اقلام محلي 528
23/10/2013
في هذا الملـــــف:
السلطات المحلية تتنكر للاحزاب السياسية
بقلم: عطالله منصور – القدس
لماذا تغيرت ثقافتنا الاجتماعية في القـــــــــدس ؟
بقلم: نبيل حمودة – القدس
إسرائيل وتحديات الهجرة المعاكسة
بقلم: مأمون الحسيني – القدس
خطاب هنية: الكرة تنتقل بين ملعبين
بقلم: أشرف العجرمي – الايام
تغريدة الصباح - سي سالم
بقلم: يحيى يخلف – الحياة
أفغانستان جديدة تولد في فلسطين!
بقلم: د. صبري صيدم – الحياة
العنصرية تهدد السلام
بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
التمويل الخارجي ودوره التخريبي في فلسطين
بقلم: إبراهيم أبراش – معا
السلطات المحلية تتنكر للاحزاب السياسية
بقلم: عطالله منصور – القدس
ابرز ما كشفت عنه انتخابات رؤساء البلديات وكافة هيئات السلطات المحلية في المدن والبلدات والقرى في اسرائيل كانت ان المرشحين اليهود, في اكثر الحالات, ابتعدوا عن الاحزاب السياسية التقليدية حتى ولو كانوا ممن وصلوا الى مقاعد السلطة بدعمها وبتمويلها في الدورة السابقة وتقدموا الى الناخب بثياب "الاستقلال" او "الوحدة الوطنية" و"التغيير" - لماذا ؟ لان استطلاعات الرأي تؤكد بان المواطن العادي يعتبر الاحزاب الاسرائيلية في قاع قائمة المؤسسات العامة من حيث الاستحقاق للاحترام والثقة. كما يلاحظ المراقبون ارتفاعا بنسبة الفساد المستشري في صفوف رؤساء البلديات والمجالس المحلية. ويمتاز رؤساء المجالس العرب عن نظرائهم اليهود بانهم - دائما- ابناء حمائل كبيرة ما يؤكدان التنظيمات الحزبية التي تساوي بين ابناء العائلات الصغيرة والقبائل الضخمة وتعتمد الكفاءة والاخلاص تراجعت بعد فترة ذهبية زمنية قصيرة توهم فيها الكثيرون بان مجتمعنا العربي تخلص من سلطة الحمائل والطوائف. ويظهر ان الصراعات الحزبية-العقائدية قد خفتت الى درجة كبيرة ففي تل ابيب (حيث حصل في الانتخابات السابقة مرشح شيوعي مشهور باهتماماته في شؤون البيئة) على قرابة 40% من الاصوات (في حين لم تصل حصيلة القائمة الحزبية التي ينتمي اليها الى عُشر هذه النسبة). وفي الانتخابات التي جرت في تل ابيب شارك مرشح لليسار الصهيوني وكان -كما جاء في استطلاعات الانتخابات - بين اصحاب الحظوظ في الانتخابات ضد رئيس البلدية المعروف الذي يحظى بتقدير واسع لتجربته الطويلة.
وفي اورشليم (وهو الاسم الذي اراه مناسبا لمدينة القدس الغربية- الاسرائيلية) جرت معركة الانتخابات في اجواء شرسة بين نير بركات - رئيس البلدية الحالي وبين موشه ليئون - مراقب حسابات وموظف حكومي في حكومات بنيامين نتانياهو. (الناخبون العرب في القدس لا يشاركون في الانتخابات لانهم لا يعترفون بقرارحكومة اسرائيل بضم القدس لاورشليم ولا بضم مدينتهم والقرى المجاورة لها الى منطقة نفوذ القانون الاسرائيلي). ولكن "غياب" العرب بغالبيتهم المطلقة لا يعفي سكان اورشليم من الفئوية. نير بركات رجل الاعمال الناجح سابقا الذي احتل موقع رئاسة بلدية اورشليم بعد اتهام سابقية في هذا المنصب (ايهود اولمرت واوري لوبليانسكي) بخيانة الامانة والارتشاء. وهو يقوم بعمله مقابل (شيكل واحد فقط) ومن هنا حصل على شعبية ودعم من الليكود واحزاب المتزمتين اليهود) وكان خصومه مشتتين فلم يتمكنوا من وقف حملته السابقة. وفي الانتخابات الحالية قامت ضده جبهة من الاضداد. على رأسها يقف زعيم اليهود الروس افيغدور ليبرمان - الذي ينتظر قرار المستشار القضائي للحكومة بتقديمه للقضاء بتهم الفساد (كما تطالب الشرطة) ورغم وقوفه على رأس المطالبين بتبني قانون "الزواج المدني" والى جانب ليبرمان يقف, ارييه درعي (الذي قضى السنوات الاخيره في سجن الرملة بعد ادانته بجرم اختلاس الاموال العامة والرشوة) وعاد زعيما لحزب "شاس" لليهود السفراديم الذين يشعرون هذه الايام باليتم المضاعف بعد وفاة زعيمهم الروحي عوفاديا يوسف وطردهم من مقاعد الائتلاف الحكومي والميزانيات الحاتمية.
ومن هنا جاء حلف الاضداد بين ليبرمان ودرعي: الاول يريد ان يزرع "زلمته" المخلص رئيسا لبلدية اورشليم استعدادا لانجاح مسعاه في توحيد حزب "ليكود" بزعامته لان فرع الحزب في اورشليم يتململ ويهدد بالانفصال عن رئيس الحزب (والحكومة) الذي يردد في الفترة الاخيرة تأييدة لفكرة (دولتين لشعبين) في حين ان يمين الليكود يصرعلى ان النطق بهذه العبارة هو مجرد كفر محرم.
ودرعي الذي ذرف الدموع على قبر زعيم حزبه يعرف جيدا انه خسر اباه الروحي وسنده الامين - وانه وحزبه سيغيبون عن الساحة السياسية اذا لم يتمكن من العودة للحكومة والسلطة واستعادة الميزانيات التي حرمت منها مدارس الحزب ومخصصات التامين الوطني للاطفال.
واهم المعارك الانتخابية عند الناخبين العرب جرت في الناصرة واهمية هذه الانتخابات لا تقتصر على كونها معركة جرت في اكبر تجمع للفلسطينيين في اسرائيل بل لانها احدى المعارك الحزبية الشرسة بين الاحزاب العربية. ومن الجدير بالذكر ان بلدية الناصرة تدار من قبل مرشح "جبهة الناصرة الديموقراطية" منذ منتصف العقد السابع من القرن الماضي وقد قامت اغلبية سكان الناصرة بمنح قائمة الجبهة برئاسة الشاعر المرحوم توفيق زياد (ونائبه حتى اليوم المهندس رامز جرايسي) اغلبية الاصوات. فهل حافظت الجبهة على هذه الاغلبية ؟. كل من اهتم بالامر لاحظ في الايام الاخيرة اجواء مكهربة - على حدود العنف - في الناصرة. للمرة الاولى في تاريخ "الجبهة" تتصدى لها قوائم عقائدية انشقت عنها وتطالب بالتغيير. قائمة شبابية لا تطمح لرئاسة البلدية بل لاحتلال عدد من مقاعد المجلس لابعاد بعض العناصر عن ادارة البلدية. وقائمة ثانية يترأسها علي سلام القائم باعمال رئيس البلدية -حتي اليوم - وأحد اركان الجبهة منذ عشرين عاما!.
ولكن قيادة "الجبهة" تعلمت الدرس قبل الانتخابات. استجابة لروح التغيير فقد قامت بتبديل كافة الاعضاء المرشحين بمجموعة من الشباب الجامعي ولم تحافظ الاّ على رامز جرايسي رئيس البلدية الذي يحظى بسمعة حسنة من حيث نظافة اليد والخبرة المهنية التي حققت للناصرة كثيرا من الانجازات.
