اقلام واراء
116
مختارات من الصحافة العربية
عندما تصبح اقامة الفلسطينية مطلباً إسرائيليـاً عـبـد القادر حسين ياسين القدس العربي
عن باراك أوباما و«الخلاف» مع نتانياهو راسم المدهون الحياة اللندنية
حـرب حزيـران وواقـع الأيـام العربيـة احمد جابر السفير اللبنانية
عندما تصبح اقامة الفلسطينية مطلباً إسرائيليـاً
بقلم: عـبـد القادر حسين ياسين * عن القدس العربي
مـنـذ 63 عــامـا كانت "الدولة الفلسطينية" ، حلمـاً يراود مخـيـلـة الشعب الفـلسطيني ومازال، ولكن ما هي الدولة الفلسطينية التي يقبل بها الفلسطينيون ، بسبب الفارق بين ما نريد، وما يمكن أن يتحقق لنا ، حسب الإمكانيات والمعطيات والمتغيرات العربية والدولية!؟ وما هي الأهداف التي تنشدها دولة يـقبل بها عشـرة ملايين فلسطيني!؟
هناك عدة مرجعيات يمكن الإشارة إليها عـنـد الحـديث عن إقـامـة دولة فلسطينية مسـتقـلـة ، ومن أهـم تلك المرجعيات :
قرار الجمعية العامة للأمم المتحـدة رقم 181 المعروف بقرار التقسيم، الذي كان مرجعـية شكلية للمنظمة الصهيونيـة العـالميـة لإقامة إسرائيل إلى جانب دولة فلسطينية...وهـو القرار الذي رفـضـتـه الـدول العربيـة في ظروف سياسية وتاريخية معروفـة .
وكان رفض العرب لقـرار التقسـيم آنذاك قرارا منطقياً ، لأنه رفض قـائـم على الحق التاريخي للشعب الفلسطيني في وطنـه فلسطين، وعلى عـدم أحقية الدولة التي تتمتع بالانـتـداب (بريطانيا) بالتصرف بحقوق الشعب والدولة الموضوعة تحت الانـتـداب ولا بأرضها، ولأنه بـُني أيضاً على البعـد القومي للقضية الفلسطينية كمرجعية للقرار ...
ولأسباب عـديدة لم يتمكن الفلسطينيون من إقـامة دولتهـم المسـتقلـة وفـقـا لقرار التقسـيم ، وهو القرارالذي ترفضه اسرائيل ويؤكد بنيامين نـتـنياهو رفضه له ، تشاطره في ذلك كافـة الأحـزاب الاسرائيلية من اليمين الى "اليسار"؛ ولا يريد أي منهم أن يُذكر القرار باعـتبـاره مرجعية سياسية وقـانونيـة من أي نوع لأنهم يرون أن ذلك القرار الذي رفضه العرب، "نقضته حروب وأسقطته مرجعيات أخرى"، ويؤكد الزعمـاء الاسرائيليون هذا القول في كل مناسبة.
ولكن القرار الآنف الـذكر لم يسقط من مرجعية الأمم المتحدة بوصفها مرجعية دولية - بلا أنياب ولا أظـافر- بل أخذت تضعـفه اليوم مزاحمات مرجعيات أخرى تطغى على المرجعية الدولية في هذا المجال، ومنها ، على سبيل المثـال لا الحصر ، مرجعية مؤتمر مدريد، ومرجعـية "خـارطـة الطريق"...
ويـذكرنا "الرئيس" الفلسطيني ليل نـهـار بأنـه مسـتعـد للعـودة الى المفاوضـات "بـدون أي شروط" لإقامة "دولة فلسطينية" على أرضيـة "خـارطـة الطريق" ، بوصفها المرجعية التي تباركها الولايات المتحدة الأميركية؛ وهي عـنده تجبُّ مـا قبلـهـا من المرجعيات الأخرى.
وعليه فإن كل ما يتعلق بإعلان قيـام الدولة الفلسطينية، الذي تم في الجزائر في تشرين الثاني عـام 1988 ، استناداً إلى مرجعية نضالية يحكمها "الميثاق الوطني الفلسطيني" وأهدافه، التي يأتي في مقـدمتـهـا تحرير فلسطين، قد تم تغييبه والقفز فوقه، وكأنه لم يكن أصلاً.
