مقالات اجنبية

نشرة شهرية تصدر عن المصدر

الفهــرس

الرقم الموضوع

الكاتب المركز الصفحة

1 -

في هذا العدد المصدر المصدر 2

2 - دولة فلسطينية باتفاق ليست في برنامج العمل دان شفتن معهد ابحاث الامن القومي 3

3 -

تركيا وايران – ليستا بالضرورة شريكتين مثاليتين يوئيل جوجنسكي ود. غاليا لندنشتراوس معهد ابحاث الامن القومي 9

4 - التدخل الايراني في لبنان – جذوره ومُجراه وأهدافه إيال زيسر معهد ابحاث الامن القومي 15

5 - قوة اسرائيل البحرية – لبنة حيوية للحسم في ميدان قتال الاجهزة زئيف الموغ معهد ابحاث الامن القومي 2

في هذا العدد

كتب د. دان شفتن في بحث عنوانه "دولة فلسطينية باتفاق ليست في برنامج العمل" يقول ان الظروف الراهنة لا تشجع على العمل من اجل انشاء دولة فلسطينية لانه يرى كما يرى اليمينيون جميعا ان الفلسطينيين ما يزالون غير ناضجين للسلام ولحل الصراع نهائيا، لكن البقاء في الوضع الراهن خطر ايضا ولهذا يدعو الى ان تعمل اسرائيل على الانفصال عن الفلسطينيين حتى لو كان ذلك من طرف واحد.

وكتب الباحثان يوئيل جوجنسكي ود. غاليا لندنشتراوس في بحث عنوانه "تركيا وايران – ليستا بالضرورة شريكتين مثاليتين" يُبينان العوامل التي أفضت وتفضي الى التقارب بين تركيا وايران في المدة الاخيرة، لكنهما برغم ذلك يريان ان المستقبل قد يحمل بذور تباعد بين الدولتين ولا سيما على خلفية الصراع بينهما على الهيمنة على الشرق الاوسط وتعزيز المكانة في العالمين العربي والاسلامي وقضايا اخرى.

اما البروفيسور الباحث إيال زيسر المختص بشؤون سوريا خاصة يُبين أن ايران هي التي انشأت حزب الله في الأصل وزادته قوة ومنعة وتسليحا ليخدم مصالحها خارج حدود ايران، وقد زادت مكانة ايران في لبنان في السنين الاخيرة وخاصة بعد حرب 2006، غير أن هذا لا يعني في نظر الكاتب أن الامر وقف عند هذا وأن الصراع على السيطرة والهيمنة داخل لبنان قد انتهى لأن ثمة قوى اخرى في لبنان وخارجه تريد هذه السيطرة وهذه الهيمنة وأبرزها سوريا. هذا الصراع قد يفضي الى مواجهة في المستقبل بين سوريا وايران ولا سيما اذا شعرت سوريا بأن مصالحها في لبنان مهددة.

وأخيرا كتب زئيف الموغ في بحث عنوانه "قوة اسرائيل البحرية – لبنة حيوية للحسم في ميدان قتال الاجهزة" يستعرض اسهام سلاح البحرية الاسرائيلي في أمن اسرائيل وحروبها منذ تم انشاؤها وبين أنه لا غنى عن هذا السلاح وانه يستطيع اليوم مع الأخطار التي تترصد اسرائيل من جميع النواحي والجهات ان يسهم اسهاما يكاد يكون أكبر من اسهام سلاح الجو في حروب اسرائيل في المستقبل، وعلى ذلك يحث القيادة الاسرائيلية والجهات المعنية على تطوير هذا السلاح وامداده بسفن الصواريخ والغواصات من طراز "ساعر" و"دولفين" على الترتيب .

دولة فلسطينية باتفاق ليست في برنامج العمل

بقلم: د. دان شفتن**

ليس انشاء دولة فلسطينية باتفاق مطروحا في برنامج العمل. قد تفضي ضغوط خارجية أو خطوات من طرف واحد الى اطار كهذا لكن ليس الحديث حتى آنذاك عن انهاء الصراع بل عن تحريف غير مستقر نازف له يهدد بأن ينزلق الى مواجهة إن عاجلا أو آجلا.

أصبح واضحا أكثر مما كان في الظروف الراهنة اليوم ان من بنى استراتيجيته الاقليمية على فرض ان انشاء دولة فلسطينية سيجعل الشرق الاوسط مستقرا، ويجعل عداوة الولايات المتحدة عقيمة ويُمكّن من "حلف معتدلين" في مجابهة القوى المتطرفة، يُخطيء فهم القوى التي تعمل في المنطقة وحراك العلاقات المتبادلة بينها. لا يثبت هذا الهذيان الاستراتيجي لامتحان في كل واحد من عناصره – الاسرائيلي – الفلسطيني، والفلسطيني الداخلي والاقليمي والعالمي – فضلا عن تآلف هذه العناصر. إن الأحداث الحاسمة في الشرق الاوسط في الشهور الاخيرة تُثبت أكثر من أي وقت مضى انقطاعه الكامل عن الواقع.

السياق الاسرائيلي الفلسطيني

يقترب الطرفان في السياق الاسرائيلي الفلسطيني من اتفاق في ظاهر الأمر فقط. إن الأسطورة المدنية المقبولة في وسائل الاعلام والتي تسود جهات دولية ايضا وكأن "الجميع يعلمون صورة التسوية ويُحتاج فقط الى قرار حاسم سياسي شجاع من القادة"، تقوم على فرض انه يمكن في عدد من الشؤون الحاسمة الأهمية تجاهل الالتزام السياسي الصارم للقادة أن يتمسكوا بمواقفهم المعلنة لأنهم "يعلمون جيدا" انه لا يمكن تحقيقها. هذا الفرض أفشل خلال أكثر من عقد ونصف جميع التقديرات المتفائلة في شأن تسوية قريبة. وهو مبني في الأساس على إقلال حاد لوزن الالتزام الوطني للفلسطينيين لـ "حق العودة" الى داخل دولة اسرائيل وعلى تقدير زائد لاستعداد الفلسطينيين أن يُسلموا لقيود شديدة على سيادة الدولة الفلسطينية تقتضيها حاجات اسرائيل الأمنية الحيوية. من السهل على الفلسطينيين أن يُغذوا وهم أن التزامهم هو من الشفة بلا مواطأة القلب، لانه يسهل عليهم ان يعرضوا على الجمهور في الغرب الديمقراطي وعلى الرأي العام الاسرائيلي أن عقبة انشاء دولتهم تنبع من شره اسرائيل الى الاراضي مع حصر العناية في المستوطنات. وهم غير معنيين بأن يكشفوا في هذه الحلبة عن حقيقة انه ليست لهم سلطة جماهيرية لانهاء الصراع والمطالب من اسرائيل، على نحو يُثبت مؤسسات دولة الشعب اليهودي على حساب لاجئي 1948.

