.
    وفي رأيي، أن الحملة على الرئيس ظناً باحتمال موافقته على مقترحات كيري، قبل إعلانها، كمن طلب منه كتابة ملاحظات على مسرحية لم يشاهدها ولم يقرأ نصها. ولو شاهدها لقال عنزة ولو طارت !
    عقلية المناكفات والعناد على رأي يحتمل الخطأ أكثر من اقترابه من الصواب لن تجلب خيراً لفلسطين، ولا مستقبلاً زاهراً لشعبها. هؤلاء أشبه برجل سئُل عن بحثه ليلا عن محفظة نقوده في مكان غير المكان الذي فقدها فيه فقال: لا يوجد ضوء في ذلك المكان. أما هنا حيث أفتش فالضوء موجود!
    لا جدال في أن القول بعبثية المفاوضات يقلق الرئيس، قلقٌ يضاف إلى قلق صعوبة المفاوضات وإعيائها، كونها تتم تحت رعاية أميركية وليست دولية، وما يرافقها من ضغط نفسي وتهديد اقتصادي وعسكري واستيطاني، إضافة إلى قلق غياب أو تغييب المصالحة الوطنية، ذلك أن صورة الفلسطيني المنقسم على نفسه
    لا تشجع العالم على التعامل مع إسرائيل بطريقة ترضي أحداً منا.
    بصراحة أكثر، ما الذي نملكه بديلا عن المفاوضات؟ المقاومة المجمدة أم الانقسام الفصائلي الذي امتد إلى الشعب أم المقاومة الشعبية اللفظية؟ الخدمات المفقودة والحرية المعطلة أم طريقة الحكم الانفرادية؟ أم ماذا؟ المقاطعة الدولية لإسرائيل تؤلمها كما الحصار يؤلمنا، شريطة أن نحقق المصالحة ونجري الانتخابات. عندها يمكن أن نقوم بدور مهم في هذا المجال، ذلك أن ترتيب البيت الفلسطيني سوف يكون مدخلا لترتيب البيت العربي ونقل القضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية بدل أن تظل محصورة في يد الحليف الأعمى لإسرائيل.
    ربما تكون جهود وزير الخارجية الأميركي هي الفرصة الأخيرة للتسوية قبل أن ينصرف الأميركيون إلى قضايا أخرى يعج بها العالم، ويكون استحقاق الانتخابات الأميركية قد حان، ونضطر للانتظار طويلا قبل أن يحدد الرئيس الأميركي الجديد موقع القضية الفلسطينية على سلم أولوياته.
    بعبارة أخرى، كيري وإدارته وحزبه الديمقراطي يريدون عمل شيء ما يفاخرون به.
    يؤمن الرئيس أن لا نهاية حاسمة وقريبة لصراعٍ في منطقة تلاقي الأديان والأطماع، لكنه يحاول أن يضع حدا لمعاناة شعبه.
