أقــــلام وآراء مــخــتــارة مــــــــن الصـحـــف الـمـحــلـــية والمواقع الالكترونية الفلســـــــطينية
مــــلــف رقــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــم (535)
فــــي هــــــــــــذا الــــمـــلـــــــــــــــف :
ومضة: من المسؤول؟
الكاتب: د.صبري صيدم _ عن وفا
اسرائيل تتعمد استفزاز اللجنة الرباعية والعالم
حديث القدس
حقيقة الشعب الفلسطيني
الكاتب: عطاء الله مهاجراني _ جريدة القدس
ثمانية ملاحظات على صفقة تبادل الأسرى
قدورة فارس_ جريدة القدس
الصفقة وتآكل قوة الردة
الكاتب: خالد معالي_ وكالة معا
لماذا لا تحتمل حماس النقد؟
الكاتب:د. تيسير عزام _وكالة معا
ومضة: من المسؤول؟
الكاتب: د.صبري صيدم _ عن وفا
في كل مرة أردت أن أكتب مقالي هذا واجهتني قضايا أكثر حساسية وأكثر غلبة قررت معها أن أتجنب موضوع هذا المقال، ولكن مع احتدام تطورات الربيع العربي والمصالحة وصفقة تبادل الأسرى وغيرها وكثرة الكتاب في القضايا آنفة الذكر، قررت أن أنتهز فرصة انشغال البعض وآخذ برهة من الوقت لأكتب في موضوع السطور اللاحقة لأطرح سؤال يتجنبه الكثيرون حول رام الله!.
رام الله المدينة الفلسطينية الحالمة التي يذكرنا البعض بفضلها علينا، وبفضلنا عليها، في كل مرة حلت المدينة بحضورها القوي في احتفالياتنا واجتماعاتنا ومهرجاناتنا وحتى أمسياتنا الأدبية، المدينة التي يراها البعض عنوانا متطورا لحضارة الفلسطيني وحريته وجرأته وحماسته وحبه للحياة.
لكن هذه الواحة المتجددة النابضة بالأمل استطالت فيها قائمة لا تنتهي من الأسئلة الاقتصادية والمالية التي يتجنب الكثيرون الإجابة عليها، وكأن هناك إصرارا من كل المعنيين على الهروب من المسؤولية، فازدهار المدينة وتطورها لا يجعل غلاءها مبررا على الإطلاق بل مستهجنا وغريبا وحتى خارجا عن نسق الأداء المالي للكثير من مدن الصمود الفلسطيني.
فرغم الحديث المتكرر عن النمو الاقتصادي، فإن أفضل حالات النمو هذا ومحورية رام الله في حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تفسر سبب غلاء المعيشة في المدينة، بل لا يفهم المرء لماذا تكون العاصمة المؤقتة لفلسطين، كما يحلو للبعض تسميتها، أكثر غلاء من طوكيو ولندن وجنيف وباريس، فعقاراتها، وأراضيها، ومرائبها، ومدارسها الخاصة ومعظم مقاهيها وحتى بعض مطاعمها، ترتبط بأسعار فلكية غير مبررة على الإطلاق، حتى وإن قال البعض إن الاقتصاد حر ومفتوح ويستند إلى سياسات العرض والطلب. يا سلام!.
فلماذا تصل معدلات أسعار الأراضي الى فئة مئات الآلاف من الدولارات؟ والشقق المتوسطة الحجم إلى متوسط يصل الى مئة ألف دولار؟ وأقساط المدارس الخاصة إلى معدل يزيد عن 2000 دولار للطالب الواحد؟ حتى الأكلة الشعبية فقدت إسمها لغلاء يفوق ثمن شطائر اللحم، وبات بعض بائعوها ممن يدفعون في محالهم التجارية إيجارات زهيدة إقطاعا جديدا في رام الله؟ كيف لا وأسعار أكلاتهم يفوق تكلفة نظيراتها في البكاديلي والشنزليزيه! ، ناهيكم عن مطاعم غريبة عن عاداتنا وأصولنا وحتى أخلاقنا، من سمح لأصحاب المرائب أن يطالبوا الناس بما يعادل جنيها استرلينيا وحتى دولارين لركن مركباتهم سواء لدقيقة واحدة أو ساعة؟
أهذا اقتصاد حر؟ أهذا هو مفهوم العرض والطلب؟ ألا يتمكن الناس العاديون وغير العاديون من العيش في العاصمة المؤقتة!؟، من المسؤول عن هذه المهزلة وغياب الضبط والربط والغلو والمغالاة؟.
إن مدينة الجميع التي تحضن الجميع يجب أن تكون للجميع قولا وفعلا، قيمة وقدرا لا أن يسمح لما يراه البعض تغولا ومغالاة بالاستمرار خارج نطاق المعقول والمقبول، لذا السؤال الأهم مازال بالنسبة لي: من المسؤول؟ سؤال أطرحه بالإنابة عن الكثيرين لأنني أرى أن غيري يسأله في خلده ويخشى سؤاله على الملأ، المسؤول ربما يكون أول شخص يتصل بي معاتبا إياي علي مقالي هذا!، أنتظر لأرى.
اسرائيل تتعمد استفزاز اللجنة الرباعية والعالم
حديث القدس
منذ بدء التحرك الدبلوماسي الفلسطيني في الامم المتحدة والعالم، وحين ازداد التفهم العالمي لمواقفنا ورفض الممارسات الاسرائيلية وفي مقدمتها الاستيطان، ازدادت الخطوات الاستفزازية المعطلة لكل هذه الجهود والتأييد والمتحدية لكل المطالبين بوقف الاستيطان.