كما تتصدى لقائمة الجبهة مرشحة مفاجئة لرئاسة البلدية وهي الانسة حنين زعبي - ابنة اكبر الحمائل العربية في اسرائيل- والمرشحة الرابعة لرئاسة بلدية الناصرة من ابناء هذه الحمولة (نجح منها اثنان هما سيف الدين الزعبي وعبد العزيز الزعبي) ولكن الآنسة حنين تمتاز عن اعمامها الثلاثة بانها رسميا تمثل "التجمع الوطني الديمقراطي" (الذي اسسه الدكتور عزمي بشارة) وتفخر بذلك- ولكن مراجعة قوائم نتائج انتخابات الكنيست في قرى الزعبية في مرج ابن عامر تؤكد ان حنين الزعبي رغم كونها امرأة ومرشحة لحزب عقائدي حصلت على نسبة محترمة من ابناء حمولتها. ولكن بعض افراد الحمولة يعلنون على الملأ انهم يدعمون "الجبهة".
ومن ابرز مظاهر الانتخابات في الناصرة "اختفاء" قائمة "الحركة الاسلامية" ومشاركة قائمتين لقادتيهما علاقة علنية معها. وبغض النظر عن نتائج الانتخابات. فان المراقب لمجريات معركة الانتخابات الاخيرة لا يستطيع الا ان يلاحظ بان الناصرة تشهد ما يؤكد على انها في طريقها لتتحول الى مدينة حقيقية بالمفهوم العصري وفيها تجري الانتخابات بعيدا عن الطائفية والحمائلية.
لماذا تغيرت ثقافتنا الاجتماعية في القـــــــــدس ؟
بقلم: نبيل حمودة – القدس
هل تساءل أحدنا يوماً او تخيل كيف سيكون العالم بعد قرن من الآن ، البعض سيقول : إن عالم الغيب بيد الله ، وهذا صحيح . وآخرون سيقولون إن التاريخ دروس وعبر ، فلنستفد منه . وآخرون سيقولون مالنا والمستقبل ! لكنهم على اختلاف وجهات نظرهم يتفقون ان التغيير حتمي آت لا محالة . فداوم الحال من المحال . فسنة الحياة تقتضي التطور والتغيير والتبديل ، وليس التلبد والجمود والثبات ، وما قد تظنه خيالاً الان قد يصبح حقيقة في المستقبل ، فالدهر دولاب يدور أبداً .
وأدل مثال على ذلك مقارنة ايامنا هذه مع ما كنا عليه قبل قرن من الزمان ، لإستشعار مقدار التغيير في العديد من العادات والتقاليد وطرق حياة وأساليب المعيشة حتى آلت أحوالنا وأوضاعنا الى ما آلت إليه.
كان المجتمع المقدسي يتكون من عائلات مقدسية ممتدة محافظة ، متماسكة ومرتبطة بقيمها الدينية وبموروثاتها التاريخية والحضارية ، تنعم بعادات وأعراف راسخة ، وتقاليد اجتماعية عربية أصيلة ، تدعو للصدق والوفاء والمروءة والخير والكرم ، وحسن الضيافة والجوار ، والإخلاص والامانة والإيثار ، والإيفاء بالوعد والعهد ، والتعاون وصلة الرحم والمحبة ، تتحلى بالأدب الجم والمكارم ودماثة الخلق ، وحسن المعاشرة والرحمة والعطف ، إلا أن المجتمع المقدسي كغيره من المجتمعات تأثر بهجمة الحضارة الغربية الحديثة ، كما تأثر بالاحتكاك مع السياح الأجانب الذين يفدون للحج ولزيارة القدس ، وبالأحداث السياسية والاضطرابات والمواجهات العنفية مع الصهاينة التي بدأت قبل وأثناء الانتداب البريطاني ، كما تأثر بالمجتمع الاردني عندما كان شرقي القدس يخضع للحكم الاردني ، وكان للحروب والنزاعات التي شهدتها المدينة وعلى وجه الخصوص عام 1948 و 1967 اللتين شكلتا نقطتي تحول وتطور جذري ، أدت إلى زعزعة مقومات وأركان المجتمع المقدسي خصوصاً باستخدام اسرائيل للحرب النفسية ضده ، حيث أخذت عائلات وأسر غربي القدس بعد حرب عام 1948 تتحلل وتتشتت لإفتقارها الأرض والبيت اللذين يجمعها ، مقابل ذلك التزاحم والاكتظاظ والضغط السكاني بشرقي القدس نتيجة الهجرة والرحيل والانتقال إليها . في الوقت الذي هامت فيه بعض العائلات والأسر على وجوهها بالضفة والدول العربية للبحث عن الرزق ولقمة العيش والاستقرار . كما لم تكن نتائج حرب 1967 أقل ضرراً وكذلك تأثر المجتمع المقدسي بسلوك المجتمع الاسرائيلي الذي يحمل قيما ومفاهيم وأفكار المجتمعات الغربية ، كما تأثر بالغزو الثقافي والفكري على الثقافة والفكر العربي ، مما أدى إلى التأثر وتقليد المجتمع المقدسي لنمط ونوعية الاستهلاك الغربي ، ومحاكاة عادته وسلوكه ، ومتابعة المسلسلات والأفلام وقراءة المجلات الاجنبية ، وشراء السلع والبضائع الاجنبية المستوردة " باهظة الثمن " ، وشراء احدث الاجهزة واستعمال وسائل الاتصال الحديثة الضروري منها وغير الضروري ، فكان لهذه الاسباب وغيرها أثارها السلبية في بنية المجتمع العربي السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، واختلاف علاقات المجتمع المقدسي السيكولوجية بمختلف شرائحه وطبقاته الاجتماعية ، فقد كانت سرعة وحجم الهجمة الوافدة أقوى وأكبر من القدرة على تحديها من الداخل ومقاومتها .
وكان من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى التغيير في المجتمع المقدسي ، الغلاء الفاحش في النفقات وزيادة أعباء مصاريف وتكاليف المعيشة ، التي دعت إلى خروج المرأة للعمل لتشارك وتعاون الرجل اقتصادياً ، لمساعدته في تحمل أعباء الحياة - ولو كان ذلك - على حساب الاهتمام ببيتها وأولادها وزوجها ، للإيفاء بمتطلبات وحاجات الأسرة ، وتلبية مستلزمات الحياة الجديدة ، " بل وصل الامر ببعض الاسر إستخدام وتشغيل أبنائها للإستفادة من أجورهم على حساب تعليمهم " ، فتدنى الاهتمام بتعليم الأولاد ، فاقمه إختلاف مواعيد العمل ، وعدم وجود وقت مشترك لجلوس افراد الاسرة معاً ، وعدم متابعة الوالدين لأولادهما تربوياً وتعليمياً لانشغالهم بالعمل بعيداً عن البيت لفترات طويلة ، فلم يعد للتعليم أهميته وقيمته التي كان عليها سابقاً ، وتمادى الطلبة على أساتذتهم ، وغاب دور أولياء الامور ، مما أدى إلى زيادة الانفصام والابتعاد العائلي والأسري ، ، وزاد من العزلة والانطواء إنشغال الأسرة وقلة حوارها وإضاعة وقتها في مشاهدة أجهزة التلفاز ، والتهائها بوسائل الاتصال والترفيه والتسلية الحديثة ، الأمر الذي زاد من تفرق العائلات والأسر وتشتيتها ، والى إضعاف سلطة الرجل نسبياً في البيت ، خصوصاً مع إصدار قوانين حقوق المرأة الاجتماعية ، وشعورها بالندية لمشاركتها المسئولية المالية بالبيت ، وإمكانيتها اللجوء والاعتماد على مؤسسة التأمين الوطني والقضاء في حالات الضرورة . لذا فقد كبير العائلة والأسرة دورهما ، مما أفقدهما رأسها وعنوانها وبوصلتها ومرجعيتها في الخبرة والدراية والحكمة وفي النصح والإرشاد ، فتراجعت مقدار هيبته ، ولم يعد احترام الكبير واجب ، ولم تعد تسمع له كلمة أو استجابة لطلبه ، فضاعت الطاسة وانفلتت الضوابط وانفرط عقد العائلة وتنامت النزعة الفردية ، وقل الانتماء واستقلال القرار الفردي للعائلة والأسرة والفرد ، واهتمام كل منها بخططها الانفرادية على حدة .