كذلك فرض انه يمكن تأسيس الحد الأدنى من مطالب اسرائيل في مجال الأمن الاستراتيجي – السيطرة على المجال الجوي والالكترومغناطيسي ورقابة ناجعة على ترتيبات نزع السلاح – باتفاق ليس له أساس سياسي صلب. حتى لو كان نشأ في مباحثات سابقة انطباع ايجابي، وحتى عندما صيغت فيها اتفاقات محددة، فاننا نشك في أن تصمد للامتحان الحاسم عندما يتضح ثمنها العام، بمفاهيم قيود شديدة ظاهرة على سيادة الدولة الفلسطينية. حتى في الحالة الأفضل، ستقوم اتفاقات ممكنة على مشاركة عناصر خارجية. وتدل التجربة على ان هذه ستتلاشى سريعا ويتبين ان قيمتها الامنية مشكوك فيها. إن الحوادث الحادة في الشهور الاخيرة التي تشير الى عدم الاستقرار الراسخ للمنطقة والى ضعف الولايات المتحدة وقوة الجهات المتطرفة ستوجب على كل حكومة ذات مسؤولية في اسرائيل ان تتشدد في مطالبها في هذا المجال، ولا سيما في الرد على تحول سلبي في مجابهة "جبهة شرقية"، قد تقوم من جديد في المنطقة بين العراق والاردن. لن تستطيع أي حكومة في القدس أن تتجاهل الخشية من ان تصبح الدولة الفلسطينية تابعة استراتيجية لهذه الجهات المتطرفة، وأن تهدد ايضا استقرار المملكة الهاشمية. وستقوى هذه الخشية عندما تتصل "دولة حماس" في قطاع غزة بالضفة الغربية من اجل انشاء السيادة الفلسطينية المشتركة كما تُرى في رؤيا الفلسطينيين ورُعاتها الرؤساء في اوروبا وادارة اوباما.

إن نجاح المتنبئين بالدولة الفلسطينية في أن يطردوا عن وعيهم وعن وعي غيرهم العقبة الكبيرة أمام تحقيق رؤياهم – الشقاق العميق بين القطاع والضفة – يثير العجب. فمن جهة، من الواضح انه لا يمكن ان تنشأ باتفاق مع اسرائيل دولة قابلة للحياة، لأقل من نصف السكان الفلسطينيين في المناطق في حين انشأ نحو من نصفهم لأنفسهم كيانا آخر تسيطر عليه جهة يعارض جوهرها الاجتماعي الثقافي وسياستها الوطنية التصورات الأساسية التي يُجري قادة الضفة التفاوض مع اسرائيل باسمها. ومن جهة ثانية، تراودنا فكرة انه اذا توصل قادة الضفة والقطاع بينهم الى استراتيجية وطنية مشتركة فستكون في جوهرها غير محتملة من اسرائيل حتى لو تم وجود صيغ محكمة تُمكّن الاوروبيين وادارة اوباما من ان يخدعوا أنفسهم. بعبارة اخرى – لا يمكن من غير غزة انشاء دولة ذات بقاء؛ ومن المؤكد انه لا يمكن التوصل مع حماس الى اتفاق ذي بقاء مع اسرائيل. حتى من يتسلى بأمل انه يمكن احراز اتفاق مع أبو مازن وفياض يجعل "حق العودة" عقيما ويُمكّن اسرائيل من ضمان القدر الأمني الأدنى المطلوب لها، يجب ان يتركه عندما ينضم خالد مشعل واسماعيل هنية واحمد الجعبري الى دائرة متخذي القرارات.

السياق الفلسطيني الداخلي

في السياق الفلسطيني الداخلي تكمن العقبة الرئيسة للاتفاق. إن من يُجرون مع اسرائيل – مع الولايات المتحدة في الواقع – التفاوض غير قادرين على تجنيد اجماع فلسطيني على مصالحة تاريخية. يستطيع سلام فياض ان ينسب لنفسه لاول مرة في التاريخ الفلسطيني، صرف عناية مدهشا لبناء أمة لا لمواجهة عقيمة مدمرة مع عناصر خارجية. وقد أحسن أبو مازن فهم ضرر الارهاب الفلسطيني الاستراتيجي وناضل في ظروف صعبة للابتعاد عنه. كلاهما يُصرف سياسة بنّاءة للمجتمع الفلسطيني ويدعمان سياسيا مكافحة الارهاب وعناصر متطرفة عنيفة. بيد أن مكانتيهما السياسيتين الضعيفتين لا تضمنان أن يسير الجمهور وراءهما عندما يحتاج الامر الى تنازلات تاريخية في جوهر الرؤيا الفلسطينية. فهذه الاخيرة قائمة على سلب الدولة اليهودية شرعيتها منذ تم انشاؤها وعلى طلب اعادة الساعة التاريخية الى الوراء بواسطة طلب "حق العودة".

يستطيع هذا الجمهور أن يُسلم لحقيقة ألا تتحقق الرؤيا ما استمر الصراع، لكنه لن يُسلم للتخلي عنها في اطار نهاية الصراع هذا. وهو يستطيع أن يُسلم لحقيقة وجود اسرائيل المرفوض لكن لا لتثبيت الدولة اليهودية باتفاق "دولتين للشعبين"، الى جانب دولة عربية فلسطينية. ويستطيع فياض وعباس أن يطلبا باسمه دولة في حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية بل الموافقة على تبادل اراض طفيف، لكنهما لن يستطيعا التخلي عن الجوهر. فالجمهور الفلسطيني يؤيدهما عندما يأتيانه بمليارات الدولارات وبمشايعة العالم وضغوط على اسرائيل، وعندما يثبتان قدرتهما على أن يُحسنا تحسينا بارزا مستوى حياته ونوعه. لكن فياض وعباس أنفسهما عالمان بحدودهما حتى في الضفة فضلا عن ان يكون الحديث عن الشعب الفلسطيني في المناطق كلها أو بيقين عندما يتم الحديث عن أكثر الشعب الفلسطيني في اماكن الجلاء وبين اللاجئين. عندما تصبح الحدود غير واضحة لعباس، بل عندما يتم الحديث عن أمر تكتيكي بعيد عن تثبيت الانصراف عن "حق العودة" أو شرعية الدولة اليهودية، يتلقى من هذا الجمهور تذكيرا مؤلما فورا. هذا ما حدث مثلا عندما حاول أن يتجاوز الميزة الدعائية لتقرير غولدستون من اجل تقديم التفاوض الجوهري مع اسرائيل برعاية الولايات المتحدة.

ولما كان عباس وفياض عالمين بحدودهما فليس لهما ولمؤيديهما المباشرين في المرحلة الحالية اهتمام بانشاء دولة فلسطينية باتفاق مع اسرائيل. إن تفاوضا متقدما يُمكّن من ذلك مقرون بالكشف عن عجزهما السياسي حتى في الضفة، فضلا عن القطاع وموافقة الناس في الجلاء. سيُفشل هذا العجز المشروع الوطني في النقطة التي تُلقى فيها المسؤولية على الفلسطينيين. فهم يفضلون أن يعلق التفاوض في المرحلة التي هو موجود فيها الآن – أي المرحلة التي تُلقى فيها التبعة على اسرائيل، وهم يستمتعون بالأفضل في جميع العوالم: فالفلسطينيون يحظون بموالاة العالم كله، وتُدفع اسرائيل الى دفاع استراتيجي عن نفسها وتضعف شرعيتها الأساسية، وهم أنفسهم لا يُطلب اليهم أن يصمدوا لامتحان زعامة بين شعبهم. في هذه المرحلة لا يجب عليهما وعلى الشعب الذي يمثلانه تحمل مسؤولية عن ادارة دولة بائسة متنازعة، بل يستطيعان أن يقوما مقام الضحية الوحيدة ويعيشا على حساب آخرين. وليس لهما أي دافع للخروج من هذا الوضع.