لم تتوقف المخططات ابدا وانما تسارعت، وبالامس اعلنت المصادر الاعلامية الاسرائيلية عن التوجه لاقامة اربعة الاف وحدة استيطانية جديدة في القدس، كما اصدرت قوات الجيش الاسرائيلي امرا بمصادرة ٣٧ دونما من اراضي بيت لحم بحجة اقامة الجدار الذي يستهدف حصار القدس وعزلها عن محيطها الفلسطيني.
وتتزامن هذه الخطوات مع اي تحرك دولي وكأنها قنابل موقوته لتعطيل هذه التحركات، وبصورة خاصة اجتماعات اللجنة الرباعية، حيث يجيء الاعلان عن مخطط اقامة الاربعة الاف وحدة استيطانية، مع اجتماع قريب مقرر للجنة الرباعية التي باتت مطالبة اكثر من أي وقت مضى لكي تتخذ موقفا صريحا وواضحا تعلن فيه من هو الطرف المعطل للسلام ولكي تتوقف نهائيا عن الدعوات غير الواقعية لاستئناف المفاوضات وسط هذه المعطيات الاسرائيلية .
لقد اكدت السلطة الوطنية مرارا وتكرارا بلسان الرئيس ابو مازن وغيره من كبار المسؤولين ان المفاوضات هي الخيار، وانها جاهزة للتجاوب مع اية مبادرات بما فيها بيان اللجنة الرباعية اذا استندت الى وقف الاستيطان وحدود ١٩٦٧ الا ان نتنياهو وحكومته يرفض ذلك ويدعو الى استئناف " غير مشورط" للمفاوضات وهو الذي يضع كل الشروط سلفا كاستمرار الاستيطان واعتبار القدس خارج التفاوض ورفض الاعتراف بحدود ١٩٦٧ والمطالبة بيهودية الدولة ورفض عودة اللاجئين ... وغير ذلك من هذه الشروط .
والاغرب من كل ما تقدم ان يخرج علينا وزير خارجية اسرائيل المغرق في التطرف والرافض لاي نوع من السلام بالقول ان ابو مازن عقبة في طريق السلام ويتمنى لو انه يستقيل .
الامور صارت اكثر وضوحا لمن يريد ان يرى ويفهم ويحكم ضميره ويزن مصالحه في هذه المنطقة البالغة الحساسية، ولابد ان يدرك الجميع خاصة بعض الدول الكبرى، ان هذه السياسة الاسرائيلية العمياء والمتغطرسة وقصيرة النظر، لن تؤدي الا الى ضياع فرصة السلام وجر المنطقة الى مزيد من التطرف والكراهية والعداء، وان جنون القوة والنفوذ لا يمكن ان يدوم الى الابد .
حين يتحدث علماء الاثار تتراجع الادعاءات الاسرائيلية
اكد باحثان اسرائيليان ان ما يسمى في حديقة الملك لا تقع في حي سلوان بالقدس وانما في مكان اخر، طالبا باعادة ترسيم خريطة جنوب القدس .
واهمية هذا البحث انه صادر عن مؤرخين اسرائيليين وهو يدحض كل ما تحاول اسرائيل تنفيذه في منطقة سلوان من استيطان ومصادرات وهدم وجرف للارض بدعوى اقامة حديقة الملك هذه فهل يؤدي هذا التطور الى وقف الممارسات في تلك المنطقة ام ستتم مواصلتها وكأن شيئا لم يحدث لان حديقة الملك قد تكون اساسا، مجرد مبرر للاستيطان والسيطرة على تلك البقعة البالغة الاهمية والحساسة الى الجنوب تماما من المسجد الاقصى المبارك.
في سياق مشابه اخر، اكد ٨٤ عالم اثار من مختلف انحاء العالم انهم يعارضون اقامة ما يسمى بمتحف التسامح على بقايا القبور في مأمن الله لان للمقابر حرمة والتعرض لها يتنافى مع ابسط قوانين ومفاهيم علم الاثار، وفيه انكار ومعارضة لابسط انواع التسامح، كما دعوا الحكومة الاسرائيلية الى التوقف عن ذلك المخطط.
فهل تتوقف اسرائيل وتستجيب لنداء صادر عن ذوي الاختصاص الذين لا مصالح سياسية لهم ولا يدفعهم الا الرغبة في قول كلمة حق في حالة يغيب عنها الحق كليا.
مرة اخرى نأمل ان يتوقف نبش القبور وتجريفها وان يتوقف اي مخطط لبناء ذلك المتحف وان كنا، مرة اخرى، نشك في ذلك ايضا لأن الدوافع ابعد من مجرد نباء المتحف .
حقيقة الشعب الفلسطيني
الكاتب: عطاء الله مهاجراني _ جريدة القدس
بينما كنت أقرأ صحيفة «القدس» الفلسطينية في يوم الأربعاء الموافق 19 تشرين الأول ، وجدت قصة شديدة الإثارة. وفي بعض الأوقات تكون القصة أكثر أهمية وفاعلية من التاريخ نفسه. لقد كانت قصة عن الحياة والحب بين سجينين فلسطينيين: نزار وأحلام.