وأمام هذه الهجمة والغزو الفكري والثقافي الذي انبهرت به بعض فئات وشرائح المجتمع المقدسي ، التي انخدعت بالمظاهر السطحية المستوردة ، فاستهواها بريقها وزيفها الخلاب ، وقامت بتقليدها تقليداً أعمى ، حتى اتهمت المتمسك بقيمه الدينية وعاداته وتقاليده ، بالمحافظ والمتخلف والرجعي والمتزمت ، بينما إعتبرت المقلدين اللاهثين وراء الحضارة الغربية بأهل الحرية والمدنية والتقدمية والروح الجماعية . وهو ما شجع على التمرد والاستخفاف والتعدي على العادات وانتهاك التقاليد ، وعدم توقير وصون حرمة القيم الدينية ، لتغييب عقولنا وإرادتها عن ثقافتنا العربية والإسلامية ، وصياغة ثقافة جديدة غريبة تحل محلها ترتبط بتقاليد المجتمعات الغربية ، فتم تقليد نوع وطريقة مأكلهم وملبسهم ومساكنهم ، بل حتى كمالياتهم ، فزاد الانفاق والتكالب على الاستهلاك والمظاهر الغربية بقصد المباهاة والتقليد والجري وراء الأذواق الغربية حتى اصبح استخدام الكماليات أهم من الضروريات ، وأصبح اغتراب الفرد عن ذاته وعائلته سمة من سمات العصر ، وأصبح الاهتمام بالمشكلات الفردية اليومية اكثر من الاهتمام بالامور العائلية والمجتمعية ، وهو ما احدث الخلل في النظام والتعاون والتكافل الاجتماعي ، وادى الى التجزئة والتباعد ، فانقسم المجتمع إلى شريحتين شريحة تتمسك بالماضي والقديم الذي يرتبط بتراثنا الأصيل الموروث من قيمنا الدينية وتقاليدنا الاجتماعية وتاريخنا ، وشريحة أخرى تدعو وتناصر المعاصرة في العادات المنقولة عن الغرب وتقليد نمط وحياة المجتمعات الغربية كما هي . وحيث ان لكل منهما ،القديم والجديد ،من محاسنه ومساوئه ، وفيه الخير والشر ، ويحتملان الخطأ والصواب ، فلا يؤخذ أحدهما كله ، كما لا يترك كله ، فالعديد من العلاقات الاجتماعية التي يمارسها الغرب لا تتناسب ولا تنسجم مع واقع وممارسات مجتمعاتنا العربية والإسلامية وظروفها ، لذا فالتمحيص والتعقل والإرادة لاختيار ومعرفة ما هو الأفضل والأنسب لنا ، هي الوسائل الرئيسية للنجاح والتقدم والتطور بشكل صحيح .
كما كان للإحتلال أثره الكبير في زيادة تفسخ بنية النسيج الاجتماعي المقدسي وتكويناته ومقوماته ، فلقد كانت ممارساته العدوانية تزداد بطشاً وقمعاً يوماً بعد يوم على المقدسيين ، فالمدينة محتلة ومعزولة ومفصولة ومنطوية على نفسها بالأطواق والجدران والأحزمة الاستيطانية ، والحضور الفلسطيني إليها محدودا ، والجدار الفاصل يفصل أفراد العائلة والأسرة الواحدة ،يفصل بعضهم عن البعض إجتماعياً وجغرافياً ، وأصبحت المدينة كأنها ثكنة تعج بالشرطة العسكرية والأجهزة الاستخباراتية والأمنية تراقب وتوقف وتفتش وتعتقل حتى اطفالها ومتى تشاء بوسائل قمعية ، ومنع حرية الوصول إلى دور العبادة ، وهم مهددون بالترحيل والتهجير والإبعاد ، وسحب الهويات منهم ، ومعرضون للمداهمات المباغتة النفسية التي ادت الى خلخلة التماسك النفسي ، كما انهم يعانون من صعوبات اقتصادية وركود تجاري وارتفاع بالضرائب ، وعدم وجود فرص للعمل ، مما رفع نسبة البطالة وزادت نسبة الفقر ، وهناك ضائقة سكانية لعدم توفر مساكن مناسبة ، ولارتفاع الايجارات ، وصعوبة البناء ، وعدم ارتباط وتوافق أماكن السكن مع أماكن العمل . الأمر الذي زاد من الاغتراب المعيشي وضعف الانتماء واستقلال الابناء عن اسرهم والاقامة في مساكن مستقلة داخل القدس او خارجها . ومما زاد الطين بلة العراقيل السياسية والمدنية والمشاكل الاجتماعية و البيئية المتعددة التي يعانون منها ، فحريتهم منقوصة ، وحقوقهم مصادرة ، يمارس عليهم التمييز العنصري ، وعدم المساواة والتفرقة ، وانحياز العدل الاجتماعي ، والاختلاف القانوني في معاملاتهم ، وتعدد التشريعات المطبقة عليهم لاختلاف مناطق سكنهم وإقامتهم ، وأنواع وثائقهم ، ما ادى الى مزيد من تمزيق العائلات وتفكيكها وجعل علاقتها محفوفة بالمخاطر ، خصوصاً مع صعوبات جمع شمل العائلة في حالات الزواج من غير حاملي هوية القدس . وكان لهذه العوائق آثارها التي انعكست على الالتزام بالقيم الدينية والتغير بالتقاليد العادات الاجتماعية والتي أثرت على أوضاعهم التعليمية والتربوية وشؤونهم وحقوقهم القانونية والمدنية والفكرية والثقافية ، وكان له أثر في تغيير أفكارهم وفي أنماط معيشتهم ، وأساليب حياتهم وعلاقاتهم وتكاتفهم ، وترابطهم وتماسكهم المجتمعي والعائلي و الاسري .
ومما زاد ذلك الانقسام والتفرقة والتعصب والتقاطب الاجتماعي في المجتمع المقدسي إضافة الى ما سبق، ظهور الاختلاف والخلافات الداخلية ، وتفشي الآفات الاجتماعية التي وصلت لحد الصراع والانقسام في اراء وأفكار الشعب الفلسطيني ، فانتشرت جرائم القتل والجنح والسرقة بأنواعها ، وكثرت الاعتداءات على حقوق الاخرين وممتلكاتهم ، وانتشرت مظاهر التسكع والمعاكسة والسب والقذف والشتم والتلفظ بكلمات بذيئة دون خجل او حياء او احترام للمارة بالشوارع ، وزادت النزاعات والمشاكل والبلطجة ، وتعاطي المخدرات والسموم ، وغاب السلم الاجتماعي وزاد القلق والشك وانعدم الامن المجتمعي ، وسادت الفوضى وغاب القانون ، حتى اصبح كل فرد يحاول أن يأخذ القانون بيده ، فأدى ذلك إلى تفاقم التناقضات المجتمعية التي استغلها الاحتلال أحسن إستغلال ، بتشجيعه التفكك ونشر التفرقة ، متخذاً من سياسة فرق تسد ، وتغاضي الشرطة عن فض الاشتباكات والمنازعات وتركها دون حل أو ردع ، وسيلة منه لزرع الخوف وإذكاء التنافر بين افراد وشرائح وطبقات المجتمع المقدسي للحيلولة دون التجاذب والتلاقي والتلاحم والتوافق فيما بينهم .