ولم تعـد العلاقات الدبلوماسية التي أقامتها "منظمة التحريرالفلسطينية" مع أربعـة وثمانين دولة في كافـة أرجـاء العالم ، لتساوي شيئاً على الصعيد الرسمي. فـ "الدولة" التي لا يـمـل عباس من الـحـديث عنها لا تستند، ولو شكلياً، إلى القرار 181 ولا إلى مرجعية مـؤتمر مدريد، ولا إلى المرجعية النضالية، لأن" اتفـاقيـة أوسلو" تجاوزت كلاً منها بإقراره علناً بذلك وانطلاقه عملياً وواقعياً منه.
وعلى هذا الأساس فإن النظر إلى"دولة سلطة الحكم الذاتي" يحتاج إلى وقفة متروية عند بعض المعطيات والتساؤلات : ما هي جغرافيتها وحدودها وأطرها ومقوماتها؟!
أولاً: هذه"الدولة" بلا حدود مع دول الجوار العربية، وتحيط بها اسرائيل من كل جانب، ولا يـُسمح بالخروج منها أو بالدخول إليها إلاّ بـعـد الحصول على موافـقـتهـا المسـبقـة، ومن المنافذ التي تحددها وتنشئ لها سلطة فيها. وقـد أعلنت اسرائيل غير مرة أنها تملك السيادة على الأرض، وتمنح سلطة الحكم الذاتي "الاشراف على شؤون السكان"، وتخولها بتقديم الخدمات لهم. كما أن اسرائيل تتولى "الاشراف الكامل" على أمن الحدود التي تحددها بنهر الأردن شرقاً ، والحدود الدولية مع مصر ولبنان وسورية، ولا تسمح بتجاوز ذلك.
أمـا من الداخل فان هـذه "الدولـة" ممزقة ومخترقة بالعشرات من المستوطنات والمعسكرات الاسرائيلية ، أو بطرق التفافية يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، ويستـخـدمهـا المستوطنون الاسرائيليون ، وتوجد في كل منطقة استراتيجية، وهضبة مواقع للـعـدو، تجعل كل ما هو قريب منها بحكم الساقط في قبضتها عسكرياً.
أما بالنسبة لللـقـدرة الاقتصـادية على البـقـاء Economic Viability للدولـة العـتيـدة فـان الموارد الطبيعية ، والمقومات الرئيسة للعيش والتنمية، وفي مقـدمتـهـا مصـادر المياه والثروات الطبيعية فهي تحت سيطرة العـدو الاسرائيلي وبتصرفه التام... كمـا أن قوة العمل الفلسطيني رهن بقبوله لاستخدامها.
ولا يحتاج المرء الى ذكـاء خـارق ، أو عـبـقـريـة فـذة ، ليـدرك أن "الرئيس" وحاشيتـه يتـحـدثون عـن "دولـة" هي أقرب ما تكون الى "حـاضرة الفاتيكـان" أو "إمـارة أنـدورا" منهـا الى دولـة فلسطينية مستقلـة ذات سيادة كاملـة على أراضيهـا ومواردهـا الطبيعيـة والبشريـة ... و"أندورا" ـ لمن لم يسمع بها ـ هي إمارة صغيرة تقع في الجانب الشرقي من جبال البيرنيه، وتحيط بها فرنسـا من الشـمال ، واسبانيا من الجنوب ، وتـقـع في منتصف الطريق بين برشلونة وتولوز. ولا تزيد مسـاحتها عن 175 ميلا مربـعـا وعـدد سكانها 32 ألـفـا.. إنَّها "دولة داخلية" ليس لها دستور وتعـتمـد على قوانين إقـطـاعـيـة مـتـوارثـة تخضع لسيادة ثنائية، يرأسها رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس أسـاقفـة أورغـل في اسبانيا، لها عاصمة (أنـدورا القـديمة) ، وعـلم، وبرلمان، وحكومة، ،وهي مزدهرة من الناحية السياحية ، ولا تتمتع بأي شكل من أشـكال السيادة، وتتولى كل من فرنسا وإسبانيا مسؤوليـة الدفاع عنها.
