اقلام واراء عربي 413
2/6/2013
في هذا الملــــف:
المبادرة العربية لتبادل الأراضي
بقلم: محمد خليفة عن الخليج الاماراتية
فلسطين بين "الدولة الواحدة" و"الدولتين"
بقلم: علي جرادات عن الخليج الاماراتية
رأي الدستور اسرائيل تنسف الجهود الدبلوماسية الأمريكية
بقلم: أسرة التحرير عن الدستور الأردنية
الحراك الثوري العربي الراهن وآفاق انتفاضة فلسطينية ثــالثة
بقلم: كميل داغر عن الأخبار البيروتية
اسرائيل تحقق احلامها والعرب يضيعون اوطانهم!
بقلم: حسن يروم عن القدس العربي
«مصانع الفتاوى»: كهنوت إسلاموي وتدمير مجتمعي
بقلم: خالد الحروب ( كاتب واكاديمي فلسطيني) عن الحياة اللندنية
اعترافات القرضاوي.. موقف شجاع
بقلم: عبد الرحمن الراشد عن الشرق الأوسط
عنجهية مولانا الشيخ القرضاوي !
بقلم: حمود الحطاب عن السياسة الكويتية
المنتدى الاقتصادي العالمي بالأردن
بقلم: عبد الله محمد القاق عن الزمان العراقية
معايير لضبط الثورات والحراكات العربية
بقلم: علي فخرو عن الشروق المصرية
المبادرة العربية لتبادل الأراضي
بقلم: محمد خليفة عن الخليج الاماراتية
وقد تحدث الجانب الأمريكي عقب الزيارة عن إجراء تعديلات على نصوص المبادرة العربية للسلام في ما يتعلق بالحدود، وإمكانية تبادل الأراضي بين “إسرائيل” والفلسطينيين . وقد أبدت “إسرائيل” ترحيبها بتبادل الأراضي، في حين أبدت بعض الفصائل الفلسطينية معارضتها، وارتأت في ذلك تنازلاً عن حقوق الشعب الفلسطيني . والواقع أن تعديل مبادرة السلام هو تنازل عربي واضح لمصلحة “إسرائيل” . لأن مبادرة السلام التي أطلقها العاهل السعودي الملك عبدالله في قمة بيروت العربية التي انعقدت في أواخر مارس/ آذار عام ،2002 تقوم على أساس “مبدأ الأرض مقابل السلام” أي أن تنسحب “إسرائيل” إلى حدود العام 1967 مقابل سلام عربي شامل وكامل معها . وقد ردّت “إسرائيل” على هذه المبادرة بالقول إنها “لا تساوي الحبر الذي كتبت به”، ثم قامت بمحاصرة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في المقاطعة في رام الله حتى تمكنت من اغتياله عام 2004 . كما أنها كثّفت من الاستيطان في الضفة الغربية . وفي السنوات الأخيرة تعالت بعض الأصوات العربية تطالب بسحب مبادرة السلام العربية لعدم جدواها من ناحية، وعدم قبول “إسرائيل” لها، من ناحية أخرى، لكن هذه المبادرة لم تسحب، بل للأسف جرى تعديلها، وبما يرضي “إسرائيل”، لأن نصها السابق غير مقبول بالنسبة إليها، لأنه يفرض عليها التخلي عن كل مستوطناتها في الضفة، بما في ذلك مستوطناتها في مدينة القدس التي تعدّها عاصمة أبدية لها .
والنص الجديد للمبادرة يقوم على أساس “تبادل الأراضي بين “إسرائيل” والفلسطينيين”، وهذا المبدأ لا يستقيم مع وضع الصراع بين “إسرائيل” والشعب الفلسطيني . لأن هذا الصراع لا توجد فيه قوتان متوازيتان تحتل كل منهما أراضي في الدولة الأخرى، بل هي قضية أرض مغتصبة . إن القضية الفلسطينية لها طرفان، أحدهما معتدٍ، وهو “إسرائيل”، والآخر معتدى عليه، وهو الشعب الفلسطيني . إن “الإسرائيليين” هم الذين اعتدوا على الشعب الفلسطيني، واقتلعوه من دياره، وقتلوا وشردوا الملايين من أبناء هذا الشعب، واستولوا على ديارهم وممتلكاتهم، وسرقوا ماضيهم وحاضرهم وشوّهوا مستقبلهم، فتحول اسم فلسطين إلى اسم “إسرائيل”، وتحولت القرى والمدن من صبغة عربية واضحة، اسماً ورسماً، إلى صبغة صهيونية غريبة . وبالتالي فإن الحديث عن تبادل الأراضي لا يمكن فهمه إلا في إطار إجبار السلطة الفلسطينية على القبول بما يعطى لها من فتات من الأراضي في الضفة .
والمحزن ليس موقف السلطة فقط، وإن كان مؤلماً، ولكن المخزي فعلاً هو موقف الجامعة العربية، التي أعطت موافقتها على مبدأ تبادل الأراضي مقابل السلام الشامل مع “إسرائيل”، وهذا يعني أن الشعب الفلسطيني بات أمام خيارين، أحلاهما مرّ، فإما أن يقبل بمبادرة السلام العربية الجديدة، وبالتالي يصبح جزءاً من هذه المبادرة، أو أن يرفض وبالتالي ترفع الجامعة يدها عن القضية الفلسطينية، وتترك لأعضائها حرية إقامة علاقات سلام مع “إسرائيل” بحجة أن الشعب الفلسطيني لا يريد السلام .
ولا شك في أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تحل بالسلام ولا بالمفاوضات، فالقضية ليست خلافاً على حدود ولا على صفقة تجارية، بل هناك أرض مغتصبة وشعب مشرد، وهناك مئات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين الذين سقطوا منذ بدء المشروع الصهيوني الغادر متواكباً مع الانتداب البريطاني على فلسطين العام ،1922 فهل سينسى الشعب الفلسطيني كل مآسيه، وينسى أرضه المسروقة ويذهب إلى سلام مع “إسرائيل” لا يعطيه سوى الخيبة والذل والهوان؟
لقد قالت الراحلة أم كلثوم سابقاً: “إلى فلسطين طريق واحد يمر من فوهة بندقية” . فهذا هو الطريق الذي سيوصل الشعب الفلسطيني إلى استعادة أرضه، وليس المفاوضات (أوسلو) التي ستبلغ عامها العشرين في الثالث عشر من سبتمبر/ أيلول المقبل، رغم أنها بدأت سرية بأوسلو منذ العام 1991 التي كافأت الجاني، ولم تعِد شبراً واحداً من الأرض المسروقة أمام سمع وبصر الدول الكبرى التي تدعي حرصها على مصالح الشعوب .
فلسطين بين "الدولة الواحدة" و"الدولتين"
بقلم: علي جرادات عن الخليج الاماراتية
بداية، حريٌ توضيح أن بريطانيا بوصفها دولة انتداب على فلسطين، كانت أول مَن طرح “الدولة الواحدة” كخيار لحل القضية الفلسطينية، حيث دعت حكومتها في فبراير/ شباط 1939 إلى عقد مؤتمر يشارك فيه ممثلون عن العرب الفلسطينيين واليهود الصهاينة وممثلون عن حكومات العراق والسعودية ومصر وشرق الأردن، لتدارس حلٍ للمسألة الفلسطينية . وقد انعقد المؤتمر في لندن، واستغرق نحو أربعين يوماً، لكن فشله لم يمنع الحكومة البريطانية من إصدار “الكتاب الأبيض الرابع”، وجوهره:
إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية تشمل كل فلسطين الانتدابية، ويتمثل في حكومتها جميع سكانها من عرب ويهود على قاعدة التمثيل النسبي، وترتبط بمعاهدة مع دولة بريطانيا لمدة عشر سنين . ولما كانت الحكومة البريطانية تستمد شرعية حكمها لفلسطين من عصبة الأمم، فقد قررت عرض ذلك على اجتماع العصبة المقرر في 15 سبتمبر/ أيلول للمصادقة عليه، لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية قبل هذا التاريخ حال دون ذلك .
يتضح أن طرح بريطانيا خيار “الدولة ثنائية القومية” استهدف، في الجوهر، ما استهدفه قرار التقسيم لاحقاً، أي انتزاع موافقة دولية على صيغة ملموسة لتنفيذ “وعد بلفور” القاضي ب”إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين” . وهو ما يفسر مناهضة الحركة الوطنية الفلسطينية آنذاك لحلّيْ: “الدولة ثنائية القومية” و”التقسيم”، باعتبارهما شطباً لحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير عبر بناء دولته المستقلة الحرة والسيدة على كامل ترابه الوطني . لكن فقدان قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية آنذاك رؤية تربط بدقة بين مخاطر المشروع الصهيوني والمشروع الاستعماري الغربي، قادها إلى كثير من الارتجال في إدارة الصراع . وهو ما اتضح في غياب استعداد مسبق لمواجهة عقابيل انتهاء الانتداب البريطاني .
وبوقوع النكبة بنتائجها الصادمة، عدا تفكك الحركة الوطنية الفلسطينية، وفشل “حكومة عموم فلسطين”، تعمق الخطاب السياسي الارتجالي الذي تم تجاوزه في أطروحة “الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الفلسطيني وعلى أنقاض الكيان الصهيوني” . وهو الحل الذي طرحته في العام 1969 منظمة التحرير الفلسطينية، وتم توثيقه في ميثاقها الوطني، كثابت وطني أجمعت عليه فصائل الثورة الفلسطينية المعاصرة المسلحة كافة . وهو ما عكس وعياً سياسياً استراتيجياً بمخاطر الحل على أساس “دولتين لشعبين” أو “دولة واحدة ثنائية القومية” . وهي المخاطر التي أفصح عنها، بلا لبس، تمدد الكيان الصهيوني على كامل أرض فلسطين وتشريد أكثر من نصف شعبها وتحويله إلى لاجئين .
لكن هذا الثابت الوطني الفلسطيني الاستراتيجي لم يصمد، حيث عرضته قيادة منظمة التحرير لعملية تآكل متدرجة، بدءاً بطرح “إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء يتم تحريره أو انسحاب العدو عنه”، (1974)، مروراً بالاعتراف بالقرار 242 في العام 1988 بهدف “إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967”، تعريجاً على إبرام اتفاق أوسلو والموافقة على “إقامة سلطة حكم ذاتي محدود” بأمل تطويرها - بالتفاوض المباشر برعاية أمريكية - إلى دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب “دولة “إسرائيل””، وصولاً إلى إلغاء البنود الأساسية للميثاق الوطني، ومنها بند إقامة “الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الفلسطيني وعلى أنقاض الكيان الصهيوني” . وكل هذا في ظل ثبات “إسرائيل” على سياسة الاستيطان والتهويد والتفريغ الصهيونية، عدا تكاثر وقائع هذه السياسة - تكاثراً بكتيرياً - على ما تبقى بيد الفلسطينيين من أرض فلسطين الانتدابية، ما يعني أن حدث النكبة التاريخي ما زال مستمراً، وأن خيار “حل الدولتين” صار - في الواقع - بلا أفق لدرجة أن يشدد أمين عام الأمم المتحدة، بان كي مون، (في خطابه أمام الجمعية العامة في سبتمبر/ أيلول 2012)، على أن “حل الدولتين هو الخيار الوحيد المستدام، لكن الباب قد يغلق قريباً وبشكل دائم” .