لذا فالمطلوب لتصحيح هذه الأوضاع ، العودة إلى قيمنا الاسلامية الايمانية والتسليم بتعاليم الدين الحنيف ، والسلوك القويم ، والتمسك بأصول وجذور اخلاقنا وعادتنا الفاضلة ، والمحافظة على تقاليدنا وأعرافنا الحميدة ، والتخلص من الرث البالي منها . والنزوع الى التجديد ، ونفض غبار التأخر والجمود ، كما علينا التعالي عن الكبرياء ، و محاربة التعصب الطائفي والفئوي والاثني والعرقي والعشائري والعائلي والحسب والنسب لتعدد الأعراق والاختلاط المجتمعي ، والعمل على التسامح والتعاطف والتكاثف . كما علينا الاخذ بأسباب التقدم والحضارة والتمدن العمراني والعلمي والثقافي والاجتماعي المتفق مع قيمنا والاخذ بالمفيد وليس بالقشور التي تضرنا ، وعلينا ان لا نكتفي بالشكوى والتذمر من ضيق الاحتلال ، وهموم الأحوال وثقل الحياة ، وان لا نستسلم لتقلب الاوضاع وتغير الظروف ، بل علينا الاعتماد على الله ، والثقة بأنفسنا ، وبالعمل بالتفاؤل والأمل ، وان نواجه عيوبنا ونصحح هفواتنا وأخطاءنا ، فالسكوت عن معالجة العيوب يجرنا إلى عواقب وويلات أخرى .
كما ان علينا المحافظة على القانون والنظام في حياتنا وبعلاقتنا الاجتماعية وأن نعمل جاهدين على جمال ونظافة وبيئة مدننا وقرانا ، وأن نحترم كبيرنا ونعطف على صغيرنا ، ونرفع قدر نسائنا ، ونجل معلمينا ، ونساعد فقيرنا ، ونزور مريضنا ، ونهذب قولنا وألفاظنا مع الجميع ونفرح مع الناس لأفراحهم ونشاركهم أحزانهم ونحرص على رضاهم وعدم ازعاجهم ، وأن لا نقف عند سفاسف وتوافه وصغائر الامور بل نجند انفسنا للسعي نحو العلم وإتقان العمل والتوجه نحو الأعمال الكبيرة .
إن المعركة في القدس بين المقدسيين والاسرائيليين في الوقت الحالي ليست فعل ورد فعل ، وليست فقط معركة وجود ، بل هي أيضاً معركة منظومة قيم وأخلاق وسلوك لإفقاد المقدسيين لقيمهم الدينية والروحية المناعة الوطنية والإنسانية و لزعزعة أركان بنيتهم الاجتماعية ، وتغذيتهم باتجاهات وأفكار غريبة ، لتمزيق وتفكيك وحدة نسيجهم الوطني .
إسرائيل وتحديات الهجرة المعاكسة
بقلم: مأمون الحسيني – القدس
لم يحل السجال المحتدم الذي ترتفع نبرته باطراد في الأوساط السياسية والدبلوماسية والإعلامية الاسرائيلية، على إيقاع مواقف وتصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو حيال ما يسميه “الخديعة” التي يسوقها الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني، و”المخاطر” التي يمكن أن تترتب على تقارب طهران مع عواصم الغرب، ولا سيما واشنطن التي يبدو أنها بصدد “الانقلاب” على سياستها التقليدية المتعلقة بملف إيران النووي، وربما العديد من الملفات الأخرى في الشرق الأوسط، لم يحل دون انفجار سجال آخر له صلة بإحدى أهم الركائز التي حملت المشروع الاسرائيلي منذ انطلاقته السياسية في العام 1897 وزودته بالأوكسجين الضروري للتحقق على أرض الواقع في العام 1948 والاستمرار في الحياة حتى وقتنا الحاضر .
والمقصود هنا، قضية الهجرة اليهودية التي باتت تأخذ منحى معاكساً في السنوات الأخيرة، وبخاصة بين أصحاب الكفاءات من الشبان الذين ضاقوا ذرعا بتداعيات الأزمة الاقتصادية المستدامة، وخاب أملهم في إمكانية الوصول إلى بر الأمن والاستقرار والسلام.
وعلى رغم أن هذا النمط من السجال ليس الأول من نوعه في اسرائيل الذي شهد موجات مد وجزر على صعيد الهجرة إلى ومن فلسطين المحتلة، خلال العقود الماضية، غير أن ما يدور اليوم يبدو مثقلاً بالهواجس والتحديات والمخاطر المختلفة عن كل ما سبق .
والأمر هنا يتجاوز المعطيات الرقمية التي تشير إلى أن من يغادر فلسطين المحتلة سنوياً، لفترات طويلة، هو حوالي 22 ألف شخص، في حين يعود إليها نحو 11 إلى 12 ألف شخص، بعد غياب سنوات، وهو ما بدا جلياً في سجل أصحاب حق الاقتراع في الانتخابات البرلمانية التي جرت في كانون الثاني الماضي حيث تبيَن أن نحو 620 ألف شخص، أي حوالي 11% من أصحاب حق الاقتراع، هم في تعداد المهاجرين . الأمر يتجاوز هذا المعطى الرقمي إلى رزمة من المستجدات المتعلقة بهذه القضية الحيوية للدولة العبرية، والتي تحرك مكامن القلق في أوصال التجمع اليهودي .
ويبدو أن الأبرز في هذه المستجدات، ذات الطابع النوعي، والتي تترجمها حقيقة إصرار اليهود في العالم الذين يتمتع نحو 90% منهم بمستوى معيشة أعلى من المتاح في إسرائيل، على البقاء في بلدانهم الأصلية، مع حدوث تبدل جوهري على وظيفة “الوكالة اليهودية” المعنية اليوم بتوجيه مبعوثيها للعمل في التعليم في أماكن تواجد اليهود خارج فلسطين المحتلة، لا يتعلق فقط برغبة أجيال الشباب اليهودي، المتصل بالواقع العولمي والممتلك لناصية لغته، في مغادرة مربع الخوف الوجودي الذي ترسمه التطورات السياسية والميدانية الوازنة في المنطقة، أو حلمه في إحداث قطيعة مع الواقع الاقتصادي في الدولة العبرية الذي تتعمق فيه الهوة الطبقية باستمرار، وإنما يتصل كذلك بنضوب المادة البشرية “اليهودية” القابلة للاستجلاب إلى “أرض اللبن والعسل”، بعد الهجرة الكبرى من بلدان الاتحاد السوفييتي السابق أوائل تسعينات القرن الماضي، لاسيما أن أبناء الديانة اليهودية هم الوحيدون الذين تتقلص أعدادهم باطراد بسبب الزواج المختلط «58% من يهود أمريكا يتزوجون زواجاً مختلطاً» والخلاف التاريخي على تعريف “اليهودي”، وميل الأجيال الشابة إلى الاندماج في مجتمعاتهم من دون إيلاء أدنى اهتمام بالأيديولوجيا أو ما يسمونه في اسرائيل “الحلم اليهودي”، وهو ما يفسر استجلاب الفلاشا إلى اسرائيل من إفريقيا قبل سنوات، ومحاولة تهجير مجموعة من الهنود الحمر الذين يقطنون على ضفاف الأمازون، في المقطع الذي يخترق جمهورية بيرو في أمريكا اللاتينية، بزعم أنهم “جزء من جالية يهودية “فريدة” يعود أصلها إلى أواخر القرن التاسع عشر” .
بناء على ما سبق، وتحت وطأة هرولة الكفاءات واللامعين في العلوم والتكنولوجيا ورجال الأعمال نحو مغادرة اسرائيل، وتوجه أغلبيتهم إلى ألمانيا التي تعتبر الأكثر ازدهاراً في أوروبا، في مفارقة تعبر عن السخرية من المبالغة في دور الهولوكوست (المحرقة) والنازية في إقامة دولة إسرائيل، يرتفع منسوب الخشية الاسرائيلية من احتمال حدوث هجرة معاكسة لليهود الروس في حال وصول الاقتصاد الروسي إلى المستوى اللائق، وما يمكن أن يجره ذلك من خلل في ميزان الديمغرافيا بين الفلسطينيين واليهود، وخاصة في ظل تزايد المؤشرات على جنوح قطاعات واسعة من اليهود نحو التفكير في الهجرة .