إنَّ الـ "دولة" التي يتحـدث عـنهـا محمـود عباس ، ويـُبشـِّرنا بها صائب عريقـات هي بلا سلطة روحية من أي نوع، وبلا سلطة سياسية وسيادية أيضاً، وقد فقدت الشرعية النضالية، وتخلت عنها يوم وقـعت اتفاقيـة أوسلو واتخذتها مرجعـيتها النهائية. وكما أن الدخول الى الفـاتيكان لا يـتـم الا عـبر أبواب روما، فـان الـدخول الى "فاتيكان" عباس لن يـتـم الا عبر أبواب "أورشـليـم :العاصمة الأبـدية للشعب اليهودي" حصراً.
أما الكلام عن مؤسسات الدولة، فهو كلام منفوخ، أو يقصد منه الانتفاخ (أو ـ كما يقول الأخـوة السـوريون ـ "ضـارب حـالـه بحـجـر كبير"!) ، لأنها مؤسسات حكم ذاتي محدود لها أن تعيش "وهم" الدولة. فـالدولة أساساً سيادة وقوة تحمي تلك السيادة.
من نـافلـة القـول أن القوات المسـلحـة (جيش ، شرطـة ، وحرس حـدود) في أي بلـد في العـالم هي مصدر كل قوة للـدفاع عن أمن البلـد وسلامة مواطنيـه. إنَّ أفراد شرطة الحكم الذاتي لا يملكون الحق في حمل سلاحهم الفردي إلاّ بموافقة االجيش الاسرائيلي ، الذي يرافقهم في دورياتهم ، التي تهدف إلى حماية أمن الجيش الاسرائيلي والمستوطنين من الشعب الفلسطيني أكثر مما تهدف إلى حماية الشعب الفلسطيني ذاته.
إنَّ دولة لا تملـك السيطرة الفعـلية على الأرض، وبلا أي شكل من أشـكال السيادة ، وبلا قوات مسـلحـة تحمي السيادة أو تؤسس لها، وتسيطر على أمن مـعـابرهـا البرية والبحريـة والجـويـة قوات الاحتلال الاسرائيلي، هي "عـهـن منـفـوش" ... قد تزهـو ألوانه في ضوء الشمس إذا مـا نـُشر، ولكنه لا يشكل أكثر من رغـوة ضوئية قد تعجب الناظرين!.
ثانياً: إن من حق شعـبنا الفلسطيني أن يقيم دولته المستقلـة، وأن يسعى إلى تكوين مؤسساتها، ويعمل من أجل تقويتها، ويؤسس من خلالها لوجود ذي أهداف ورؤية. فهل هذه "الدولة" هي لعشـرة ملايين فلسطيني أم لجزء منهم؟! بـعـبـارة أكثر وضـوحـا ، هل تستطيع أن تمنح هـذه "الدولة" حق المواطنة لكل فلسطيني وتتيح له ممارسة ذلك الحق بحرية واحترام، وتمكـنه من دخول أرض الوطن والإقامة فيها ، أم أنها لا تستطيع أن تمنح هذا الحق أصلاً إلا لمن توافق"إسرائيل" على منحه إياه ؟!