قاد كل هذا، فضلاً عن مواصلة قيادة منظمة التحرير سياستها وإحجامها عن إجراء مراجعة سياسية - بالمعنى الإستراتيجي والشامل للكلمة - إلى إحياء أطروحة “الدولة الواحدة” كخيار لحل القضية الفلسطينية، وتكاثر الداعين إليها من شخصيات ومؤسسات سياسية ومدنية وحزبية وأكاديمية وثقافية وصحفية فلسطينية تشاطرها الرأي ذاته شخصيات وجهات سياسية صهيونية “يسارية” هامشية . هنا، ولأن مفهوم “الدولة الواحدة” فضفاض ومتعدد المعاني والمضامين، فإن على الداعين من جديد إليه توضيح عن أي “دولة واحدة” يتحدثون؟
هل هي “الدولة ثنائية القومية” التي رامت - منذ البدء - حلاً ل”المسألة اليهودية” في فلسطين وعلى حساب شعبها، ما يعني اعترافاً بمشروعية عنصرية الحركة الصهيونية وبما حققه مشروعها على أرض فلسطين من استيطان وتهويد وتفريغ، وهو المرادف لنزع فلسطين الأرض والشعب من انتمائها العربي . فضلاً عن أن “الدولة ثنائية القومية” لا يمكن أن تفضي قط، (خاصة في ظل استبعاد عودة اللاجئين إلى ديارهم التي شردوا منها)، إلى تفكيك المؤسسة العنصرية الصهيونية الراسخة في “إسرائيل” في الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع والجيش والأمن؟
أو هي “الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الفلسطيني وعلى أنقاض الكيان الصهيوني” التي تعني حلاً ديمقراطياً يعطي مساواة كاملة بمعزل عن الدين والجنس والعرق . . إنما على قاعدة عودة اللاجئين إلى ديارهم التي شردوا منها وتفكيك المؤسسة الصهيونية بالكامل بوصفها قوة غزو واقتلاع وابتلاع ورديف لمشروع استعماري غربي متحول في أشكاله ووسائله ثابت في مضمونه وأهدافه؟
قصارى القول: مع تعثر مسيرة “حل الدولتين” لدرجة التعذر لم يبق أمام الفلسطينيين إلا سبيل من سبيلين: الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية على أنقاض “إسرائيل” كبرنامج سياسي في إطار استعادة مسيرة الثورة الفلسطينية، أو أن تُفرض عليهم “الدولة الواحدة ثنائية القومية” كما دعا إليها “الكتاب الأبيض البريطاني” في العام ،1939 إنما بصيغة جديدة تكرس السيطرة الصهيونية وتحوّل “إسرائيل” إلى “دولة لكل مواطنيها” على قاعدة دستورية ليبرالية تعطي حقوق مواطنة زائفة . هذا ما يريده الجناح الصهيوني الأشد يمينية وتطرفاً، (وهو السائد على أية حال)، لأنه لا يريد التخلي عن “يهودا والسامرة” - الضفة والقدس - ولم يعد يخشى، كما تعلن رموزه، “دولة ثنائية القومية” بعد أن صار 85% من أرض فلسطين بقبضة الكيان الصهيوني بينما أكثر من نصف شعبها أصبح لاجئاً .
رأي الدستور اسرائيل تنسف الجهود الدبلوماسية الأمريكية
بقلم: أسرة التحرير عن الدستور الأردنية
تجيء موافقة حكومة العدو الصهيوني على اقامة “800” ألف وحدة سكنية جديدة، منها مئة الف وحدة في القدس العربية المحتلة بمثابة نسف للجهود الدبلوماسية الاميركية التي يقوم بها وزير الخارجية جون كيري، تمهيداً لاستئناف المفاوضات المباشرة بين الطرفين: السلطة الفلسطينية واسرائيل، لاخراج الجهود السلمية من المأزق الذي وصلت اليه.
وفي هذا السياق، لا بد من الاشارة إلى أن الوزير الاميركي قد زار المنطقة اربع مرات في محاولة لاكتشاف افضل السبل لتحقيق الاختراق المطلوب، وقبل ان يعلن عن خطته بهذا الخصوص جاء التحدي الصهيوني بالاعلان عن اكبر عملية استيطانية في الارض المحتلة، ما يشكل تحدياً لاميركا على وجه الخصوص، وللمجتمع الدولي ولكل الاطراف المعنية بالعملية السلمية وخاصة المجموعة العربية التي قدمت مؤخراً تنازلاً خطيراً بموافقتها على مبادلة الاراضي.
وفي تقديرنا فإن هذه الخطوة الاسرائيلية والتي تعتبر انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي، تستدعي من واشنطن موقفاً حاسماً يقوم على رفض الاستيطان بمجمله لانه غير شرعي، ويشكل اعتداء سافراً على الحقوق الفلسطينية وعلى المعاهدات ذات الصلة التي تحظر اجراء اي تغيير ديمغرافي او جغرافي في الارض المحتلة، كما انها ترمم المصداقية الاميركية التي تضررت مؤخراً بفعل الانحياز الاميركي للاحتلال الصهيوني.
وفي ذات السياق، وبوضع النقاط على الحروف، فقد بات معلوماً بأن العدو الصهيوني لم يكن ليجرؤ على انتهاك القانون الدولي، والاستمرار في الاستيطان، واقتراف جرائم التطهير العرقي، لو لم يكن متأكداً من انه محمي “بالفيتو” الاميركي، وبالدعم الاميركي اللامحدود الذي جعل منه الدولة الاقوى في المنطقة.
ان هذا العدوان الصهيوني الجديد يرجع الى اطمئنان تل ابيب بأن واشنطن لن تقوم بثنيها عن تحقيق اهدافها، ولن تقوم بالضغط عليها لوقف الاستيطان، وخاصة ان طروحات جون كيري كانت متماهية تماماً مع صديقه نتنياهو ومقتصرة حتى الآن على السلام الاقتصادي.. دون ان يعلن عن خطته لحل الصراع بما يضمن اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني، كسبيل وحيد لتحرير المنطقة كلها من الارتهان للارهاب والاحتلال.
وبتوسيع دائرة البيكار قليلاً فان اصرار العدو الصهيوني على معاملة الاسرى الاردنيين والعرب عموماً معاملة الجنائيين مما دفعهم الى الاضراب عن الطعام والذي يدخل اليوم شهره الثاني، يؤكد اصراره على انتهاك آدمية هؤلاء الاسرى، وحقوقهم التي كفلها القانون الدولي، والقانون الانساني باعتبارهم اسرى حرب، وطلائع مقاومة شرّعها ميثاق الامم المتحدة، وانزل المقاومين منزلة رفيعة في اوطانهم وفي التاريخ البشري.
مجمل القول : يؤكد العدو الصهيوني من خلال اصراره على تنفيذ خططه ومخططاته التوسعية التهويدية انه غير معني بالسلام ولا بالمفاوضات، والتي جعل منها حصان طروادة لتكريس الامر الواقع، وهذا يفرض على حليفته واشنطن ان تبادر الى اجراءات حاسمة رادعة لهذا الجنون الذي تجاوز كل الحدود حفاظاً على صداقتها للعرب، وسمعتها في العالم، وترميماً لمصداقيتها التي تضررت كثيراً، فلولا انحيازها للاحتلال ودعمها للعدو لما تجرأ ان يعلن عن اكبر عملية استيطانية في تاريخه.
الحراك الثوري العربي الراهن وآفاق انتفاضة فلسطينية ثــالثة
بقلم: كميل داغر عن الأخبار البيروتية
إعلان
في العدد الثاني، الصادر في ربيع عام 2012، من «الثورة الدائمة» – وهي مجلة لعموم المنطقة العربية يتولى إصدارها كل من «المنتدى الاشتراكي» (لبنان)، و«منظمة الاشتراكيين الثوريين» (مصر)، و«تيار المناضل-ة» (المغرب)، و«رابطة اليسار العمالي» (تونس)، ويشارك في الكتابة فيها، إلى الآن، «تيار اليسار الثوري» (سوريا)، و«اتحاد الشيوعيين العراقيين» – كان بين الموضوعات الأساسية مقال لي بعنوان «ما ينبغي قوله، بعد عشرين سنة على اتفاق أوسلو».
في ذلك المقال، حاولتُ أن أُبيِّن البؤس المنقطع النظير لرؤية القيادة الفلسطينية لحل قضية شعبها بما يتناسب مع مصالحه، الآنية كما التاريخية، والجدار المسدود الذي تضع هذا الشعب إزاءه، انطلاقاً من اتفاق أوسلو المشهور، متمثلاً في مفاوضات لا تنتهي بدأت منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، وتحاول الإدارة الأميركية الآن دفع «السلطة» الفلسطينية بقيادة أبي مازن للعودة إلى طاولتها، بعد انقطاع، فيما تواصل الإدارة الإسرائيلية سياسة الاستيطان التي بدأتها منذ هزيمة حزيران 1967، بحيث تصبح أحلام جماعة «السلطة» المشار إليها، في دولة بحدود الرابع من حزيران من ذلك العام، مجرد أضغاث، لا أكثر. هكذا جاء في المقال:
«لقد كانت سياسة الحكومات الإسرائيلية، على امتداد المرحلة التي تلت أوسلو، تقوم على مبدأ اليد الغليظة، والقمع الدائم، والاعتداءات، والاعتقالات. وقد شهدت السنوات الأخيرة، إلى ذلك، خوض حربين عدوانيتين كبريين، إحداهما خارج الأراضي الفلسطينية (الحرب على لبنان، صيف عام 2006)، ولكن الثانية داخلها، وبالتحديد الحرب على غزة، في أواخر عام 2008، أوائل عام 2009. تضاف إلى ذلك أعمال القصف الممارسة ضد القطاع المحاصر، منذ الانسحاب منه، والذي يتعرض، بين الحين والآخر، للغارات الجوية، والقصف المدفعي، والرمايات بالرشاشات الثقيلة، مع حصيلة ذلك من الشهداء، الاقتطاعات المتوالية للأراضي، وهدم البيوت، وتجريف الأرض، فضلاً عن الجدار الحاجز، الذي يقام، على امتداد مئات الكيلومترات، داخل أراضي الضفة، ويفصل بين القرى والمدن الفلسطينية، فيها، وبين الخط الأخضر، مع نتائج ذلك الوخيمة على حياة سكان الضفة، ومستوى معيشتهم، وظروفها، وما يعنيه ذلك من اقتطاع أجزاء أساسية من المساحة الإجمالية للضفة الغربية، وضمها عملياً إلى المستوطنات الجاري بناؤها، على قدم وساق، بصورة متسارعة، بما يتناقض مع أبسط القوانين الدولية.