وفي هذه الأيام، تلقي وسائل الإعلام العالمية الكثير من الضوء على وجه جلعاد شاليط، وفيما يصرون على جذب الانتباه إلى السنوات الخمس التي قضاها في السجن في غزة، لم يتمكنوا من ذكر نائل البرغوثي الذي مكث أربعة وثلاثين عاما في أحد السجون الإسرائيلية. علاوة على عوض زياد عوض الذي ألقت القوات الإسرائيلية القبض عليه عندما كان عمره لا يزال ستة عشر عاما (في عام 1993) ومكث في السجن لمدة سبعة عشر عاما. وكذلك هناك جهاد جميل محمود، الذي ألقي القبض عليه عام 1988، عندما كان يبلغ ثمانية عشر ربيعا. وبعد ذلك تم سجنه لمدة اثنين وعشرين عاما. وإذا ما راجعنا قائمة السجناء الفلسطينيين لوجدنا العديد من الأمثلة المماثلة لشباب قامت القوات الإسرائيلية بإلقاء القبض عليهم وقضوا سنوات عدة في السجون الإسرائيلية. لكن لسوء الحظ، نسيهم العالم! إلا أنني أود أن أسلط الضوء على سجينين فلسطينيين تم إطلاق سراحهما مؤخرا. وهذه هي رواية جريدة «القدس» حول هذه الواقعة:
تستعد عائلة التميمي في قرية النبي صالح بالضفة الغربية لاستقبال ابنها نزار الذي كان محكوما بالسجن مدى الحياة لدى إسرائيل، وهو من حركة فتح، فيما أوفدت قسما آخر منها إلى الأردن لاستقبال خطيبته أحلام التميمي التي كانت محكومة بالسجن 16 مؤبدا وتنتمي إلى حماس.
ونزار (38 عاما) وأحلام (31 عاما) هما ضمن قائمة المعتقلين الفلسطينيين الذين أطلقت إسرائيل سراحهم مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.
ونزار ينتمي إلى فتح وحكم عليه بالسجن مدى الحياة بسبب مشاركته في عملية قتل مستوطن إسرائيلي في بداية التسعينات.
وعايش محمود التميمي شقيق نزار تفاصيل العلاقة بين نزار وأحلام لكونه أمضى أربع سنوات داخل السجون الإسرائيلية والتقى مع شقيقه نزار. وسبق أن التقى أحلام في الأردن قبل أن يتم اعتقاله.
وقال محمود: قصة نزار ابن فتح وأحلام ابنة حركة حماس هي تعبير عن حقيقة الشعب الفلسطيني المتوحد، والانقسام القائم هو الحالة الشاذة.
علاوة على ذلك وفي رام الله يوم الثلاثاء الموافق 18 تشرين الاول ألقى كل من الرئيس محمود عباس رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، وحسن يوسف من حركة حماس خطابات في تعبير عن الوحدة نادرا ما يحدث.
ومن الواضح أن إسرائيل هي أكثر المنتفعين من أي نزاع أو خلاف يحدث بين منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس. ودائما ما يركز السياسيون الإسرائيليون على هذا الخلاف. كما لم تضيع إسرائيل أي فرصة لإثارة النزاع بين منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس. على سبيل المثال، كانت إسرائيل غير راضية تماما على مبادرة محمود عباس بالذهاب إلى الأمم المتحدة، وذلك أثناء سعيه للاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 1967.
وهذا يتضمن الضفة الغربية، التي تشتمل على شرق القدس، وقطاع غزة. وعندما ذكر بعض زعماء حماس مثل خالد مشعل أن مبادرة أبو مازن لم تكن نتيجة لتشاور مستفيض مع جميع الفلسطينيين، كان هذا يعني أن حماس تعارض هذه المبادرة. وكان هذا شيئا يدعو إلى التأمل، كذلك فهو وسيلة للدعاية ضد أبو مازن ومنظمة التحرير الفلسطينية. ورغم ذلك يبدو أننا سنشهد الآن عهدا جديدا في المشهد الفلسطيني.
ونزار وأحلام رمزان في هذا الفصل الجديد في تاريخ فلسطين، بينما تعد خطابات أبو مازن ويوسف هي الرموز الرسمية في هذا الفصل.
كذلك فإن الإنجاز الثاني، والرئيسي، الذي نجم عن عملية إطلاق سراح السجناء الفلسطينيين شديد الأهمية. أعني أننا أصبحنا نواجه نوعين من المفاوضات. النوع الأول هو المفاوضات الدائمة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وهي مفاوضات من أجل أن يكون هناك مفاوضات وحسب، كما قيل من قبل فإن التحدث والتحدث هو أكثر الاستراتيجيات الإسرائيلية شهرة.
ودعوني أذكر المطلب الأخير للجنة الرباعية وهو عقد مفاوضات مباشرة، وهذا يعني أنه في هذا الوقت لا يرغب الفلسطينيون في أن يكونوا ورقة في يد إسرائيل. وما من معنى لموافقة إسرائيل على خارطة طريق للسلام تضعها اللجنة الرباعية إذا لم يوقف بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء، جميع عمليات بناء المستوطنات واعترف بحدود 1967، كما ذكر مسؤول فلسطيني يوم الأحد.
وقال مكتب نتنياهو في بيان له: «إن إسرائيل ترحب بدعوة اللجنة الرباعية لعقد مفاوضات مباشرة بين الأطراف دون أي شروط مسبقة»، وأضاف البيان أن إسرائيل لديها بعض المخاوف بشأن خطة اللجنة الرباعية التي ستثيرها أثناء المفاوضات.