إن الـ "دولة" التي يتحـدث عنا عباس ليست دولة الفلسطينيين جميعاً، وإنما هي دولة من شملتهم اتفاقية أوسلو بالنص، وعليه فإن خمسة ملايين فلسطيني في دول الشتات (يشكلون نصف الشعب الفلسطيني) محرومون من حقوق المواطنة، ومن حق العـودة، ومن وطنهم. ولا يمكن لمثل هذه "الدولة" إلا أن تقوم بمهام أمنية لمصلحة العـدو، وبمهام خدمية نيابة عنه . كمـا أنـهـا تكرس الاعتراف بـ "حق" الحركة الصهيونية فيما اغتصبته من فلسطين، وبـ "حق" إسرائيل في السيادة الفعلية على أرض فلسطين التاريخية من نهر الأردن الى البحر الأبيض المتوسط؛ ومقاومة كل فلسطيني يقول بتحرير فلسطين؛ لأنه إنما يمارس "إرهاباً" حسب المفهوم الإسرائيلي للإرهاب ، ويهدد "سلاماً" قامت بموجبه "دولة الحكم الذاتي"، ويعمل على سحب السـجادة الحـمراء العزيزة على نفس "الرئيس" في جولاته الكثيرة التي تشكل له "وهـماً" رئاسياً على حساب آمال شعـبه في العودة وإقـامة الدولـة المستقلة .كمـا ان إقـامـة مثل هـذه الـدولـة يفتح الباب أمـام تسويق العـدو الصهيوني عربياً ودولياً، بوصفه "صانع سلام" وتـمـكـنـه من إقامة جسور تواصل مع العـالم العربي، وتحقق مصالحه وتحميها؛ بنوع من المباركة والضغـط الفلسطيني أحياناً. ومن الجـدير بالـذكر أن اقـامـة عـلاقت بين قـطر واسرائيل كان بتشجيع وضـغـط من رموز السلطة الفلسطينية ..
وبـنـاء على ما سبق ذكره ، واستناداً إلى مرجعـيتها، والرضا الأمريكي الذي تنشده ، وتعلى شأنه فوق كل مصلحة وشأن، فإن كل ادعاء من قبلها بأنها تشكل "خطوة على طريق التحرير" هو تسويغ لا يملك مصداقية، ولا يقوم على أسس ، ولا يستند إلى معطيات واقعية وحقيقية يمكن أن تصمد للامتحان.
ليس ثـمـة فلسطيني لا يرغب في إقـامـة دولـة فلسطينية مستقلـة على أرضية المرجعـية النضالية و"الميثاق الوطني الفلسطيني"، و"حـق العـودة" وتقرير المصير...
إن آخر ما يـتـوقـعـه شعبنا هو قيـام دولـة مسـخ ، تعمـل على قمع الشعـب الفلسطيني في الداخل، وتحقيق ما عجزت"إسرائيل" عن تحقيقه ، ومشاركة العدو في ملاحقة مناضليه ، وإقصاء الشعب الفلسطيني في دول الشتات عن قضيته بمحاولة انتزاع المرجعـية منه، وتشويه تلك المرجعية بتزويرها وتقزيمها وإلحاقها بالعـدو تابعة ذليلة، راضية بما يمنّ به عليها من فتات...
مـن نـكـد الـدنيـا على شعبنـا الفلسطيني أن تصبـح إقـامـة "الـدولة" الفلسطينية مطلباً اسرائيليـا لإفراغ القضية من مضمونها، وصولاً إلى تكريس ما اغتصبه العـدو من أرض وحق، وما فرضه على شعبنـا بقوة الإرهاب والقهر، وبخلق الوقائع على الأرض لفرض الأمر الواقع، ذلك المسلسل البشع المستمر من الأحداث الذي لا تبدو له نهاية .
سيحـاول البعض "تـزييـن" مثل هذا الدولة المسـخ ، وتقـديمـهـا لشعـبنا الفلسطيني على أنهـا "إنتصار تاريخي" تم انتزاعه من بين أنياب الوحش الاسرائيلي بقوة "جبارة" ذات "مهارة عاليـة" و"شطارة لا تـجـارى" و "فـهـلـوة" بامـتيـاز!!
إن كل ما يقوم بـه العـدو من مناورات مكشوفـة ينبغي ألاّ يترك إحباطاً من أي نوع في نفوسنا، بل ينبغي أن يدفعنا إلى مزيد من النضـال، والإيمان بحق شعبنا في الحياة الحرة الكريمـة .
وبـعــد ؛ إن شعبنا الفلسطيني ( "جمل المحامل" ، والعين التي تلاطم المخرز، والكف التي تلطم السيف) شعب صبور، طويل النفس، واثق الخطى ، مديد النظر... في الأسطورة الكنعانية القديمة ، يحترق طائر العـنقاء ويستحيل رماداً، ومن رماده ينبعـث من جديد... وفي أرض كنعان، اليوم، نسل لشعب يتجدّد في النار، ولا يرضى بأقل من حريّته.
* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السـويد .