إن سياسة الاستيطان التي تلجأ إليها إسرائيل، والتي باتت تتسارع، بصورة جنونية، في السنوات الأخيرة، في ظل الحكومات المتعاقبة لأقصى اليمين الصهيوني، بقيادة نتنياهو، تظهر إلى أي حد كان أنصار التسوية مع إسرائيل، في الوسط الفلسطيني، مصابين بقصر النظر، في رهانهم على إقامة دولة فلسطينية، على الأراضي المحتلة في عام 1967. وهي سياسة تستهدف، بوجه أخص، مدينة القدس الشرقية، والبلدات والقرى المجاورة لها (بات 50,6% من المستوطنين يسكنون في محافظة القدس)، وإن كانت تستهدف أيضاً مناطق أخرى على امتداد الضفة، ومن ضمن ذلك في الخليل، وغيرها من المدن والبلدات، وصولاً إلى منطقة الأغوار، على طول نهر الأردن. ومن عام 2000 حتى عام 2011، هُدم 1059 مبنىً في القدس الشرقية، وتشريد 4856 شخصاً، علماً بأن المئات منهم أجبروا على هدم بيوتهم بأنفسهم، تحت طائلة هدم البلدية لها، وتدفيعهم مبالغ طائلة لقاء ذلك. أما عدد المساكن التي هدمت، على امتداد المدن والقرى الفلسطينية، منذ عام 1967، فبلغت 25 ألفاً، وبات عدد المستوطنين الإسرائيليين، في الضفة الغربية، 518.974 مستوطناً، في نهاية عام 2010، والحبل على الجرَّار».
ومنذ المقال المستشهد به أعلاه، كنا قد رأينا مؤشرات بالغة الأهمية إلى أن تغييراً في موازين القوى وارد لا محالة، بحيث يسمح بإعادة النظر كلياً بمسيرة القيادة الفلسطينية، منذ الاتفاق - المأساة، الذي وقَّعه الزعيم الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، مع إسرائيل، ولا تزال هذه القيادة، بواقعها الراهن، تركض وراء سرابه، وذلك نحو الخروج من كامل تلك المسيرة ونتائجها الكارثية على الشعب الفلسطيني. وأشرنا إلى أنه بين الأسباب التي تجعلنا نرى هذا الرأي، ما يأتي:
ــ الدعم الدولي الشعبي، الذي باتت تحظى به القضية الفلسطينية، بعد الانكشاف المتزايد لحقيقة الدولة الصهيونية، كدولة فصل عنصري، تضطهد شعباً آخر، وتصادر أرضه ومياهه، وتحول حياته إلى جحيم، ضاربة عرض الحائط بأبسط ما بات متعارفاً على ضرورة حمايته والدفاع عنه، وفرض احترامه، من حقوق الإنسان. وهو دعم شاهد العالم بأسره بعض مظاهره، ولا سيما في السنوات الأخيرة، مع قدوم متعاطفين مع قضية الشعب المذكور، إلى فلسطين، من شتى بلدان العالم، للتعبير عن تضامنهم ودعمهم هذين، مغامرين حتى بدفع ضريبة عالية لهذا الموقف وصلت مراراً إلى فقدان حياتهم، إزاء وحشية الاحتلال الإسرائيلي.
ــ الحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل، ونزع الاستثمارات فيها، وإنزال العقوبات بها، المعروفة بأحرفها الأولى BDS.
ــ التراجع في وزن الدولة الصهيونية، والأوهام الأخلاقية التي كانت معلقة عليها لدى كثيرين (في الأوساط الشعبية، كما على صعيد الإنتليجنسيا)، في أوروبا وأميركا، وبلدان شتى، عبر العالم، بحيث بات كثيرون يعتبرونها تشكل تهديداً جدياً للسلام العالمي، ومن ضمنهم الكاتب الألماني، ذو الشهرة العالمية، والحائز جائزة نوبل للآداب، غونتر غراس، في قصيدة له بعنوان: «ما ينبغي أن يقال».
وأخيراً، وليس آخراً – وربما هذا هو السبب الأهم – التطور العظيم الذي باتت تشهده المنطقة العربية، منذ أواخر عام 2010، متمثلاً بالسيرورة الثورية المندفعة مذّاك لإطاحة أنظمة الاستبداد والاستغلال البشع، والإذلال والقمع، على امتداد المنطقة المشار إليها. مع ما سيعنيه ذلك، بمقدار ما تتجذر هذه السيرورة، وتنجح في الاقتراب من النصر، في تاريخ غير بعيد، بالضرورة، من إطلاق المارد الشعبي من عقاله، لغير صالح الهيمنة الإمبريالية على ثروات شعوبنا، ومقدَّراتها، كما لغير صالح استمرار غطرسة الدولة الصهيونية، وتوسعها، لا بل حتى مجرد بقائها، كدولة استيطانية عنصرية.
السيرورة الثورية العربية وتحرر الشعب الفلسطيني
لقد كان بين الأسباب الأهم لما بات يدعى النكبة الدور الحاسم للأنظمة العربية، البالية، والفاسدة، والخائنة، والمستسلمة، في الهزيمة التي ألحقها الصهاينة بقواتهم، التي حملت تسمية «جيش الإنقاذ»، وفي استيلاء هؤلاء على أكثر من 80% من مساحة فلسطين، وإقامة دولتهم عليها، قبل 65 عاماً من الآن، وبالتحديد في أيار/ مايو من عام 1948. وهو أمر لا حاجة لسوق الأدلة عليه، لكثرة ما قيل وكُتِبَ عنه، في هذا المجال، مذاك. ولقد تلت ذلك هزائم إضافية بين ما أفضت إليه، وسببته، وضع الصهاينة أيديهم على ما بقي من الأراضي الفلسطينية، في أوائل حزيران/ يونيو من عام 1967، واحتلال أجزاء واسعة من بلدان عربية أخرى ما زال قسم مهم منها تحت الاحتلال، إلى الآن. وهو ما لم يكن ممكناً، إذا أخذنا بالحسبان الفرق الشاسع في الإمكانات الطبيعية، والبشرية، بين طرفي الصراع (قيام الدول العربية على نحو الأربعة عشر مليوناً من الكيلومترات المربعة، التي يقطنها، حالياً، أكثر من ثلاثمئة مليون نسمة، مقابل أقل من ستة ملايين نسمة يعيشون على عشرين ألف كم2، أو أكثر قليلاً. فضلاً عن الفرق الهائل أيضاً في الثروات الطبيعية، والإمكانات الاقتصادية)، لولا طبيعة الأنظمة العربية التي حكمت شعوبنا، على امتداد العقود الأخيرة، وحرمتها كل مقومات القوة، والقدرة، بالتالي، على مواجهةٍ ظافرة للكيان الصهيوني، ولنزعته التوسعية العدوانية، لا بل أيضاً – وهنا بيت القصيد – من مقومات القدرة على تصفية شروط بقائه. ونحن نقصد بذلك الطبيعة الاستبدادية لهذه الأنظمة، المغرقة في الفساد، والتخلف، والعداء الجذري للحريات الإنسانية، ولكل ما من شأنه أن يطلق الطاقات الهائلة لشعوب البلدان العربية، على اختلاف مكوناتها. ولنا في ما يجري، في سوريا، منذ أكثر من عامين، صورة صارخة عن حقيقة هذا العداء، فيما نرى مدى استشراس النظام القائم هناك، على غرار شبيهه العراقي، في أيام صدام حسين، في استخدام كل أنواع الأسلحة الفتاكة، بما فيها تلك المحظورة دولياً، كالسلاح الكيميائي، في عملية إبادة شعبه. وهو شعب لم يعد يطيق البقاء تحت الطغيان والاستبداد والقهر، فأعلن عصيانه، ونزل إلى الشوارع، هاتفاً بالحرية، والكرامة، واللقمة غير المغمسة بالدم، وشتى أسباب امتهان الكرامة الإنسانية، فيما يمتنع النظام المشار إليه عن توجيه أي من تلك الأسلحة إلى العدو الإسرائيلي، الذي يحتل أرضه منذ عام 1967، ويدمر مرافقه، ومشاريعه، ومراكزه العسكرية، بين الحين والآخر، وينتهك أجواءه، تكراراً، من دون أدنى ردّ رادع. هكذا كما لو أن كل هذه الأسلحة التي دفع أثمانها الشعب السوري، بعرقه ودمه، يجري تجميعها حصراً لهدفٍ أوحد وحيد، هو حماية هذا النظام، وتأبيد وجوده!
إن السيرورة الثورية الراهنة، في مناطق واسعة من الأرض العربية، تحمل – على رغم ما تشهده، أحياناً، من تخبطات وعثرات، ومساعٍ حثيثة، على الدوام، لمصادرتها على يد قوىً معادية للثورة، داخلية وخارجية، في مقدمتها الحركات الإسلامية (ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين)، الحاظية بأقصى الدعم من حكومات خليجية، بوجه أخص – تحمل، نقول، بالكثير من الوعود، وبين أهمها تحرير الإنسان من كل المعوِّقات التي كانت تحول بينه، إلى الآن، وبين التقدم، والإبداع، والمبادرة الشجاعة، في شتى الميادين، ومن ضمنها، على صعيد مواجهة مختلف الأعداء، الداخليين، والخارجيين، وتحقيق الغلبة عليهم، بالكفاءة التي يتيحها تخلصه الكامل من القمع، سواء ذلك القابع وراءه طاغيةٌ يمارس ضد شعبه كل أواليات الكبت والقهر والإرهاب، أو ما يمكن تسميته القمع الذاتي، الذي يصبح، أحياناً، أشد إيلاماً واستلاباً وتقزيماً للطاقات الأصيلة في الإنسان الفرد، كما في المجتمع. وفي هذا المجال، لقد أصاب صاحب كتاب «الشعب يريد، بحث جذري في الانتفاضة العربية»، د. جلبير الأشقر (دار الساقي، بيروت،2013، ص 300)، في وصفه إحدى أهم نتائج هذه السيرورة، بالشكل الآتي:
«في الوقت الحاضر، يتمثل الإنجاز الرئيسي للانتفاضة العربية في أن شعوب المنطقة قد تعلمت أن تريد. وهو ليس بالأمر الهيِّن. تعلمت الشعوب أن تعبِّر عن إرادتها الديموقراطية بأكثر الطرق جذرية: ليس فقط الإرادة التي يجري التعبير عنها دورياً في صناديق الاقتراع، في مواعيد تحددها السلطة القائمة، ولكن أيضاً تلك التي يعبّر الناس عنها، في الشارع، كلما أرادوا. وقد تعلم العمال والعاطلون من العمل والطلاب في المنطقة العربية أن «السلطة في الشارع»، وأن هذه السلطة مكمِّلٌ ومصحِّحٌ لا غنى عنه لتلك التي تنبع من صناديق الاقتراع، حتى حينما لا يكون الاقتراع مزوَّراً».