من حسن حظهم انه لا يجب على القادة الفلسطينيين أن يقلقوا للكشف عن هذا الواقع. فقد تبنى الرئيس اوباما سياسة تُعفيهم من الحاجة الى مفاوضة اسرائيل مباشرة. وجعل الاوروبيون أمر الدولة الفلسطينية أمرا فوق سياسي يشبه الأسطوري ويوجهون ضغوطهم كلها على اسرائيل. وفي مصر خُلع الرئيس مبارك الذي أيد تسوية. وسهّل رئيس الحكومة نتنياهو عليهم أن يتهربوا من الحاجة الى التوصل الى قرارات صعبة عندما تبنى سياسة قصيرة الرؤية في مواجهة سياسة الرئيس اوباما الغامضة وفي محاولة ليتهرب هو نفسه من قرارات صعبة في اسرائيل. والنتيجة التناقضية هي أن عدم التقدم نحو دولة فلسطينية يضغط على اسرائيل أكثر مما يضغط على الفلسطينيين.

الساحة الاقليمية

قبل الأحداث الحادة لمطلع 2011 ايضا لم تشجع الظروف الاقليمية تسوية متفقا عليها بين اسرائيل والفلسطينيين. يوجد فرق كبير بين ما كانت النظم المسؤولة في الدول العربية تريد تقديمه وبين ما يستطيع المجموع العربي الموافقة عليه. ثبت هذا الفرق في تناسخ "المبادرة السعودية" الى أن أصبحت في لقاء الجامعة في بيروت في 2002 "المبادرة العربية". بدأت بمبادرة من العربية السعودية في اطار كان يرمي الى التمكين من تسوية بين اسرائيل والفلسطينيين، وأفضت الى طريق مسدود بمبادرة من سوريا إذ قصدت ان تضمن ألا يكون احتمال لهذه التسوية. في اطارها السعودي كانت ترمي الى ان تعوض اسرائيل عن تنازلها للفلسطينيين باعتراف وتطبيع علاقتها بالدول العربية؛ وفي اطارها العربي العام بوحي من سوريا صيغت على أنها إملاء يشمل "عودة" لاجئي 1948 الى داخل "الخط الاخضر" بحسب قرار الجمعية العامة للامم المتحدة 194 الذي يوجب على اسرائيل ان توقع على الصيغة العربية باعتبارها شرطا مسبقا لكل نقاش في تفصيلاتها وتحقيقها. لم يتجرأ السعوديون والمصريون والاردنيون وكل من أراد أن يدفع الى الأمام باحتمالات التسوية على مواجهة الشارع العربي واخراج العنصر الذي ضمن فشل المبادرة منها وهو طراز الاملاء والعودة. لم يستطع الفلسطينيون أن يطلبوا الى شعبهم أقل مما طلب اجماع دول الجامعة من اجلهم. ولتلك الاسباب التي بيّناها آنفا أصبح فياض وأبو مازن آخر القادرين على أن يعرضا على الفلسطينيين في الضفة – فضلا عن غزة والجاليات – التنازل عن جوهر الروح الوطنية الفلسطينية في حين يُصر العالم العربي كله على تحقيقه.

اذا كان وُجد احتمال ضعيف أن تمنح جهات مهمة في النظام الاقليمي خطوات جريئة تحطم محظور القيادة الفلسطينية الدعم للمجيء بتسوية يقبلها ايضا الباحثون عن المصالحة في اسرائيل، فان هذا الاحتمال قد تلاشى في المستقبل القريب على الأقل بسبب الزعزعة التي أصابت العالم العربي في الاشهر الاخيرة. إن هذا الدعم يوجب على قادة النظم في تلك الدول عقد جسور فوق الفروق بين تقديراتهم الاستراتيجية وأخذهم في الحسبان أهواء الجمهور. تبين قبل الزعزعة الكلفة السياسية لتسريب الاستعداد الفلسطيني لمرونة في الحد الأدنى (بوثائق "الجزيرة") بعيدة جدا عما هو مطلوب للتوصل الى اتفاق. بعد ذلك سقط النظام الوحيد (نظام مبارك) الذي كان يستطيع أن يقود مسيرة عربية أوسع تدعم هذه المرونة، وأصبحت النظم العربية كلها أشد حذرا مما كانت ألا تجابه أهواء الجمهور حتى في شؤون أقرب وأهم عندهم من تسوية القضية الفلسطينية. اذا أضفنا الى هذا الاحجام زيادة قوة العناصر المتطرفة وضعف الولايات المتحدة وسياستها المبلبلة وخصائص الرأي العام العربي المتقلبة، صعب أن نجد ظروفا أقل ملاءمة لتدخل ايجابي من النظام الاقليمي في تسوية اسرائيلية فلسطينية.

الساحة الدولية

من يعرف تاريخ التسويات بين اسرائيل والعالم العربي يعرف أن القوى العظمى على نحو عام لا تستطيع أن تبادر الى تسويات كهذه، لكن مشاركتها مطلوبة لاتمام التسويات وتثبيتها بعد أن يكون باعث طرفي الصراع قد نضج. والحديث في جميع الحالات تقريبا عن مشاركة امريكية.

في المرحلة الحالية من جهود التسوية بين اسرائيل والفلسطينيين، يبدو ان ادارة اوباما أكثر حماسة للتسوية من الشريكين المباشرين. تبنت هذه الادارة بقوة كبيرة واقتناع عميق التصور الغامض الذي يربط الاستقرار الاقليمي باحتمال مجابهة الجهات المتطرفة التي تعمل فيه (وعلى رأسها ايران)، وانشاء دولة فلسطينية باتفاق. تجاهل اوباما احجام الطرفين عن اتفاق في الظروف الحالية وحاول أن يدفعهما الى انشاء دولة فلسطينية في برنامج زمني مُعجل باعتبار ذلك مرحلة ضرورية اولى في استراتيجية احتواء القوى المتطرفة في المنطقة وخارجها. وقد وجد ان العقبة الرئيسة للتفاوض والتسوية هي المستوطنات التي تُعبر من وجهة نظره عن شره اسرائيل غير الشرعي، ووجه جهوده الى هناك. لم يولِ حقيقة أن عباس اختار عدم التمسك باقتراحات اولمرت لتسوية في 2008 على أساس خطوط 1967 وتقاسم القدس والذي كان يفضي أصلا الى اخلاء جزء كبير من المستوطنات ويعوض الفلسطينيين باراض تساوي بمساحتها الكتل الاستيطانية التي ستبقى في مكانها، لم يولِ ذلك أهمية مناسبة.