عن باراك أوباما و«الخلاف» مع نتانياهو
بقلم: راسم المدهون * عن الحياة اللندنية
لم تكن مفاجأة غير متوقّعة أن «يوضح» الرئيس الأميركي باراك أوباما «التباسات» عبارته، التي لم تكن ملتبسة أبداً، عن ضرورة قيام الدولة الفلسطينية على حدود 4 حزيران (يونيو) 1967. أوباما، الذي «شرح» لأعضاء «آيباك» مغزى ما كان قاله في كلمته السابقة في الخارجية الأميركية، لم يأت بجديد، ففي الكلمة الأولى التي أثارت غضب نتانياهو، كان قد وضع سلفاً ما يتناقض مع تلك الحدود، حين تحدث عن تبادل أراض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإن يكن في «التوضيح» قد فصّل المقصد، بأنْ تحدث صراحة عن ضرورة احتفاظ الإسرائيليين بالكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، أو ما أسماه هو «مراعاة التغيُّرات الديموغرافية التي وقعت خلال العقود الأربعة الماضية».
هو إذن خلاف يوم أو أقل، أو بالمعنى الأدق شبهة خلاف، ولم تكن حقيقية على الإطلاق، فالرئيس الذي خبر من قبل معنى وأبعاد الخلاف مع بنيامين نتانياهو بعد خطابه الشهير في القاهرة، لا يزال يتذكر بالتأكيد كيف عاد وتنازل عن اشتراطاته المشدّدة على وقف الاستيطان من أجل تحقيق السلام، بل هو كما يعرف الجميع، لم يعد يتحدث عن مسألة الاستيطان أصلاً.
وإنْ أضفنا إلى تسليم أوباما بالكتل الاستيطانية، يهوديةَ الدولة الإسرائيلية، و «تأجيلَ» مصير القدس، فإننا نجد أنفسنا ببساطة أمام خطة نتانياهو للتسوية، أي أمام خطة الدولة الفلسطينية الموقتة، أو المؤجلة الحدود، من دون أي التباسات أو تمويه.
هي جولة أخرى من الخيبة لمن شاء أن يحلم بالدولة الفلسطينية المستقلة من البوابة الأميركية، ذلك أن الرئيس باراك أوباما – ورغم ركام الشعارات والخطب الرنانة – أثبت في النهاية ثوابت السياسة الخارجية الأميركية التي لا تتبدّل بسهولة، وأهمها العلاقة الإسرائيلية الأميركية، ومن استمع لخطابه أمام «آيباك» سيجد أنه شدّد أكثر من عشرين مرّة على التزام إدارته بأمن الدولة العبرية، حتى ليخال المستمع أن الدولة الفلسطينية الموعودة هي التي سوف تمتلك الأسلحة النووية وتهدّد إسرائيل.
بعد تلك التفاصيل كلّها، وصل الرئيس أوباما في ختام كلمته إلى «الخلاصة»، أو كما يقولون إلى «زبدة» الكلام، ونعني هنا دعوة الفلسطينيين والإسرائيليين إلى العودة للمفاوضات، وهي دعوة كما هو واضح تأتي بالشروط التي باتت تقليدية لنتانياهو، أي أنها تصطدم مباشرة بتوجهات الطرف الفلسطيني، وتدفعه بالضرورة لرفض العودة للمفاوضات، أي لحشر الفلسطينيين في زاوية ضيقة يبدون معها رافضين للسلام والتسوية.
أعتقد أن الوضوح الصارخ للسياسة الأميركية كما شرحها باراك أوباما، لم يعد قابلاً للمواجهة بالأدوات الفلسطينية وحدها، بل بالإسراع لاشتقاق موقف عربي شامل، جديد في شكله ومضمونه، وقادر على توفير الحد الأدني من التضامن العربي، وهو موقف نرى أن من شروطه الأولية رفض العودة للمفاوضات مجدداً، كي يمكن تأسيس إرادة عربية تنهض على أسس سليمة، وتتمكن من توحيد الفلسطينيين والعرب لمواجهة السلام المشوَّه وإحباطه.