هذا ولقد كانت شعارات الجماهير، التي احتلت الشوارع والميادين، في بلدان شتى شهدت هذه الظاهرة، تراوح بين مطالب الحرية، والكرامة، والخبز، فيما غابت تلك المتعلقة بالتحرر الوطني، والقضايا القومية، ولا سيما القضية الفلسطينية والعداء للدولة الصهيونية، على الرغم من أن الجماهير المصرية الثائرة عبّرت، من جانبها، وبوضوح، عن موقفها الجذري من هذه الأخيرة، وهو ما أمكن أن يشاهده الجميع، حين هوجمت السفارة الإسرائيلية وأُحرقت، بعد أشهر قليلة من ثورة 25 يناير، بحيث اضطر السفير الإسرائيلي إلى مغادرة القاهرة، آنذاك، والعودة إلى إسرائيل. وقد عزا كثيرون هذا الغياب إلى نفور الجماهير العربية، أو على الأقل جزء مهمّ منها، من المزاعم الكاذبة للعديد من أنظمة المنطقة، بخصوص العداء للدولة الصهيونية، والتضامن العميق مع حقوق الشعب الفلسطيني، ولا سيما حقه في العودة، وممارسة تقرير المصير، ومساندة مقاومته، وما إلى ذلك، فضلاً عن تبرير تلك الأنظمة قمع الحريات الديموقراطية، وفرض حالة الطوارئ، والتضييق على معيشة غالبية من الجماهير الشعبية، وذلك في أكثر من بلد عربي، بحالة الحرب مع إسرائيل.
بيد أنه في العديد من الحالات، قبل اندفاع الحراك الثوري الأخير، وحتى في ظل أقسى درجات القمع البوليسي، كان يظهر المعدن الحقيقي لتلك الجماهير، في عدائها الجذري لإسرائيل، وتعبيرها المكشوف عن استعدادات حقيقية لتقديم شتى أشكال الدعم لأعمال المقاومة الفعلية ضدها، وعن فرحها الشديد، لدى توجيه ضربات موجعة إليها، كما الحال خلال حرب تموز/ يوليو 2006 على لبنان، أو حين تظهر علامات صمود جدي في وجه عدوانها، كما الحال خلال الحرب على غزة، في 2008 - 2009. وهو ما ينبئ، حقاً، بأن أي صدامات جديدة، مع هذا العدو، قد تلهب المنطقة بأسرها، ليس ضد إسرائيل وحسب، بل ايضاً ضد حماتها، وحلفائها الإمبرياليين، كما ضد الأنظمة العربية، المتواطئة معها، ولو بصورة ضمنية، في ظل الواقع الجديد الذي خلقته، في المزاج الجماهيري العربي، السيرورةُ الثورية المنوَّه بها. وهو الأمر الذي يدفع إلى توقع انقلاب عميق في هذا المزاج، فيما إذا تحرك الوضع، بصورة مؤثرة، وواعدة، هذه المرة، في الأرض الفلسطينية المحتلة، ولا سيما إذا عبّر ذلك عن نفسه بانتفاضة ثالثة لشعبها، مع ما سيلازم ذلك من قمع دموي إسرائيلي شرس لهذه الأخيرة.
نحو انتفاضة فلسطينية ثالثة
كنا قد رأينا، في المقال المستشهد به، في مطلع هذا النص، كيف أن حكومة «السلطة»، الحالية، المتوقفة عن التفاوض مع الإدارة الإسرائيلية، على الأقل، موقتاً، ليس لها من بديل «من المفاوضات إلا المفاوضات، فيما تنتج إسرائيل، يوماً بعد يوم، أمراً واقعاً جديداً يتناقض بالكامل مع هذا المنظور، ويحبط كل رهانات الأوسلويين على دولة فلسطينية، قابلة للحياة، بجانب إسرائيل». لكننا استدركنا لنقول إن «ثمة بديلاً شعبياً، بالضرورة، يُستحسن كسب الشعب الفلسطيني لمصلحته، في الأراضي المحتلة، كما في بلدان الشتات، يتمثل بما يأتي:
أ ــ التخلي النهائي عن منظور الدويلة الفلسطينية المنزوعة السلاح، والفاقدة السيادة على نفسها، وعلى مواردها الطبيعية، ومياهها الجوفية، والمقطَّعة بالطرقات الاعتراضية، والمستوطنات الإسرائيلية، والمحرومة السيطرة على عاصمتها التاريخية، القدس، التي تشكل، في آنٍ واحد، مدخلاً للتخلي النهائي عن حق العودة. على أن يكون ذلك لمصلحة منظور دولة لكل سكانها، على كامل فلسطين التاريخية، يعود إليها كل الفلسطينيين الموجودين في المنافي، الذين يريدون ذلك، ويتاح لهم أن يشاركوا، على قدم المساواة الفعلية مع سكانها الحاليين، في كل مناحي الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، وفي ممارسة كل الحقوق الديموقراطية، وذلك ضمن منظور دولة فلسطينية ديموقراطية شعبية، مندمجة في محيطها العربي، ومندفعة معه في منظور وحدوي، على طريق التحول الثوري نحو اشتراكية حقة، قائمة على التسيير الذاتي، والتطور الحر للإنسان والمجتمع، بعيداً من أي قهر، أو استغلال، أو استلاب.
ب ــ سحب الاعتراف، بالتالي، بالدولة الصهيونية، وباتفاقية أوسلو، وحل السلطة الناتجة منها، ووقف كل أشكال التعاون الأمني مع العدو الصهيوني، وشتى أشكال التطبيع معه.
ج ــ استعادة مشروع المقاومة الشعبية والانخراط الحثيث، والمكثف، في انتفاضة ثالثة تقدم الثوراتُ العربية خلفيةً آمنة لها، ويقدم التضامن العالمي رافعة مؤثرة جداً لإمكانات تطورها ونموها، على أن تخلق هذه الانتفاضة أشكال التسيير الذاتي لحياة المنخرطين فيها، أي الغالبية العظمى من الشعب الكادح، والمظلوم، والمعرَّض للحرمان والإقصاء والعزل، ولشتى ضروب النفي، سواء داخل الوطن، أو خارجه، وذلك على الطريق لتحقيق المنظور المنوَّه به، في النقطة «أ»، الواردة آنفاً».
ونحن نعتقد أن المدخل الأفضل إلى هذه الانتفاضة قد يكون بتحويل ما بادرت إليه الجماهير الفلسطينية، قبل فترة قصيرة – حين اندفعت، عبر حركة أكثر من رمزية، في تدمير الجدار الحاجز – إلى نضال يومي تشارك فيه جماهير واسعة، على امتداد المسافة التي يوجد فيها، ولا سيما أن هذه الجماهير تستطيع الاستناد في عملها هذا إلى حكم محكمة العدل الدولية، في لاهاي، في أوائل تموز/ يوليو 2004، القاضي بضرورة هدمه، بسبب لا شرعيته، وفقاً للقانون الدولي. وهو الحكم الذي عادت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد ذلك بفترة وجيزة، فاتخذت توصية بالموقف عينه، تجاهه، وذلك بأكثرية 150 دولة، ومعارضة دولتين فقط، هما إسرائيل والولايات المتحدة، وامتناع عشر دول عن التصويت. أكثر من ذلك، يمكن دعوة كل مناصري القضية الفلسطينية، عبر العالم، إلى القدوم إلى فلسطين والمشاركة في هذا العمل، الذي لا بد من أن يتحول من طابعه الرمزي، في الأصل، إلى عمل انتفاضي حقيقي، وبصورة واضحة، تماماً، إلى ما يمكن اعتباره الانتفاضة الفلسطينية الثالثة.
هذا وقد يقول بعض المحبطين، واليائسين، والمهزومين، في أعماقهم، إن في هذه الدعوة الكثير من الطوباوية، والمراهنة على المجهول، من دون أخذ موازين القوى الفعلية بالاعتبار. وهو ما طالما ردت عليه حركات الشعوب، ومن ضمنها شعوبنا العربية، المتمردة، بالذات، بإنجازات تضارع المعجزات. ولم يكن ما حدث في العامين الأخيرين، في منطقتنا، تحديداً، إلا مؤشرات أولى على ما تحبل به من إمكانات، وما قد تستمر، لاحقاً، تفاجئ به العالم بأسره. في كل حال، سيكون مفيداً أن نختم هذا المقال بما ختم به صاحب كتاب «الشعب يريد» كتابه المشار إليه، حيث يقول: «فالانتفاضة العربية ليست سوى في بداياتها. «المستقبل يدوم طويلاً»، كتب الجنرال ديغول في مذكراته خلال الحرب. إنه لتعبيرٌ جميلٌ عن الأمل».
اسرائيل تحقق احلامها والعرب يضيعون اوطانهم!
بقلم: حسن يروم عن القدس العربي
الاوضاع المزرية التي تتخبط فيها الدول العربية تدفع للقلق، فالامور السياسية والاقتصادية والاجتماعية تزداد تدهورا، فالوضع الراهن لا يتطلب التفكير والتحليل فقط، وإنما لا بد له من حل عاجل، فالحاضر أصبح أسود، والمستقبل مخيف، فما يعرفه العالم العربي من إضطرابات ونزاعات وللاسف من تقاتل لا بد له من مستفيد، فالوطن العربي خطط له أن يعيش مع الدولة الصهيونية ‘إسرائيل’ المستفيدة من الوضعية الخطيرة التي آلت إليها الدول العربية.
فإسرائيل هي في أمن وسلام وإزدهار ما دام العرب منشغلين عنها يتنازعون ويتقاتلون في ما بينهم من توافه الامور، غافلين عن قضاياهم المصيرية، وعن التحديات التي يجب تجاوزها بسلام. فالدول العربية تملك من الإمكانيات المادية والبشرية لتحقيق التقدم الحقيقي حتى تنال المكانة التي تليق بها بين الامم كأمة موحدة عربية ومسلمة، وحتى تستطيع إسترجاع وحماية مصالحها، والصمود أمام أعدائها تمر الاعوام والاحداث، والدول العربية لا تستفيد ولا تتعلم بعكس اعدائها، وفي طليعتهم العدو الصهيوني الذي عرف كيف يخرج منتصرا من صراعه مع العرب، ومتفوقا عليهم في كل المجالات.