كانت سياسة اوباما ترمي، بل نجحت، الى دفع اسرائيل الى الزاوية في مجال المستوطنات، حيث يصعب عليها أن تجند تأييدا حتى من اصدقائها. وقد قضى طلبه التجميد المطلق الذي اشتمل على الأحياء في شرقي القدس التي جرى الاتفاق مبدئيا على ضمها الى اسرائيل باتفاق، والازمة المصنوعة التي أحدثها بسبب خطوة تخطيطية زمن زيارة نائب الرئيس بايدن للقدس، قضى على باعث الطرفين على التفاوض في ذلك الوقت.

قد بينا آنفا لماذا لم يكن لأبو مازن باعث على تعريض زعامته لامتحان بمحاولة تجنيد تأييد عام لمصالحة تاريخية. وقد قضت سياسة اوباما ايضا على باعثه على التفاوض. وقد فرض اوباما موافقة اسرائيل على انشاء دولة فلسطينية (خطبة بار ايلان) على نتنياهو في واقع الامر من غير ان يضطر عباس الى الاسهام بشيء من جهته. في خلال شهور التجميد العشرة التي كانت ترمي الى التمكين من تفاوض مباشر لم يُستعمل على عباس ضغط لاجراء تفاوض كهذا. وفي نهايتها لم يكن أبو مازن يستطيع ان يسمح لنفسه بدخول تفاوض ولو أراد ذلك لان اوباما نفسه هو الذي جعل التجميد الشامل شرطا مسبقا، ولم يستطع الفلسطينيون ان يطلبوا الى اسرائيل أقل مما طلب رئيس الولايات المتحدة. وتبين للفلسطينيين سريعا أن التأليف بين الامتناع عن التفاوض والانتقاد الامريكي الشديد على اسرائيل لعدم وجوده هو الوسيلة الأنجع لاستعمال ضغوط لم يسبق لها مثيل على اسرائيل لعزلها في اوروبا وفي الساحة الدولية ولاحراز اعتراف بدولتهم من طرف واحد وتطوير المعركة الدبلوماسية من سانت ياغو ديتشيلي الى لندن.

تبين لاسرائيل في مقابل ذلك أن كل تسوية تُعبر عن هذا الواقع السياسي يمكن أن تضر بها فقط وتمنعها حتى من أدنى قدر مطلوب للوفاء بالحاجات الأمنية القومية التي يراها التيار المركزي في اسرائيل حيوية. كان لأخطاء رئيس الحكومة نتنياهو الشديدة في الحقيقة نصيب من نشوء هذا الواقع، لكن سياسة اوباما كانت متضمنة في تصور عام شامل واستراتيجية اقليمية وعالمية مبلورة (ومخطوءة) جدا، ما كان حتى سلوك حكيم من رئيس حكومة اسرائيل يستطيع أن يُغير ميزان القوى الذي رجح في غير مصلحتها.

أضعف رد الولايات المتحدة على الأحداث الحادة في الشرق الاوسط مطلع السنة الحالية باعث الطرفين على تسوية. وقد ذكرنا آنفا أن الفلسطينيين سيصعب عليهم في الظروف الجديدة أكثر مما في الماضي أن يجندوا تأييدا لمصالحة تاريخية حتى لو كان عباس معنيا بذلك. وقد رأى أبو مازن ايضا كيف سلكت الولايات المتحدة مع رئيس مصر الذي قاد مدة طويلة العناصر ذات المسؤولية التي ساعدت الولايات المتحدة في إقرار اوضاع المنطقة. ورأت اسرائيل ضعف الولايات المتحدة وسياسة الرئيس اوباما الواهنة، وتعلمت هي ايضا درس تخليه عن حليفه الرئيس في الشرق الاوسط في ساعة الامتحان الأشد. وأدركت جيدا ايضا ان عزلتها العميقة في الساحة الدولية والتجنيد الواسع في اوروبا لمواجهتها حتى بعد أن تبينت الصلة الداحضة بين القضية الفلسطينية واستقرار الشرق الاوسط، تتغذى بالهام امريكي بتشجيع من واشنطن ايضا أكثر من مرة. حتى لو لم يكن كل ذلك يرمي الى ضعضعة مكانة اسرائيل الاستراتيجية على عمد (حرصت ادارة اوباما على عدم المس بالبعد الأمني من المساعدة بل على تقويته)، فانها كانت ترمي في واقع الامر الى دفع اسرائيل مرغمة الى تسوية في الشأن الفلسطيني، بشروط صعبة حتى على الباحثين عن مصالحة داخلها، من غير ان يُطلب الى الفلسطينيين مصالحة تاريخية عميقة من قبلهم ايضا.

استنتاجات سياسية لاسرائيل

يقتضي الواقع غير المغري الذي عُرض هنا – في الساحة الفلسطينية وفي الساحة العربية والاقليمية وفي الساحة العالمية ولا سيما الامريكية – أن يستوضح متخذو القرارات في اسرائيل لأنفسهم سؤالا مبدئيا يتجاوز كثيرا السياق الضيق لصوغ السياسة نحو الفلسطينيين ونحو ادارة اوباما وهو: هل تقاسم البلاد الذي تصاحبه الظروف الراهنة والمتوقعة، وانشاء كيان سياسي فلسطيني، أمر في مجال العلاقة مع الفلسطينيين والعالم العربي أم ان الحديث عن سياق أوسع كثيرا، يتعلق بأهداف الدولة الصهيونية وبخصائص المجتمع في اسرائيل وبقدرته على تأدية عمله في الساحة الدولية من اجل تقديم هذه الأهداف. في الحالة الاولى قد يكون لاسرائيل عناية بالتحصن في مواقفها لان دولة فلسطينية تضم الضفة والقطاع ستكون في الأصل غير صديقة وغير مستقرة وغير مسؤولة ايضا كما يبدو، واحتمالات أن تنضم الى أعداء غرباء وبعيدين من اجل الدوام على مكافحة اسرائيل لا يُستهان بها. يخطر بالبال انه بعد انشائها ايضا ستُلقى المسؤولية عن مشاكلها على اسرائيل، في الساحة الدولية وفي اوروبا وفي حلقات لا يُستهان بوزنها العام في الولايات المتحدة بل في اسرائيل نفسها. وفي هذا السياق يُحتاج الى تحصن كهذا في المرحلة الحالية بسبب عدم اليقين الاقليمي وبسبب سياسة ادارة اوباما المضرة. وفي الحالة الثانية اذا كان السياق صهيونيا يُحتاج الى سياسة مختلفة تماما وراء سؤال العلاقات مع الفلسطينيين والعرب والرئيس اوباما.

