أقلام وآراء (596)

لسنا بحاجة إلى حكومة المركز الفلسطيني للإعلام حمزة إسماعيل أبوشنب

"عيوب" سياسة المركز الفلسطيني للإعلام خالد معالي

ما مدى عمق اقتناع عباس بعقم المفاوضات؟ المركز الفلسطيني للإعلام أحمد خليل

عن الفلسطينيين وخياراتهم المضطربة: حلّ السلطة نموذجاً المركز الفلسطيني للإعلام ماجد كيالي

ارتباك سياسي فلسطيني أجناد فايز رشيد

لسنا بحاجة إلى حكومة

المركز الفلسطيني للإعلام ،،، حمزة إسماعيل أبوشنب

ستشهد الأيام القليلة المقبلة لقاءً يجمع بين رئيس السلطة محمود عباس و رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل في القاهرة حسب ما صرح به الطرفان، وهذا ليس اللقاء الأول بينهما منذ أحداث صيف 2007، ولكن الظروف والعوامل اليوم تختلف عن سابقتها وبالذات على الصعيد الداخلي.

فحركة حماس تذهب اليوم إلى اللقاء وهي تحمل في جعبتها نصراً فلسطينياً خالصاً من خلال إنجاز ملف صفقة تبادل الأسرى مع الكيان عبر الوسيط المصري، أما على الجانب الآخر فعباس سيحضر إلى اللقاء وهو خالي الوفاض بعد فشل مسرحية أيلول التي كان يعول عليها كثيراً في تحقيق إنجاز له بعد فشل كافة خياراته الانهزامية، و هذا ما يميز هذا اللقاء إن تم أن المواطن والمتابع للأوضاع الفلسطينية سيعيش المقارنة بين النهجين بشكل جلي.

الإشكالية مازالت قائمة بين الطرفين ولا يمكن أن تحل في لقاء أو حتى في تشكيل حكومة لأن تجربة حكومة وحدة وطنية قد أُفشلت بعد اتفاق مكة بين حركة حماس وفتح، ومن الصعب التوصل إلى تفاهمات صادقة في ظل الاختلاف العميق في طريق إدارة الصراع مع الكيان بينهم.

لقد ترك عباس المصالحة كثيراً من أجل ملف المفاوضات فمنذ الانقسام الفلسطيني وهو يضع كل ثقله في هذا الملف المرفوض شعبياً وقدم كل ما لدى أجهزته الأمنية من معلومات يحارب فيها الإرهاب الفلسطيني المتمثل في حركة حماس والمقاومة المسلحة، ورغم ذلك وقفت أمريكا والاحتلال ضد تقديم شيء له وهددوه أكثر من مرة بقطع المساعدات، ورغم ذلك بقي أسيراً لخيارات الولايات المتحدة بعد فشله في نيل عضوية في مجلس الأمن وينتظر منهم الحلول والمقترحات.

أكثر ما يقلق في معاودة اللقاء هو الظروف الحالية ؛ فبعد فشل أبي مازن وتوقف بعض الدعم المالي عنه عادت الولايات المتحدة بأطروحات جديدة للمفاوضات في ظل الأجواء الساخنة تجاه إيران وتوقُع توجيه ضربة جوية خاطفة لها، فيحتاج الجميع لتهدئة الملف الفلسطيني مؤقتاً وقد يوافق الجانب الصهيوني على وقف الاستيطان مقابل الموافقة الصامتة من الدول العربية على ضرب إيران.

لهذا نسأل : هل سيحمل اللقاء في طياته تقدماً يذكر أم سيكون كسابقه إعادة محاولة ترويض حركة حماس ونزع الشرعية منها من خلال حكومة جديدة تحت أي مسمى مما سمعناه من قبل قد يتنازل فيه عباس قليلاً عن بعض شروطه ؟

نحن لسنا بحاجة إلى حكومة جديدة أو حكومة وحدة وطنية، المطلوب اليوم هو عدم الرجوع إلى الوراء والحديث في بنود اتفاق المصالحة، فمن المفترض اليوم الجلوس لإعادة صياغة المرحلة المقبلة ووضع الاستراتيجيات المناسبة في ظل الفشل الذريع للمفاوضات، وهذا الأمر لا يحتاج إلى تشكيل حكومة أو الحديث عن قضايا موظفين.