إسرائيل تخطط للحاضر والمستقبل، ولكل الدول العربية مهما كانت درجة عداوتها لها القضية الفلسطينية والقدس كانتا فعلا روح الامة الإسلامية والعربية، مبعث الإهتمام وتتبع نشرات الاخبار، كانتا راسختين في الوجدانين العربي والاسلامي، وفي إنسانية الرأي العام العالمي، وكانتا وصمة عار تطارد الإحتلال الصهيوني في كل وقت ومكان، ففهمت إسرائيل ما للإعلام من دور كبير في كل ذالك، الذي كان حرا جريئا يفضح سياساتها الإستعمارية، وينتقد معاملاتها السيئة مع
الفلسطينيين، وينقل الصورة الكاملة والبشعة للإحتلال، والإنجازات البطولية للمقاومة ورموزها، فأدركت إسرائيل أن وجودها وتقبلها كدولة رهين بصورتها وسمعتها في العالم، ومن هنا جندت المال، وشخصيات سياسية وإقتصادية وإعلامية بارزة متعاطفة معها لإختراق والتحكم في المراكز الحساسة والمهمة في الدول الكبرى، وكذا القنوات الإعلامية لتوجيهها كما تشاء ولإبعادها وجرها إلى الحياد أو الإنحياز لها، فبعد ما كان الإعلام الغربي يدعم القضية الفلسطينية بكشفه لحقيقة الإحتلال الإسرائيلي لم يعد حرا ولم يعد يكثرت لما يجري للفلسطينيين وللمسلمين من ظلم، بل على العكس من ذالك يقوم بتزوير الحقائق والتقليل من قساوتها تحت غطاء إحترام مشاعر المشاهدين، كما أصبح يآزر الصهيونية ورمزها إسرائيل بجعلها الضحية التي تدافع عن نفسها ووجودها في وجه وحوش برابرة قتلة متعطشين لسفك الدم اليهودي الصافي والثمين، فوسائل الإعلام الغربية تحرص على تبرير ما ترتكبه إسرائيل من جرائم في حق الفلسطينيين والعرب، وتعريفه بأنه رد فعل طبيعي وشرعي ودفاع عن النفس ضد العرب والمسلمين الكارهين لليهودية السامية، فهي لا تريد الحرب وإنما العيش في أمن وسلام على أرضها الموعودة لها شرعا وبتزكية من حلفائها من القوى الإمبريالية فالصهيونية إستغلت أسطورة المحرقة اليهودية المزعومة كوسيلة وحيلة ناجعة لكسب تعاطف الغرب واللعب على أوتاره الإنسانية للحصول على الدعم المطلق، فجعلت لليهودية مكانة عالية وقدسية لا يمكن إظهار الكراهية والعداء لها بعكس باقي الديانات الأخرى، فإتخدت من اليهودية السامية مطية لترهيب مخالفيها وأعدائها حتى أضحت الخط الأحمر الذي لا يمكن تخطيه، ومن هنا إختبأت الصهيونية وراء ستار اليهودية السامية، وكما تمكنت الصهيونية من التحكم في الإعلام العالمي إستطاعت على الأرض، وفي صراعها المباشر مع الفلسطينيين والعرب أن تطفئ شعلة المقاومة والإنتفاظة عن طريق إخراج مسلسل المفاوضات، وعملية السلام مقابل الأرض، ولكن بلا النهاية، وإيهام الجميع بإمكانية صنع سلام حقيقي ودائم بينها وبين أعدائها العرب والمسلمين، فإسرائيل تستغل الزمن، وتقايض الفلسطينيين والعرب على أوهام لم يتحقق ولو شيء بسيط منها بعد كل تلك المفاوضات الطويلة والشاقة، بل على العكس تعرقل عملية السلام، وتخرق الإتفاقيات وتفرض على الأخرين الإستسلام للأمر الواقع، وتقديم المزيد من التنازلات، فإسرائيل تواصل مشروعها التوسعي بالإستمرار في توسيع المستوطنات، وتطبيق لعقاب جماعي على الفلسطينيين، وفرض حصار عسكري على قطاع غزة، ومنع عودة اللاجئيين، وجعل من الإحتلال قضية سيادية على أرض مشروعة لليهود، كما شنت إسرائيل وبدعم من حلفائها هجمة شرسة وممنهجة على المقاومة الفلسطينية وداعميها في الخارج، بتشويهها، وبتحريف مفهوم وأهداف المقاومة والجهاد وإدخاله في خانة الإرهاب، فتغيرت المفاهيم من دولة إحتلال إلى دولة ذات سيادة، ومن دولة معتدية إلى دولة تدافع عن أرضها، ومن مقاومة إلى إرهاب.
ويبقى الطموح الأكبر لإسرائيل هو القضاء نهائيا على القضية الفلسطينة، ودفن فكرة الوحدة العربية والإسلامية، لذا فهي تخطط وتنفذ، وما الأحداث التي تزعزع الأراضي العربية بمنأى عن ذلك، فالسياسة الصهيونية تخدم مشروع الدولة اليهودية الكبرى مستغلة من أجل ذلك الأزمة الإقتصادية العالمية، وتأثيرها السلبي على إقتصاديات الدول الغربية الرأسمالية، والضعف العربي، لتفرض سيطرتها المطلقة على العالم بدون منازع، ولا وصاية الأم الحنونة الولايات المتحدة الأمريكية!
«مصانع الفتاوى»: كهنوت إسلاموي وتدمير مجتمعي
بقلم: خالد الحروب ( كاتب واكاديمي فلسطيني) عن الحياة اللندنية
في أواخر الخمسينات من القرن الماضي نشر دانيال ليرنر كتاباً غدا شهيراً حول انتقال مجتمعات الشرق الأوسط من كيانات تقليدية إلى دول ومجتمعات حديثة (Daniel Lerner, ‘The Passing of Traditional Society: modernizing the Middle East’). في ذلك الكتاب كانت أطروحة ليرنر توحي بحتمية ذلك الانتقال وقد دافع الكاتب عن أطروحته اعتماداً على ما شهد به واقع تلك المجتمعات من استقبال للحداثة واندراجها في مساراتها، وسرعة ذلك الاندراج. أحد الآليات التي رآها ليرنز كحامل للتسريع الحداثي هو الإعلام الجماهيري، الذي يساعد على خلق مجتمعات حديثة، منصهرة في إطار الدولة الوطنية الحديثة، قائمة على المساواة المواطنية، ومنفكة من الأطر القبلية والطائفية والدينية والأبوية. بيد أن الواقع على الأرض اثبت وجود تعقيدات مركبة وليست خطية لم تخطر ببال ليرنز نفسه، واحد منها هو الإعلام الجماهيري نفسه، كما نشهد اليوم. إعلام اليوم في مجتمعات الشرق الأوسط اصبح احد اهم حوامل «نزع الحداثة» وتدمير مجتمع الدولة - الأمة، وإعادة المجتمعات إلى عصر ما قبل الدولة. لقد تطورت وسائل الإعلام والتكنولوجيا بسرعة خارقة فيما بقيت المجتمعات على تقليديتها وزحفها البطيء إزاء الحداثة. واختلاف السرعات هذا بين التقدم التكنولوجي والتحديث الاجتماعي أدى إلى توفير آليات إعلام حديثة وبالغة التأثير وسريعة النفاذ في أيدي مكونات غير حديثة سرعان ما وظفتها في الحفاظ على مكونات ما قبل الدولة الحديثة. ومن هذا المنظور نرى كيف انتعشت على شاشات الفضائيات وعلى وسائل الإعلام الاجتماعي كل تشظيات الطائفية والقبلية والتعصب الديني والجهوية وكل العصبويات السابقة للدولة. الإعلام الذي كان من المؤمل أن يساعد على بناء مجتمعات صحية، تحول إلى وحش يفتك بها ويشظيها، وطنياً وإقليمياً. في هذا السياق يمكن موضعة ظاهرة اكتساح الفتوى للفضاء العام العربي في الوقت الراهن، واتخاذها وسائل الإعلام آلية للسيطرة والتأثير وصوغ حيوات الأفراد والجماعات في مجتمعاتنا، أو ما تبقى منها!
في التاريخ الإسلامي تطورت تقاليد عريقة في طرائق تناول علماء الدين للقضايا والشؤون المُستجدة التي تواجه مجتمعاتهم، ويمكن هنا التوقف عن اثنين من تلك التقاليد التي تم القضاء عليها في حقبة التدين المظهري والتلفزيوني التي نشهدها الآن. التقليد الأول هو دراسة الشأن المطروح على الفتوى بأكبر قدر من التأني والحذر والدقة في إصدار الرأي فيه. وتروي الكتب كيف أن العلماء السابقين كانوا ينظرون في الأمر المعروض عليهم ويقيسونه زمناً ومكاناً وظرفاً وشخصاً، ويتأملون في انعكاساته وتأثيراته ثم يصدرون رأيهم. ما يصدر من فتوى في شأن من الشؤون يطلبها شخص ما، في مكان ما، في زمان ما، في ظل ظروف محددة قد تختلف تماماً حول ذات الشأن إن طلبها شخص آخر، أو في مكان آخر، أو في زمان آخر، أو في ظل ظروف مختلفة. ومُسجل في أدبيات الفتاوى أن الشافعي كان قد أفتى في العراق بشكل مختلف عما أفتاه في الشام وحول ذات الشؤون، لأن السياق والظرف يختلفان.