* كاتب فلسطيني
حـرب حزيـران وواقـع الأيـام العربيـة
بقلم: احمد جابر* عن السفير اللبنانية
طوى عمر الهزيمة العربية عقوداً من الزمن، تراجعت خلاله «صيحات» الحدث لتؤول إلى أصداء خافتة في بعض العواصم العربية، وليصير الصراع إلى هم فلسطيني حصري، بعدما ضج الفضاء من «خطب تحرير فلسطين»، وبعدما استنفدت المهل السياسية اللازمة لبناء «الأنظمة العربية التقدمية...» شرطاً لا بديل عنه لهذا التحرير!
فات الزمن، وما زال مقيماً على فوات، من دون بارقة أمل توحي بأنه سيكون موضوعاً للتساؤل «النظامي العربي» الرسمي، ومن دون تباشير مراجعة جادة ولامعة من قبل جموع «الثوريين والقوميين والديموقراطيين والنهضويين والإسلاميين...». سمة العجز التاريخي قيد على كل الردود القادرة على ملامسة صوغ جواب يتناسب وضخامة هزيمة العرب التاريخية على أبواب فلسطين، والتي تتكرر في صيغ مختلفة، تفاقم العجز الموروث وتعيد إنتاجه وتصديره إلى المستقبل العربي، الذي لا يبدو زاهياً، بكل المقاييس السياسية والاجتماعية.
على نحوٍ ما، يمكن الادعاء أن حدث عام 1967، الذي كان مسرحه ما تبقى من فلسطين «والطوق المحيط بها» عربياً، يتجدد بمعانيه الأساسية، بل إن هذه المعاني تأخذ أبعاداً جديدة، لفرط ما أعمل اللسان العربي في شرحها وتأويلها، مما حوّل إلى ثوابت «لغوية»، وإلى سلاح «ماضٍ» في مقارعة الخطب الأخرى «المعادية»... معركة اللغة تظل الأهون والأيسر والأكثر مردوداً، في سياسة «الهروب إلى الأمام»... أو الوراء، التي تتحكم بالمفاصل الكبرى للإستراتيجيات العربية!!
من معارك اللغة، المعتمدة رسمياً وشعبياً، معركة «نظرية المؤامرة»، التي تقفز من سؤال الذات إلى مساءلة الآخر، وتعفّ عن نقد أفعالها، حتى لا تتهم بممارسة «جلد الذات»، بينما تطلق لسياطها الأعنة، حتى تنهش من جسد آلة المؤامرة... الذي هو بالمناسبة من فولاذ!! «لماذا حصل مع العرب ما حصل؟». سؤال ليس برسم «الشعوب والأنظمة» التي تستهدفها المؤامرة، لكن الإلحاح يقيم في مساحة سؤال «لماذا فعلوا بنا ذلك؟» واضح الفارق بين السؤالين، لأنه يعبر عن افتراق بين وضعيتين، ولا بأس من التذكير بأن مباشرة الجواب العربي الجدي تقتضي قطع المسافة الفكرية الفاصلة بين السؤالين، ومن دون ذلك، ستظل «الهوة السياسية»، العميقة، حاجزاً فاصلاً بين الرغبة في المسير إلى الأمام، وبين القدرة على «تحريك الأقدام»!!
القفز من فوق حواجز المعطيات الوقائعية والمادية، معركة «لغوية» عربية أخرى، جياد القفز الأثيرة، في هذا المجال، هي جياد الموروث، إذ يستعاض عن سوداوية اللوحة الحاضرة، بمجد الأيام الغابرة، وتقوم الرواية والنقل وحتى الأسطورة، مقام المقتضيات العلمية، التي كانت الأساس لما عرفه العرب من نهضة سالفة... هذا لمن يريد اجتناب الانتقائية في تاريخه، ولمن يطمح إلى أن يظل العلم بوصلة هادية للمصير العربي.
ما تقدم، يحضّ على معاينة الواقع العربي، حيال هزيمته المنكرة عام 1967، لتبيان الخلاصات الجوهرية، التي تحكمت بمسار هذا الواقع منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.