    في ظني، أن الرئيس ينتظر اتفاق كيري ويده على قلبه، ليس خوفا من إحراج أو إحباط بقدر ما هي رؤية، في أن يضع أحدٌ ما حدا لحياته السياسية، قبل أن يرى ما كان يحلم به الرئيس الشهيد ياسر عرفات. * رئيس سابق لوكالة الأنباء "وفا"
    القدس: حق فلسطيني وذاكرة عربية
    بقلم: هاني فحص – الحياة
    كيف يمكن ان تقوم ذاكرة عربية مجدَّدة ومتجددة باستمرار نقطة ارتكازها فلسطين الاكثر كثافة والأبين دلالة (موقعاً وتاريخاً ومصيراً ومساراً).. ذاكرة مفترض فيها ان تكون ام الحلم العربي ومصدر اشتقاقاته، ذاكرة مؤهلة لأن تكون منصة ارشاد للفعل العربي على طريق التحرير والتحرر، وعودة العقل العربي، ثانية، على شرط فلسطين، للاسهام في صياغة اطروحة ثقافية جامعة انسانية تحفظ الاستقطابات المتقابلة وتفكك أو تلطف نظام الثنائيات وترفع التعدد والتنوع إلى مصاف مشروع حضاري عادل؟
    كيف يمكن ان تقوم هذه الذاكرة اذا ما بقيت ذاكرة اسلامية محضاً وبامتياز حصري؟ وظل التلوين المسيحي فيها طيفاً أو اضافة غير لازمة الا في حدود الامتاع والمؤانسة للجليس؟ وظل المسيحي عندما يتذكر فلسطين يثير الدهشة والاستغراب كأنه يأتي بغير المتوقع منه ويحمل على المجاملة أو المداهنة!! وظلت المسيحية المشرقية مترددة في تحصين ذاكرة اهلها من الثقوب التي تأتي مع هبات خماسين التغريب أو التغرب ويدلف منها إلى المخزون المسيحي قمع التوراة والتلمود مخلوطاً بالزؤان؟ أليس من وظيفة المسيحية المشرقية، شرط المعنى والدور للاسلامية العربية، أن تعمل على اعادة بناء المسيحية الغربية المقطوعة عن سياقها ومنبتها، على نصاب مسيحي وعلى ذاكرة مسيحية قدسية؟
    ليست هذه دعوة إلى «هولوكست» مسيحي، أو مسيحي اسلامي ضد اليهود، وانا اغامر باعلان ميلي الى تفهم –على ريبة ونفور وإدانة - للعملية المعقدة التي انتجت الحركة الصهيونية ومكنتها من ان تصبح اختزالاً قاسياً للجماعة اليهودية أو الجماعات، واقيسها على ضدها الأوروبي الذي عاد فتواطأ معها على مسار واحد، حتى النازية التي أرى انها كانت مطابقة لحالة المانية أو جرمانية وضعها الطموح والطمع والغيرة والاحباط معاً في مُناخ جعلها تعتبر القوة رافعة وحيدة للحضارة والمجد والنفوذ (أحيل هنا على جهود الرئيس محمود عباس المبكرة في متابعة العلاقة التكاملية بين النازية والصهيونية، والى كتاب «الدروب السرية» لبهوشافاط هركابي).. هنا يمكن للوعي العربي المعاصر ان يشتغل على فرضية تحرير اليهود من الصهيونية باعادتهم إلى يهوديتهم التي يمكن ان تسوقهم طوعاً إلى المساحة المشتركة- مساحة التوحيد الابراهيمي- وهذا يستدعي من المسلمين والمسيحيين تصحيحاً في مساحات اشكالية من ذاكرتهم ووجدانهم. ان التعقيد الاعظم الذي اعترض علاقة المسلمين باليهود هو نقضهم لوثيقة المدينة بعد الهجرة اليها، ما دفعوا ثمنه المعروف، ولكن المسلمين عادوا فنسوا وانسوهم، ودخلوا مبكراً مع اليهود والمسيحيين في شراكة حضارية، كان ابرز تجلياتها نموذج الاندلس، وافسحوا في غير مكان وزمان للجميع، حتى المندائيين والمجوس والبراهما، ان يدخلوا في دائرة الثقافة الاسلامية منتجين ومبدعين، متعلمين ومعلمين، رواداً لحقول معرفية شتى ومرتادين، وعندما خرج المسلمون من الاندلس خرج اليهود معهم وتوزعوا على العواصم العربية، من الرباط الى القاهرة ودمشق وبغداد، واسطنبول، مسهمين في ادارتها وحركتها ودورة انتاجها واقتصادها، ولم يحدث المنعطف الحاد في هذا النمط من العلاقة القائمة على التكافؤ التوحيدي، والمعرفي (اهل كتاب) الا عندما دخل الغرب على السياق ليكسره، وفي اللحظة التي تفاقم فيها شعوره بالذنب تجاه اليهود اراد ان يعوض عليهم وان يعطي فسحة لضميره المتعب، فوضعهم في دائرة الذنب الذي عاد فأنتج عقدته التي تعود لتنتجه في آخر صوره في قانا والجليل والصور اليومية في شوارع القدس وازقتها وفي بيت لحم ونابلس ورام الله ليسطروا صفحات ظاهرها سادية مضمونها مازوخية مدمرة للذات والاخر معاً، وللذات في نهاية المطاف دون الاخر. لقد وصلت العقدة عند ماركس- «يهودي وان ألحد» على رأي بن غوريون- إلى حد انه لم ير مجالاً لتحرر اليهودي الا بتحريره من يهوديته, وكانت هذه الوصفة استحالة اخرى من استحالات الماركسية الكثيرة.. اما العلاج الذي يمكن الشغل عليه فهو تحرير اليهود من الصهيونية باعاداتهم إلى الابراهيمية، من القطيعة إلى الحوار.