وأضاف البيان: «كما تدعو إسرائيل السلطة الفلسطينية إلى القيام بالشيء نفسه والدخول في مفاوضات مباشرة دون تأخير». وعلى الرغم من ذلك، ذكر نبيل أبو ردينه، الناطق الرسمي باسم الرئيس الفلسطيني محمود عباس في حديثه مع وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، يوم الأحد، أنه يتعين على إسرائيل وقف بناء المستوطنات والاعتراف بحدود 1967 لاستئناف المحادثات.
وقال أبو ردينه: «إن استكمال المفاوضات يتطلب التزام إسرائيل بوقف بناء المستوطنات والعودة إلى حدود 1967 دون أي مراوغة أو محاولة لتجنب القرارات الدولية».
وأضاف: «إذا كانت إسرائيل جادة، فعليها أن تلتزم دون أي تحفظات بالقرارات الدولية التي نصت عليها خارطة الطريق، والتي تمثل قرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية».
وذكر أيضا في تعليقه على إعلان إسرائيل، أن صائب عريقات، المسؤول الفلسطيني، ذكر في تصريح له لوكالة الأنباء الفرنسية أن بيان نتنياهو كان «محاولة لخداع المجتمع الدولي. وأنه إذا كان يوافق على بيان اللجنة الرباعية فعليه أن يعلن وقف بناء المستوطنات، بما في ذلك النمو الطبيعي، والموافقة على مبادئ حدود 1967 لأن هذا ما تضمنه بيان اللجنة الرباعية بوضوح».
هل تعلمون الجانب الخفي في استراتيجية إسرائيل؟ عندما قالوا إن لديهم بعض المخاوف، كان هذا بمثابة قنبلة تدمر كل شيء، فماذا كانت نتيجة مؤتمر أنابوليس؟!
ومن جانب آخر، فقد شهدنا المفاوضات بين حماس وإسرائيل. فمن ناحية كان حماس لديها شاليط ومن الناحية الأخرى كان لدى إسرائيل السجناء الفلسطينيون. وكان هناك بندان شديدا الوضوح من أجل عقد مفاوضات. وهذا يعني أنه دون وجود قوة، لن يكون هناك أي مفاوضات. حيث تعد دولة فلسطين شبه المستقلة في الضفة الغربية وغزة من إنجازات الانتفاضة، كما يعد إطلاق سراح 1027 أسيرا فلسطينيا من إنجازات أسر شاليط. وهذا هو الحديث الذي تفهمه إسرائيل. لكننا يجب ألا ننسى السجناء الآخرين، خاصة هؤلاء الذين أمضوا أكثر من عقدين في السجون الإسرائيلية. فهم رموز الوحدة والقوة. كما يعد نزار وأحلام رموز فلسطين الآن.
وإذا كان الفلسطينيون يرغبون حقا في الحصول على الاستقلال وبناء دولة حقيقية، إذن فهم بحاجة إلى الوحدة والقوة. وهذه هي الرسالة المتضمنة في إطلاق سراح السجناء.
ثمانية ملاحظات على صفقة تبادل الأسرى
قدورة فارس_ جريدة القدس
منذ ما يزيد عن واحدٍ وثلاثين عاماً وأنا أعيش تجربة الأسر بتفاصيلها وبكل ما فيها من كبرياء وعزة وثبات وصمود وآلام وآمال ومعانيات وتحديات، عاصرتُ وعشتُ وشاركتُ وقُدتُ مواجهاتها وإضراباتها، ومازلتُ أذكر يوم التاسع عشر من آب عام 1994 وأنا أُودع زملائي وأحبتي في السجن وقد ودَعتهم جميعاً باكياً ومعاهداً إياهم أن أُواصل النضال إلى جانبهم وأن أكون صوتهم، وأحمد الله أنني وبعد أكثر من سبعة عشر عاماً على خروجي من السجن الذي أمضيتُ فيه أربعة عشر عاماً مازلتُ وفياً لمن هم أهلاً للوفاء، فقد ظلوا وسيبقوا الأولوية بالنسبة لي في كل موقعٍ رسميٍ أو شعبيٍ أشغلته، وبحكم متابعتي ومعاصرتي للعديد من صفقات التبادل التي أحفظ عن ظهر قلب تفاصيلها وتواريخها وأسماء من خرجوا فيها.. أتوقف اليوم أمام صفقة التبادل وقفة جوهرية من حق المواطن أن يعرفها، وكذلك إن كان أخوتي وأخواتي المحررين الذين أُهنئهم على تحررهم من الأسر، وهم الآن أحرار قادرين على التعبير عن فرحهم ومواقفهم، فإنَ هناك من هم في الأسر في زنازين العزل وفي غياهب السجون من لا تتوفَر لديهم الفرصة مثلنا للتعبير عن مواقفهم .. فإنَني أرى من واجبي أن أكون لسان حالهم، فهي مسؤولية وطنية وأخلاقية وضميرية وسيسألني عن ذلك رب العالمين يوم لا ينفع مالا ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