لو كان عباس جاداً في اللقاء فهناك العديد من القضايا التي يمكن أن يقدمها قبل الحديث عن اللقاء وعلى رأسها الإفراج عن المعتقلين السياسيين في الضفة الغربية، فما بالكم في القضية المخجل ذكرها مثل قضية جوازات السفر!

مازال عباس يعول على إحراز تقدم ما في المفاوضات ومازال يستخدم ورقة المصالحة من أجل المفاوضات، والمطلوب من حماس اليوم أن تجلس معه لتعلن عن إنهاء المفاوضات مع الاحتلال والتنسيق الأمني لا الحديث عن حكومة لأننا لسنا بحاجة إلى وزراء وحكومة جديدة.

"عيوب" سياسة

المركز الفلسطيني للإعلام ،،، خالد معالي

قضت طبيعة الحالة الفلسطينية أن تتفاعل الأحداث السياسية فيها بسرعة فائقة؛ مشكلة حالة نادرة في عالم اليوم، وفوارق سياسية مختلفة عن تجارب كثيرة حولها؛ إلا أنها في السياق العام لا تخرج عن السنن الكونية، والجدلية التاريخية، التي قضت بزوال الطارئ الدخيل، وبقاء الأصيل المتجذر، القوي بعلمه وإرادته، وإيمانه بحقه.

من غرائب و"عيوب" السياسة الفلسطينية، مع أن هناك من لا يعترف بوجود العيب في السياسة أصلا ولا في غيرها؛ هو الخروج عن منطق الأشياء والمنهجية العلمية في تفسير وتحليل الأحداث، من قبل بعض المحسوبين على قوى سياسية معينة.

من حق أي فرد، أو أي فصيل فلسطيني أن يناظر ويحاجج، ويدعم أفكاره بالأدلة والشواهد؛ ولكن أن يصل به الأمر إلى لي عنق الحقيقة، وتحريف الكلام، والاستخفاف بعقول الناس؛ فهذا أمر غير مقبول إطلاقا، وغير لائق.

"عيوب" السياسة الفلسطينية متنوعة ومعقدة، والهدف من طرحها ليس نشر الغسيل؛ بل هي محاولة متواضعة لتسليط الضوء عليها، عل وعسى تخف حدتها وتأثيرها السلبي في مجريات الأحداث.

نجد مثلا قوى سياسة فلسطينية يلفها التعصب والانغلاق، ولا تعمل إلا بنظرية الكهف؛ فهم منغلقون على أنفسهم ومتقوقعون، ولا يعرفون الحلول الوسط ويتصورون – أو يصورون لأنفسهم- أنهم على الحق المطلق، وغيرهم باطل مطلق، فليس لديهم إلا أبيض أو أسود، ويتناسون وجود ألوان كثيرة ما بين اللونين.

نرى في الحالة الفلسطينية، كثيرا ما يتم قلب الحقائق وتطويعها قصرا؛ خاصة إذا خالفت مصالح أو توجهات قوة معينة. التبعية، والتواطؤ، وقصر النظر؛ هي وغيرها تهم جاهزة وسريعة دون تبصر بالعواقب، عدا عن تصيد الأخطاء والهفوات، والتركيز على السلبيات والعثرات، وترك الايجابيات والانجازات.

المتتبع للثورات العربية، يرى أن بعض القوى الفلسطينية باركتها في بدايتها، ومن ثم انقلبت، وأخذت تتهمها بالرجعية، والتبعية لأمريكا، فكيف يستقيم هذا؟ وحتى أن بعض كتابها ذهبوا بعيدا باتهامها بالعمالة، وهم أيضا من يثيرهم أي لقاء قريب للمصالحة، ومن ثم يأخذوا بالحديث عن "المحاصصة".