وحسب استطلاع للرأي نشرته صحيفة “هآرتس” أوائل آب الماضي، فإن 37% من الإسرائيليين يفكرون في الهجرة والعيش في دول أخرى، فيما اظهر استطلاع آخر بأن 78% من العائلات الإسرائيلية تدعم سفر أبنائها إلى الخارج، محملة الحكومة أسباب ذلك .
ومع ذلك، وبالتضاد مع كل الحقائق التي يكشفها واقع تفاقم الهجرة المعاكسة التي يعتبرها القادة الاسرائيليون اخطر من التهديد الإيراني وحزب الله” على الدولة العبرية، سواء ما تعلق منها بزيف المزاعم الاسرائيلية حول ارتباط اليهود بما يسمونه “أرض الميعاد”، واغتراب أغلبية الشبيبة اليهودية عن إسرائيل والأطر اليهودية، وانتفاء الحاجة إلى سلب المزيد من الأرض الفلسطينية، تواصل حكومة نتنياهو تصعيد أعمال الاستيطان التي ازدادت بنسبة 70% في النصف الأول من هذا العام بالمقارنة مع العام الماضي، حسب تقرير منظمة “السلام الآن”، تحت عباءة ذات المزاعم والأكاذيب المتعلقة ب “حق الشعب اليهودي في البناء على أرضه التاريخية”، و الاستجابة للنمو السكاني الذي يجري تضخيمه، وفقاً للاعتبارات الأيديولوجية والسياسية والمالية التي تتناسب ومصالح وتوجهات أصحاب رأس المال وقوى الائتلاف الحاكم .
خطاب هنية: الكرة تنتقل بين ملعبين
بقلم: أشرف العجرمي – الايام
اختلف المراقبون والمحللون حول مضمون خطاب رئيس الوزراء المقال إسماعيل هنية، وهنالك من رأى في الخطاب نصف الكأس الفارغة بينما رأى آخرون نصف الكأس المليئة. ونحن هنا لا نريد التعليق على المواقف التي قيلت وبعضها كان مستعجلاً أو مبنيا على موقف مسبق في هذا الاتجاه أو ذاك، ولكن ما يهمنا محاولة قراءة وتحليل المضمون لرؤية أن كان الخطاب يحمل جديداً أم أنه مجرد تكرار لمواقف سابقة كما يقول بعض معارضي "حماس".
على الرغم من نفي هنية لأحاديث تناقلتها وسائل الإعلام عن مأزق حركة حماس إلا أنه يقر ضمناً بذلك عندما يقول إن "أوضاعنا لا تحتمل المزيد من الخلافات والمشاحنات وشيطنة طرف لآخر". ففي هذا اعتراف بشكل غير مباشر بسوء الاوضاع، وهي بالمناسبة سيئة لدى الجانبين، سلطة "حماس" والسلطة الشرعية في رام الله. وكل طرف لديه ما يكفي من المشاكل والهموم التي جميعها هموم تخص الشعب الفلسطيني بأسره. وهذا في الواقع يشكل بداية لتفكير صحيح، إذا كان الاستنتاج الصواب هو الذهاب نحو الحاضنة الوطنية الموحدة.
ولكن النقطة الأبرز في الخطاب هي المتعلقة بالمصالحة والتي تحتوي على جديد بالتأكيد، وإن كان ليس بالمستوى المطلوب من الوضوح، فهنية تحدث عن البحث في آليات تطبيق اتفاق المصالحة، وتشكيل حكومة الوحدة وتحديد موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وللمجلس الوطني، وأيضاً تفعيل الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير، وخطاب هنية لم يتحدث عن تحفظات أو استثناءات خارجة عن الاتفاقات وخاصة اتفاق القاهرة.
صحيح أنه كان من المفروض أن يكون هنية أكثر وضوحاً وتحديداً في القبول بتطبيق اتفاق القاهرة، ولكن كلماته تحتمل الإيجابية وتفتح فرصة أمام البدء فوراً في تنفيذ اتفاق المصالحة.
وحتى لا يكون الموقف مبنيا فقط على التحليل لابد من البدء فوراً في استكشاف حقيقة ما يكمن وراء الخطاب وهل يعبر فعلاً عن موقف جديد لحركة "حماس". ومن غير الصحيح أن نبدأ بالتشكيك في نوايا "حماس" ونحن نعلم أن الظروف تغيرت وأن الواقع المحيط لا يستوعب البقاء منقسمين ومشتتين.
الوضع في قطاع غزة صعب للغاية من حيث تشديد الحصار على القطاع وازدياد الأسعار وشح الوقود، وظروف "حماس" سيئة من حيث عدم توفر موارد مهمة كانت تأتي من الأنفاق وغيرها، وخاصة بعد تدهور العلاقة مع إيران وفشل خيار التعويل على البديل القطري، وبلغت الصعوبة التي تعاني منها "حماس" إلى مستوى عدم القدرة على تسديد فاتورة الرواتب والإنفاق الحكومي، وحتى راتب العيد دفعت منه سلفة تقدر بألف شيكل فقط، وهذا إنما يدلل على الضائقة الكبرى التي تجد نفسها فيها، وبالتالي هناك أساس للاعتقاد بأن توجه "حماس" نحو المصالحة صادق وينبع بالأساس من مصلحة الحركة المباشرة.
وفي الجانب الآخر من المعادلة أيضاً يوجد مأزق كبير لا يتوقف فقط على الوضع الاقتصادي السيئ وازدياد حجم مديونية السلطة وعدم قدرتها على تسديد كل التزاماتها، في ظل تهديد دول بوقف تمويل السلطة وأخرى تنتظر الضوء الأخضر من الولايات المتحدة التي تربط الأشياء بالمفاوضات، وإن كانت أفضل حالاً من وضع غزة. كما أن الاستيطان يقضم الأرض بشكل دائم ولا تقدم في المفاوضات، ولا أحد يعلم ماذا سيحصل في نهاية الفترة المخصصة للتفاوض والتي تنتهي بعد حوالي ستة شهور، وهل سيبقى الوضع على حاله أم أنه سينفجر بطريقة أو أخرى.
على ضوء ما تقدم هناك مصلحة مؤكدة في توحيد الصف والجهد لمواجهة القادم الذي قد يكون أسوأ من الوضع الراهن ولا أحد يملك ترف إضاعة الوقت، والوحدة في كل حال تعزز قدرة الشعب الفلسطيني والقيادة في الصمود في وجه الضغوط التي تواجهنا جميعنا والتي قد يترتب عليها ضرر كبير على القضية الفلسطينية. وخاصة في حالة فشل المفاوضات والذهاب مجدداً إلى الأمم المتحدة.
وعندما تكون القيادة والسلطة موحدة يمكن اعتماد خطة واستراتيجية موحدة تساعد في دفع القضية لا أن تتصرف كل جهة على عاتقها.
والشيء الآخر المهم هو أن من يتوقع أن تستسلم "حماس" وترفع الراية البيضاء هو واهم حتى لو كانت في وضع ضعيف يمكنها أن تقلب الطاولة على طريقة المثل الشعبي "علي وعلى أعدائي"، وهنا قد تلجأ للتصعيد مقابل إسرائيل أو تذهب لخيارات أخرى صعبة ولكنها ستقود حتماً لمضاعفات على الكل الوطني.
نحن بحاجة لفحص مدى جدية "حماس" في موضوع المصالحة وهذا لا يتم عبر التصريحات في وسائل الإعلام وإنما من خلال حوار صريح ومباشر مع قيادتها، ولهذا الكرة الآن في ملعب القيادة بعد أن كانت في ملعب "حماس" وهي تنتقل من هنا إلى هناك، والقيادة يجب أن تفحص ذلك فوراً بإرسال وفد رفيع المستوى للجلوس مع قيادة "حماس" في غزة واختبار نواياها، والمضي قدماً على درب المصالحة إذا كانت الفرصة متاحة لذلك، وهذا ينبغي أن يتم بدون تأخير فالوقت يداهمنا جميعاً، وإسرائيل لا تخطط إلا لمزيد من الحروب والدمار، ولا تستعجل التسوية وما يعنيها مصالحها كما تراها حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية.