ومن الأهمية بمكان التوضيح وبأنني إذ أعتز وأفتخر بفتحاويتي وانتمائي لحركة تحمل على أكتافها تاريخاً مجيداً من البطولات والتضحيات صنعها عشرات الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف من الأسرى، فإنني هنا لا أُعبر عن موقف حركة فتح لأنني أولاً لا أشغل أي موقعٍ في أيٍ من مؤسساتها، وثانياً لأن الحركة لها أٌطرها وقيادتها والناطقين باسمها، وثالثاً فإنَ سيادة الرئيس محمود عباس قد بارك الصفقة منذ اللحظة الأولى للإعلان عنها وتذكروا أنه أيضاً رئيساً لحركة فتح ثم إنَ مستشاره السيد نمر حماد، قد قال في مقابلةٍ للجزيرة يوم الثلاثاء الموافق الثامن عشر من أكتوبر "يوم التبادل" أنَ مُنتقدي الصفقة" هم أصواتٌ "نشاز" وبصفتي رئيساً لنادي الأسير الفلسطيني الذي هو امتدادٌ أصيلٌ لتجربة الحركة الأسيرة وجزءٌ لا يتجزأ منها، ولأنني لا أتطلع لأحدٍ أن يخلع علي منصباً أو مالاً أو مكانةً لا من سيادة الرئيس ولا من قيادة فتح ولا من السيد خالد مشعل أو قيادة حماس (مع الاحترام طبعاً لهم جميعاً) فإنني سأواصل عرض رأيي على الرأي العام الفلسطيني الذي أحترمه وأُجله وأُقدره، وهو الذي يُقرر ما إذا كان صوتي نشازاً أم أنه صوت من تجري المحاولات لكتم صوتهم ! ولتحويلنا إلى جوقةٍ من المُطبلين والمُزمرين والمُنافقين... وقد تعلمتُ في مدرسة السجن أن لا أكون منهم، و تعلَمتُ في السجن أيضاً أن لا أخدم أحداً لشخصه وإنما أن أخدم شعبي وأنسجم مع عقلي وضميري.
وتوخياً للدقة.. فإنني أرى أنَ عملية جلعاد شاليط هي من شقين: الأول: الشق العسكري العملياتي، وهنا فإنني أنحني أمام عظمة أولئك الذين خطَطوا ونفَذوا وحافظوا على جلعاد شاليط، لمدة خمس سنوات، أما الشق السياسي التفاوضي فهو الذي سأتناوله بالنقد بسبب الأخطاء الكبيرة التي شابت هذه الصفقة:
أولاً: رفع سقف توقعات الأسرى وعائلاتهم والمواطنين بشكلٍ عام، وذلك من خلال سلسلة البيانات والتصريحات الرسمية الصادرة عن أُطر وقيادات حركة حماس. إضافةً إلى الوعود الشخصية لعائلات الأسرى ورسائل وصلت السجون لأشخاصٍ مُحدَدين من كافة التنظيمات.
ممَا تسبَب في حالة إحباطٍ أو صدمةٍ لكل هؤلاء.
ثانياً: الموافقة على الإبعاد... ويعلم الشعب الفلسطيني أنَ الإبعاد عقوبةً لجأ إليها الانتداب البريطاني والاحتلال الإسرائيلي الذي أبعد مئات الكوادر المناضلة على مدار سني النضال الفلسطيني، وقد استمعتُ وقرأتُ شهاداتٍ لبعض الأخوة الذين وصفوا الإبعاد بأنه أقسى عقوبة.. ورأيتُ بأم عيني أخوةً مناضلين وقد اغرورقت عيونهم بالدموع وهم يُودعوننا في السجون أثناء تنفيذ عمليات الإبعاد، إضافةً إلى أنَ أكثر من قائدٍ في الصف الأول في حماس قال على الملأ بأننا لن نقبل بأن نُحول صفقة التبادل إلى صفقة إبعاد.
ثالثاً: : قيادة الصف الأول أو رموز المرحلة – أو أمراء المقاومة كانوا ووفقاً لحماس أداة قياسٍ لنجاح الصفقة وطالما أُعلن بشكل صريح أنَ هؤلاء يمثلون خطاً أحمراً لا يُمكن تجاوزه. لكننا وجدنا أنَ الصفقة تجاوزتهم جميعاً، حيث وعلى مدار سنوات كان هذا الموضوع هو عنوان الخلاف الذي أعاق تنفيذ الصفقة طبعاً إلى جانب موضوع الإبعاد. وإذا ما قسنا هذه الصفقة على الصفقات التي سبقتها فقد تمَ في السابق تحرير كافة الرموز الذين مثلوا عناوين لمرحلتهم النضالية كأبطال عمليات " سافوي" و"الساحل" و"الدبوية" و"عين البيضة" ومعركة" دير القرنطل" وعملية "الثلاجة".. إلخ فكل هؤلاء تم تحريرهم وبلا استثناء، فلماذا استثنت الصفقة هؤلاء الأخوة؟؟ فإذا لم يخرجوا في سياق صفقة تبادل في ظل وجود جنديٍ أسيرٍ فمتى وكيف وفي أي ظروفٍ سيتحررون. وهو سؤالٌ مطروحٌ على الجميع وليس فقط على من أنجز صفقة التبادل. رابعاً: الأسيرات صُعقتُ حين علمتَ أنَ حماس لم تكن تعلم أنَ عدد الأسيرات هو (36) أسيرة، ويحضرني هنا قول الشاعر "إن كنت تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم" وهذا يقودني للتساؤل إن كنتم لا تعرفون فلماذا لديكم وزارة للأسرى وماذا كان يعمل طاقمها طيلة السنوات الماضية؟ وإن كانوا لا يعلمون لماذا لم تسألوا أو تطلبوا مساعدة الآخرين طالما أنَ الصفقة وطنية، ولماذا أوقعتم أنفسكم في هذا الحرج الكبير وغير المبرر.