من قبيل الصدمة الإيجابية القول أن المواجهة العربية ـ الإسرائيلية، أسفرت، حتى تاريخه، عن هزيمة «المجتمع العربي» في صراعه مع المجتمع الإسرائيلي، لذلك فإن الجانب العسكري، يعبِّر عن ميزان «وطني عام» أولاً، قبل أن يقرأ على خلفية
تقنية بحتة، عليه، فإن الاقتصاد والسياسة والثقافة والقيم الاجتماعية... وكل ما يمت إلى المنظومة الاجتماعية والوطنية، معني بالهزيمة، التي تتقرر مفاعيلها، في ميدان القتال. على هذا النحو، يمكن القول أن ما سقط في فلسطين، ذات يوم، لم يقتصر على الأرض فقط، بل إن السقوط طاول كل المسارح والميادين العربية الأخرى، وما بدا استثناء عام 1973 (حرب تشرين) عاد ليكرس في السياسة ما بدا أن الحرب قد وعدت بتعديل موازينه... هكذا يقف العرب أمام حصيلة هزائمهم اليوم وليس في جعبتهم إلا: ذكرى حرب، لا يستطيعونها، وأحكام سلم، لا يطيقون احتمالها، وما بين «المرارتين»، تنشب منازعات بينية عربية، وتتغذى انقسامات داخلية أهلية، ويفتح احتمال ضياع أوطان عربية أخرى...! ما النتيجة من كل ذلك؟ مفاقمة العجز الداخلي العربي وتراكمه، واتساع الهوة لمصلحة التفوق الإسرائيلي، وتراجع النفوذ العربي دولياً، واستبعاد العرب من «منظومة القرار الدولي» وتجاهل مصالحهم... هذا لأن السياسة الدولية تبنى على اساس مقومات كل «منظمة إقليمية» تتحرك تحت شمس «العولمة الجديدة».
في موازاة الواقع العربي، المتراجع، كيف يبدو الواقع الفلسطيني بعد «دهر» من معاناته؟ وضعية الحصار تظل الأقرب إلى وصف واقع الحال الفلسطيني، ولعله ليس من المبالغة القول أن الفلسطينيين ظلوا محاصرين دائماً، وبطرائق مختلفة، عبر مسيرة نضالاتهم الشاقة الطويلة.
قيد الفلسطينيون بداية، بمقولة ملخصها «إن تحرير فلسطين واجب قومي». وسُجن نشطاؤهم المستقلون الأوائل، لأن «استعجالهم» من شأنه تهديد رحلة الاستعدادات الرسمية للحرب.
وكبَّل الفلسطينيون، ضمن إطار رسمي ملحق، عندما سمح بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، وأوكل شأنها إلى إدارة «مأمونة» للإدارة الرسمية العربية، بحيث يكتفى من تنظيم وتجهيز وتعبئة الشعب الفلسطيني في الشتات، بترتيب شؤون مقرات «الناطقين الرسميين» باسمه.
إلى ذلك، تطرح حركية الشعب الفلسطيني، مسألة الاستعداد الكفاحي العالي لدى «الاجتماع الفلسطيني»، وتضيء على معنى استقلالية القرار، كركيزة أساسية دافعة، لكل الطاقة النضالية الفلسطينية... لكن ذلك لا يشكل مهرباً لأي وضع عربي من التزامه العروبي، حيال الشعب الفلسطيني، بمبررات من نوع «أن الفلسطينيين أحرار في قرارهم... أو أنهم انفردوا... أو نرضى لهم ما يرضونه لأنفسهم...»، المؤازرة السياسية والمادية، من شأنها أن تعين «الشعب الفلسطيني المستقل» على تجنب «المحظورات التي تبيحها الضرورات»، نقول ذلك وفي ذهننا ما تتعرض له «فلسطين» اليوم، في مواجهة العنصرية الصهيونية المنبعثة باسم التهويد، والمتفاقمة تحت مظلة الاستيطان.
عام آخر والهزيمة مقيمة، ومن التفاؤل غير الواقعي، أن تمنى النفس العربية بمستقبل واعد قريب... في هذه الأثناء لا مناص من التمسك برومانسية قومية، ليظل الحلم مشتعلاً... وهذا «أضعف النضال».
* كاتب وصحفي لبناني
ــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ


رد مع اقتباس