تغريدة الصباح - سي سالم
بقلم: يحيى يخلف – الحياة
بعد خروجنا من بيروت اثر حرب 1982، انتشرت قوات الثورة الفلسطينية في عدد من المنافي العربية، في الجزائر وليبيا والعراق واليمن: شماله وجنوبه، والسودان، وقد اتيح لي ان أتواصل مع ابطالنا في منافيهم مرات عديدة وفي سنوات مختلفة، برفقة اخوة وقادة من مكتب الشؤون الفكرية والدراسات في حركة فتح، ومن هيئة التفويض السياسي، وسأسرد في حلقات حكايا وانطباعات ومواقف جرت خلال زياراتي لمعسكر السارة في الصحراء الليبية، ومعسكرالبيّض في الصحراء الجزائرية، ومعسكر سنكات في مناطق قبائل الهدندو في السودان قريبا من حدود اثيوبيا، ومعسكرات القوات في اليمن: صنعاء، عدن، والحديدة.
ولعلني أبدأ بزيارة السودان برفقة اللواء مازن عز الدين عام 1990، المفوض السياسي العام آنذاك، والتي قمنا بها بتوجيه من الرئيس عرفات الذي كان يحرص على تعزيز العمل السياسي والثقافي والمعرفي في القوات، وكانت اول زيارة أقوم بها لهذا البلد الشقيق.
استقبلنا واستضافنا في بيته اللواء صائب العاجز في العاصمة الخرطوم استعدادا لتوجهنا الى معسكر القوات الفلسطينية في منطقة سنكات. في اليوم التالي نقلتنا طائرة الخطوط السودانية العاملة على الخطوط الداخلية الى مدينة بورسودان، وهناك كانت تنتظرنا سيارات اللاندروفر العسكرية التابعة لقواتنا، وانطلقت بنا في الفيافي لمسافات طويلة ولم نتوقف خلالها الاّ مرة واحدة عند المدينة التاريخية سواكن، حيث حرص اللواء صائب على تعريفنا على هذه المدينة المهجورة والخالية من السكان والتي كانت أهم موانئ البحر الأحمر في العصور القديمة، وتقول الأسطورة التي يتداولها الناس ان الملك سليمان في زمن بلقيس كان يسجن الجن فيها، ودخلها الإسلام متأخرا وتزخر بآثار تاريخية تمتد لمختلف الحقب، ثم مر زمن بنيت على ضفاف البحرالأحمر موانئ اخرى ففقدت أهميتها وحلّ بها الخراب وهجرها سكانها، وبقيت بيوتها وساحاتها وآثارها شاهدة على مكانتها الحضارية، وتم تسجيلها على لائحة التراث العالمي في منظمة اليونسكو. بعد مدينة سواكن استأنفنا السير الى أن وصلنا معسكرنا في منطقة سنكات بعد رحلة امتدت الى ما يزيد على اربع ساعات كان اللواء العاجز خلالها يشرح لنا شيئاً عن معالمها وتاريخها، وإذ تسكنها قبائل الهدندو وهم من السكان الأفارقة الأصليين الذين يعيشون حياة بدائية، بعضهم يسكن القرى، وبعضهم الآخر يعيش في العراء، فيما يشبه الخيام تحت ظلال الأشجار الشوكية في مناطق جافة قلما يهطل عليها المطر، ويعيش رجالها عراة الاّ ما يستر العورة، ويتسلحون بأسلحة بدائية: السيوف، الرماح، السكاكين، ووجوهم سمراء وشعرهم اشعث، وقد اعتنقوا الإسلام عن طريق حركة صوفية كان لها نفوذ في تلك المنطقة، هي المعروفة بالميرغنية.
في قراهم تعيش عائلات وأسر القوات الفلسطينية، وقد شاهدنا في طريقنا أطفال فلسطين وأطفال الهدندو يلعبون الكرة، ويتمازحون بلغة الهدندو الافريقية.
وصلنا المعسكر الواسع، معسكر سنكات الذي كان في الحرب العالمية معسكرا لقوات موسوليني على حدود اثيوبيا. استقبلنا كبار الضباط وخصصوا لنا مكانا للإقامة، وغمرونا بكرمهم ورعايتهم.
وفي مكان الإستراحة شرح لي الصديق المثقف والدمث اللواء مازن عز الدين الظروف الصعبة والقاسية التي يعيش فيها هولاء الرجال الأبطال.. المنطقة حارة جدا معظم شهور السنة، وشحيحة الماء فهي بعيدة عن مجرى النيل، ومطرها قليل، وقد حفرت قواتنا العديد من الآبار على مقربة من القرى، ومن أماكن سكن القبائل في السهول الجرداء، وكانت تضع براميل على طول الطرق تملأها سيارات الصهاريج بالماء ليشرب منها الناس والمواشي. وكان لبعض الضباط الفلسطينيين علاقات حميمة مع الناس وشيوخ القبائل يصلّون معهم في مساجد القرى ويتزاورون في الأعياد والمناسبات، ومن بين هؤلاء العقيد سالم الذي شاءت الظروف ان يصبح بالنسبة لهذه القبائل وليا صالحا تشد اليه الرحال يأتيه البسطاء والفقراء مع أولادهم ليتبركوا به، ويأتيه المرضى من اجل ان يدعو لهم بالشفاء، وحكاية العقيد سالم الذي اصبحوا يخاطبونه بـ: سي سالم حكاية جميلة وطريفة سأقصها عليكم في التغريدة القادمة.
أفغانستان جديدة تولد في فلسطين!
بقلم: د. صبري صيدم – الحياة
تشرفت قبل أيام بالتواجد في قطاع غزة ضمن زيارة عائلية بحتة وبمناسبة العيد. وأستطيع أن أقول إن هذه الزيارة كانت محطة العودة الأولى بعد التطورات الأخيرة في مصر وما شهده هذا الحال من تبعات عدة.
وأشد ما يلفت الانتباه اليوم أكثر فأكثر في غزة هو تزايد الرغبة لدى الشباب بالهجرة بحثاً عن حياة كريمة بعد انسداد أفق العيش وتحول حياة هؤلاء إلى جحيم يعيشونه كل يوم.
لم أرَ أحداً من عشرات الشبان الذين التقيتهم شخصياً أو تواصل معي افتراضياً إلا وهمس لي بطلبه المساعدة في الهجرة والبعض تفنن في طلبه كالحديث عن الالتحاق بالجامعات خارج القطاع أو حتى الزواج. وبين هذا وذاك فأنا أتفهم هذا الحال البائس القائم على انسداد آفاق المصالحة الفلسطينية وصعوبة المسار السياسي مع المحتل وما يجري من تطورات وتداعيات في مصر.
الشباب في غزة ينزلق من عالم اليأس إلى عالم الضياع حتى قال لي أحد الأصدقاء إن غزة قد تتحول في أحلامنا من سنغافورة إلى تورا بورا كناية عن الوضع المأساوي الذي شبهه بالحال القائم في إحدى مقاطعات أفغانستان العالية السخونة. فهل يتحول قطاع غزة إلى أفغانستان الشرق الأوسط؟
سبق أن حذر الكثيرون من تبعات هذا الحال خاصة وسط الشباب الذي نشأ في مدارس الوطنية والانتماء فيجد نفسه اليوم مسلوب الحق بالعيش بكرامة. البطالة في أعلى معدلاتها وإمكانيات السفر اللوجستية والمالية في غاية الصعوبة.
حال مأساوي للشباب سبق وأشار الكثيرون إليه. تحذيراتهم انطلقت في كل الاتجاهات لتشمل بعض المانحين الذين قرروا ولاعتباراتٍ سياسية الحكم بالإعدام على العديد من مشروعات التطوير رغم أن السلطة الوطنية ومعها الكثير من جهات الاختصاص وفي كامل القطاعات قد شجعت على استكمال الدعم وعدم قطعه.