خامساً: إلزام الأسرى المحررين بتوقيع وثيقة أعدَها جهاز المخابرات الإسرائيلي، وهي الوثيقة التي يوقع الأسير عليها للاتزام بعدم القيام بأي عمل نضالي ضد الاحتلال، أو وفقاً لمفردات الوثيقة "عملاً إرهابياً" ضد إسرائيل. الأمر الذي انتبه إليه الأسرى بعد أن وقَع عددٌ منهم ثم تداركوا الأمر ممَا عطَل الإجراءات ليومين ثم استبدلت تلك الورقة بأُخرى مكتوبٌ عليها أن المحرر مُلزم بكل ما نص عليه الاتفاق، إنَ الموافقة على هذا البند في الاتفاق يعني أنَ تعريض المناضلين لموقفٍ طالما رفضوه لأنه يحط من كرامتهم وكبريائهم وهم الذين آمنوا بقضيتهم وبحقهم في مقاومة الاحتلال.
سادساً: الموافقة على القيود المفروضة على الأسرى الذين تحرروا داخل الوطن، حيث على بعض الأسرى أن يذهبوا مرةً كل شهرين لمقرات الإدارة المدنية للتوقيع، وقد يظن البعض أنَ الأمر بسيط جداً في حين أنَ المناضلين الذين سيذهبون إلى مكاتب الإدارة المدنية سيتعرضون إلى مواقف لا تليق بمناضل يمثل حالة رمزية – خلال انتظاره وطريقة مخاطبة الجنود له كعادتهم في معاملة المواطنين الذين يضطرون لمراجعة هذه المقرات، وسؤالي لماذا نُعرض الأخوة الأعزاء لمثل هذه المواقف المهينة.
سابعاً: عدم الالتزام بالمعايير والتقاليد الوطنية المرعية في حالات التبادل، وهي نفس المعايير التي أعلنت عنها حماس، حيث قالت بأنها ستكون صفقةً وطنيةً وبعيدةً عن الفصائلية، وأنَ الأولوية ستكون للمرضى والقدامى وكبار السن والأسيرات ورموز وقادة المقاومة .. والمُتتبع لحيثيات الصفقة والعارف بتفاصيل تركيبة الحركة الأسيرة يُدرك أنهم سجَلوا اختراقاً تقريباً لكل معيارٍ وضعوه لأنفسهم، فالعديد من المرضى المصابين بأمراضٍ خطيرةٍ كالسرطان والإعاقة الكلية بسبب رصاص الاحتلال والذين أمضوا ما يزيد عن ربع قرنٍ في السجون، إضافةً إلى الرموز الأساسية للمقاومة الفلسطينية، قد تمَ استثناءهم من الصفقة، وإذا نظرنا إلى التقسيمة الفصائلية للحركة الأسيرة قبل الصفقة نجد أنَ عدد أسرى حماس يساوي حوالي 30% من إجمالي عدد الأسرى، بينما حصة حماس من الصفقة تزيد عن 80 %.. أي بشكلٍ مُعاكسٍ للنسبة العددية للأسرى.
ثامناً: عدد الصفقة برأيي هو 477 أسيراً وأسيرةً، وليس كما يُقال 1027، لأنَ الشق الثاني من الصفقة والبالغ 550 أسيراً بعد أن عاد جلعاد شاليط إلى أُسرته سيبقى مرهون " بكرم الإسرائيليين وجهاز مخابراتهم" فهم لم ولن يحترموا أي التزامٍ حتى في اتفاقياتٍ رسميةٍ ومُشهد عليها دولياً وتجربتنا كفلسطينيين معهم مريرة، أمَا الحديث عن اتفاقٍ لإعادة الأوضاع في السجون لما كانت عليه قبل أسر جلعاد شاليط، فواقع الحال في السجون لم يتغير، فالمعزولين ما زالوا في زنازينهم، وأهالي قطاع غزة ما زالوا ممنوعين من زيارة أحبائهم، ولذلك ليت الأُخوة المفاوضين ينشروا وثيقة الصفقة لنقرأها ويقرأها الأسرى، فإذا كان فيها بنداً يتحدث عن شروط الحياة في السجن، فمن المؤكد أنهم سيستخدمونه في مفاوضاتهم مع إدارة السجون ممَا يُسهل عليهم المهمة.