    والا فأن الخوف الحقيقي عليهم كما هو منهم، رغم كل مظاهر القوة البادية والتي تختزن ضعفاً بالغاً، وهي نسبية على كل حال وغير مطلقة.
    الــــمقـــاطـــعـــة
    بقلم: هاني المصري- معا
    شهدت الأشهر الأخيرة تطورات نوعيّة على صعيد مقاطعة إسرائيل، لدرجة دفعت وزير الخارجيّة الأميركي، صديق إسرائيل والمعارض للمقاطعة، إلى تحذيرها مرتين حتى الآن من اشتداد المقاطعة، الأمر الذي قد يؤدي إلى عزلتها.
    لقد بدأت الحكومة الإسرائيليّة تأخذ حملة المقاطعة المتزايدة على محمل الجد، خصوصًا بعد القرار الأوروبي بمقاطعة بضائع المستوطنات، مع العلم أن أوروبا تستورد 32% من الصادرات الإسرائيليّة. وتوقع بعض الخبراء أن تصل خسارة إسرائيل من المقاطعة 8 مليارات دولار سنويًا.
    الحكومة الإسرائيليّة وأنصارها في الولايات المتحدة بدأوا بسلسلة أعمال لإفشال المقاطعة، منها تخصيص موازنة لشن حملة مضادة، والاستعداد لإصدار قوانين، خصوصًا في أميركا، تحرّم المقاطعة، وتهدد بمقاطعة أميركيّة للمقاطعين.
    إذا كانت المقاطعة قد حققت هذه الإنجازات المهمة في ظل استمرار وهم ما يسمى "عمليّة السلام" وجهود كيري للتوصل إلى اتفاق سلام، أو الأصح "اتفاق إطار" للتفاوض عليه لاحقًا، حتى يمكن التوصل إلى اتفاق سلام بعد سنوات؛ فما الذي يمكن تحقيقه على صعيد المقاطعة إذا انهارت المفاوضات، وثبت للعالم أجمع أن إسرائيل معادية للسلام، وهي نظام استعماري احتلالي استيطاني إجلائي عنصري.
    قد يقول قائل: إن القرار الأوروبي هو الذي ساهم في حصول الخطوات النوعيّة في المقاطعة، وهو وثيق الارتباط بالمساعي المبذولة للتوصل إلى اتفاق سلام، بدليل أن الاتحاد الاوروبي ربط بين إصدار قراره بشأن الاستيطان وبين موافقة الفلسطينيين على استئناف المفاوضات، ما يعكس قناعة أوروبيّة بأن السلام لن يتحقق من دون الضغط على إسرائيل، حتى يحدث نوعًا ما من التوازن ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فلا حاجة للتوصل إلى "تسوية" إذا كانت إسرائيل قويّة جدًا وفلسطين ضعيفة جدًا.