قطاع غزة لم يعد قادراً على التعايش اليوم مع الحلول المجهرية وإنما يحتاج بالإضافة إلى المصالحة الوطنية إلى خطة إنقاذ قطاعية شاملة تستثمر همم الشباب الذين أضناهم الانقسام وشح المال. تستثمر في الريادة والمعلوماتية والتطوير التقني والحلول البيئية والهندسية ومجالات الإعمار والمشاريع الصغيرة والتعاونيات الإنتاجية.
نعم أفغانستان الجديدة قيد الولادة لو أننا لم نتساوق جميعا نحو الالتفات لحال الشباب في قطاع غزة الذي لم يعد يرى للحياة جدوى أو هدف. فلنعمل أكثر فأكثر كل حسب مقدرته لنساهم في إشعال الشموع عوضاً عن نترك إخوتنا هناك يعلنون الظلام!
العنصرية تهدد السلام
بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
الكنيست الثامنة عشرة فتحت الابواب واسعة أمام العنصرية الاسرائيلية، بسنها جملة من القوانين ضد الجماهير العربية الفلسطينية كان ابرزها قانون نفي النكبة، وعدم السماح لابناء الشعب الفلسطيني بإحياء ذكرى نكبتهم وشهدائهم. غير ان العنصرية، التي تطوق روح دولة الابرتهايد الاسرائيلية، وتشكل نسقا لانحدارها إلى وحول الفاشية، لم تقف عند حدود ما أنتجته تلك الكنيست، فها هي الكنيست التاسعة عشرة، تعمق ما أصلت له تلك الدورة، حيث قامت اللجنة الوزارية بتمرير مشاريع اقتراحات اكثر عنصرية منها: مشروع حول القدس، يدعو لعدم منح الحكومة او الكنيست بالاغلبية المطلقة (العادية) تمرير اي قانون حول القدس ما لم يحظ على اغلبية الثلثين، اي (80) نائبا. والثاني تدخل الكنيست في تحديد رئيس ونائب رئيس المحكمة العليا وقوامها من القضاة.
القانون الاول المتعلق بالقدس، يأتي في الوقت الذي تسير فيه المفاوضات وبعد صدور مواقف متفائلة نسبيا من الرئيس محمود عباس، الذي اعلن في مقابلة مع فضائية المانية، انه من السابق لأوانه الاعلان عن وصول المفاوضات الى طريق مسدود، وعمقت ذات الموقف تسيبي ليفني، وزيرة العدل الاسرائيلية ومسؤولة ملف المفاوضات. وكأن لسان حال قوى اليمين المتطرفة في الائتلاف الحاكم، تريد ان تقطع الطريق على اي تدخل اميركي في حال حاول نتنياهو ان يتهرب من استحقاقات التسوية. وهو ما يشير إلى ان التكتيك السياسي لقوى الائتلاف الحاكم، تريد ان تتسلح بالجانب القانوني في رفضها لخيار حل الدولتين.
غير ان ليفني اعلنت انها ستشكل قوة ممانعة لعدم تمرير مشروع القانون، لأنه يقيد حركة المفاوضات، ويدفع المنطقة الى مجهول الفوضى والحروب. الأمر الذي دفع قوى اليسار والوسط والكتل العربية إلى الاستعداد لخوض معركة كسر عظم مع قوى الائتلاف الحاكم.
والقانون الثاني المتعلق بمحكمة العدل العليا، رغم ان المحكمة العليا تتوافق مع رؤية المشروع الصهيوني وسياسات الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، إلا ان كتل اليمين المتطرف، تريد ان تعدم اي صبغة ديمقراطية حتى ولو كانت شكلية لضمان تنفيض السياسات العنصرية ضد ابناء المجتمع الاسرائيلي من قوى اليسار والوسط وضد الفلسطينيين اولاً وثانياً، فضلاً عن الموقف المعادي ضد اللاجئين الاجانب.
يقول المحامي الدكتور يسغاف نكدمون في صحيفة "يسرائيل هيوم" ان مشروع الاقتراح المرفوع للكنيست يشاء محاصرة المحكمة العليا من ثلاث جهات: "باعطاء الكنيست، وهي الجسم الاكثر تسييسا في إسرائيل، القوة لتحديد هوية رئيس المحكمة العليا ونائبه؛ وخفض عدد ممثلي المحكمة في لجنة اختيار القضاة بثلثين؛ وتمكين الكنيست من ان تسن من جديد قانونا رفضته المحكمة العليا لأنه يضر بحقوق الانسان، بخلاف توجهات القانون الاساسي: كرامة الانسان وحريته." وهو ما يعني التدخل من قبل قوى اليمين المسيطرة على الاغلبية في صفوف الكنيست في تركيب وتوجهات المحكمة العليا، وبالتالي تجريدها الحد الادنى من الاستقلالية، وضرب ركيزة اساسية من ركائز اي مجتمع ديمقراطي، وهي فصل السلطات عن بعضها البعض. وبالتالي يجرد إسرائيل من آخر اكاذيبها وادعاءاتها، بأنها "دولة ديمقراطية ". لانه في حال تدخلت سلطة من السلطات في التقرير في تكوين وسياسات اي سلطة ثانية، فإنه يعني تلاشي دور ومكانة تلك السلطة.
باختصار، ان تمرير لجنة التشريع الحكومية لمشروعي القانونين بشأن القدس والمحكمة العليا يكشف عن انحدار وتدهور سريع لبقايا ما تدعيه اسرائيل من "الرغبة" بالسلام، وفقدان الملمح الاخير من الطابع الديمقراطي الشكلي لها، الامر الذي يفرض أولاً على القوى الاسرائيلية الراغبة بالسلام، المبادرة بالعمل فورا لمحاصرة الاتجاه التدميري داخل الحكومة والكنيست، وكذا على العالم الضغط على إسرائيل وخاصة القوة النافذة في حكومة نتنياهو بالتوقف فورا عن المنحى التخريبي، الذي تتجه اليه.
التمويل الخارجي ودوره التخريبي في فلسطين
بقلم: إبراهيم أبراش – معا
من يريد أن يبحث عن جوهر الخلل في النظام السياسي الفلسطيني وفي تراجع الفعل النضالي الوطني عليه أن لا يُحمِل الاحتلال لوحده مسؤولية وصول المشروع الوطني لطريق مسدود،لأنه عندما بدأ المشروع الوطني وقامت الفصائل وحركات المقاومة كانت إسرائيل عدوا متفوقا إرهابيا وعدوانيا وما زالت كذلك ،وليس من المقبول أن نُحمِل الأنظمة العربية والإسلامية المسؤولية أيضا لأن موقف هذه الأنظمة معروف مسبقا ولأنها لا يمكن أن تكون فلسطينية أكثر من الفلسطينيين ،أيضا لا يمكن إحالة الفشل لعدم عدالة قضيتنا الوطنية ،فالقضية الفلسطينية من أكثر القضايا الدولية عدلا حتى أن الأمم المتحدة اعترفت لنا بحق تقرير المصير السياسي وحقنا في دولة وغالبية شعوب العالم تعترف بعدالة قضيتنا الوطنية، إذن أين يكمن الخلل؟.
الخلل يكمن ، بالإضافة إلى ما سبق، في النخب السياسية ونخب المجتمع المدني وتبعيتها الذيلية ماديا لأجندة خارجية وللجهات المانحة بمشاربها المتعددة وهي تبعية أنتجت تبعية سياسية بالضرورة ،أيضا فإن تفكك وضعف البنية التحتية الاقتصادية والمنظومة القيمية الاجتماعية، أدى كل ذلك بدوره لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني بما يضعه في حالة قطيعة مع مرحلة التحرر الوطني . الطابع الشمولي للنظام السياسي ونمط القيادة المهيمنة وهذه الحالة التي انزلقت إليها الأحزاب والنخب الفلسطينية الوطنية منذ توقيع اتفاقية أوسلو ، ثم تبعتها القوى اليسارية والإسلامية ، أدت لإعاقة قدرة المجتمع على تشكيل أو إعادة إنتاج نخب وطنية نضالية جدلية وجعلت الشعب الفلسطيني مكشوفا وضعيفا أمام التدخلات الخارجية والإغراءات المالية.