مقابل ذلك التأني والحذر وموضعة الفتوى في سياق الزمان والمكان والظرف والسائل ماذا نرى هذه الأيام؟ الذي نراه جحافل من أرباع العلماء يحتلون شاشات القنوات الدينية جاهزين «على الهواء» لإطلاق أي فتوى حول أي شأن كان، وفي أي مكان وزمان. كيف يتأتى لحضرة «المفتي التلفزيوني» هذا العلم الديني اللامحدود والذي يؤهله للرد الفوري والمباشر على أي سؤال من أي شخص ويكون ضميره الديني مرتاحاً؟ كان يُؤتى للعالم بالقضية في إطار التقاليد العريقة للفتوى فيطلب الوقت لينظر فيها ويعيد السائل من حيث أتى، فيعكف على المسألة لدراستها وتقليب وجوهها. مفتو اليوم لا يحتاجون «للنظر في المسألة» فعبقرية علمهم الديني تؤهلهم لإطلاق الرأي يميناً وشمالاً وعلى الفور حول اكثر القضايا تعقيداً. مشاهدة أي برنامج من برامج «فتاوى على الهواء» تثير الغثيان بسبب جرأة المفتين التلفزيونيين الذي داسوا تحت إقدامهم كل ما له علاقة بتقاليد الفتوى التاريخية من الدراسة والتأني والحذر. تأتي أسئلة لا تستثني شيئاً من السؤال عما إن كانت «العولمة حراماً أم حلالاً»، أو «امتلاك السلاح النووي حرام ام حلال»، إلى «حل أو حرمة مرافقة الابن الوسيم لأمه المنقبة في الشارع» (لأن رؤية الناس لوسامته سوف تشير ضمناً إلى جمال امه!)، إلى «حل أو حرمة تويتر وفايسبوك، إلى «حل أو حرمة شراء تذاكر اليوم الواحد في قطارات المترو في أوروبا، وصولاً إلى الحكم بإسلام أو كفر طوائف وجماعات بأكملها، وإلى كل شيء عملياً! ومع ذلك لا يرمش طرف للمفتين التلفزيونيين ونراهم وبكل ثقة تلفزيونية استعراضية يطلقون فتاواهم من على «شاشات مصانع الفتوى» ومن دون أي تردد. «الفتاوى التلفزيونية» كارثة حقيقية تواجه مجتمعاتنا اليوم، لأنها خليط من تنافس الاستهلاك الديني بين القنوات الفضائية ورأس المال الباحث عن دعايات اكثر في حال تحقيق نسبة مشاهدة اعلى لبرنامج هذا المفتي أو ذاك. يتسلل إلى وعي المفتي التلفزيوني الهوس التنافسي لتحقيق الظفر والتفوق على غيره من المفتين على الشاشات الأخرى عن طريق التشاوف بامتلاك علم أوسع وقدرة اكبر على الفتوى إزاء كل شيء. أصبحت «مصانع الفتوى» جزءاً لا يتجزأ من رأسملة الدين وتحويله إلى وسيلة للربح التلفزيوني السريع.
والتقليد التاريخي الثاني الذي تم طحنه في ماكينات الاستهلاك الديني التلفزيوني هو قول «لا ادري» إن أُشكلت القضية على العالم وحار إزاءها في الجواب. مثّل هذا التقليد سمة رفيعة عند علماء الدين الحقيقيين الذين كانوا ورغم علمهم العميق يتواضعون أمام هذا الشأن الخلافي أو المُبهم أو ذاك ولا يصدرون فتوى بشأنه. كان ذات العالم الذي يطلب وقتاً لينظر في قضية معقدة لا يتوانى عن الاعتراف بعدم قدرته على إعطاء رأي جازم فيها ويقول «لا ادري». أين هو هذا التقليد العظيم الذي يعكس التواضع والقدرة في ذات الوقت عند كثير من مفتي هذه الأيام وعلمائه الذين صار اشتغالهم بالفتوى والدين اقرب إلى «التشبيح» منه إلى أي شيء آخر.
لا يدرك «شبيحة المفتين» اليوم أن قاعدة «لا ادري» هي عملياً من حفظ التعايش التاريخي وعلى مدار قرون طويلة في المنطقة والعالم الإسلامي عموماً، ولأنها مرتبطة عضوياً بمنهج متأسس على «لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم». المعنى العملي والتطبيقي للنص هنا هو أن كثيراً من أمور الحياة والشؤون المُستجدة تقع في مناطق رمادية وبعيداً عن أن تُحسم بالفتوى وبـ «الحلال والحرام»، ومن الأفضل أن تبقى هناك وكذلك. وهذه المناطق الرمادية كلما بقيت على اتساعها كلما انتعشت المجتمعات وازدهرت، ويشهد التاريخ الإسلامي على ذلك في مراحل تقدم المسلمين وعلومهم. في المناطق الرمادية تشتغل العلوم وتتقدم الثقافة ويتم هضم كل ما هو مُستجد وتطويعه عبر عبقريات الاجتماع الإنساني لخدمة الناس من دون إعاقات. وفي المناطق الرمادية تعيش جماعات المجتمع المختلفة بأنماط تديّنها المُتباينة وسلوكاتها المختلفة، وهو أيضاً ما شهدت به المراحل التاريخية المختلفة. في المقابل عندما تتآكل المناطق الرمادية ويصبح هوس الأفراد ورجال الدين (الشبيحة) مُكرساً للخروج على منهج «لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم»، ويتحول كل الجهد المصطنع لاختلاق قضايا من لا شيء ندخل في زمن انحطاط وتقهقر. تبدأ ماكينة الفتوى والتحريم بالقضم التدريجي والمتواصل من المناطق الرمادية وتحاصرها في غياب كلي لقاعدة «لا أدري» والتي هي القاعدة الطبيعية لعدد هائل من المسائل الطارئة والمعقدة والمُبهمة، ولكن رغم تعقيدها وإبهامها إلا أن ذلك لا يدفع مفتي الاستعراض التلفزيوني من مواجهتها وإصدار الفتوى (التحريمية) بشأنها. نحن الآن نعيش هذه الحالة المريعة من محاصرة المربع الرمادي الوسطي للاجتماع العربي والإسلامي من قبل بلدوزرات الفتوى التحريمية التي تهدم أرضيات ذلك المربع الذي إن انتهى انتهينا معه.
النتيجة التلقائية لسيطرة الفتوى على الفضاء العام، وتدميرها لمنطقة التعايش الوسط، وتحكمها بالأفراد والمجتمعات أنها تعمل على تخليق كهنوت إسلاموي لم يكن موجوداً في أي حقبة تاريخية سابقة، وذلك بسبب انتشار الإعلام الجماهيري و»التمكين» الذي يوفره لـ «مصانع الفتوى». ويتمثل هذا الكهنوت في التدخل المباشر بين الفرد وخالقه واحتلال المساحة الواسعة والعريضة التي جاء الإسلام ليحررها أساساً ويزيح أية قوى أو سلطات تتحكم في الناس، ويحرر إراداتهم ويحول تلك العلاقة إلى تعامل مباشر بين الفرد وربه لا علاقة لأية جهة كانت، حكومة أم سلطة أم مفتين بها. مفتو اليوم يحطمون فضاء التحرر ذاك ويضعون قنوات اتصال بين الناس وخالقهم هم حراسها وكهنتها.
اعترافات القرضاوي.. موقف شجاع
بقلم: عبد الرحمن الراشد عن الشرق الأوسط
مراجعات الشيخ يوسف القرضاوي حدث مهم؛ لأنه وقف واعترف صراحة «إنني ظللت لسنوات أدعو إلى تقريب بين المذاهب، وسافرت إلى إيران أيام الرئيس السابق محمد خاتمي. هم ضحكوا عليّ وعلى كثير مثلي، وكانوا يقولون إنهم يريدون التقريب بين المذاهب».
ويعترف بخطئه: «دافعت (قبل سنوات) عن حسن نصر الله الذي يسمي حزبه حزب الله وهو حزب الطاغوت وحزب الشيطان، هؤلاء يدافعون عن بشار الأسد». وقال: «وقفت ضد المشايخ الكبار في السعودية داعيا لنصرة حزب الله (آنذاك)، لكن مشايخ السعودية كانوا أنضج مني وأبصر مني؛ لأنهم عرفوا هؤلاء على حقيقتهم.. هم كذبة».
شيخ في مقام الشيخ القرضاوي يقدم اعترافاته علانية وصريحة حدث مهم جدا، يقول كنت على خطأ في كل ما فعلته، ودافعت عنه، وهاجمت الآخرين بسببه. المعارك التي دارت في السنوات العشرين الماضية كانت تقوم على فكرة بناء عالم إسلامي من حكومات وأحزاب وشخصيات، وبني المشروع الرومانسي على كم هائل من الأكاذيب والخرافات، جمع المخادعين مع المخدوعين.
شجاعة الشيخ القرضاوي تستحق الاحترام؛ لأنه شبه الوحيد الذي قال لقد أخطأت، وكان بإمكانه أن يلجأ للتبرير أو التجاهل، إنما اختار أن يواجه أتباعه معترفا بخطئه.
لم يخطئ القرضاوي في فكرة التقارب بين المذاهب، والدعوة للتعاون الإسلامي؛ لأنها أفكار نبيلة. أخطأ في فهم محركات السياسة التي أدارت المشروع في طهران وبيروت ودمشق. طهران الخميني مشروع لا علاقة له بالإسلام، بل مشروع إيراني هدفه الهيمنة على المنطقة، واعتمد مخططوه في طهران على كذبة الثورة الإسلامية، لأنها الرابط الوحيد مع ألف مليون مسلم في العالم، والتي يمكن ركوبها للتوسع جغرافياً ونفوذاً.
خضنا معارك جدلية مع كل حلفاء إيران وحزب الله ونظام سوريا، مثقفيهم ودعاتهم؛ لأننا نعرف كنه هذه النظم، وأهدافها، وتفاصيل نشاطاتها. نعرف أن الأغلبية التي سارت خلف هذه الجماعات الشريرة غرر بها، اتبعتها بنية حسنة، لكن كما تعلمون.. الطريق إلى جهنم مليء بالنوايا الطيبة. الشيخ القرضاوي، نفسه، انساق وراء أوهام كبيرة، ككثير من رجال الدين الذين دخلوا ساحة السياسة بكثير من الحماس وقليل من العلم في هذا المجال. غادر مصر احتجاجا على الرئيس الراحل أنور السادات؛ لأنه وقع اتفاق السلام مع إسرائيل، وعاش بعدها في قطر. وكانت إيران قبلة للغاضبين والمتحمسين لتغيير العالم الإسلامي. المحبطون والمبهورون كتبوا كتبا تمجد الثورة الإيرانية، وألقوا خطبا تبجل القيادات الإيرانية، رغم أن أوساخها السياسية ظاهرة للعيان منذ هروب أبو الحسن بني صدر، أول رئيس منتخب والمقرب من آية الله الخميني. عصابة النظام الجديد طاردوا شركاءهم في الثورة وقتلوا العديد منهم. بعد هذا كيف يصدقون أن نظاما مجرما في حق أهله في طهران يمكن أن يكون قائدا لهم يحرر فلسطين ويزيل أنظمة الطواغيت؟
ليس صحيحا أن إيران كانت لغزا مجهولا، بل كانت نظاما طائفيا سيئا منذ البداية. عندما ألف سلمان رشدي روايته «آيات شيطانية»، قادت إيران حملة ضد بريطانيا وسعت تطلب معاقبتها في مؤتمر إسلامي في جدة. المفارقة أن الوفد الفلسطيني الذي كان يعرف أكاذيب نظام الخميني مبكرا، قال بريطانيا ليست بلدا إسلاميا، وطرح فكرة منع سب الصحابة أولا في الدول الإسلامية، وليس فقط ضد بريطانيا. جن جنون الوفد الإيراني ورفض وانسحب.