استوعب التيار المركزي في اسرائيل، وبنيامين نتنياهو ايضا منذ زمن الاعتراف بأن الحديث عن السياق الصهيوني الواسع. يشهد الجمهور في جميع استطلاعات الرأي العام على تبني التأليف المركب الناضج بين عدم الثقة بالعرب والشك العميق بالفلسطينيين والصحوة من هذيان "السلام" من جهة، وبين الاستعداد لتقاسم البلاد والتعرض لمخاطرات أمنية منها انشاء دولة فلسطينية، من جهة ثانية. إن نتنياهو أقل حماسة للمحيط العربي واعتمادا على نوايا السلام عند الفلسطينيين حتى من التيار المركزي في الجمهور. وهو يعلم أن مطالب السيادة للدولة الفلسطينية تُعرض أسس اسرائيل الأمنية للخطر وتشترط شروطا ترمي الى مضاءلة هذا الضرر. وبرغم أنه سلم تحليليا للحاجة الى تقاسم البلاد، بسبب معناه الصهيوني وإزاء الظروف في الساحة الدولية، يصعب عليه أن يُعبر تعبيرا عمليا عن معرفته الاستراتيجية. ويستصعب نتنياهو ذلك ايضا بسبب مزاجه وبسبب الائتلاف الذي اختاره، لكن ذلك في الأساس لان من الواضح عنده ان الفلسطينيين غير ناضجين لمصالحة تاريخية، وعدم وجود جمهور فلسطيني مستعد لدفع الثمن الذي تطلبه هذه المصالحة وعدم قيادة عنده قادرة على تجنيد الجمهور لتحقيقها في الواقع.

منذ عاد نتنياهو الى الحكم أخذ يُدفع كمن به مس، الى مسار سياسي يبدو متسقا جدا. لو أنه اقترح هذا المسار بمبادرة منه في بداية ولايته لجابه بنجاح أكبر كثيرا المناورات المحكمة من القيادة الفلسطينية ونزوات الرئيس اوباما السياسية. كان نتنياهو يستطيع أن يعرض على اوباما اقامة مسارين متوازيين – مسار تفاوض بنية صافية برغم الشك في احتمالات نجاحه والى جانبه مسار تدريجي من جانب واحد في مركزه نقل اراض الى الفلسطينيين (كان الامريكيون يستطيعون تسميته "حل الاحتلال"). وفي هذا المسار تنقل اسرائيل اراض من المنطقة (ج) التي تسيطر عليها سيطرة تامة الى المنطقة (ب) التي تقع تحت سيطرة أمنية اسرائيلية وسيطرة مدنية للفلسطينيين، ومن المنطقة (ب) الى المنطقة (أ) التي تقع تحت سيطرة فلسطينية كاملة وتختار اسرائيل الاراضي التي ستُنقل وبالايقاع الذي تحدده هي نفسها، مع محاولة انشاء اتصال بين المناطق الفلسطينية في مناطق واسعة نسبيا، مع التأكيد أولا لشمال السامرة المحاط بجدار أمن كامل وفيه قليل من المستوطنات. في مقابلة الانسحاب في الشمال يُستكمل جدار الأمن في كل خطوط الاتصال باسرائيل وفي ضمن ذلك ما حول الكتل الاستيطانية المختلفة. وتستمر الانسحابات ما استمرت "قوات دايتون" الفلسطينية في نضالها المنسق مع اسرائيل للارهاب. ليس من المجدي عرض هذا البرنامج باعتباره تعبيرا واضحا عن أحادية الجانب التي تُعبر عن يأس من الفلسطينيين. يمكن الحديث عن "أحادية منسقة" و"موازية" أو "مُتممة"، مع الاجراء الأحادي الجانب لسلام فياض لانشاء مؤسسات الدولة نحو تثبيتها في ايلول 2011.

كان نتنياهو يستطيع ان يطلب حماية امريكية من مبادرات غير ودية في جهات دولية وفي اوروبا ما استمرت المسيرة، ويخطر بالبال ان اوباما كان سيصعب عليه الرفض. كان هذا الاجراء سيجعل حملة اوباما الشاملة لمواجهة المستوطنات عقيما على نحو كان يُسهل على اسرائيل الحفاظ على الكتل الكبيرة وعلى الأحياء اليهودية في شرقي القدس. وكان يُمكّن ايضا من بحث اخلاء تلك التي تقع في قلب المنطقة المأهولة بحسب تفضيل اسرائيل الملائم للحساسية السياسية التصاعدية لمواقع الاخلاء. كانت الميزة الحاسمة لهذا الاجراء من طرف واحد تكون الحفاظ على حاجات اسرائيل الأمنية الحيوية (مثل السيطرة على المجال الجوي ونشر مرن لقوات الجيش الاسرائيلي) لان الاجراء كله لا يستوجب موافقة فلسطينية.

بعد ذلك دُفع نتنياهو دون تعويض سياسي الى خطة تشبه ما كان يستطيع عرضه بمبادرة منه: فقد أعلن استعداده لانشاء دولة فلسطينية وسلّم للتجميد عشرة شهور؛ وحقق أصلا خطوات كانت ترمي الى استحثاث الاقتصاد وتسهيل حركة الناس والبضائع؛ ووسع في واقع الأمر جدا سلطة السلطة الفلسطينية الفعلية في أنحاء الضفة. ويُبلغون الآن من محيطه القريب انه يزن ان يمنح هذه الخطوات تعبيرا مناطقيا ايضا.

ليس هذا التصور الذي ذُكر هنا غير واقعي من جهة سياسية داخلية في اسرائيل. فهو يتسق مع توجه البناء من القاعدة الذي يدعو اليه نتنياهو منذ زمن. وليس يناقض ايضا توجه شريكه الكبير في الائتلاف افيغدور ليبرمان الذي يؤكد ان الفلسطينيين غير ناضجين لتسوية دائمة متفق عليها.

وستنظر بقايا حزب العمل و"استقلال" وزير الدفاع بايجاب اليها؛ ويخطر بالبال ان المعارضة الرئيسة في كديما لن ترفضها من أساسها، وستراها خطوة في الاتجاه الصحيح وقد تساعد في حمايتها في الكنيست من مهاجميها من اليمين. واضح ان التقدير الموضوعي والأكثرية الممكنة في الكنيست ليسا هما التقدير الوحيد ولا الدائم ايضا – فنتنياهو لا يريد ان يفض الائتلاف مع شاس، وستريد بقايا العمل التمايز ولا مصلحة لكديما في مساعدة ائتلاف يميني – لكن السؤال ما الذي يقف مقابل ذلك باعتباره بديلا واقعيا قُبيل شهر ايلول القريب.

السؤال الذي يُثار في نهاية هذا النقاش يُعيدنا الى بدايته وهو: ما البديل؟ "لماذا ننزل من طرف واحد عن قلب البلاد ونعرض أنفسنا لأخطار أمنية شديدة اذا كان واضحا أننا لن نحصل مقابلها على السلام وانهاء الصراع. ألم نتعلم درس لبنان وغزة – خرجنا الى الحدود الدولية وحصلنا على الارهاب وحزب الله وحماس". هنا ينبغي لنا ان نعود الى السؤال المبدئي الذي أتينا به في بداية كلامنا وهو: هل تقاسم البلاد شأن سياسي بين اسرائيل والفلسطينيين والدول العربية والولايات المتحدة واوروبا أم ضرورة صهيونية. اذا كان الحديث عن ضرورة صهيونية فان المقابل هو في الحقيقة الانفصال عن حياة مشتركة في نطاق سيادة واحدة مع ملايين الفلسطينيين. التحدي هو ان نضائل من جهة الضرر السياسي والقيمي الذي يتضمنه البقاء الدائم في الارض، وأن نضائل من جهة ثانية الأضرار الأمنية التي يشتمل عليها تسليمها للفلسطينيين.