جرت عملية رشوة جماعية للنخب الفلسطينية حرفتها عن وجهة النضال الوطني المتصادم مع الاحتلال لتقع في وهم السلطة والحكومة والمناصب ووهم إمكانية تنمية المجتمع وبناء مؤسسات الدولة في ظل الاحتلال ، ووهم المراهنة على مفاوضات وتسوية مع إسرائيل بدون حضور المقاومة ومقدرات الشعب على طاولة المفاوضات حتى كورقة مساومة. كما أن النخب والحكومات الفلسطينية بدورها رشت المناضلين والمجاهدين ثم بقية المواطنين وكممت أفواههم من خلال الرواتب والمساعدات والقروض الخ .
تحول الفلسطينيون إلى عبء مالي على العالم الخارجي،فالسلطة الوطنية تعتمد على تمويل ومساعدات خارجية ، وحكومة حماس تعتمد على مساعدات خارجية ، وبات الشعب اتكاليا يعتاش على المساعدات حيث تم تعميم نموذج وكالة الغوث . قبل سنوات قلائل لم تكن غضاضة في تقَبُل مساعدات خارجية وكان الفلسطينيون يتقبلونها بعزة نفس لأنها تقدم لشعب يقاوم الاحتلال وكانت الأموال وخصوصا العربية والإسلامية تشكل الجزء الأكبر من المساعدات التي تقدم للشعب الفلسطيني وكانت تُقدم شعبيا ورسميا من منطلق الواجب القومي والديني،وأحيانا وبالنسبة للبعض كرشوة للتغطية على عجز العرب والمسلمين عن القيام بواجبهم تجاه فلسطين والقدس ، أما اليوم فإن غالبية التمويل يأتي من الجهات المانحة الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة أو بموافقتها وهي جهات كانت وما زالت تعارض الاعتراف بالحقوق السياسية الفلسطينية وعلى رأسها حقه في دولته المستقلة وعودة اللاجئين ،وهذه الأموال تدخل لمناطق السلطة عن طريق إسرائيل وبموافقتها،ويتم صرفها أيضا بما لا يتعارض مع اتفاقات التسوية وبما ترضى عنه إسرائيل، وهو الأمر الذي يطرح أكثر من سؤال عن هذا الكرم الغربي الأمريكي وما هو الثمن السياسي الذي يدفعه الفلسطينيون؟ .
في ظل هكذا انزلاق نحو التبعية وقبول المال السياسي المشروط وتدمير مقومات صمود الشعب،لم يعد النضال واجبا وطنيا يتطلب التضحية والعطاء بل أصبح وظيفة براتب،المناضل أو المجاهد بات موظفا ،بل تم دفع رواتب للمناضلين والمجاهدين حتى يتقاعدوا في ريعان شبابهم وكأن مرحلة التحرر الوطني قد أنجزت أهدافها ! تغلل الملل السياسي أو مال الرشوة الجماعية لكل مناحي حياتنا حتى لما تبقى من أشكال نضالية ، فمن يخرج بمسيرة أو مظاهرة يتقاضى مقابل ،ومن يلصق صورة على جدران أو يكتب شعارا يتقاضى مقابلا ،ومن يُجرح أو يصاب يأخذ تعويضا ، والأسير بات له راتب في السجن – الكنتين- وراتب لعائلته ،و الشهيد تتقاضى عائلته راتب ، لم يعد لدينا قادة حركة تحرر بل وزراء وأعضاء تشريعي يتقاضون رواتب عالية ويتمتعون بامتيازات أسوة بالوزراء والمسئولين في الدول المستقلة .
كل ذلك أضيف لما يقوم به الاحتلال من تدمير البنية التحتية للاقتصاد الفلسطيني والحصار ليكون المُخرَج مجتمعا اتكاليا سلبيا . أصبح وضعا عاديا وطبيعيا أن تعيش أسرة بكاملها على ما تقدمه وكالة الغوث أو الشؤون الاجتماعية أو كوبونة (معونة غذائية) تقدمها هذه الدولة أو تلك أو هذه المؤسسة الأجنبية أو تلك، شباب بعنفوانهم باتوا يصطفون بالطابور ويقفون لساعات للحصول على كوبونة أو مساعدة أو عقد بطالة لعدة أشهر إن حالفه الحظ ، أطفال وشباب ونساء يتسولون عند الإشارات الضوئية وفي الشوارع ، وبات دور الحكومتين والسلطتين فرض تكييف قصري للمواطنين مع شروط الجهات المانحة ومع التزامات الحكومتين مع إسرائيل – تنسيق أمني في الضفة واتفاقية هدنة رسمية في قطاع غزة - ، و توزيع رواتب ومساعدات ليس بعدل وبما يؤسِس لاقتصاد مُنتج بل لتوزيعها حسب الولاء للحزب الحاكم ولشراء ذمم شخصيات اعتبارية ومخاتير وإعلاميين الخ .أما مؤسسات المجتمع المدني أو الأنجيوز فالجهات المانحة الأجنبية تتكفل بهم مباشرة ليقوموا بادوار محددة لهم .
هذه ظواهر لم تكن معروفة في المجتمع الفلسطيني عندما كان يعيش مرحلة التحرر الوطني،عندما كان الطالب يدفع رسوم الانخراط في اتحاد الطلبة، والعامل يدفع رسوم الانخراط في نقابة العمال، والمعلمون والموظفون يدفعون نسبة من راتبهم لمنظمة التحرير الفلسطينية الخ ، وعندما كان الأطباء والمهندسون والأكاديميون ورجال الأعمال ... يتركون وظائفهم وحياة الرفاهية التي يعيشونها لينخرطوا في صفوف فصائل الثورة الفلسطينية وفي العمل الوطني، للأسف بات الانتماء للعمل السياسي اليوم من أجل الأخذ وليس من أجل العطاء .
هذه الحالة ليست قدرا على الشعب الفلسطيني بل هي حالة مرضية طارئة يمكن تجاوزها ، إما من خلال تحرير المجتمع والأحزاب من الارتهان للمال السياسي الخارجي ،أو من خلال مباشرة الصدام مع الاحتلال ،فالتصادم المباشر مع الاحتلال بالمقاومة المسلحة أو السلمية الشعبية كفيل بإعادة الروح الوطنية الكفاحية الأصيلة للشعب . وفي التاريخ عِبَرّ ،فعندما مر الشعب الفلسطيني بسنوات التيه ما بعد النكبة مباشرة حين كانت الفلسطينية تهمة جاءت الثورة الفلسطينية بقيادة حركة فتح لتستنهض الحالة الوطنية وتحول الشعب من مجرد لاجئين إلى شعب مقاوم وفرض على العالم الاعتراف به وبحقوقه السياسية ، وعندما مرت منظمة التحرير بحالة من التيه وكادت أن تتلاشى بعد خروج المقاومة من لبنان وتآمر العرب وغيرهم عليها جاءت انتفاضة 1987 ضد الاحتلال لتستنهض الوطنية الفلسطينية مجددا وتوحد الشعب بكل فئاته ، وعندما عمت حالة اليأس والفساد والانفلات في عهد السلطة جاءت انتفاضة الأقصى عام 2000 لتعيد توحيد الشعب ولتسطر بطولات جعلت كل العالم يقف احتراما للشعب الفلسطيني وانتفاضته . واليوم يمكن لانتفاضة فلسطينية أن تُخرج الحالة الفلسطينية من وضعها المأساوي، ولكن مع الاستفادة من دروس الماضي وتجنب الأخطاء التي صاحبت الانتفاضتين السابقتين وخصوصا غياب قيادة وطنية موحدة وتجييش الانتفاضة فصائليا بدون إستراتيجية مقاومة موحدة.


رد مع اقتباس