حاولتُ جهدي التجرد وإبعاد هذا الموضوع عن الجدل الحزبي المقيت والسائد في بلادنا منذ وقتٍ طويلٍ على اعتبار أنَ قضية الأسرى هي قضية وطنية جامعة لا يختلف عليها اثنان، إلا أنَ البعض أراد الزَج بها في ذات السياق المرضي، حيث يعتقد هؤلاء أنَ المقاومة يجب أن تكون فوق النقد وكل ما يأتي منها كأنه من عند الله سبحانه وتعالى، على الرغم من أنَ الله عزَ وجل في عُلاه قد خاطب نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بعد معركة بدر في الآية الكريمة: "ما كان لنبيٍ أن يكون له أسرى حتى يُثخن في الأرض .. إلى آخر الآية" صدق الله العظيم، فلماذا لا نُقيم نحن البشر أخوةً لنا يُصيبون ويُخطئون فهم غير معصومين.. وجلَ من لا يُخطئ. وإذا كانت إسرائيل الآن مُنشغلة في تقييم العملية والصفقة لاستخلاص العبر والدروس، أوليست الصفقة حدثاً كبيراً يستدعي التوقف أمامها مُطولاً ودراستها من كافة جوانبها وتسجيل كافة الملاحظات للاستفادة منها مستقبلاً، بدلاً من اللجوء للسب والشتم والذم ضدَ من ينتقدها كما حصل مؤخراً على مواقع حركة حماس الألكترونية باستخدام ألفاظ وتعبيرات وشتائم لا تليق بفلسطيني مناضل ومُسلم، وهنا أود أن أسأل الأخوة في قيادة حماس هل تسمحوا في بيوتكم أو مكاتبكم أن تُستخدم مثل هذه الألفاظ الغير لائقة..؟ أسأل وأنا أعرف الإجابة بأنَهم يرفضون مثل هذا الكلام البذيء والسفيه، وهذا يقودني للسؤال، لماذا لا تُشطب كل جملةٍ غير لائقة وأن نُكرس تقاليدٍ راقيةٍ في الحوار وممارسة الاختلاف والتقييم.
الصفقة وتآكل قوة الردع
الكاتب: خالد معالي_ وكالة معا
يشكل موسم الزيتون في كل عام عرس فلسطيني بامتياز؛ لما فيه من صور تجذر وصمود الإنسان الفلسطيني وعشقه لأرضه، رغم ما يلاقيه من اعتداءات من قبل المستوطنين، وتحديات متعددة خلال قطف الثمار التي تكون قد نضجت بأحلى صورها وألوانها. هنا تلاقت وتزامنت فرحة قطف ثمار الزيتون الناضجة وتشابهت مع فرحة نضوج ثمار "صفقة التبادل" وقطفها بفرحة غامرة من قبل الفلسطينيين، ثمرة تلو ثمرة.
متعارف عليه أن لكل ظالم بداية ونهاية. وكما قال ابن خلدون بان الحضارات والدول تمر في مراحل تتشابه ومراحل نمو الإنسان. هنا صفقة "شاليط" أبرزت وأظهرت أن دولة الاحتلال بدأ يخبو نجمها وشبابها، وجعلت قوة الردع لها باهتة وغير مجدية، وسرعت من تآكلها، باعتراف كتاب من دولة الاحتلال؛ ما يعني أن دور ومرحلة الشيخوخة قد دقت ساعتها، وقد لا تطول بسبب سرعة التحولات والتقلبات في المنطقة العربية.
ثمار الصفقة عديدة، لعل من أهمها من عايش تلك اللحظات التي تعانق فيها الأسرى من مختلف الأطياف، وتعانقت وامتزجت الدموع من مختلف شرائح وألوان الشعب الفلسطيني بفرحة لا توصف وسعادة غامرة، محققة وحدة طال انتظارها، فالأسرى وحدوا وما زالوا الكل الفلسطيني خلف عدو واحد.
ضربت الصفقة دولة الاحتلال في جبهتها الداخلية، حيث أعادت الجدل لدى كتابها ومفكريها، حول المدة المتبقية لبقاء دولة الاحتلال بقوة السلاح بعيدا عن القوة الأخلاقية، والتي ثبت أن دولة الاحتلال لا تتمتع بشيء ولو بسيط منها؛ وإلا لكانت أفرجت عن أسرى طال سجنهم فوق 20 عاما أو 30 عاما، ولكنها أثبتت أن القوة لغة تجيد فهمها.
وأثمرت الصفقة – بحسب ابن خلدون بان القوي دائما يقلد ويتبع من قبل من هو اقل منه قوة وبأسا- تقليد دولة الاحتلال باحتضان واستقبال "ساليط " على الطريقة الفلسطينية، كما بينت وسائل الإعلام خلال استقبال "شاليط ". القوة الأخلاقية والقيمية لدى الفلسطينيين جعلت "نتنياهو" يقلدهم في احتضان "شاليط".
أبرزت الصفقة أن دولة الاحتلال اوهن من بيت العنكبوت، وإنها سرعان ما ترضخ وتتمزق خيوطها مع أول ضربة قوية توجعها وتجعلها تترنح. فالعرب يتحملوا خسارة عدة حروب لمخزونهم الكبير؛ ولكن دولة الاحتلال لا تتحمل خسارة حرب واحدة، وهي قادمة لا محالة وقد تكون أقرب مما نتصور.
أثبتت الصفقة عدم مصداقية التهديدات لكبار الأسرى، التي كانت تهدف لإحباطهم بعدم الإفراج عنهم نهائيا عبر أية صفقة وهو ما ثبت بطلانه وعدم صدقيته.
على الصعيد الخارجي كانت ثمار الصفقة بائنة وواضحة؛ حيث باركها كل غيور ومناصر للمظلومين والمعذبين، وعززت دور مصر الإقليمي أمام ادوار إقليمية أخرى، وأعادت إلى مصر دور الريادة والقيادة.
أثمرت الصفقة عن إعادة توجيه البوصلة الفلسطينية بشكل خلاق نحو من يستهدف الجميع دون استثناء. فالاحتلال لا يفرق في بطشه بين فلسطيني وآخر، وجاءت الصفقة لإعادة بلورة وتحديد وحصر المواجهة فقط مع الاحتلال.