إن التجربة الصادمة لارهاب حماس بعد الانفصال عن غزة تردع اسرائيليين كثيرين عن اجراءات من طرف واحد اخرى. إن ما يُحتاج اليه لامتحان السياسة المقترحة هنا بامتحان دروس الانفصال هو فرق واحد حاسم في مجال الأمن وذكر إسهام مهم لا مثيل له في مجال المنعة القومية. الفرق هو في وجود الجيش الاسرائيلي على الارض في كل مكان وزمان يقتضيه الامر. في غزة سُحب الجيش مع المستوطنات وتضررت مكافحة الارهاب بحسب ذلك. في نطاق الاجراء في الضفة يفترض ان يُنشر الجيش الاسرائيلي بحسب ضرورات الأمن – على نحو ضئيل ما بقي الفلسطينيون يعملون على مجابهة الارهاب ولم ينضموا الى جهات متطرفة، وأن يُنشر بقوة واتساع اذا سلكوا بخلاف ذلك. كذلك ستكون التسوية اذا تم احرازها مشروطة بخروج الجيش الاسرائيلي التدريجي المراقب من غلاف المنطقة الآهلة ومع ترتيبات أمنية تُمكّنه من العمل في نجوع لاحباط تهديد شديد. يتم التعبير عن الاسهام بما يراه مؤيدو المبدأ الصهيوني في التيار المركزي في اسرائيل تقوية للمجتمع الاسرائيلي بعد وقف السيطرة على مليون ونصف من الفلسطينيين في غزة. الذخر الرئيس لاسرائيل في صراعها التاريخي لمحيطها العربي هو قدرة المجتمع على الصمود الذي ازداد قوة في العهود الاخيرة مع استعداد متواصل لمصالحة تاريخية حتى مع عدم وجود سلام. وهؤلاء يفترضون ان المجتمع الاسرائيلي دون السيطرة على غزة أمنع كثيرا منه مع السيطرة على سكان القطاع.

ليس هذا مقام اجراء هذا الجدل المبدئي. حسبنا ان نقول في السياق الذي نبحثه هنا ان التيار المركزي من الجمهور حسم الامر بل لذلك مستمسك قوي حتى في حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية الثانية. من جهة استجمعت الكلفة السياسية والقيمية زخما في السنين الاخيرة وتقترب في هذه الايام حقا نحو الكتلة الحرجة. ومن جهة ثانية لا طريق كما قلنا آنفا الى التوصل في الظروف الراهنة والمتوقعة قريبا لتسوية دائمة متفق عليها مع الفلسطينيين تعفي اسرائيل من عقوبتهم. اذا كان يمكن إزالة هذا العبء على نحو مبادر اليه مراقب، بغير تعلق برغبة الفلسطينيين الخيِّرة، فانه يستحسن الفحص عن هذه الامكانية. واذا كان يمكن فعل هذا في حين لا تقرر اسرائيل من جهة واحدة مسارات الاخلاء بل تلائم خصائص الترتيبات الأمنية لمستوى المخاطرة المحتملة فانه يمكن التوصل الى نتيجة جيدة لاسرائيل مثل الاتفاق الدائم تقريبا من النوع الذي بحثناه الآن بكلفة أقل كثيرا في مجال نوع الترتيبات الأمنية وفي مجال خطر انشقاق داخلي في اسرائيل.

لو كان "السلام" وابتعاد الفلسطينيين عن الصراع مقابل دولة فلسطينية الى جانب الدولة القومية اليهودية في متناول اليد لكان يمكن رفض بديل أحادية الجانب المعيب. بيد أن جميع توقعات السلام والاتفاق ليست سوى هوى قلب في هذه المرحلة. السؤال المباشر الملح هو هل سيُدفع نتنياهو في اللحظة الاخيرة الى خطوات طواريء سياسية نحو ايلول أم يتبنى متأخرا جدا لكن غير متأخر جدا تماما المبادرة كي يستفيد أكثر في موعد تكون لخطواته فيه فائدة سياسية، مما سيضطر الى فعله في ظروف عزلة وضغط.

تركيا وايران – ليستا بالضرورة شريكتين مثاليتين*

بقلم: يوئيل جوجنسكي وغاليا لندنشتراوس**

مقدمة:

تتابع اسرائيل مثل دول اخرى في الغرب في السنين الاخيرة ولا سيما منذ كانت عملية "الرصاص المصبوب" وأحداث القافلة البحرية الى غزة، تتابع بقلق ما يبدو تحولا في سياسة تركيا الخارجية وابتعادا عن الغرب. أحد التعبيرات عن هذا التحول هو اقتراب تركيا من ايران ومن سائر اعضاء "المحور المتطرف". ليست تركيا شريكة في الانتقاد الواسع في الغرب وبين الدول العربية المعتدلة على النظام المتطرف في الشرق الاوسط، وتعمل احيانا مخالفة مواقف اعضاء حلف شمال الاطلسي الاخرى كما تبين مثلا من "اقتراح الوساطة" الذي قادته مع البرازيل في الشأن الذري الايراني، ومعارضتها تشديد العقوبات على ايران والصعاب التي راكمتها على اقامة نظم دفاع للصواريخ داخلها.

إن عمق التقارب بين ايران وتركيا في السنين الاخيرة يشكل تغييرا حادا قياسا بالريبة التي ميزت في الماضي العلاقات بين الدولتين ولا سيما في السنين التي تلت الثورة الاسلامية في ايران. ليس للدولتين مطالب مناطق بعضهما من بعض ويُكثر الأتراك والايرانيون في التصريحات العلنية تأكيد حقيقة انه قد ساد هدوء على الحدود بين الدولتين منذ أكثر من 400 سنة. والى ذلك اتسعت جدا العلاقات التجارية بين الدولتين وبلغت مقدارا يزيد على 10 مليارات دولار، وأعلن ممثلون من الدولتين طموحهم الى مضاعفة حجم التجارة بينهما في السنين الخمس القريبة ثلاثة أضعاف. وتزن الدولتان ايضا امكانية التوقيع على اتفاق تجارة حرة. بل ان الدولتين تتعاونان على نضالهما الأكراد أكثر مما كان في الماضي.

ينبع التقارب بين ايران وتركيا من عدة عوامل. اولا، في السنين الاخيرة يحث وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو سياسة "صفر من المشكلات" من تركيا نحو الدول التي تحاذيها. على حسب هذه السياسة، يجب على تركيا ان تعمل في تصميم لحل مشكلاتها مع جاراتها ولتشجع الاستقرار في المناطق التي تجاورها. وعامل آخر هو تأثيرات تدخل الولايات المتحدة في العراق في سنة 2003. وكما سنوسع الحديث فيما بعد، ليست ايران وتركيا مهتمتين بنقض عُرى العراق. أفضت العمليات الامريكية في العراق الى موجة مشاعر معادية لامريكا عند الجمهور في تركيا، ويتعلق ذلك بالعداوة للولايات المتحدة التي تسود ايران. يحكم تركيا اليوم حزب ذو توجه اسلامي، وهو أمر أسهم في ان تركيا لا تخشى تطوير علاقات بالنظام الشيعي في ايران. وهناك عامل مهم آخر هو الاقتصادي. فتركيا هي الاقتصاد الخامس عشر في حجمه في العالم، واحتياجها الى تكبير أسواق تصديرها واحتياجاتها من الطاقة المتنامية أفضت بها الى توثيق العلاقات بدول كانت لها بها في الماضي علاقات ضيقة جدا. ومن وجهة نظر ايران، يُمكّنها دفء العلاقات بتركيا من مواجهة بعض التأثيرات السلبية للعزلة الدولية والعقوبات التي فُرضت عليها على أثر تقديمها برنامجها الذري، ويلائم بعض سياسة أنقرة سياسة ايران المعادية لاسرائيل.