ترى كاتبا أو محللا أو حتى قياديا لدى فصيل معين، يكتب أو يحلل أو يصرح حول قضية معينة ترتبط بفصيل آخر؛ ويأخذ بالتلاعب بالألفاظ والعبارات، مستخفا ومستهترا بالقارئ أو السامع، ويصل به الحد إلى قلب الحقائق؛ وكأن القارئ من "كوكب آخر" ولا ينعم بنعمة العقل والتمييز، والقدرة على فهم الأمور.

كل من يقوم بخطوات مدروسة علميا، ضمن خطط وبرامج محددة مسبقا، وأهداف قادرة على التحقيق، وواقعية، ينجح ويصل، وان طال الزمن؛ وبالتالي لا يهمه ولا يلتفت لنقيق الضفادع من حوله مهما بلغ ضجيجها.الضعيف المتباكي- في عالم اليوم لا يحترمه أحد - لا يقدر على تحقيق أهدافه، ومن الطبيعي أن يبحث عن مصادر القوة حتى ينجح في تحقيقها.

في الحالة الفلسطينية من الجنون وغير المعقول بقاء حالة الانقسام وعدم المصالحة الحقيقية؛ كون الفرقة والاختلاف وعدم الالتقاء على برنامج وطني موحد؛ تزيد من حالة الضعف والهوان، ويثير شهية "نتنياهو" لالتهام المزيد.

في المنطقة حالتان متناقضتان: حالة دولة الاحتلال التي تتفق وتلتقي ضمن خطوط عريضة لمصلحتها، رغم تنوع واختلال القوى السياسية فيها؛ والحالة الفلسطينية التي لم تتفق القوى السياسية فيها لحد الآن، على برنامج موحد وخطوط عريضة وعامة للنضال نحو الدولة الفلسطينية، وهو ما يؤرق ويوجع قلب كل حر وشريف.أحيانا قد يختلف المرء مع نفسه حول كيفية اتخاذ قرار صائب في قضية معينة تخصه، ويبحث عن بدائل وحلول أخرى وأقوى لأي مشكلة تواجهه؛ فكيف بنا بمشكلة احتلال ينهش صباح مساء الأرض والإنسان الفلسطيني ويستهدف الجميع.

مع اللقاء المرتقب بين قيادات الشعب الفلسطيني، ومع طول التجربة السابقة، وكل هذا التنكر والصلف الأمريكي والغربي للدولة الفلسطينية المنشودة؛ صار لا بديل عن الوحدة سريعا، والعمل المشترك البناء، وتعزيز قيم التعاون، ضمن برنامج وطني يجمع الجميع ويقود لكنس الاحتلال، وليسجل التاريخ بعدها صفحة مشرقة بعد طول غياب.

ما مدى عمق اقتناع عباس بعقم المفاوضات؟

المركز الفلسطيني للإعلام ،،، أحمد خليل

تواصل واشنطن واللجنة الرباعية محاولاتهما لاستئناف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" بغض النظر عن احتمالات وصولها إلى حلول لقضايا الصراع، ولا يشكل السقف الزمني المرصود في الاقتراح كفترة محددة للمفاوضات، عامل إغراء للرئيس الفلسطيني محمود عباس، فالتجربة علمته أنه ليس لدى اللجنة الرباعية، وواشنطن وتل أبيب مواعيد مقدسة، ففي سبتمبر الماضي، الذي حدد كنهاية عام من المفاوضات، لم يلتزم بالاستحقاق الذي وعدت به الرباعية، كما وعدت به واشنطن، لقيام دولة فلسطينية، معترف بها وذات سيادة على أرضها، بل استولد منه «وعداً» جديداً بمفاوضات حتى نهاية العام المقبل.

لم يكن عباس بحاجة إلى وقفة، لمراجعة العملية السياسية، لولا اقتناع مضمر لديه بأن هذه العملية باتت عاجزة عن الوصول إلى حل، يحفظ للفلسطينيين الحد الأدنى من مطالبهم، وحقوقهم المشروعة.