وبكل أسف لا يزال رفاق القرضاوي المخدوعون يسيرون وراء إيران، مثل قيادات حماس، وقيادة «الإخوان المسلمين» في مصر. ألا يفكر أحدهم قليلا ويتخيل كيف سيكون عالمنا غدا تحت سيطرة شخص سيئ مثل علي خامنئي أو قاسم سليماني أو حسن نصر الله؟ من المؤكد أن إيران المتطرفة ستتحالف غدا مع أميركا الشيطان الأكبر، وستتعاون مع إسرائيل، وستجثم على نفط المنطقة وتفرض مشروعها!
عنجهية مولانا الشيخ القرضاوي !
بقلم: حمود الحطاب عن السياسة الكويتية
قال القرضاوي إنه كان يخالف, ويختلف مع علماء السعودية, حول حزب "اللات" أذ أنه كان يرى براءة الأطفال في حزب اللات ,ولكنه الآن قد "اقتنع" بخطئه في ذلك وقد دعا القرضاوي المسلمين أن يهبوا إلى مواجهة "حزب الله" الذي يبيد المسلمين في سورية!
أقول لمولانا الشيخ القرضاوي: أنت ضيعت نفسك, ووقتك, وعيبك الذي أهديه لك غير عابئ بصياح محبيك ومقدسيك بغير حق: أنك تتعامل مع غيرك باستعلاء جاهلي غير الاستعلاء الإيماني الذي درسته أنت ودرسناه في مبادئ "الإخوان" ,وهو من نظم الشهيد المرحوم سيد قطب ومن كتابه "معالم في الطريق" الذي أعدمه جمال عبدالناصر من أجله بتوصية من روسيا.
القرضاوي :في شخصيتك نفخة كما يقول أهل المغرب عن الذين ينظرون تيها في أعطافهم, وحتى رد السلام أنت تستثقل رده على البسطاء والناس العاديين وتتكبر على الصحافيين الذين كانوا يودونك وترفضهم وتصدهم وكأنك حارس ملك متجبر ولست داعية دينيا, فأنت تنسى أن الذي رفعك إلى مكانة مجالسة الملوك وأكل الخرفان على موائدهم كما قلت أنت ذات مرة في مقابلة ناريمان "وأيضا الذي جعلك تأكل ما تحب من الحلوى والفالودة هو الدين الإسلامي, وليس ملابسك ولاغناك ولا وجاهتك الشخصية ,وتعلم أن من تواضع لله رفعه .
ومن هنا وبسبب تعاليك غير الحق باعترافك الآن ضيعت المسلمين بالعديد من فتاواك, سامحك الله, وآرائك المتهورة والتي ربما كنت تبحث من ورائها عن أن تكون مفتي المسلمين ,وقد كنت تخفي رأسك ولا تتبجح بآرائك عندما كان المرحوم بن باز والمرحوم الألباني أحياء وقد خلت الساحة لك لكن العمر يا عمنا الشيخ دقائق وثوان.
مولانا الشيخ ,نقولها لك كما تحب أن تسمعها غير مقتنع بها إطلاقا ,مولانا الشيخ :حزب اللات اللبناني ايديولوجية إسرائيلية , إسرائيل تركب هذا الحزب فهو مطيتها ,وأنت تزعم أنك سياسي ديني محنك كما هو أداؤك في خطبك, كيف تبرئ هذا الحزب الشيطاني ? أم كيف تدخل الجمل السمين والبعير من خرم الإبرة ?كيف يفوت عليك مثل هذا?
عودتك للحق فضيلة الشيخ العالم في هذه النقطة فضيلة ,وهي كانت بسبب ما رأيت من الفناء الذي وقع على إخوتنا في سورية بسكاكين الغدر الطائفي لحزب اللات ,فهل تحتاج في كل مرة تقول فيها آراء تضيع المسلمين هل تحتاج إلى ان ترى مثل هذه الدماء حتى تغير موقفك? ارحم نفسك مولانا الشيخ وعد للتواضع واسمع كلام العلماء واحترم غيرك وتواضع لله هذا خير ما تختم به حياتك وبعد عمر أطول إن شاء الله تأكل فيه ماتشاء من الفالودة. غفر الله لك ولوالديك.
المنتدى الاقتصادي العالمي بالأردن
بقلم: عبد الله محمد القاق عن الزمان العراقية
يمكن القول ان المنتدى الاقتصادي العالمي الذي اختتم اعماله في الاردن يوم الاحد الماضي نجح في تشخيص القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية المعروضة على جدول اعماله، حيث ناقش السياسيون والاقتصاديون والمثقفون قضايا عديدة بحضور اكثر من 900 شخصية بينها رؤساء دول ووزارات ووزراء خارجية وكبار رجال الاعمال بالعالم، وتابع هذا المنتدى اكثر من نصف مليار مشاهد على شاشات التلفزة العالمية التي حضرت لتغطية هذا المنتدى الذي يعقد في الاردن لأكثر من خمس مرات نظرا للاستقرار والحرية والطمأنينة الذي يتمتع بها الاردن عبر كل الصعد.
المناقشات التي حضرتها عبر الثلاثة أيام الماضية كانت ايجابية وهامة من شأنها مواجهة التحديات الحقيقية الراهنة سواء السياسية او الاقتصادية او التعليمية من اجل تحقيق الاصلاحات في العالم العربي وتعزيز الاستقرار العالمي حيث كانت هذه المشاركات باللقاءات واسعة وفاعلة وقوية ايضا حيث فرضت احداث ثورات الربيع العربي نفسها على مناقشات المنتدى وتصدرت قضية فلسطين وانهاء الصراع العربي ــ الاسرائيلي قمة المناقشات بحضور الملك عبدالله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس ووزير الخارجية الامريكي جون كيري ورئيس الكيان الصهيوني شيمون بيريز وتوني بلير حيث اكد عبدالله الثاني في هذه اللقاءات الهامة ان الشرق الاوسط لديه هدف اساسي وهو بناء مستقبل قوي ومستقر تنعم فيه جميع الشعوب، وقال يجب علينا ان نعمل معا لمعالجة الازمة السياسية في منطقتنا وهي الصراع الفلسطيني ــ الاسرائيلي مشددا جلالته على ان يتوقف بناء المستوطنات وكذلك التهديدات التي تتعرض لها المدينة المقدسة ومواقعها الدينية ويجب ان تُستأنف المفاوضات بنية حسنة .
فهذا المؤتمر الاقتصادي غلبت عليه قضايا المنطقة السياسية وخاصة فلسطين والازمة السورية والاوضاع في العراق والتوتر الاقليمي والعالمي حيث كانت هذه المسائل عناوين كبيرة تعنى بصفة خاصة بالعالم العربي.. وهذه الموضوعات كانت مطروحة بقوة اذ لا يمكن تجاهل قضيتي الصراع العربي الاسرائيلي وسورية رغم التناول العميق للتحديات الاقتصادية والتعليمية وخلق فرص عمل لانهاء قضايا البطالة وكذلك تحديات الامن والاستقرار في المنطقة والعالم وهما ذات اتصال مباشر بالقضيتين الرئيسيتين وفي استثمار محكم لأكبر حشد دولي من نوعه يعقد على شواطئ البحر الميت حيث طرح الاردن مبادرات ذات صلة بالاصلاحات الاقتصادية والسياسية وهي التي استحوذت على اهتمام الساسة المتواجدين بالمؤتمر ونالت اهتمام الدوائر العربية والعالمية في الآونة الاخيرة.
وهذه المبادرات الاردنية التي اطلقتها ايضا الملكة رانيا في شأن التوظيف العام وخلق فرص العمل تجيء في ضوء اهتمام جلالتها بالنهوض بالوطن والمواطنين في اطار الاصلاحات الشاملة للبلاد وهي تنطلق ايضا راغبة في تجسيد الخطوات الفاعلة التي يقوم بها الملك عبد الله الثاني على صعيد الاصلاحات التي يجري تنفيذها في قطاع التعليم والتنمية السياسية وهذا يعني ان الاردن قدم نفسه كما شاهدت بالمؤتمر العتيد كدولة معاصرة قيادته حكيمة وبلد قائم على التعايش والمحبة والاخاء والسلام.. اقتصاده حر والحقوق المدنية وحرية الرأي فيه مصانة.
ولم تخل جلسات المؤتمر المتعددة والفاعلة والتي اعدت لها قيادة المنتدى برئاسة كلاوس شواب من ابحاث في جلسات متوازية حول بناء القدرات المؤسسية والاصلاحات في الدول العربية والتجارة ودور المجتمع المدني في بناء الانسان وكذلك تطوير المفاهيم التربوية والثقافية وهذه الجلسات القيمة جرى خلالها تبادل الخبرات واللقاءات بين رجال الاعمال العرب والاجانب وكانت فرصة ثمينة للقطاع الخاص العربي ليأخذ دوره بقوة في اعمال التنمية السياسية وعلاقات التعاون بين الدول وسبل تعزيزها بشتى الوسائل.
والواقع ان اعمال المنتدى الاقتصادي التي كانت مثار اهتمام العالم اكدت على ان هناك حاجة ماسة الى بناء الصلات بين دول المنطقة والعالم الخارجي ليصبح هناك تكامل بين ما يتم في منطقتنا وما هو قائم على المستوى الدولي حيث لاحظ المشاركون بالمنتدى بأن التجارة البينية العربية وكذلك لاستثمارات اقل مما يجب، ويمكن زيادتها اذا ما استخدمنا ما هو قائم من ثروات عربية داخل المنطقة العربية وبما يحققه الكثير من ابنائنا لتقديم خدمات افضل لشعوبنا.
فهذا المؤتمر الاقتصادي سلّط الضوء على الحقيقة الاساسية الاهم لمنطقتنا بكاملها ومفادها كما قال الملك عبد الله الثاني ان مستقبلنا يعتمد على الحل العادل للنزاع الفلسطيني الاسرائيلي باقامة الدولة الفلسطينية قابلة للحياة تجاور اسرائيل وتكون عاصمتها القدس الشريف .