برغم نقاط الاتصال هذه، يوجد ايضا احتمال اختلاف بين الدولتين بل نشوء تنافس في الهيمنة الاقليمية مع مرور الوقت. هدف المقالة لذلك هو التعرف على النقاط التي يوجد حولها وقد يوجد اختلافات في الرأي بين تركيا وايران. إن التعرف على نقاط الاختلاف هذه مهم من اجل الفحص عن السؤال: هل يمكن ان ينشأ محور ايراني تركي قد يكون تهديدا حقيقيا من وجهة نظر اسرائيل، وما هي نقاط ضعف ذلك المحور؟.

ينبغي ان نذكر أولا انه برغم التطورات في الساحة الداخلية وفي السياسة الخارجية لتركيا، ما يزال يوجد اختلاف أساسي بينها وبين ايران. فتركيا تجري عليها في الحقيقة عملية أسلمة عميقة لكنها دولة ذات أكثرية سنية ونظام ذي خصائص ليبرالية، أما ايران الثورية فهي دولة أصولية شيعية دينية في أساسها. وثانيا، تتصل تركيا صلة وثيقة بالغرب وبالولايات المتحدة وذلك خاصة لكونها عضوا في حلف شمال الاطلسي منذ سنة 1952 وهي عضو مؤسسة في الـ "جي 20" ولها اتفاقات متعددة الأطراف وثنائية الأطراف مع دول في الغرب على شؤون مختلفة. وثالثا، ترى الدولتان أنفسهما، لاسباب تاريخية وجغرافية ومادية، قوتين اقليميتين على الأقل، وهو شيء قد يزيد على مر الزمن التنافس بل ربما يفضي الى عداوة ظاهرة بينهما. والى ذلك ما تزال تركيا شريكة رئيسة للغرب في عدد من الجبهات المهمة: ففي العراق لها دور مركزي في حل القضية الكردية؛ وفي افغانستان – الولايات المتحدة معنية بأن تزيد تركيا باعتبارها عضوا في حلف شمال الاطلسي مشاركتها؛ ولتركيا في الشأن الذري الايراني مصلحة أساسية في منع احراز ايران للقدرة الذرية. خلال الثورة في مصر وفي ليبيا ايضا كانت توجد قناة اتصال بين رئيس الولايات المتحدة براك اوباما ورئيس الحكومة اردوغان لتنسيق مواقف الدولتين. من هذه الجهة حتى لو أصبحت تركيا اليوم لاعبة أكثر "استقلالا" مما كانت في الماضي فانه ما تزال لها صلة مهمة بالغرب، وللغرب برئاسة الولايات المتحدة اهتمام بتنمية هذه الصلة.

تختلف ايران عن تركيا في رؤيتهما لصورة نظام الحكم المطلوب في العراق، والوضع في لبنان وموضوع مسيرة السلام الاسرائيلية العربية. نرى ان ايران اذا امتلكت قدرة ذرية عسكرية فان تركيا قد تحجم على مر الوقت عن توثيق العلاقات معها بسبب وجود أهداف بعيدة الأمد مختلفة في الأساس، وستطفو الاختلافات التي أصبحت موجودة بين الدولتين على السطح. على العموم، ليست تركيا شريكة في عقيدة ايران ومصالحها. فهي ما تزال تريد ان تحافظ على توازن بين الشرق والغرب على نحو يساعدها على الحفاظ على مكانتها الاقليمية. وعلى ذلك وفي الأمد البعيد، فان تعزيز مكانة ايران على حساب عوامل القوة الاخرى في المنطقة سيكون اشكاليا من وجهة نظر تركيا. والى ذلك نعتقد ان دور تركيا الحالي في الشرق الاوسط وفيه معارضة اسرائيل، يشكل وزنا معادلا لمشاركة ايران ومطامحها الاقليمية، ولهذا، وعلى نحو غير مباشر، قد يخدم اسرائيل في الأمد البعيد.

مراكز صراع محتملة

قد يكون لتقدم البرنامج الذري الايراني عدد من التأثيرات السلبية في علاقات تركيا بايران. أولا، أعلن قادة تركيا مرارا كثيرة بأنهم يعارضون انتشار السلاح الذري في الشرق الاوسط. وهم في الحقيقة ينتقدون أساسا سياسة اسرائيل الذرية لكنهم يعارضون مبدئيا ان يكون لايران سلاح ذري ايضا. أعلن وزير خارجية تركيا في نهاية كانون الاول 2010 بأنه اذا رجعت ايران عن التزاماتها بحسب ميثاق منع انتشار السلاح الذري، فان تركيا قبل الولايات المتحدة ستثور عليها. وهذا الامر مفهوم إزاء تأثيرات القدرة الذرية العسكرية اذا امتلكتها ايران في التوازن العسكري بين الدولتين الذي يميل اليوم لصالح أنقرة. وثانيا، أقامت ردود الغرب على تطوير المشروع الذري الايراني، تركيا في عدد من المعضلات لانها تؤيد محادثة ايران لا عقوبات عليها، ومع ذلك فان تركيا معنية بأن تُعرض بأنها تعمل بحسب مباديء القانون الدولي. جرى التعبير عن هذا التوتر مثلا بمعارضة تركيا في مجلس الامن القرار 1929 على توسيع العقوبات على ايران، وكذلك لبرنامج الحماية من الصواريخ الذي يحثه حلف شمال الاطلسي قُدما ووافقت عليه تركيا مع تحفظ أن يعلن بأن نصب صواريخ لا يرمي الى مجابهة تهديد من دولة محددة أي ايران. وثالثا، التقدم في المشروع الذري الايراني معناه ايضا فشل جهود وساطة تركيا في هذا الشأن. يستطيع الاتراك القاء المسؤولية عن ذلك في الحقيقة على دول الغرب وفي مقدمتها الولايات المتحدة بل على ايران، لكن مكانة تركيا تتضرر ايضا مع كل ذلك.

يمكن أن تُنشيء قضية مستقبل العراق على خلفية انسحاب القوات الامريكية مشكلات ايضا في العلاقات بين تركيا وايران. ففي حين ليست الدولتان معنيتين بنقض عُرى العراق بسبب التأثيرات الممكنة في أمنيهما، فان تصوراتهما تختلف فيما يتعلق بمستقبل العراق المُراد. فايران معنية بدولة ضعيفة مقطوعة قدر المستطاع عن التأثير الغربي والعربي، مع هيمنة الشيعة على قيادة الدولة، أما تركيا فمعنية بأن يحكم العراق تحالف على أساس واسع قدر المستطاع يكون فيه تمثيل مناسب للأقلية السنية ايضا. وعلى العموم، فان تدخل ايران في العراق يبعثه ما تراه مجال تأثير ايراني طبيعي. وهو يستمد من الخشية من صورة العراق في المستقبل ومن الطموح الى الهيمنة على المنطقة وادراك ان العراق لبنة مهمة في الطريق الى هذه الهيمنة.