وقفة عباس هي بمثابة رسالة منه إلى من يعنيهم الأمر، أنه لم يعد يملك رصيداً سياسياً يمكنه من الذهاب أبعد من ذلك في اللعبة السياسية التي تديرها الرباعية، ويطلق عليها اسم آخر هو «العملية التفاوضية»، وإن الإصرار على التمسك بهذه اللعبة، من شأنه أن يضع عباس أمام خيارات، ربما أسهلها هو أن يقدم استقالته، ويتقاعد، فأمام ألاعيب نتانياهو، وضعف صدقية أوباما، وعنجهية كلينتون، والمواقف الرجراجة للرباعية، وإصرارها الغريب على إهانة ذكاء الفلسطينيين، لم يعد مقبولا الاستمرار في هذه اللعبة التي باتت أشبه بقصة إبريق الزيت بلا مضمون، ونهايتها مثل بدايتها.

ماذا يستطيع عباس عمله، في حال استبعاد خيار الاستقالة؟ هل سيذهب إلى مجلس الأمن للمطالبة بتطبيق القرار 242 وباقي القرارات ذات الصلة بموجب الفصل السابع، مع احتمال كبير (بل مؤكد) أن يجهض الفيتو الأميركي هذه الخطوة؟ فالطلب الذي قدم إلى مجلس الأمن لنيل العضوية الكاملة للأمم المتحدة لم يحظ بتأييد تسعة من أعضاء مجلس الأمن وهو الشرط الأساسي لقبول الطلب دون أن تحتاج الولايات المتحدة إلى استخدام حق الفيتو ضد الطلب الفلسطيني.

إذا ظل مجلس الأمن يتخذ مواقف محبطة لطموحات الفلسطينيين، فإنه دون شك سيدفع الفلسطينيين لخيار إعلان بسط السيادة الوطنية على أرض دولتهم، بما يشبه إعلان شن حرب الاستقلال ضد الاحتلال والاستيطان، وبالتالي سيفقد عباس القدرة على ضبط الوضع في الميدان، كما كان يضبطه على طاولة المفاوضات.

لكن هكذا خيارات تتطلب اتخاذ خطوات كبيرة من عباس لإنهاء الانقسام، وترتيب البيت الفتحاوي، والبيت الفلسطيني، وإعادة بناء التحالفات الداخلية، والعربية، وإدارة الظهر للولايات المتحدة ومن يواليها من أصحاب المنح المشروطة، فهل وصل عباس في اقتناعاته إلى هذا المستوى؟ أم أن الإعلان عن المراجعة هو شكل من أشكال الاعتراف بالأزمة التفاوضية، ودعوة جديدة للأميركيين لمعالجة الأمور قبل فوات الأوان؟

عن الفلسطينيين وخياراتهم المضطربة: حلّ السلطة نموذجاً

المركز الفلسطيني للإعلام ،،، ماجد كيالي

الوضع الفلسطيني مؤلم وصعب ومعقّد، لكن ما يفاقم ذلك ليس اختلاف الفلسطينيين، وهو أمر طبيعي، وإنما انقساماتهم وغياب إطاراتهم الشرعية ومؤسّساتهم الجمعية وضعف إدارتهم لأحوالهم وعدم وضوح خياراتهم، سواء في التسوية أو في المقاومة.

مثلاً، طرحت القيادة الفلسطينية مؤخّراً، بشكل مفاجئ، خيار «حل السلطة» الذي لوّحت به في مراحل سابقة مع تلويحها باستقالة رئيسها محمود عباس (رئيس منظمة التحرير وقائد حركة «فتح» أيضاً)، من دون توضيح كيفية صوغ هكذا خيار وما إذا كان يُطرح من قبيل التهديد فحسب أو كان مقصوداً لذاته حقاً.

ثمة عوامل عديدة تحثّ تلك القيادة على انتهاج خيارات جديدة لتغيير المعادلات التي تأسّست عليها المفاوضات المستمرة منذ عقدين، ومن ضمنها تملّص "إسرائيل" من التزاماتها إزاء الفلسطينيين ومحاولتها فرض إملاءاتها عليهم بالاستيطان والجدار الفاصل، وبمساعيها لتهويد القدس والسيطرة على حياتهم (أمنياً واقتصادياً).