برغم الفرحة العارمة والسعادة التي عمت مختلف ربوع فلسطين المحتلة بصفقة التبادل؛ إلا أن الطريق لتحرير فلسطين؛ ما زال شاق وطويل، والزاد قليل، والحمل ثقيل، وعلى قصار النفس أن يتنحوا جانبا، كما يردد الأسرى في أدبياتهم داخل السجون.
لماذا لا تحتمل حماس النقد؟
الكاتب:د. تيسير عزام _وكالة معا
لا يماري أحد فيما حققته صفقة تبادل الأسرى، فهي انجاز وطني كبير، وقد أضافت الكثير للمشروع الوطني. ورغم ذلك، فان تحرير الأسرى لا يبرر السكوت عن توجيه الانتقاد لأخطاء سياسات حماس(مهندسة الصفقة) فيما يتعلق بأداء الحركة السياسي المتصل بقضايا أبعاد قسم من المحررين، وعدم شمول الصفقة قادة كبار في السجون أمثال البرغوثي وسعدات، وغيرها من النواقص.
إن العمل الفلسطيني بشكل عام، كان قد تعرض على مدى مراحله المختلفة للنقد، وخضع للدراسة والتحليل. وحماس أيضا كجزء من العمل الفلسطيني ليست فوق النقد، وأعضاؤها ليسوا آلهة أو قديسين منزهين عن الخطأ، فهي حركة سياسية فاعلة في الساحة الفلسطينية، ولها سياساتها ومواقفها وسلوكياتها، التي يحق لأي مواطن فلسطيني أن يجادلها يتفق معها أو يرفضها. فالنقد جائز لان الفهم قد يكون صحيحا أو خاطئا، لأنه في النهاية فكر بشري وسلوك سياسي غير معصوم، والقبول بالنقد أيضا يعني الإقرار بقيمة إسلامية بحتة.
إن إحدى مشكلات حركة حماس الإسلامية، أن النقد والرأي المخالف لها قضية تؤرقها، وتضيق ولا تحتمل إمكانية توجيه النقد أو اللوم لها. وبالتالي فإذا ما وجه أحد نقد لحماس تناوشته السهام وجرحته الألسن بما يتيسر من قاموس الأوصاف والتهم الجاهزة، فأعضاؤها وأنصارها لا يتقبلون النقد، بل غالبا ما يبدؤون بكيل التهم ومعاداة الحركة لكل من ينتقدهم، فما الخطأ إذا قام ناقد بتحليل مكامن الضعف في صفقة الأسرى، أو القصور في رؤيتها تجاه الأمور.
فانتقاد سياسات الحركة لا يعني ولا واحد في المائة الوقوف ضد إطلاق سراح الأسرى، فلا أحد يقف ضد ذلك. وفي المقابل من غير اللائق أن تكيل الحركة الاتهامات للجهة المنتقدة، فلا يجوز والحال هذه أن ترفض الحركة النقد أو تخون المنتقد أو تحرم ما يحل لها أو العكس.
فالمواقف التي صدرت عنها حتى الآن جاءت دفاعية تبريرية. لقد كان متوقعا من حماس أن تتخذ موقفا أكثر نضوجا في التعامل مع الأخطاء، التي برزت خلف صفقة الأسرى، والتعامل معها بمعزل عن الخلاف السياسي الأعم بين السلطة الوطنية وحماس. والحقيقة أنه ليس كل نقاد حماس مهووسين بالايدولوجيا، فالانتقادات السياسية الأخيرة وجهت لأداء الحركة السياسي وليس لعقيدتها السياسية.
وحسب فهمي البسيط ومتابعاتي لتصريحات قادة الحركة، وآخرها تصريحات أحمد بحر القيادي في حماس، فانه يمكن القول بأنها قد دخلت نفس"النادي السياسي"، الذي كانت تطلق على أعضائه سهام التخوين وتصفهم بالعملاء والخونة، وأخذت تصف تصريحات خصومها ب "الحملات المشبوهة" وخلط الأوراق والملفات، وبأنها فرصة للمتربصين بها تصفية حسابات ، وهذا يوضح نفور الحركة من كل نقد. لذا نجدها لا تتفاعل مع القضية الوطنية إلا بمقدار ما يكون له صلة بما يقوله التنظيم أو يمارسه، ولعل هذا يفسر ضعف ثقافة أعضاءه، في التفرقة بين النقد البناء والنقد الجارح.
فقادة بعض الفصائل الوطنية وصفت الصفقة بأنها جيدة، ثم استدركوا ب "لكن"، على اعتبار أنها احتوت على سقطات سياسية وأخطاء وقعت فيها حماس، وهذه حقيقة يجب أن تعترف بها الحركة قولا وعملا.
لكن يلاحظ أن الحركة الإسلامية بمعظم فصائلها المختلفة، تضيق ذرعا بالنقد ولا تتحمله وتشكك في مصداقيته. إذ أن كثيرا من الإسلاميين يعتقدون أن من يوجه أي نقد للعمل السياسي الإسلامي، إنما هو عدو وكاره لها ومتآمر عليها. وفي هذا الأمر يؤكد الدكتور بسام العموش أحد ابرز القياديين السابقين في جماعة الإخوان المسلمين، أن العمل الإسلامي يعاني من أزمة تنبع من داخله، ومشكلته الرئيسية أنه يتحدث دوما عن المؤامرة الخارجية ليغطي على عيوبه الداخلية.
أخيرا لا نقول سوى: "لا خير في قوم لا يتناصحون، ولا خير في قوم لا يقبلون النصيحة"، لأن "الدين النصيحة".


رد مع اقتباس