    تأسيسًا على ما سبق، لا بد من إنهاء دوامة المفاوضات التي توحي للعالم بوجود إمكانيّة للحل، وللمساومة والتسوية، في حين أن هذه الإمكانيّة متعذرة بسبب التعنت والتطرف الإسرائيلي، واختلال ميزان القوى لصالح إسرائيل. من الضروري أن يكون واضحًا للجميع أن الحكومة الإسرائيليّة هي التي تتحمل المسؤوليّة الكاملة عن الفشل، مثلما تحملت الحكومات الإسرائيليّة السابقة المسؤوليّة عن فشل كل الجهود والمبادرات السابقة منذ طرح "مبادرة روجرز" بعيد حرب 1967 وحتى الآن، ولذلك لا مبرر من الإغراق أكثر مما ينبغي بلعبة إلقاء اللوم المتبادل، التي يجب ألا تقود إلى الوقوع بالمحذور والتنازل عن المطالب والمصالح والحقوق الفلسطينيّة، على أساس إنقاذ ما يمكن إنقاذه والحصول على شيء أفضل من لا شيء. يمكن للقيادة الفلسطينيّة أن تعلن بكل بساطة أنها تريد عمليّة سلام ومفاوضات لها مصداقيّة، وهذا لا يكون من دون أن تلتزم إسرائيل بمرجعيّة واضحة وملزمة تستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
    لا يمكن لمفاوضات من دون مرجعيّة، وبرعاية أميركيّة فقط وبعيدة عن الرعاية الدوليّة، وبلا وقف للعدوان والاستيطان؛ أن تقود إلى سلام، بل ما يمكن أن تصل إليه: إما مفاوضات من أجل المفاوضات؛ أو اتفاق انتقالي أو نهائي مجحف بحقوق الفلسطينيين، كما حصل سابقًا، وكما يحاول كيري أن يفعل حاليًا؛ أو إلى انهيار المفاوضات ووقوع مجابهة فلسطينيّة إسرائيليّة.
    في هذا السياق، يجب الإيمان بأننا لسنا في مرحلة التسوية، وما يمكن أن تعرضه الحكومة الإسرائيليّة، أو تحاول فرضه الولايات المتحدة الأميركيّة على الطرفين، لا يمكن أن يلبي الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينيّة، ولا أي حق منها. لقد جربت القيادة الفلسطينيّة الفصل بين إقامة دولة وحق العودة أو المقايضة بين الحقين ولم تحصل على الدولة، وأضعفت موقفها من قضيّة اللاجئين التي تعتبر أساس وجوهر القضيّة الفلسطينيّة؛ ولم تحصد سوى الريح. لقد أصبح المطروح علينا تصفية لقضيّة اللاجئين، وتقسيم القدس الشرقيّة والضفة الغربيّة بين إسرائيل وبين كيان فلسطيني يمكن أن يسمّى "دولة"، وهو في الحقيقة حكم ذاتي.
    إن المقاطعة أحد أهم الإستراتيجيات التي يمكن أن يستند إليها النضال الفلسطيني، ولكنها حتى تعطي ثمارها كاملة يجب وقف مهزلة ما يسمى "عمليّة السلام"، حتى يدرك العالم كله أنه لا يمكن تحقيق الأمن والسلام في المنطقة من دون الضغط على إسرائيل ضغطًا حقيقيًا متزايدًا، بحيث تدرك أن النظام الاستعماري الاحتلالي الاستيطاني العنصري لا يمكن أن يستمر، وأن من شأن استمراره تقويض وجود إسرائيل نفسها لا احتلالها فقط.
    في هذا السياق لا يمكن الجمع ما بين استمرار الالتزامات السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة المترتبة على "اتفاق أوسلو" - والمتضمنة الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود بأمن وسلام - وشن حملة مقاطعة شاملة يمكن أن تصل إلى فرض العقوبات على إسرائيل وفرض العزلة عليها. كما لا يمكن الفصل بين الاحتلال وبين المحتل، أي بين إسرائيل واحتلالها، فلا شرعيّة لإسرائيل ما دامت محتلة واستعماريّة وعنصريّة واستيطانيّة.
    ما سبق لا يعني رفض مقاطعة الاستيطان والاعتراف والتعامل مع إسرائيل في نفس الوقت، ولكن هذا الجمع ما بين المتناقضات لا يمكن لوحده الانتصار حتى بدحر الاحتلال، فكيف بمقدوره الانتصار على النظام الاستعماري كله؟.
    إن إسرائيل لن تتراجع عن احتلالها، فضلًا عن نظامها الاستعماري، إذا لم تجد وجودها كله مهددًا من خلال مقاطعة شاملة لها، وليس لاحتلالها فقط، فكما قال المفكر الإسرائيلي اليساري زئيف شترنهل: لا يمكن معانقة المحتل ومقاومة الاحتلال.