وكانت المرة الأولى التي جرت فيها محاولة تغيير المعادلة التفاوضية المجحفة قد تمثلت بالانتفاضة (الثانية بين 2000 و2005) التي طغى عليها طابع المقاومة المسلحة، وفي المرة الثانية عبر التفاوض على الحلّ النهائي مع حكومة إيهود أولمرت، وفي المرة الثالثة من خلال الضغط بالتوجّه نحو الشرعية الدولية، لانتزاع الاعتراف بالعضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، ولكن كل هذه المحاولات لم تكلّل بالنجاح لأسباب مختلفة ذاتية وموضوعية.

وفي هذه المرّة يبدو أن القيادة الفلسطينية لم يعد في جعبتها سوى خيار التلويح بحلّ السلطة، الذي تتوخّى منه وضع "إسرائيل" أمام ضغط خيارين، أولهما يتمثّل بتكريس ذاتها كدولة «أبارتايد» تسيطر بالقوة على الفلسطينيين وتمارس ضدهم التمييز العنصري، مع ما في ذلك من تداعيات على وضعها الديموغرافي، وعلى نظامها السياسي، وعلى صورتها الأخلاقية في العالم. وثانيهما، يتمثل بإمكان تحوّلها لاحقاً، وفي ظلّ تطوّرات معيّنة، إلى دولة «ثنائية القومية»، إن بحكم الواقع أو بحكم القانون، وهما خياران تجهد "إسرائيل" لتلافيهما، باعتبار أن ذلك يهدّد صورتها كدولة يهودية وديموقراطية، وربما يهدّد بنزع الشرعية عنها.

على ذلك ثمة مشروعية لمحاولة القيادة الفلسطينية طرح أجندة أو خيارات جديدة، بدل الارتهان لخيار واحد ووحيد يتمثّل بالمفاوضات (المذلّة والعبثية والمضنية). بل يمكن القول بأن الظرف الراهن ربما هو الأنسب الذي يمكن فيه لهذه القيادة أن تتحرّر من ارتهاناتها التفاوضية السابقة، وأن تضع الدول الكبرى المعنية بعملية السلام أمام محكّ الحقيقة، مستفيدة في ذلك من التغيرات الحاصلة في البيئة السياسية العربية، والمحمولة على رياح الثورات الشعبية.

نعم، هذا هو الوقت الذي يمكن فيه حشر هذه الدول التي تبدي حماساً للتغييرات الديموقراطية في المنطقة ولقيام نظم سياسية أكثر عدالة فيها، في حين أنها في الموضوع الفلسطيني تحابي "إسرائيل"، التي تصرّ على كونها دولة يهودية (دينية) والتي تحتل أراضي الفلسطينيين وتصادر حقوقهم وتمارس التمييز ضدهم!

لكن مشكلة القيادة الفلسطينية في تحوّلها من خيار إلى آخر، أنها لا تطرح ذلك من خلال الإطارات القيادية الشرعية (حيث وجدت)، ولا تهيئ الأوضاع اللازمة لهذه النقلة، وأنها تكون مرتهنة تماماً للخيار الذي تشتغل عليه بمعزل عن أي خيارات أخرى ضرورية ويمكن الاشتغال عليها أيضاً.

وفي شأن الذهاب نحو خيار حلّ السلطة، فإن هذا الأمر يطرح العديد من الأسئلة: فهل هذا يعني تقويض الكيان السياسي الناشئ في الضفة والقطاع نهائياً وتضييع هذا الانجاز الذي تعمل "إسرائيل" أصلاً على وأده (رغم ما فيه من إجحافات)؟ وبخصوص الوضع في قطاع غزة، فهل ستلتزم حركة «حماس» التي تسيطر على القطاع بالتجاوب مع هذا الخيار؟ ثم أليس ثمة خيارات وسط بين الواقع الحالي (سلطة ترضخ للاحتلال) وبين حلّ السلطة نهائياً؟ وماذا عن حوالي ربع مليون فلسطيني في الضفة وغزة من العاملين في السلكين المدني والعسكري للسلطة؟ وفوق ذلك ما هي الإستراتيجية البديلة؟ أو ماذا بعد حلّ السلطة؟

المؤسف والمقلق أنه لا يمكن العثور في مجموعة تصريحات المسؤولين الذين تحدثوا عن هذا الخيار جواباً على أي من هذه الأسئلة أو غيرها، ما يثير المخاوف مجدّداً في شأن الطريقة التي تتّخذ فيها القرارات وتعتمد فيها الخيارات في الساحة الفلسطينية، والتي غالباً ما تتم بطريقة مزاجية ومتسرّعة وغير مسؤولة.

وفي ما يتعلق بخيار حلّ السلطة، يمكن ببساطة ملاحظة إن ثمة خيارات أخرى بديلة يمكن أن تؤدي الغرض نفسه وأكثر، لكن من دون أن تقدم ل"إسرائيل" هدية مجانية تتمثل بإنهاء الكيان السياسي الفلسطيني.

وهكذا، بدلاً من حلّ السلطة يمكن القطع مع الوظيفة التفاوضية والأمنية لها إزاء "إسرائيل"، وإلغاء الاتفاقات الاقتصادية المجحفة معها، بحيث تقوم السلطة ككل بإدارة حالة عصيان مدني ضد الاحتلال، وبدلاً من إنهاء هذا الكيان السياسي يمكن تحويله إلى كيان لتنظيم أوضاع الفلسطينيين في الضفة والقطاع وتأمين متطلبات صمودهم في وجه الاحتلال، بما في ذلك إدارة المقاومة الشعبية ضده. وبدلاً من تقديم أبو مازن لاستقالته ينبغي دراسة تجديد المؤسسات القيادية، بما في ذلك تجديد شبابها وإحداث نقلة فيها بطرق ديموقراطية ومؤسساتية.

ثمة خيار آخر أيضاً يتمثل بوقف التماهي المضرّ بين المنظمة والسلطة والتمييز بين السلطة باعتبارها شأناً خاصاً بفلسطينيي الضفة والقطاع، وبين المنظمة باعتبارها كياناً يخصّ كل الفلسطينيين ويؤطّر كفاحهم ضد "إسرائيل"، ما يفرض إخلاء مسؤولية المنظمة عن إدارة السلطة مع بقائها مرجعية سياسية لها.

المعنى من ذلك أنه محظور على الفلسطينيين التحول من خيار متطرف وأحادي (يرتهن للمفاوضات) إلى خيار آخر متطرّف وأحادي كحلّ السلطة، فما هكذا يتم التعاطي مع التحديات الإسرائيلية، بل ينبغي إشهار السلطة كتحدّ يرمز إلى الكيانية السياسية للفلسطينيين، ويرسخ نزعتهم للتحرر من الاستعمار والعنصرية.

ومع هذا الخيار، ثمة خيارات أخرى يمكن انتهاجها أيضاً، كوقف المفاوضات العبثية والمضرة نهائياً، وحمل ملف القضية إلى المجتمع الدولي لإنفاذ القرارات ذات الصلة بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وفرض الوصاية الدولية على الأراضي المحتلة كمرحلة انتقالية، كما ثمة للقيادة ما تفعله، فوق كل ما تقدم، بشأن استعادة الوحدة الوطنية وتفعيل منظمة التحرير، وإعادة بناء البيت الفلسطيني (المنظمة والسلطة والفصائل والمنظمات والمؤسسات الجمعية) على أسس وطنية ومؤسسية وتمثيلية وديموقراطية، وصوغ إستراتيجية سياسية ونضالية واضحة، يمكن لها أن تستقطب الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، ولاسيما اللاجئين الذين باتوا وكأنهم خارج المعادلات السياسية والنضالية القائمة.

أيضاً، ثمة إمكانية لفتح الخيارات الوطنية من خيار دولة في الضفة والقطاع (حل الانفصال) إلى خيار النضال من اجل دولة واحدة ديموقراطية علمانية للفلسطينيين والإسرائيليين، وهو خيار بات يحظى بقابلية أكثر بعد الثورات الشعبية الديموقراطية العربية التي تفتح على دولة المواطنين في كيانات المنطقة.

في كل الأحوال لا ينبغي للقيادة الفلسطينية أن ترسل إشارات متضاربة ومضطربة بشأن توجهاتها السياسية فهذا يضر ويشوّش ولا يفيد. وما ينبغي إدراكه أن لحظة الربيع العربي، ولحظة الضعف التي تمر بها الولايات المتحدة إزاء قدرتها على التحكم بالنظام الدولي، ولحظة نزع الشرعية الدولية عن "إسرائيل"، توسّع هامش العمل والمناورة عند الفلسطينيين.

هذه لحظات ينبغي استثمارها جيداً بدلاً من التسلّي بكلام غير مفهوم أو متردّد عن حلّ السلطة، لا سيما إذا كان هذا الكلام يجري من دون معرفة جيدة بمتطلبات هكذا خيار وتداعياته، وبما ينبغي عمله في اليوم التالي.

ارتباك سياسي فلسطيني

أجناد،،، فايز رشيد

يلاحظ أن السلطة الفلسطينية مصابة بالارتباك السياسي، فمن التهديد بحل السلطة وصولاً إلى الوعود باتخاذ خطوات سياسية تغير وجه الشرق الأوسط، غير أن لا أحد من مسؤوليها قال لنا: كيف سيتم ذلك؟ وما بين الحل وتغيير ملامح منطقتنا تختلط القضايا، حيث يضفي الاختلاط نمطاً من الحيرة السياسية وبخاصة أن السلطة كبّلت نفسها بخيار وحيد لنيل الحقوق هو المفاوضات السياسية في ظل تعنت الطرف الآخر واستمراره في الاستيطان، حيث تضيق خيارات السلطة شيئاً فشيئاً وبخاصة في ظل برودة وهج الاعتراف الأممي من المنظمة الدولية بدولة فلسطينية على حدود عام 1967 . صحيح أن انتصار “اليونيسكو” للشعب الفلسطيني بقبول دولة فلسطين عضواً كامل العضوية فيها، شكّل خطوة إيجابية حاولت السلطة الاستفادة منها، لكن وهج هذه الخطوة بدأ أيضاً في الخفوت، الأمر الذي يشي بوجود حالة من الفراغ السياسي بدأت تعانيها السلطة .

وبالنسبة إلى حل السلطة، يجري الحديث حالياً عن رغبة الرئيس محمود عباس في اتخاذ هذه الخطوة، باعتبارها “سلطة بلا سلطة”، هذا ما ذكره عباس في أكثر من مناسبة . من جانب آخر، ووفقاً لما ذكره صائب عريقات وأكدته صحيفتا “معاريف” و”هآرتس”، أن السلطة الفلسطينية أبلغت دولاً في العالم، بما فيها “إسرائيل” والولايات المتحدة، نيتها حل نفسها في يناير/ كانون الثاني المقبل، في إطار ما تسميه “نقل الصلاحيات إلى الاحتلال” ضمن خطة متدرجة في نقل هذه الصلاحيات، بحيث تبدأ بالصلاحيات المدنية كالصحة والتعليم، وتأجيل الصلاحيات الأمنية إلى وقت لاحق .