ومن الواضح انه قد تم خلال جلسات المؤتمر بحث المبادرات الفردية والنمو الاقتصادي وضرورة التمييز بين المتطلبات التي يجب توافرها لايجاد متخصصين في المجالات الاقتصادية والتنموية والثقافية والتعليمية وهو ما يقوم باعداده العديد من المسؤولين في الدول العربية من خلال تطوير نظم التعليم ورفع عدد الخريجين والارتقاء بهم من حيث النوعية من ناحية وما يتطلبه ايجاد اشخاص من ذوي القدرة على القيام بمشروعات متنوعة واكسابهم مهارات التنظيم والابداع والابتكار من جهة اخرى وهذه القضايا من شأنها ان تسهم كما سمعت من المشاركين في ندوة التوظيف العام التي رعتها الملكة رانيا العبدالله ولقيت اهتماما واسعا وكبيرا في اطلاق طاقات الابداع والتفكير وليس مجرد التلقين والاسترجاع باعتبار ان البرامج التدريبية خاصة التي تتم من خلال مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات الاعمال لها اهمية كبيرة في زيادة الامكانات المتاحة لها من اجل ايجاد فئة من ذوي القدرة على قيادة المشروعات وتطويرها.
ولم ينس السياسيون خلال هذه اللقاءات من الحديث عن الديمقراطية، بل اكدوا على ان طريق الديمقراطية هو الطريق الوحيد للشعوب العربية ويجب مواصلة السير بها لتحقيق آمال الشعوب وتطلعاتهم نحو مستقبل افضل وضرورة اشراك المرأة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية بالدول العربية وانهاء قضية العاطلين عن العمل والذي يتوقع ان يزداد عددهم خلال العقدين المقبلين ما بين 80 ــ 100 ميلون نسمة.. وان اجراء الاصلاحات الاقتصادية كما قال الخبراء ستسهم في حل هذه الازمة وبالتالي يتم تقليل خطر العنف.
اهمية انعقاد هذا المؤتمر في الاردن اكثر من غيره من الدول تؤكد انه بلد آمن ومستقر وقادر على مواجهة الظروف الراهنة الصعبة وتبديد الهواجس والمخاوف لدى رجال الاعمال والمستثمرين من ارتفاع المخاطر وان استثماراتهم بالاردن مصانة ومكفولة من البنك الدولي بهدف تحفيزهم وازالة حالة التردد في اتخاذ القرارات الاستثمارية والتنموية.. فضلا عن كونه يهيئ التشريعات الناظمة للنشاط الاستثماري في المنطقة ويوفر العديد من الفرص المتاحة.
ولعل عرض مجموعة من الشباب الاردني الواعد مشاريع واختراعات انتجوها بجهود فردية ترجمة لفكرة سمو الامير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد تهدف الى تحفيز هذا القطاع المهم وتعزيز قدراته وامكاناته خاصة وانني اطلعت على هذه العروض وشروحات المشاركين بالمنتدى سعيا لايجاد داعمين لافكارهم وتطلعاتهم وتوجهاتهم التي تشكل نواة لاختراعات تخدم البشرية وانطلاقة لمشاريع اقتصادية تتمثل في المجالات الصحية والعسكرية وخاصة ذوي الاحتياجات الخاصة وتكنولوجيا المعلومات والنشر.
حقا.. لقد نجحت اجتماعات المنتدى الاقتصادي بالبحر الميت بدعم من الملك عبدالله الثاني حيث قدم الرؤى الصحيحة والقويمة لبناء اقتصادي سليم وحظيت التوجهات الملكية وسياسات الاصلاح بالمملكة المبنية على الخطط الحكيمة والقائمة على الشراكة بين القطاعين الخاص والعام والتي اسهمت في ايجاد فرص عمل خلاقة للجميع باهتمام عربي ودولي كبير في مختلف المجالات كما لعبت مبادرة السلام الخلاقة التي قدمت للمؤتمر لدعم الجهود الرامية لاستئناف المؤتمر دورا بارزا لوقف سياسية الجمود في ازمة الشرق الاوسط بسبب سياسة التعنت الاسرائيلي ومواصلة الاستيطان ورفضها الافراج عن المعتقلين والسجناء الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية، واستمرار عملية التهويد في القدس والمقدسات وفرض الحصار الجائر على الفلسطينيين الذين يعانون من هذا الاحتلال البغيض خلال السنوات الخمس والستين الماضية.
الامل كبير في ان يجري دراسة وتقويم النتائج العملية لهذا المنتدى وما توصل اليه من قرارات وتوصيات وتوجيهات وبلورة نتائجه للنهوض باقتصادنا بشكل دائم وبناء سياسة تنموية مستدامة والاسهام في التغلب على التحديات وتوفير الفرص وظروف المعيشة التي يستحقها الناس في كل مكان.
معايير لضبط الثورات والحراكات العربية
بقلم: علي فخرو عن الشروق المصرية
المتتبِّع للكتابات النّاقدة الحديثة فى حقول السياسة والاقتصاد والاجتماع، ولكثير من المؤتمرات الدولية بشأن قضايا تلك الحقول، يلاحظ الاهتمام المتزايد لموضوع أهمية وضرورة عودة القيم الأخلاقية لتكون المعيار الذى يحتكم إليه عند مواجهة ومعالجة المشكلات المستعصية فى تلك الحقول.
إنه ردُّ فعل طبيعى على الانجراف المجنون نحو إبعاد القيم الأخلاقية الإنسانية أو تهميشها، بـل وممارسة كل ما هو ضدّ لها فى كثير من النشاطات البشرية فى العصور الحديثة. إنه وعى جديد مقاوم لما جاءت به من أهوال وفواجع الممارسة المكيافيللية فى السياسة، والأنانية المتوحشة الظالمة للرأسمالية العولمية ولليبرالية الحديثة فى الاقتصاد.
والإفراط العبثى فى ممارسة الفردية الجامحة غير المرتبطة بعلاقة إلتزام إنسانى أخلاقى تضامنى تجاه العائلة والمجتمع والوطن والعالم، وحتى تجاه بيئة المخلوقات غير البشرية.
وفى الحال يطرح السؤال التالى نفسه: وماذا عن مجتمعات بلاد العرب؟ ألم تكن قيم المكيافيللية القائمة على الخداع والأنانية والتفرُد هى السائدة فى الأنظمة السياسية العربية المتسلطة الفاسدة عبر القرون؟ ألم يكن الاقتصاد العربى الرَيعى القائم على توزيع الثروة على أسس الولاء والزبونية للحاكم والمقربين منه، بعيدا عن العدالة فى التوزيع والمكافأة، هو الذى ميز الحياة الاقتصادية العربية عبر العصور؟.
وإذا كان الغرب قد اشتكى من جموع الفردية المفرط فى الانغلاق على الذات أفلم تمارس المجتمعات العربية العكس من خلال سطوة المجتمعات على الفرد وخنق حريّاته الشخصية المشروعة ومنعه من الخروج على أى من العادات والتقاليد حتى ولوكانت بالية وغير منطقية؟ ألم تتماد تلك السطوة المجتمعية على الأخص بالنسبة للمرأة العربية لتحيلها إلى مخلوق هامشى خارج الحياة العامة ومن أجل المتعة فقط؟
فإذا كان ما حدث فى الغرب وغيره كان نتيجة منطقية لغياب القيم الأخلاقية من نشاطات المجال العام فإن الأمر ذاته حدث فى أرض العرب وكان أحد أهم أسباب التخلف الحضارى الذى نعيشه الآن.
مناسبة الخوض فى هذا الموضوع وضرورة طرحه بقوة للنقاش هو الحراك الثورى والإصلاحى الكبير الذى يموج فى الوطن العربى كله. فإذا كان ذلك الحراك يهدف إلى إجراء تغييرات كبرى فى حقول السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة فإن ذلك كله سيكون جهدا ضائعا على المدى الطويل إن لم يعط اهتماما كبيرا للجانب القيمى لإحداث كل ذلك التغيير.
ذلك أن الحديث عن المعايير التى ستحكم تلك التغييرات يجب أن يبدأ الآن، خصوصا بعد أن أبانت العديد من التجارب العربية خلال السنتين الماضيتين من عمر حراكات الربيع العربى أنواعا ومظاهر مفجعة من غياب القيم الأخلاقية فى ممارسات بعض القوى السياسية.
دعنا نذكر مثالا واحدا صارخا. لقد انتهت بعض الثورات والحراكات الجديدة باستلام السلطة من قبل بعض جماعات الإسلام السياسى فى بعض الأقطار العربية. وكان منطقيا أن ينتظر الناس من تلك الجماعات أن تلتزم بصرامة وشفافية وصدق بقيم الإسلام الأخلاقية فى جميع تعاملاتها مع السياسة ومع متطلبات الحكم. ولا يحتاج الإنسان لذكر القائمة الطويلة من القيم الأخلاقية الكبرى التى جاء بها الإسلام.
لكن الإنسان فوجئ بأن خمرة السياسة المكيافيللية لعبت بالرءوس وإذا بقيم من مثل الصّدق فى النيّة والعمل، ومن مثل القسط والعدالة حتى مع ذوى القربى ومع النفس، ومن مثل التعاضد والتفاهم والتسامح فيما بين مكوّنات الجماعات الإسلامية السياسية، وغيرها كثير.. إذا بكل تلك القيم التى حصلت على شرعيتها فى الحياة الإنسانية عن طريق الوحى الإلهى منذ قرون عربية طويلة ترتبك ويتلاعب بها من هذه الجهة أو تلك.
فإذا كان المصدر الإلهى لتطبيق القيم الأخلاقية لم يؤبه به من قبل البعض، ولا نقول الكل فنظلم أحدا، فما بالك بالأخذ بالمصادر الأخرى من مثل القانون الطبيعى ونتائج الدراسات السوسيولوجية الكثيرة، والمصالح المجتمعية المشتركة والأيديولوجيا الإنسانية، بل وحتى الحدس الإنسانى البحت؟
إذن لابدَّ من جعل النقاش القيمى الأخلاقى جزءا أساسيا من الحياة العامة العربية الآن وفى الحال. فإذا كنا نريد من الثورات والحراكات أن تقود إلى تقدم نهضوى عربى شامل فلنطرح بقوة موضوع المعايير التى ستحكم ذلك النهوض، المعايير المجتمعية والفردية على السواء. ولنبدأ أولا بالنقد الشديد للأشكال السّوداء البغيضة من المعايير التى سادت الحياة العربية عبر العصور، ولكن بالأخص إبّان الحياة العربية المعاصرة.
لقد فجعت الأمة فى عصرها الحديث بأناس ينادون بالوحدة العربية وهم قطريون حتى النخاع، وبوحدة الإسلام وهم طائفيون مبتذلون، وبالتسامح والتعايش المشترك وهم يهمشون أتباع الديانات الأخرى، وبالعدالة وهم فاسدون ناهبون للثروات العامة، وبالديمقراطية وهم مستبدون فى بيوتهم ونواديهم وأحزابهم.
إنها لعبة إقصاء القيم الأخلاقية وتشويهها. إنها لعبة الكذب على النفس وعلى الآخرين، بل وحتى محاولة الكذب على الله، تعالى عمَّا يفعلون.


رد مع اقتباس