إن ايران في الحقيقة، مثل تركيا، غير معنية بتدهور الوضع الداخلي في العراق لان عدم الاستقرار هناك قد يتسرب الى داخلها ايضا؛ لكن اذا ضعفت السلطة المركزية في بغداد فان ايران قد تعزز قبضتها على الجنوب الشيعي وهو أمر سيكون قذى في عيني تركيا. يوجد اليوم لتركيا تأثير مهيمن ومصالح اقتصادية واضحة في شمال العراق، وبحسب التطورات بعد انسحاب الولايات المتحدة قد تزيد تأثيرها في هذا الجزء ولو من اجل ان تمنع الأكراد الذين يعيشون في هذه المناطق عن اعلان الاستقلال. كانت قضية الاكراد في العراق على مر السنين قاعدة للتعاون لكنها كانت قاعدة اختلاف بين الدولتين ايضا. ففي حين اتهمت تركيا ايران باعطاء رجال الـ "بي.كي.كي" لجوءا، اتهمت ايران تركيا بالهجوم على أهداف كردية داخلها.

فيما يتعلق بلبنان، حاولت تركيا التوسط بين الفصائل المختلفة في لبنان وبين لبنان وسوريا ايضا، وفي مقابل هذا، فان تأييد ايران المتواصل لحزب الله مصدر عدم استقرار داخل لبنان وبين لبنان واسرائيل. في تشرين الثاني 2010 زار اردوغان لبنان زيارة مغطاة اعلاميا بعد زمن قصير من زيارة رئيس ايران إياه، وقد تُفسر زيارته بأنها محاولة لزيادة تأثير تركيا في الدولة على حساب تأثير ايران. في اثناء زيارة اردوغان وجه انتقادا شديدا على اسرائيل محاولا أن يبدو مدافعا عن لبنان بل هدد بأن تركيا سترد اذا تجرأت اسرائيل على مهاجمة لبنان. في سياق تدخل تركيا في لبنان، ليس واضحا مبلغ مقاربتها من حزب الله. جرى الابلاغ مثلا ان اردوغان قال عند عودته من لبنان إن منظمة حزب الله لا صلة لها بقتل رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري. واقترحت تركيا ايضا أن يتم التقرير تأجيل نشر تقرير لجنة التحقيق الدولية من قبل الامم المتحدة في تحقيق مقتل الحريري كي لا يتدهور الوضع في لبنان الى حرب أهلية اخرى. بعد استقالة وزراء حزب الله وسقوط حكومة لبنان في كانون الثاني 2011، استمرت تركيا في محاولات وساطتها بين الفصائل في لبنان، بل ان وزير خارجية تركيا ورئيس حكومة قطر التقيا مع زعيم حزب الله حسن نصر الله. وقررت تركيا وقطر في الختام تعليق محاولات الوساطة، ويمكن ان نرى في ذلك اخفاق تركيا في محاولتها إضعاف موطيء قدم ايران في لبنان أو رغبة في الابتعاد قليلا عن منظمة حزب الله.

فيما يتعلق بسوريا، بذلت تركيا جهود وساطة في السياق الاسرائيلي السوري (اربع جولات محادثات غير مباشرة بين أيار وكانون الاول 2008) ولم يكن هدفها تقوية مكانتها باعتبارها وسيطة فقط بل أن تُبين أن سوريا ليست جزءا من "محور الشر". إن سوريا مثل تركيا ليست عضوا طبيعية في "المحور المتطرف" – فهي دولة علمانية، وهي بخلاف ايران وحزب الله وحماس لا ترفض امكانية التوصل الى اتفاق سلام مع اسرائيل. والى ذلك ليس من الممتنع أن يثير دفء العلاقات بين تركيا وسوريا مخاوف في ايران من ان سوريا تزن أن تستبدل بالدعامة الاستراتيجية الايرانية الدعامة التركية. وقد زادت أنقرة ودمشق في السنين الاخيرة النشاط العسكري المشترك (تدريبات مشتركة هي الاولى من نوعها، بين الدولتين بدأت في نيسان 2009) لسلاحي الجو، والمدرعات والمشاة في المنطقة الحدودية المشتركة بينهما، وظهرت تقارير ايضا عن تعاون تركي سوري لمواجهة نشطاء حزب العمال الكردي. بل كانت محاولات توسط تركيا بين سوريا والعراق بعد ان اتهمت هذه الاخيرة دمشق بـ "اغماض عينها" بل بالمساعدة على عمليات الارهاب التي تمت من ارضها في آب 2009 كانت مهمة.

فيما يتعلق بالصراع الاسرائيلي الفلسطيني، وبرغم الوضع الشديد للعلاقات بين اسرائيل وتركيا، تؤيد تركيا التسوية، أما ايران فلا تقبل شرعية اسرائيل. ايران في الحقيقة خارج الصراع الاسرائيلي العربي والاسرائيلي الفلسطيني لكنها تبذل كل ما تستطيع للاضرار بكل تسوية ممكنة بوساطة التمويل والتدريب ونقل السلاح الى منظمات ارهابية مثل الجهاد الاسلامي الفلسطيني وحماس. في مقابل ذلك، ينبع التقارب بين تركيا وحماس (اعترفت تركيا بحكومة حماس في سنة 2006 بل استضافت خالد مشعل في أنقرة في تلك السنة) لا من الرغبة في تعزيز سيطرة هذه المنظمة على غزة بل عن اعتراف بأنهم اذا أرادوا تقديم التفاوض بين اسرائيل والفلسطينيين ينبغي أن تُرى حماس لاعبة شرعية. والى ذلك يلاحظ منذ سنين كثيرة عطف في الرأي العام التركي كبير على النضال الفلسطيني وهناك شعور مسؤولية ما بأن المشكلة الفلسطينية نشأت في أواخر مدة حكم الدولة العثمانية. والنتيجة، على الأقل فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، هي أن اردوغان وضع تركيا بين العالم العربي والاسلامي وبين اسرائيل والغرب، وبهذا أضر بمحاولة ايران ان تحتكر هذا الامر لتزيد تأثيرها في الرأي العام العربي من فوق رؤوس الزعماء العرب. وقد يكون مركز آخر للاحتكاك بين الدولتين هو الصراع على شخص قائد العالم الاسلامي. في استطلاع للرأي العام في عدد من الدول المسلمة، تم بعد وقت قصير من قضية القافلة البحرية الى غزة، اختير اردوغان ليكون الزعيم المحبوب أكثر من غيره وحظي بتأييد 20 في المائة من المستطلعة آراؤهم. واختير اردوغان ايضا ليكون "شخصية العام" في 2010 من قبل 74 في المائة من المشاركين في استطلاع متصفحي موقع "سي.ان.ان" باللغة الع