بدايةً، نتمنى لو كانت هذه المسألة صحيحة، فحقيقة الأمر أن هذه السلطة ليست سلطة، بل تريدها “إسرائيل” كوكيلة عنها في ممارسة الإشراف الحياتي على الفلسطينيين في المناطق المحتلة، من دون امتلاكها لأي مظاهر سيادية، كما تريدها ممثلاً عنها في حفظ الأمن ومنع القيام بأية عمليات ضدها، تريدها سلطة خاضعة للإملاءات “الإسرائيلية” . وحقيقة الأمر أن السلطة على مدى إنشائها مثّلت هذه المهمات الثلاث، بمعنى أنها في نهاية المطاف ليست غير حكم ذاتي هزيل في المناطق المحتلة . الأمر الطبيعي والحالة هذه أن تقوم السلطة بحل نفسها إذا كانت تحترم ذاتها وتحترم شعبها، ولكن للأسف ليست هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها عباس عن حل السلطة، ثم لا نفهم الخطابات عن حل السلطة في الوقت الذي نشرت فيه صحيفة “هآرتس” (الجمعة 28 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي) خبراً قالت فيه: “لقد قامت “إسرائيل” خلال الأيام القليلة الماضية بنقل وسائل لتفريق التظاهرات إلى رام الله وذلك للمرة الأولى منذ إقامة السلطة الفلسطينية”، وأضافت “نقل الوسائل جاء تلبية لطلب من الجانب الفلسطيني للاستعداد لمواجهة تظاهرات حاشدة، وتشمل الوسائل، قنابل الغاز المسيل للدموع، وطلقات مطاطية، وقنابل صوتية، وأقنعة واقية من الغاز”، كذلك لا نفهم الحديث عن حل السلطة في الوقت الذي ما زال فيه التنسيق الأمني قائماً بينها وبين “إسرائيل”! الأحرى في هذه الحال إلغاء اتفاقيات أوسلو المدمرة ومن ثم حل السلطة .

كذلك، فإن هناك تناقضاً في الطرح الذي تتبناه السلطة الفلسطينية، فمنذ أسبوع ليس أكثر طرحت السلطة اقتراحات على “حماس” تتمثل في إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في عام ،2012 ما يعني تحديداً تجديد صلاحيات السلطة ورئيسها المنتخب والمجلس التشريعي أيضاً والمجالس البلدية . معروف أيضاً أن عدد موظفي السلطة يصل إلى 250 ألفاً، إضافة إلى 50 ألفاً من عناصر الأمن في كل الأذرع، من الطبيعي والحالة هذه أن يجري التساؤل عن مصير هؤلاء؟ ثم وعلى مدى السنوات منذ إنشاء السلطة، تكونت شرائح طبقية اغتنت كثيراً بوجودها، وهناك شريحة من السماسرة، وكل هؤلاء معنيون بوجود السلطة واستمرار بقائها، وهؤلاء ليسوا خارج إطار السلطة، بل هم من مؤسسيها وممن يحتلون المراكز الأولى والصفوف القيادية فيها . ومن الطبيعي أن يعمل هؤلاء على استمرار بقاء السلطة وليس حلها، هذه الشرائح شكلت مؤسسات اقتصادية وطبقة من رجال الأعمال بالضرورة، صوحبت بمواقع اجتماعية وسياسية وعسكرية أمنية متنفذة بفعل إمبراطورياتها “الكمبرادورية” .

لا نفهم جدية الحديث عن حل السلطة، في ظل تهميش منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها كافة، كذلك لا نفهم جدية الحديث عن حل السلطة في الوقت الذي تعاني فيه الساحة الفلسطينية انقساماً وعدم وجود أدنى الأشكال من الوحدة الوطنية الفلسطينية، فمن يريد حل السلطة عليه أن يبدأ بتطبيق الوحدة الوطنية، ويقوم بإصلاح منظمة التحرير بكافة مؤسساتها، ويقطع كل خيوطه مع المفاوضات مع “إسرائيل” التي أثبتت عقمها ولا جدواها على مدى عقدين من الزمن، ويعيد الاعتبار للمقاومة بأشكالها ووسائلها كافة وبخاصة المسلحة منها، ولا يقوم باعتقال المقاومين في السجون الفلسطينية، ولا يصادر السلاح من أبناء شعبه تحت طائلة المسؤولية، ويقوم بمقاطعة “إسرائيل” سياسياً واقتصادياً وأمنياً، ويعيد أيضاً القضية إلى اعتبارها العربي معتمداً على الجماهير العربية .

أما بالنسبة إلى تغيير ملامح المنطقة، فللأسف ليس بين يدي السلطة الفلسطينية أية أوراق سياسية عملية، وليست في مركز قوي يؤهلها لتغيير وجه الشرق الأوسط .