    مسألة أخرى بحاجة إلى توقف، وهي: لماذا نجد أن المقاطعة قويّة نسبيًا في أوروبا، وبدرجة أقل في أميركا، وضعيفة في بقيّة أنحاء العالم، بما في ذلك في الدول العربيّة التي من المفترض أن تكون فيها المقاطعة في ذروتها، بسبب مكانة القضيّة الفلسطينيّة لدى الشعوب العربيّة، والروابط التي تجمع ما بينها وبين الفلسطينيين، والأهم بسبب أن إسرائيل لم تقم لحل مشكلة اليهود، وإنما كانت رأس الحربة لمشروع استعماري يستهدف إبقاء المنطقة العربيّة في إطار من التبعيّة والتخلف والتجزئة؛ حتى يمكن السيطرة على موقعها الإستراتيجي ومواردها الطبيعيّة وأسواقها؟
    في هذا السياق فقط يمكن تفسير: لماذا شاركت إسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956؟ ولماذا شنت حرب 1967 واحتلت بقيّة فلسطين وسيناء والجولان؟ ولماذا شنت العدوان على لبنان واحتلال مساحات واسعة منهة إلى أن تمكنت المقاومة اللبنانيّة من طردها في العام 2000؟ ولماذا شنت الغارة على المفاعل النووي العراقي في العام 1981، والغارات التي لا تنتهي على مواقع عسكريّة سوريّة حتى هذه اللحظة؟
    إن الذي يمكن أن يفسر لماذا المقاطعة قويّة في مناطق وضعيفة في أخرى هو: أولًا وأساسًا أن الدول التي تنعم فيها الشعوب بالديموقراطيّة ولو على النمط الغربي نجد أن المقاطعة قويّة فيها، والعكس صحيح كذلك، ولهذا ليس صحيحًا أن أوروبا اتخذت قرارها ضد الاستيطان من أجل تشجيع الفلسطينيين على استئناف المفاوضات والضغط الناعم على إسرائيل لدفعها لإنجاح جهود كيري فقط، وإنما هناك عامل لا يقل أهميّة، وربما يزيد، وهو أن الرأي العام في هذه البلدان ضاق ذرعًا بإسرائيل، وأخذ يضغط على حكوماته لمقاطعتها.
    كما يلعب دورًا في فعاليّة المقاطعة وجود دور فلسطيني فاعل، خصوصًا للجاليات الفلسطينيّة والعربيّة. وهنا لا شك أن اقتصار علاقة القيادة الفلسطينيّة حتى الفصائل بالحكومات وإهمال الشعوب وقواها المناصرة للقضيّة الفلسطينيّة؛ يلعب دورًا مهمًا يؤثر في شدة أو ضعف المقاطعة حتى في البلدان العربيّة.
    هناك نقطة أخيرة سأكتفي بالإشارة إليها فقط في هذا المقال، وسأتناولها في مقال لاحق تتعلق بضعف المقاطعة أو عدم وصولها للمستوى الممكن والضروري في فلسطين، سواء في الضفة الغربيّة وقطاع غزة أو في أراضي 48.
    لا أبالغ في القول إن مقاطعة إسرائيل اقتصاديًّا وعلى كل المستويات والأصعدة، بما في ذلك مقاطعة الاستيطان قد تراجعت عما كانت عليه في سنوات سابقة، وهذا بحاجة إلى حديث آخر.

    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

المواضيع المتشابهه

  1. اقلام واراء محلي 561
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء محلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-12-09, 11:15 AM
  2. اقلام واراء محلي 560
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء محلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-12-09, 11:15 AM
  3. اقلام واراء محلي 559
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء محلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-12-09, 11:13 AM
  4. اقلام واراء محلي 558
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء محلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-12-09, 11:11 AM
  5. اقلام واراء محلي 310
    بواسطة Aburas في المنتدى أقلام وآراء محلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-02-04, 11:15 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •